قراءات ودراسات

“كراهية الإسلام” لفخري صالح.. بناء الصورة النمطية

عمار أحمد الشقيري

لا يُمكن قراءة عمل الناقد فخري صالح، كراهية الإسلام (العربية للعلوم ناشرون – أكتوبر 2016) دون الرجوع لأعمال إدوارد سعيد، تحديداً: تغطية الإسلام، المثقف والسلطة، الاستشراق، لأسباب من بينها: تناول صالح نماذج كان سعيد تطرق لها. وبحسن نيّة نقول: اتفاق الاثنين حول اللحظة التاريخية التي بدأ الغرب، -أميركا بالتحديد- يرى في العالم الإسلامي صلة وثيقة بمصيره، وبالتأكيد أدوات صالح التي يستلفها من سعيد في التحليل.
يختار صالح ثلاثة نماذج من الخبراء والدارسين الذين ساعدوا في بناء صورة نمطية عن الإسلام في الغرب؛ المستشرق الأميركي برنارد لويس، الباحث في العلوم السياسية صامويل هنتنغتون، والروائي ف.س. نايبول. وقبل البدء سيعيد صالح فكرة سعيد حول بدء “المواقف الأميركية (…) إزاء العالم الإسلامي الذي بدأ الغربيون يرون منذ مطلع السبعينيات أن له صلة وثيقة بهم” في إشارة إلى ما يعرف بحظر النفط 1973، وهو ما يعيده صالح في مقدمة كتابه حيث “منذ سبعينيات القرن الماضي أصبح الإسلام والعرب والمسلمون كذلك محط اهتمام وسائل الإعلام في الغرب لأسباب تتعلق كما لا يخفى بما حدث في 1973 من وقف تزويد البلدان الغربية بالنفط”.

لقد تناول إدوارد سعيد وركّز على (برنارد لويس – ف. س. نيابول) في قراءته للاستشراق ونظرة الغرب للإسلام، من خلال أعماله: تغطية الإسلام، الاستشراق، المثقف والسلطة، وواصل صالح البحث وربما تأكيد ما توصل له سعيد في هذه الأعمال، مضيفاً هنتنغتون، وباحثاً في آخر أعمالهم، دون أن يغفل أيضاً دراسة أعمالهم الأولى. واضعاً هؤلاء الثلاثة – رغم اختلاف انتماءاتهم، مصادرهم، ثقافاتهم، وتخصصاتهم- في ما يطلق عليه الاستشراق الجديد. استشراق بخلاف القديم يقوم على ما يسميه صالح “معارف ثانويّة” مسطحة، هدفها صانع القرار لا المعرفة.

بائع المعرفة

سيخص إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق، المستشرق الأميركي – البريطاني برنارد لويس (1916-) بخصوصيّة إضافيّة على غيره من المستشرقين كونه “من الحالات الجديرة بزيادة الفحص” حيث يرجع سعيد ذلك للدور في المجال السياسيّ الذي يقدمه لويس للمؤسسة الأنجلو أميركية المختصة بالشرق الأوسط، ولأنه يُعتبر “مستشرقاً علّامة” أيضاً وكل ما يكتبه ينضح “بالسلطة””.

سيسمي سعيد حالة لويس بأنّه “أحدث فضائح “البحث العلمي” المزعوم، وأيضاً أقل تجربة تعرضاً للنقد في الغرب. على ما يبدو سيأخذ فخري صالح بما جاء في الاستشراق، تحديداً وصف لويس بأنه “من الحالات الجديرة بزيادة الفحص” ليعمل فيه الموسى.

لقد صدرت الطبعة الأولى من الاستشراق عام 1978 عن دار رتلدج وكيغان بول، وكان سعيد قد قال ما قاله في لويس، في أن عمله كان يتميز “بنزعة إيديولوجية عدوانية” حيث “خذلته طاقاته كباحث ومؤرخ”. هنا سيكمل صالح فحص ما استمر فيه لويس حيث “الاستشراق الحديث يقطع مع الاستشراق القديم بتركيزه على بناء تصورات إيديولوجية حول الإسلام والمسلمين، دون السعي إلى تقديم معرفة نظرية وتطبيقية حقيقيّة” آخذاً في هذا الجانب المدة الزمنيّة من كتابات لويس “في العقدين الماضيين على الأقل”. حيث “جوهر ما يفعله هذا الفرع الجديد من الاستشراق، المتحوّل والمتسرب في ثنايا دراسات المناطق والاهتمامات الإستراتيجية للأمبريالية الأميركية للعولمة المتوحشة هو إعادة تمثيل الإسلام والمسلمين بصورة تخدم الغايات الإمبراطورية للقوة الأميركية”.

لقد حاول لويس (المدعو بطريرك الإسلام) بكل طاقته أن يقدم ويبرر، نظرياً (من خلال بحوثه) وعملياً (من خلال قربه من صناع القرار) وجهاً أسود للعرب والمسلمين، لدرجة دفعته لإعادة صياغات قديمة في بحوثه مع تحميلها دفقات حقد أكبر، سيتتبع سعيد هذه التغييرات على أية حال ويصفها بأنها الأسوأ في مسيرة لويس البحثيّة، وسيقدم مثالاً على ذلك حين أعاد لويس “ثورة الإسلام” 1964 وهو فصل من كتاب له بعد “تغييرات طفيفة لتناسب مكان النشر الجديد مجلة “كومنتاري” ليصبح العنوان “عودة الإسلام”. مع دفقة حقد وتشويه أكبر.

لقد بحث صالح عن جذور الرؤية الاستشراقيّة للإسلام والمسلمين في كتابات لويس الأولى، وهو ما يُمكن أن نجد بعضه -رؤية الاسشتراق عند لويس- في كتاب سعيد، إلا أن صالح هنا يركز أيضاً على “رؤية الاستشراق” في بعض مقالات لويس التي ظهرت في تسعينيات القرن الماضي، بالإضافة إلى تبريرات لويس في كتابيه ( الخطأ الذي حصل 2002) و ( أزمة الإسلام 2003) لسلوك أميركا تجاه العرب والمسلمين و”عداء العرب والمسلمين للحداثة وعدم قابليتهم للحكم والأخلاق الديموقراطيين”.

ثم يغوص صالح في مذكرات لويس باحثاً في علاقته بالسلطة في أميركا (جورج بوش الابن والأب) وعلاقاته مع صنّاع السياسة الإسرائيلية (وزير الخارجية السابق أبا إبيان، غولدا مائيير وموشيه دايان) وعمله في أجهزة مخابرات (المخابرات البريطانية إبان الحرب العالمية الثانية).

يقول سعيد في دور المثقف بإزاء السلطة: “أن يكون فرداً يصعب على الحكومات أو الشركات أن تستقطبه”. ويربط سعيد رسالة المثقف بالعلانية، حيث لا يكفي أن تكون هناك رسالة ما للمثقف، إنما تكمن أهميتها من “الاعتراف بها علناً”. وهو ما لم يوجد في كثير من كتابات لويس التي انطبعت أو تخفت وراء السخريّة من العرب والمسلمين، أو اختبائه خلف ساتر “الدفاع عن الإسلام”. كما يظهر في مقاله “جذور السخط الإسلامي” 1990 مجلة “أتلانتك منثلي”. والتي يتناولها صالح أيضاً في كتابه.

لقد أكمل صالح – بحكم الزمن – ما انتهى عندة سعيد في بيان أفكار لويس تجاه الإسلام في محطات ( حرب الخليج- أحداث 11 سبتمبر- أفغانستان- العراق 2003، الأبحاث الجديدة) ليصل في آخر المطاف إلى أن لويس كان على الدوام “يبيع خبرته للسلطة، ويعيد إلى الأذهان أسوأ ما في تاريخ الاستشراق من تزييف وتضليل ولي عنق الحقيقة خدمة للمشروع الاستعماري”.

لقد خرف “بطريرك الإسلام” الذي احتفل بمئويته العام الماضي، وتأكد ما قاله فيه إدوارد سعيد من أنّه يحمل “فضحية البحث العلمي المزعوم” حيث ورغم عشرات الأعمال عن تاريخ العرب والمسلمين هو ذا يطل على شاشات التلفزة مطلقاً “تعميمات حول العالمين العربي والإسلاميّ، وحصر الصراع والمشكلات العالقة بين الغرب والإسلام في كون العرب والمسلمين يحسدون الغرب على بحبوحة العيش” على حد تعبير صالح. ومن خلال مذكّراته ستتبيّن ثلاثة أمور يقبض عليها صالح: عدم حياده في مسيرة البحث العلمي، توظيفه المعرفة لخدمة السلطة، وإخضاعه البحث العلمي لغايات سياسيّة.

هنتنغتون

إن كان برنارد لويس قد ارتبط بدرجة أقل من موظف لدى صانعي القرار الأميركي، فإن هنتغنتون (1927-2008) شغل مناصب لدى هؤلاء الصانعين، منها رئيس شعبة التخطيط الأمني في مجلس الأمن القومي في إدارة الرئيس كارتر، وظل الأكاديميّ يقدم مباشرة استشارات للجمهوريين والديموقراطيين حول الشرق الأوسط. لكن ما يجمع أكثر الاثنين هنا استعارة الباحث هنتنغتون مصطلح صراع الحضارات من جملة وردت في مقال لبرنارد لويس بعنوان جذور السخط الإسلامي، كما يثبته صالح في عمله، كما يثبت من خلال الرجوع إلى مذكرات لويس كيف امتدح الأخير عمل هنتنغتون حيث يقول فيه إنه “قدّم فهماً أفضل لواحدة من كبريات المشكلات في زماننا”.

لقد أشّر هنتغتون إلى عالمٍ من الأعداء للغرب في صراع الحضارات ( الإسلام- آسيا – الصين – اليابان- النمو السكاني باختلاف الإثنيات) يجتزئ صالح قراءة صراع الحضارات لهنتنغتون حين يقول إننا “نشتم من هذا التحليل أن الباحث يدفع قارئه في اتجاه أطروحته صراع الحضارات للإقرار بأنَّ ثمة مواجهة ستحصل بين الإسلام والغرب”. وفي مكان آخر يورد صالح: “كلّما تقدمنا في صفحات كتاب هنتنغتون تبينت لنا الأطروحة الأساسيّة التي يرمي لها الباحث الأميركي إلى تثبيتها في ذهن القارئ الغربي بابتداع عدو جديد للغرب والعدو الذي وقع عليه اختيار هنتنغتون هو الإسلام”.

في حين نقرأ الأعداء وليس العدو الوحيد الذي حاول الباحث الأميركي خلقه، وبالتحديد ما ذهب إليه هنتنغتون في الفصل التاسع من صراع الحضارات: “إن الصراع الرئيسي بين الحضارات هو ذلك القائم بين الغرب والباقي، بينما على المستوى الأصغر نجد أن الصراع القائم هو صراع بين الإسلام والآخرين”. في حين يعاود هنتنغتون القول: “لن تصبح العلاقات بين الإسلام والغرب وثيقة، ولكنها ستصبح أقل صراعاً أو ما يشبه الحرب الباردة” في حين سيكون للنمو الاقتصادي الآسيوي آثار عميقة، تؤدي إلى عدم استقرار النظام العالمي الذي يسطير عليه الغرب وذلك بسبب تقدم الصين – إذا استمر-). ويضع الهند في هذا السلّة التي ستؤدي إلى عدم الاستقرار العالمي، وأيضاً النمو السكاني في العالم الإسلامي، لكن الأخير لن يكون الوحيد كما يوحي ما ذهب إليه صالح.

ليس على صالح حرج، فالباحث الأميركي في صراع الحضارات خلط وناقض ما يقدمه في فصل في فصل آخر حول العدو الأساسيّ، سيقول صالح في صراع الحضارات، الذي هو بالأساس مقالة بنفس العنوان إن “الأسباب والعناصر الواقعية التي تجعل هذا التنبؤ (…) قائماً على معطيات فعلية فهي غائبة عن صفحات هذا الكتاب الذي يمثل توسيعاً غير مقنع لمقالة ذات طبيعة اختباريّة قصد منها إمداد صانع القرار في الغرب بعدو جديد يمكنه من صياغة سياساته الخارجية وتكتيل العالم الغربي ضد عدو مشترك”.

يستعرض صالح نقد فؤاد عجمي لمقالة هنتنغتنون في ذكرى نشرها العشرين، لكنه نقد يقول فيه صالح بأنه “نقد طالعٌ من تنظيرات برنارد لويس حيث يحيل الاثنان الصراع بين العالم الإسلامي والغرب إلى عقد نقص تجاه الحضارة الغربية المتقدمة”. سيخلص صالح حول أطروحة هنتنغتون بأنها “تفتقر إلى الكثير من الشروط المعرفية لكي تصلح نموذجاً لتفسير الأحداث الكبرى في القرن العشرين”.

أنتج هنتنغتون (النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة 1968، أزمة الديموقراطية 1976، السياسة الأميركية 1981، الموجة الثالثة: نشر الديموقراطية في نهاية القرن العشرين 1991، صراع الحضارات 1996، من نحن؟ الجدل الأميركي الكبير 2004. وعلى مدى هذه النتاجات بالإضافة إلى مناصبه في الإدارة الأميركية عمل على “إقامة بناء نظري (…) للحفاظ على الهيمنة الأميركية بوصف أميركا قوة كبرى صاعدة بعد الحرب العالمية الثانية” ولا شيء آخر. على حد تعبير صالح.

نايبول

في الفصل الثالث من الكتاب يتناول فيه صالح، الروائي والكاتب ف.س. نايبول مفصلاً بشكل دقيق مسيرة خطاب الاستشراق وكراهية الإسلام في كتابات الأخير، حيث بدأت كراهية الإسلام عند نايبول “قبل أن يرتحل إلى العالم الإسلامي وينشر كتابيه: بين المؤمنين: رحلة إسلامية 1981، وأبعد من الإيمان: رحلات إسلامية إلى الشعوب المرتدة 1998”.

يُمكن اعتبار نايبول، – رغم قيامه برحلات في بلدان إسلاميّة – طالباً ومستعملاً جيداً لتعاليم صاحب “فضائح البحث العلمي”. كما يمكن عدّه من مخلفات ما أنتجته وسائل الإعلام في الغرب من صور نمطية عن الإسلام. والتي سيشارك نايبول في بناء هذه الصور أيضاً من الجهة الأخرى، وهو ما أشار له سعيد في تغطية الإسلام حيث يشير سعيد من بين جملة ما يشير إليه من الأعمال التي طبعت الإسلام بصورة نمطية في الغرب رواية نايبول منحى في النهر.

سيجد صالح في مقابلات أحاديث نايبول للصحافة حول الإسلام ما وصفه في المقدمة بأنه ناتج عن ثقافة سطحية، سيورد مثالاً طريفاً على ذلك حيث يعتقد نايبول أن المملكة العربية السعودية تسعى للسيطرة على العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. تصريح يحلله صالح من بوابة كراهية الإسلام عند نايبول والذي يعود سببه إلى خلفيات إثنية وعرقية وثقافية لنايبول ذي الأصول الهندية. كما ويرجع صالح تلك الكراهية إلى التركيبة العرقية في بلاد نايبول ترينيداد، حيث الهنود المسلمون والهنود الهندوس.
جدير بالذكر أن إدوارد سعيد في المثقف والسلطة 1994 تناول وتحت فصل المثقفون منفى المثقفين: المغتربون والهامشيون بالإضافة إلى تغطية الإسلام، 1981 الروائي والكاتب ف.س نايبول. مؤشرا إلى عمل نايبول “منحى النهر” الذي يعتمد أيضاً عليه صالح في تحليل كراهية الروائي للإسلام بالإضافة إلى أعمال أخرى.

ملاحق

إن كان إدوارد سعيد في تغطية السلام يتناول صورة المسلمين في الأخبار عقب أزمة 1973، ثم الثورة الإيرانية 1978، وأزمة الرهائن 1979، يأتي هذا الفصل شبيهاً بكتاب تغطية الإسلام لإدوارد سعيد، حيث يتناول فيه صالح دور الإعلام في الغرب في تصوير العرب والمسلمين، والمصادر النظرية التي يعتمد عليها، حيث “قامت المحطات التلفزيونيّة الرئيسية في أميركا مثل “سي إن إن” و”إي بي سي” وصحف كبرى مثل “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” بضخ عدد هائل من التقارير والمقالات والتعليقات تشدد جميعها على عداء العرب والمسلمين”.

ثم يعود ويستعرض ما أورده إدوارد سعيد حول ما أخذه هنتنغتون من لويس في مفهوم الحضارات، كما يعود إلى ربط برنارد لويس هنتنغتون وفوكوياماـ أخيراً سيؤكد إدوارد سعيد بعد سنوات طويلة من البحث والتدقيق: “يندر أن نرى خبيراً من خبراء “الإسلام” لم يكن مستشاراً للحكومة أو حتى موظفاً فيها أو في مختلف الشركات أو أجهزة الإعلام”. سيقول سعيد عن هذه العلاقة بين “خبراء الإسلام” والسلطة: “لا بدَّ من الاعتراف بذلك التعاون ومن أخذه بالاعتبار، لا لأسباب أخلاقية فحسب بل أيضاً لأسباب فكرية”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق