قراءات ودراسات

قراءة نقدية في مجموعة ( عناق ) للقاص السعودي جمعان الكرت.

د. محمد عبد الرحمن يونس

عناق هي المجموعة القصصية الثانية للقاص السعودي جمعان علي الكرت، وتحاول هذه المجموعة جاهدة أن تسجل ملامح المجتمع السعودي، من خلال علاقاته، وقيمه، ورؤى أفراده وعلاقتهم بالكون والمجتمع، وبخاصة مجتمع الريف، غير أن قصص هذه المجموعة – في نهاية المطاف – هي رصد لملامح المجتمعات العربية المعاصرة، في أحلامها وتصوراتها ورؤاها للحياة والمستقبل، وتركز هذه المجموعة على الهمّ الإنساني الفردي الذي يصبفي نهاية المطاف في دائرة اجتماعية كبيرة…

يمكن أن تتسع لتحلّ في فضاء أي مدينة عربية، زمانا ومكانا، وعلاقات وقيما وأفكارا وهموما ومآسي فردية أو جمعيّة، وتحاول هذه القراءة الأولى لهذه المجموعة أن تقرأ أهم تيمات الخطاب القصصي في بعده المعرفي والفكري، والإيديولوجي والاجتماعي.

في القصة الأولى الموسومة ب:(عناق)، يشير الخطاب القصصي إلى أن ثمّة رابطا نفسيا وعناقا وجدانيا بين الشخصية المركزيّة (ربيع) وبين شجرة تين (حماط) أحبها حباً كبيراً، وتعلّق بها منذ نعومة أظفاره، فعمرها أربعون عاما، وهو عمره نفسه. فهو يستحضر من خلال هذه السنوات الأربعين ذكرياته ورحلته مع الحياة، وأحلامه في المكان الذي نشأ فيه وعاش، تقول القصة: (أخذت السحب البيضاء تجرّ بعضها بطريقة عشوائية، وكأنها تودّ سدل ستار جماليات الجبال البعيدة… أصبحت الجبال بالكامل وراء ندف رقيقة بيضاء. أسلم ربيع نفسه لخواطر تواترت عليه دون سابق إصرار، ربّما شجرة الحماط كانت سببا في تداعي أرتال من الذكريات المتناقضة.. لم يبق من فنجان الشاي سوى القليل… النسمة الباردة غمرته ببرودتها.. تذكّر معطفه الصوفي.. إلاّ أنه اكتفى بنثر ابتسامة باهتة دون مشقّة البحث، أو حتى الانفصال عن المكان). ص 6. والمكان الأصل أو المنبت في المقطع السابق، الذي يتعلق به ربيع تعلقا شديدا هو فضاء خصب للتداعي الحرّ لذكريات عبقة تلوح في المخيلة، ومن خلالها يشكل هذا الفضاء واحة خصبة، وجميلة وقديمة، وحزينة في الآن نفسه. وربّما يمكن القول إن السحب البيضاء التي تجرّ بعضها تشير رمزيا إلى سني ربيع التي تمرّ في حياته و التي تتداعى في مكان عبق بالذكريات، سواء أكانت جميلة أم باهتة حزينة.

وتقول القصة: (أثناء رؤية اللوحة الضبابية كانت تتكشف مسارات ضيّقة، يستطيع أن يرمق أجزاء من القمم الجبلية العالية، سرعان ما تهيم سحابة جذلى على تلك الفراغات لتسدها؛ لتأتي رياح متمردة تراوغها. وهكذا يستمر العناد والتحدي. يلعق ربيع ذكرياته وأحلامه دون بهجة، الصور تتكلس بملامح الغموض). ص 6. وربما يمكن القول: إن تمرد الرياح في هذا المقطع، ووعورة الجبال من خلالها ارتفاعها، يرتبط بما في نفس بطل القصة ( ربيع) من تمرد على أوضاعه وظروف حياته القاسية من جهة، وتحديه لهذه الظروف والمصاعب الناجمة عنها، من جهة أخرى، وعلى الرغم من تحديه لهكذا ظروف، فإن بهجة هذا التحدي غائبة، لأن الذكريات محملة بالمرارة والفاجع والحزن.

ويحتفي بطل القصة بالمكان احتفاء حميما وعذبا، فالمكان بما يحويه ينطق جمالا وعذوبة، ومحتوياته تشارك ربيع في بوحه وهمسه وذكرياته وأحزانه. ومن خلال هذا الاحتفاء يبدأ باستحضار وجه الحبيبة الذي يبدو هالة شفيفة تملأ الأفق وصفحة السماء، يقول السارد: ( ارتكز نظره أمام منظر مدهش.. رموش طويلة تحاول مشط حقول السحاب.. أثناء رفيفهما يتكشّف غشاءان شفيفان زرقاوان. استلّ ربيع قلبه وقذفه في الفضاء.. مشطت الرموش الطويلة بقايا السحاب، لينجلي عن عينين واسعتين ضاحكتين، أعقبهما انفراج الفم عن ابتسامة رقيقة تتقافز منه عصافير ملوّنة). ص 7.

إن وجه الحبيبة الأليف يثير فيه شهوة الحكي والحلم والتخيّل، ومزيدا من الذكريات، فوجهها هو وجه الخصب والخير، ومن خلال هذه الرؤية الجمالية نجد أن الحياة هي الأخرى تصبح واحة للخير والخصب والعطاء، ويشير إلى هذا الخصب من خلال تشبيه وجه الحبيبة بالسماء المطيرة، وعلى المستوى الإشاري الذي يجسّد هذه الرؤية يجعل السارد وجه الحبيبة يملأ فضاء المكان مطرا غزيرا، وشدوا رخيما، أي بهجة وأنسا. ومن خلال هذا المقطع السردي الآتي يؤنسن القاص الموجودات والطبيعة، بمظاهرها من خلال وجه المرأة المعطاء الخصب، وذلك باستحضار تيمة المطر والسحاب باعتبارها تيمة إشارية باعثة للحياة والاخضرار. يقول المقطع: (استمرت السحابة تضحك، وعصا لامعة تجلدها.. عيناها الواسعتان وقتها كانت تنظران بحنو بالغ.. ما إن فرغت من ضحكتها حتى امتلأت قنينة الوادي بعطر الحياة.. الوادي واصل الشدو بأنغام تزداد وضوحا وطربا في الأمسيات المقمرة). ص 8.

وفي القصة الموسومة ب:( البقعة) يشير القاص إلى سلوك طبقة اجتماعية بعينها، وهي طبقة الأثرياء الجدد في المجتمع، وهي طبقة تعيش جلافة، وغرورا، في سلوكها وقيمها وعلاقاتها الإنسانية، وهذه الطبقة لا ترى في الحياة إلا نفسها، ولا تعمل إلاّ لخدمة مصالحها الخاصة، تمارس فوقية وصلفا على من حولها، وهي تحاول أن تظهر بمظهر حضاري مديني للآخرين، غير أن السرد القصصي يكشف عوراتها الخفيّة، ويسخر بها، ويدينها باعتبارها طبقة فارغة معرفيا، وجاهلة، وتحاول أن تغطي عيوبها و جهلها برداء التعجرف والتعالي على من حولها، غير أن الوعي الجمعي يكشف هذا الزيف في سلوكها وحياتها وقيمها الدونيّة، ويمثّل هذه القصة رجل، يسميه القاص بالجبل، وهو صاحب مكانة اجتماعية كبيرة جدا، يعيش كبرياء وأنفة وأبهة في حياته وسلوكه، غير أن الآخرين لا يرون أنه يستحق هذه المكانة، وذلك من خلال إشارة السرد القصصي إلى أن هناك بقعة سوداء مرسومة في نحره، ولا يمكن إزالتها، هو يرى نفسه أنه فوق الناس جميعا، والسرد القصصي يراه صغيرا أمام مجتمعه، ومهما علا، وكما الجبل صغير أمام تشكلات الطبيعة المتعددة، فإن الرجل هو الآخر صغير أمام الطبقات الأخرى التي لا تعترف لها بهذه المكانة الزائفة:

تقول القصة: (ينظر إلى ما حوله بشيء من الزهو.. ربما قامته السامقة رسّخت في ذهنه هذا السلوك المشين.. جلبابه المخثر ببقع خضراء زادته شموخا.. ثمّة بقعة سوداء التصقت في نحره. يحاول أن يواريها. . إلاّ أن قامته الفارعة تجعل من الاستحالة موارة تلك السوأة.. ظلّت البقعة السوداء لغزا محيّرا للعابرين). ص 9.

ويشير السرد القصصي إلى أن الجبل لا يمكن أن يحمي نفسه من تقلّبات الطبيعة ومظاهرها، إذ تشرخه حبات البرد، ولا يستطيع أن يكبح جموحها في أن تحدث فيه شروخا وتشققات وفجوات، وكذلك الرجل الصلف المتعرج لا يستطيع أن يحمي بقعته السوداء، والتي تشير هذه البقعة رمزيا إلى أخطائه التاريخية والمجتمعية في مجتمعه وقومه، ولا يستطيع أن يحمي من عيون الناس، وسخريتهم، وإدانتهم له، واستهجانهم لعيبه (بقعته السوداء)، وهذه الإدانة تشرخ قامته في نهاية القصة، إذ يتهشم أنفه، وتهبط عليه الأحزان، وتظل بقعته سوداء على الرغم من صلفه ومحاولته إخفاءها.

وعلى المستوى الإشاري والرمزي فإن الخطاب القصصي يدعو هذه الشريحة الاجتماعية البطرة من الناس إلى التواضع الإنساني, وإلى زيادة حسّها بالآخرين، ونبذ صلفها، فمهما كبر الفرد في المجتمعات البشرية، ومهما تجبّر، يظلّ موضعا للنقد، وطالما هو سادر في غيّه وتعجرفه فإنه لن يلقى من الشرائح الاجتماعية الأخرى إلا النبذ، والاستهجان لزيادة سوءاته، وأخطائه، واستمراره في ارتكاب المزيد من الأخطاء كل يوم.

وتقول القصة إن: (طائرا ضخما فرد جناحيه عندما استقر على هامة الجبل، وبصق ليدنس قامته). ص 10. ويمكن أن يكون هذا الطائر في البنية الإشارية هو الوعي الجمعي المعرفي القادر على اكتشاف سوءات هذا الرجل، ومظاهر غروره، أي تحديدا القادر على فضح زيف الطبقات العليا من المجتمع التي لا ترى الناس إلا قطيعا أمامها. وتنتهي القصة بالمقطع التالي: (ظلّ حزنه كشظايا متناثرة، وظلّت رقبته تكشف عن سوأة سوداء يلحظها العابرون، بدون اكتراث). ص 10. وفي المحصلة الأخيرة لم يستطع المحافظة على مكانته الاجتماعية، وعلى سيطرته، ولم يستطع أن يتخلص من خيبته وأحزانه الدفينة، ولم يستطع أن ينال رضى الناس ومحبتهم، لأنهم أهملوه ولم يكترثوا بصلفه، ولا بكلّ عيوبه المزمنة، بل شعروا جميعا بالغبطة من هزيمته النفسية بينهم، وهزيمته الاجتماعية نظرا لانكسار تغطرسه، وفقدانه لاحترام الناس له.

وفي القصة الموسومة ب(الخبر)، يتكئ القاص جمعان علي الكرت على التاريخ، إذ يشكل التاريخ حقلا مرجعيا ينمو من خلاله السرد القصصي، وتتشكل شخصيات القصة وتتحرك من خلال هذا الحقل، فالتاريخ هو خبر وحوادث تاريخية، والخطاب القصصي هو حكاية تستثمر هذا الخبر، وتنقله فنيا، إنها خطاب تبنى وحداته الحكائية الصغيرة من خلال الاتكاء على خطاب آخر وعلى وحداته التاريخية الكبيرة المتشعبة والنامية، فالشخصية المركزية في القصة هو (أزد)، وهو في المستوى الرمزي ذي الإيحاء البعيد، مجموع القبائل الأزدية التي هاجرت من اليمن نتيجة انفجار سد مأرب، بسبب السيل العرم الذي جرف سكان مأرب ومزارعهم وممتلكاتهم، كما تؤكد الوقائع التاريخية، واستقرّ بعض منهم في قمم جبال السروات، وقسم آخر اتّجه إلى سلطنة عمان، وقسم ثالث استوطن المدينة المنورة، وهذا القسم يشكّل قبيلتي الأوس والخزرج، وقسم رابع اتجه إلى بلاد الشام، وهذا القسم سيني في ما بعد دولتي الغساسنة والمناذرة. أما ( أزد) في القصة فهو جدّ قبائل غامد وزهران التي تمركزت في جبل السروات، وفي المناطق المجاورة له. تقول القصة: (ضرب (أي أزد) برأس رمحه الأرض، وانغرس في كبد التربة. أشار بيده وقال (بصوت مجلجل): هنا نحيا ونموت، نأكل ونشرب، هنا تتناسل نساؤنا، وتنضج سنابل قمحنا، هنا الطين المبارك، والماء، والهواء، والشمس، والقمر، والنجوم، وفصول السنة. حطّ الرجال رحالهم). ص 11. ولا يخفى على القارئ ما يشيره المقطع السابق إلى الانتماء إلى المكان، والتشبث به، باعتبار هذا المكان الجديد معادلا موضوعيا وبديلا من الاغتراب والتشتت، والمكان الأصل المفقود، وهذا المكان الجديد هو الفردوس الثاني المرجو بناءه بعد فقدان الفردوس الأول، مأرب المدينة التي كانت جنة من جنان الأرض، وقبل انفجار سد مأرب كما تؤكد الدراسات التاريخية.

ويشكّل الخطاب القصصي شخصية ثانوية أخرى معارضة في القصة، ويطلق عليها اسم (عمرو)، وتخالف هذه الشخصية – على مستوى الطرح والرؤية – رأي الشخصية المركزية (أزد)، إذ يقترح عمرو البحث عن مكان آخر أكثر أمانا وخصبا وسلاما لساكنيه، ويقول: (هذا ظهر صخري، شتاؤه قارس، وخريفه جارح. صيفه لافح، وربيعه كاسد. السحب تمرّ عجلى. الطيور ترمقه بعيونها من بعد.. الماء غائر.. فكيف نظلّ هنا نرقب النجوم ونعاشر الرياح.. ونتحسّر على قطرة ماء). ص 11.

يمثّل صوت الشخصية (عمرو) الصوت المعارض لصوت سيد القبائل، الصوت الذي يرفض أن تفرض عليه شروط الحياة والإقامة في المكان الواحد، ولما لم يقتنع الصوت المركزي (أزد) برأي صديقه عمرو، يطلب منه أن يهاجر إن لم يرض بالبقاء في المكان الذي ضرب فيه (أزد) خيام قبائله، ويهاجر، غير أنه يهاجر حاقداً، وستكون هجرته فيما بعد استنفارا لعودته، وقد كلل بالمنعة والقوة، ليعود ويحارب صديقه (أزد). وهنا إشارة رمزية واضحة أيضا إلى الصراع القبلي، والاقتتال بين قبائل أزد نفسها، ولهذا الصراع خلفية تاريخية حقيقية كما تشير المصادر التاريخية؛ إذ عرف عن قبائل الأزد شدة خصوماتها، وتطاحنها على الكلأ والماء، ومواضع الرعي؛ وذلك دفاعا عن بقائها، واستمرارا لشروط هذا البقاء. ويشير المقطع السردي التالي إلى هذا الصراع التاريخي: (أثناء ذلك سمعوا حوافر أقدام خيول عارمة، ولمع سيوف شاهرة.. الأرض تطويها أقدام خيولهم.. وقفوا على قمة عالية، ما إن شاهدهم أزد ورجاله حتى تناثروا في طرقات القرية، وهرعوا إلى حصونهم ومنازلهم الحجرية يستنجدون بالسيوف والرماح. إلاّ أنّ الخيول انقضّت كالصقور، وتدحرجت رؤوس الرجال قبل اختبائهم. ضرب عمرو برمحه الأرض وقال بصوت مهيب: الصخر يصلح للحياة!! وكان يلمح وجه الماء الممتقع بحمرة قانية). ص 12.

ولا ينسى الخطاب القصصي أن يشير – وذلك قبل الحروب بين هذه القبائل – إلى أن (أزد) وقومه، وعندما استقروا في جبال السروات، بدؤوا بتشكيل أفق جديد لحياة جديدة، قوامها الزراعة والرعي، ثم تطوَّرت هذه الحياة نفسها، مع تطوُّر هؤلاء القوم وزيادة خبراتهم الاجتماعية والمعرفية، والحضارية. ويشير الخطاب القصصي إلى رقيهم وأفراحهم، في مراحل ازدهارهم من خلال احتفائهم بالحياة ومسرّاتها، ورمزيا تشير عبارات وظّفها الخطاب القصصي إلى هذا الاحتفاء، ومن هذه العبارات: (السحب تهمي بمطرها، والقمر يضيء بوجهه، والشمس تشعل دفء الحياة.. والوادي يشدو بشفيف الماء.. وكان أزد يثني جذعه متناغما مع إيقاع الطبل, وكان الرجال خلفه يرقصون في نسيج متشابه). ص 12.

وفي القصة الموسومة بـ(النسبة) يستفيد الخطاب القصصي من فرز الأيديولوجيا وخلفيتها المعرفية، لكي يدين واقع التخلف العربي، ومأساة الشباب العربي في هذا الواقع المكبّل بالإحباط والروتين، والعلاقات الإدارية المعقّدة التي تفسد طموح الشباب، وأمله بأفق إنساني كريم، وحياة أكثر إشراقا وفرحا، وبخاصة واقع الجامعات العربية المعاصرة التي لم تستطع أن تستوعب طموح الشباب، وتواكب أفقهم المعرفي المتوثب صوب تحصيل العلم والمعرفة، فبدلا من أن تدفعهم لاستنفار قدراتهم المعرفية والعلمية لتحصيل العلم فإنها تحبطهم، وتمنعهم من الوصول إلى أهدافهم، وتحرمهم من أن يختاروا الدراسة التي تلائم قدراتهم المعرفية، ورغباتهم في كسب العلوم والمعارف الحضارية، فبطل القصة شاب طموح يسميه الخطاب القصصي بـ(علي)، أفنى حياته في التحصيل المعرفي، واستنفر عزيمته وقدراته، فقرأ وتعب، وبذل جهودا غير عادية في سنوات دراسته، وحصل على شهادة الثانوية العامة، وبمعدل، قدره 95 بالمائة، وهي نسبة عالية جدا، وظنّ أن هذه النسبة تخوّله لأن يدرس الاختصاص الذي يحبّه، ألا وهو الطبّ أو الهندسة. وتأبط شهادته وحلمه، وتوقه، ودرجاته، وتوجّه إلى الجامعة، وكله أمل بأن يقبلوه في فرع الطب، أو الهندسة. تقول القصة: (حزمة أحلام كانت تتوسد ذهنه.. مستقبل مضيء يذيب كلّ نتوءات الحياة القاسية التي عاشها.. وظيفة جيدة تتناسب وقدراته العالية.. إذ كان يطلق عليه معلموه العبقري، وأحلام أخرى كان يحملها علي وهو يخطو خطواته الأولى على عتبة الجامعة). ص 13.

ومنذ بداية القصة يفرز السرد القصصي خطابه المعرفي، المعادي لبنية الجامعات العربية المعقدة، والمتخلّفة، وبشكل مرمز، فبدلا من أن تكون ممراتها مضاءة، ودافئة، ومشعّة، ومزينة جدرانها بأنواع من الزينة البهيجة التي تضفي الأمان والطمأنينة على طلاب العلم والمعرفة الجدد، فإنها – هذه الممرات – في المبنى الرمزي الحكائي تحيل إلى الخوف وفقدان الأمان والبهجة؛ لأنها طويلة وباردة، تقول القصة: (أثناء سيره في الممرات المستطيلة الطويلة والباردة كان يلمح العابرين، وهم يسيرون، وفي أيديهم أوراق تختزل مشقة سنين.. وعلى وجوههم علامات الترقّب.. وضع رزمة الأوراق الخاصة به على طاولة موظف.. كانت عيناه الجاحظتان تدحرجان خلف نظارة سميكة.. الملف ممهور بنسبة 95 بالمائة) ص 13. وفي البنية الإشارية العميقة يمكن أن يشير مفهوم النظارة السميكة إلى أن الموظف لن يفكر بإنصاف علي، ومنذ الوهلة الأولى؛ فسماكة النظارات تشير إلى عقل الموظف المقفل، وتشير إلى عدم الرؤية السليمة، أو إلى التمترس خلف مكتبه محاطا بروتين صارم معقد، وقد أعمى بصره عن رؤية الحقيقة، وقد تشير إلى عقل هذا الموظف المتحجّر، أو إلى قلبه القاسي الخالي من أي شفقة أو رحمة. ويشير الخطاب القصصي إلى أنّ روتين الجامعة وفساد إداراتها، وفساد موظفيها، والظلم الذي يسود مكاتبها، سيحرم (عليا) من أن يدخل القسم الذي يريده، والذي هو أهل له؛ نظرا لدرجاته المرتفعة؛ فالموظف صاحب النظارات السميكة عامله بجفاء وببرود، على الرغم من توسّله له أن يسجّله في الاختصاص الذي يريده، وأحبط حلمه في قراءة الاختصاص الذي يريده، تقول القصة: (لم تنبض أنامل ذي النظارات السميكة بأدنى أحاسيس أو مشاعر، لعلّه يقبض على سنة القلم ويغيّر التخصص.. بل ظلّت أنامله تمسّد وبهدوء سطح الطاولة الناعم). ص 15. ويعود الخطاب القصصي إلى الإشارة إلى بنية الجامعة الروتينية والمخالفة للوائحها نفسها، وإلى أجوائها الكابوسيّة التي تدفع طلابها إلى النفور منها، باعتبارها فضاء للإحباط واليأس من جهة، وفضاء لقتل طموح طلابها من جهة أخرى، حيث يصبح فضاؤها فضاء طاردا ومنفرا، وكاويا حارقا من جهة، ورطبا دبقا من جهة أخرى، أي فضاء كابوسياً خانقاً للأحلام والمنى، ومعاديا لما يطرحه من شعارات تحضّ على تحصيل العلم والمعرفة.. والمقطع السردي التالي يشير إلى ما ذكرناه: (أثناء خروجه (أي خروج علي) كان يجول ببصره في الممرات، إذ تعلوها أوراق تشي بعبارات مائية.. لم يعرها كثيرا من الاهتمام.. فالكثير ممّا يكتب كما يظنّ لا يقرأ.. وإن قرئ لا يطبق.. ثمّة رطوبة فادحة شكّلت قتامة على نظارته، أزاحها بذؤابة عمامته.. الحرارة العالية والرطبة الدبقة تنشرها مدينة جدة بكرم فيّاض). ص 14.

وتنتهي القصة ليخالف الموظف القوانين، وبدلا من أن يسجّل (عليا) في قسم الطبّ أو الهندسة فإنه يحيله إلى قسم لا يرغب بدراسته وهو قسم العلوم، وفي هذا القسم ينطفئ وهج علي المعرفي، وحلمه، ويتراجع معرفيا، ويتعثّر في دراسته، ويفشل فشلا ذريعاً فيها، ولا يتخرّج في هذا القسم، بل ظلّ الفشل يلاحقه كل سنة، إضافة إلى سخرية مرّة جارحة تلاحقه من معارفه، الذين يستنفرونها ضدّه كلما شاهدوه: (وأربع سنوات وهو يتغصص بمواد لا يرغبها.. أكثر ما يوجعه سؤال بريء يطرحه الناس متى تتخرج يا ذكي). ص 15.

وفي ظلّ هذا الفضاء الجامعي الأسود والمحبط لن يتخرج علي، بل سيزداد نفورا من الدراسة ومقاعدها، ومن أروقة الجامعة الحارة والخانقة والموحشة، والرطبة والدبقة في آن، بل سيلجأ للبحث عن وظيفة بسيطة تسدّ أبسط حاجاته المعيشية، ويجدها، ويقبل بها، كمعادل موضوعي بديل من خيبته في الحصول على الشهادة الجامعية، وتنتهي القصة بخطاب ساخر من الوظيفة نفسها، ومن مديره في الوظيفة، هذا المدير الذي كان زميلا لعلي أيام الدراسة الأولى، وكان أكسل الطلاب معرفيا، وتحصيلا علميا، وها هو الآن يصبح مديراً له، وما كان من (علي) المتفوّق إلا أن يرضى بأوامر هذا المدير الجاهل، وهذا أصعب عليه من فشله في دراسته. تقول القصة: (صباح يوم كان يسير باهتزاز في ممر بارد، وبين يديه ملفات خضراء.. وضعها بإحكام في أدراج حديدية.. وانعطف بعدها نحو صوت يتسرب من بين مسافات باب خشبي مصقول.. يوجد بداخله موظف يعرفه تماما). ص 15.

إن هذه الخيبة العامة في فضاءات الشخصية المركزيّة (علي): فضاءات الجامعة، والوظيفـــة الحكوميـــة، وفضاءات اليأس والهزيمة التي أصابته على المستوى النفسي، وعلى المستوى الاجتماعي من خلال سخرية الناس به، لهي في نهاية المطاف تجسّد الخيبة العامة التي تحاصر المواطن العربي أنّى كان، وكيفما كان، وفي أي موقع مؤسساتي كان، وفي حلّه وترحاله، وأفقه التخيلي والواقعي في الآن نفسه.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق