الأربعاء , أكتوبر 18 2017

ضمير منفصل

إيهاب الحضري

(1)
وسط الزحام كان ( هو ) ضميرا منفصلا . رغم طبيعة عمله التي يتذكر أنها كانت تفرض عليه في أحيان كثيرة أن يكون ضميرا متصلا بدرجة قد تثير ضيق المحيطين به . تفاصيل المهنة غابت وسط ذهنه الذى أصبح مشوشا بفعل المتغيرات التي حدثت في أيامه الأخيرة. فجأة تم محو كل ما في ذاكرته التي تفرغت لتلك السلسلة من الأحداث الاستثنائية .
في ذلك اليوم كان عائدا إلى منزله . بعد أن وضع بقية النقود في جيبه والتقط كيس الفول من البائع الواقف على ناصية الحارة مضى فى طريقه . بين بائع الفول ومنزله مسافة لابأس بها تكفى الأخير عادة للانتهاء من حساب ما يحصله الأول من ثروات ، وما تبقى من الطريق يستغله في استدعاء بعض مولدات الحقد عليه . في النقطة الفاصلة بين الحساب والحقد حدث قطع . فقد التقط ( هو ) ذلك الوجه لتتحول لحظة عادية في حياته إلى لحظة فارقة . الوجه الذى اقتننصه من بين وجوه أخرى معهودة لم يكن معتادا . فقط أصبح حضوره متكررا في الأيام الأخيرة بدرجة لا يمكن اتهام الصدفة بالمسئولية عن ذلك .
ظهوره لم يكن يقتصر على مكان بعينه بل حدث في أماكن عديدة وقد أدى ذات مرة إلى إسقاط كيس الفول من يده ( نتيجة رعشة خوف أو غيظ مكبوت ضربتها ). الملامح الحادة للوجه جعلت أفكاره تتجه كلية إلى نقطة محددة . توصل إلى نتيجة يقينية له لكن مبرراتها هى التي كانت تستغرق كل وقته ، وعبثا حاول العثور على سبب لهذا .

( 2 )
تدريجيا تعاظم شعوره بأنه مستهدف ، وهكذا بدأ اتخاذ إجراءات احترازية للتعامل مع الوضع الجديد ، بمجرد أن يدخل منزله يبدأ في تأمينه ، يدخل غرفته الوحيدة ويفحص أرجاءها بدقة بعد أن يكون قد قام بفحص الصالة الضيقة ، في خطوة واحدة يكون قد أنهى تأمين الحمام والمطبخ اللذين يتداخلان بصورة سافرة ! كان يفعل ذلك وهو يحاول ألا يثير ارتياب زوجته مما زاد من صعوبة المهمة . لكنه استطاع بعد وقت قصير أن يكتسب مهارة يحسد عليها تجعله يقوم بمهمته بسرعة ودقة ( إضافية ) وسلاسة لا تثير شك زوجته فيه . كان هذا كافيا لفترة ، لكن نتيجة خبرات تتزايد . رجح ( هو ) أنها نجمت عن متابعة الأفلام البوليسية . أصبح متأكدا أن تأمين شقته بالطريقة التقليدية ليس دليلا على استقرار الأوضاع. فهناك كاميرات وسماعات يمكن تثبيتها بكل دقة بحيث تنقل عدد أنفاسه إلى أشخاص يجلسون في أماكن أخرى ربما حتى خارج نطاق الحارة . التوجه الجديد لأفكاره أفسد عليه هدأته المؤقتة وأعاد إليه الشعور بالقلق فطور من أدائه . بدأ في تفتيش منزله : الصور المهترئة قطع ، الأثاث المتآكلة، حتى الشقوق – التي تناسلت على الجدران بدرجة أصبحت تمثل خطرا واضحا على حياته – لم تنج من التفتيش . من يعلم ؟ العلم تقدم وكل مساحة يمكن أن تستغل . في هذه المرحلة كان قد بدأ يتناسى السؤال المحورى المؤرق : ولماذا أنا ؟ السبب لم يعد مهما . المهم أن يحاول البقاء بعيدا عن أعينهم . في تلك المرحلة , كانت هناك نقطة تحول في حياته الشخصية . بدأ الأمر بكلمات متفق عليها بينه وبين زوجته . الكلمات التي تحمل دلالات مشبعة ببذور الرغبة . تحولت بعد لحظات إلى أفعال . في خطوتين كانا قد انتقلا من الصالة إلى غرفة النوم ليستقرا على الفراش . كان كل شىء يمضى طبيعيا مما رفع درجة حرارة الغرفة ‍ . فجأة تذكر كاميرات المراقبة ( المحتملة ) فاندفع جاذبا الغطاء وألقاه على زوجته واستلقى بجوارها . في البداية اعتبرت ما حدث لعبة مبتكرة تعمل على زيادة الإثارة إلى معدلاتها القصوى . لكنها فوجئت بأن جذوة زوجها تخبو حتى فقد القدرة على الفعل نهائيا . خلال مرتين تاليتين كان أشد حرصا فلم يستجب لمداعباتها الأولية مما جعلها تفسر الأمر على نحو أنثوى . افترضت أن هناك امرأة أخرى تستحوذ على نصيبها من المتعة . وبدأ الانفجار . لم يكن ( هو ) يستطيع أن يخبرها بان كل همسة محسوبة عليه ، فماذا لو أصبح الأمر بينهما خارج السيطرة . لا يرغب أن يتحولا إلى مجرد فيلم ( بورنو ) يشاهده بعضهم على البعد . من ركن قصى استدعت ذاكرته مشهدا شبيها . كان ( هو ) يجلس في مكان ما ويتابع مع آخرين ما يحدث في إحدى غرف النوم . البطلان كانا : رجلا وقورا تنشر صوره عادة بالصحف ، وفتاة يبدو عليها أنها ذات شأن في مجالها !! الجميع كانوا يرقبون بشغف ولا يملكون إلا إطلاق ضحكات مضطربة تعبر عن إثارة تتفاعل داخلهم . حتى الضحكات كانت تأتى مرتبطة بتعليق ساخر مختزل قد يطلقه أحد الكبار الذين يتابعون . ملامح المشهد غير متكاملة في ذهنه . أقنع نفسه في النهاية أنه ربما يكون مشهدا من فيلم أو حلما شاهده ذات مرة . لم يستطع أن يخبر زوجته بكل ذلك , لا لأنه يخشى ألا تصدقه ، لكن لأنه لا يريد أن يورطها في أحداث لا يعرف أحد ما يمكن أن تنتهى اليه .بعد حرائق صغيرة . اشتعل حريق أكبر وهجرت زوجته المنزل وشعر هو ببعض الارتياح لأنها نجت بنفسها. ‍
( 3 )
إمعانا في السخرية من المخبرين الذين يتكاثرون حوله كالبكتيريا ارتدى معطفا ذا دلالات تقليدية يستوعبها بسهولة مدمنو الافلام العربية القديمة وأمسك جريدة ( ربما ترجع لعام مضى ) ومضى في خطوات تحاول أن تبدو واثقة . جلس على المقهى وفتح الجريدة , تعمد أن تكون مقلوبة ليكرس شكلا كاريكاتوريا مستهلكا ,الذين لاحظوا ذلك ابتسموا فبادلهم الابتسامة بثقة . شعر أن رسالته الساخرة وصلت لهؤلاء المخبرين الذين أصبحوا يتعقبونه دون كلل ، وكأنه وحده المسئول عن كوارث الدنيا . حاول أن يتذكر ماذا فعل ليتفرغ له كل هؤلاء ، وعندما أخفق قرر أن يخوض اللعبة بطريقة مقلوبة . قام أحدهم لينصرف ( ربما انتهت نوبته لهذا اليوم ) فنهض ( هو ) وتبعه ، وبعد دقائق شعر الرجل في الأمام أن هناك من يرصده . استدار. شعر ( هو ) بتوتر نتيجة اكتشاف أمره ولكنه مضى فى طريقه ليلقى بالموضوع كله على عاتق الصدفة . عاود الرجل سيره وإن كان قد تباطأ قليلا ، فاضطر ( هو ) لتجاوزه . تغلب على شعوره بالاختناق بتذكير نفسه بأنه ليس سوى الطرف الأضعف في اللعبة وأن الآخر أكثر خبرة بحكم طبيعة عمله . قرر أن يتوقف عن اللعبة بعد أن اعترف بخسارته ( كالعادة ) واستمر في سيره . في تلك الحارة الممتدة انحنى بمساره تاركا الآخر في حاله, بدخوله الحارة بدأ تاريخه الذاتى يعيد نفسه : سيناريو مكرر لا يختلف إلا في أضيق الحدود . على الناصية توقف أمام العربة الخشبية المتآكلة وتسلم كيس الفول المعتاد لكنه مضى بين البيوت المتهالكة التي تستمد قوتها من اتكائها على بعضها البعض دون أن يحسب مكاسب بائع الفول ( اكتفى بالحقد عليه لانشغاله بهمومه) مضى بين صبية يتدافعون وأوسعهم سبابا غير أنهم حتى لم يفكروا في الرد عليه .
(4)
عندما التقت عيناه بعينى الفتاة شعر بالاضطراب ، استبعد عامل الصدفة وكاد أن يسقط . كان متأكدا من أن ثمة رابطا مؤقتا يجمع بينهما. تعجب .. كيف لها أن تعمل معهم ؟ . لم يملك القدرة على إطلاق نظراته المتحدية المعتادة . حاول أن يبدو طبيعيا فتعثر في إحدى الحفر الممتدة عبر الشارع وسقط . في تلك المسافة الفاصلة بينه وبين الأرض تمكن – بطريقة أقرب إلى التصوير البطىء – من التقاط مشروع ضحكة على شفتيها . كان ذهنه يتأرجح بين الشك واليقين ، لم يكن متأكدا من معنى تلك النظرة الغريبة التي رمقته بها . حاول إقناع نفسه أن كثافة العهر فيها تطغى على أى تحد محتمل . فعل السقوط لم يستغرق سوى لحظات قليلة لكنها كانت كافية لاختفائها . أثناء رحلة الجسد في اتجاه عكسى لاتخاذ وضع الوقوف كان قد أصبح أكثر ميلا إلى أن نظراتها كانت ساخرة . رغم أن المنطق كان يملى عليه أن يسعد باختفائها لأن الفرصة سمحت له – أخيرا – بأن يفلت لبعض الوقت من الرقابة . إلا أنه صمم على إيجادها . بالتأكيد كانت كل هذه الافكار المتضاربة تراوده وهو في حالة حركة . لأنه وبعد دقائق وبحكم ما يبدو أنه ناتج عن خبرات سابقة تمكن من أن يقف امامها لم يبد على الفتاه أنها فوجئت ، على العكس أطلقت مدافعها ابتسامة أخرى لامبالية كادت تفقده التوازن من جديد . هنا أدرك انه لا مفر من المواجهة . تقدم . ‍ بعد لحظات كانا معا في قسم الشرطة . لا يذكر ما حدث بعدها لكنه وجد نفسه يسير في الشارع بعد قليل ، فأدرك أنهم لم يثبتوا عليه شيئا وتركوه.ابتسم وهو يتخيل التوبيخ الذى تتلقاه الفتاة في هذه اللحظة لأنها كادت تفشل في المهمة . ومع اقتناعه بأن شيئا ما يدبر له إلا أنه شعر بالشماتة في تلك العاهرة التي تعدت عليه بنظراتها ‍‍‍‍‍‍‍‍!
(5)
لسبب ما ظل يتحاشى هذا الضابط . فيما يعتبر خروجا على النسق المعتاد في الحارة أصر الضابط على البقاء فيها رغم تدرجه في المناصب , لم يكترث بكونها لم تعد تناسب وضعه الوظيفى وتناسى أنها لم تخرج شخصا ذا مكانة (إلا مخبرا جعلته الظروف أبرز نجومها) . باستمرار كان (هو) يتحاشى لقاءه.. لا يعرف لماذا, مرة واحدة حدثت المواجهة . وجد ( هو) نفسه على باب شقة الضابط . بعد أن طرقه, خرج الأخير بهيأته المهيبة وقبل أن يطلب (هو) ما جاء لأجله فوجىء بالأحداث تمضى بسرعة قد لا يحتملها ايقاع الحارة: عدد كبير من المخبرين والضباط ينقضون عليه. لكن قبل أن تنتابه أية مشاعر كانت الصورة قد اتضحت , فالضابط الذى تابعت الحارة كلها تدرجه في سلك الشرطة , وقصده أهلها لقضاء خدمات عديدة (أنجز معظمها بنجاح بفضل نفوذه) كان نصابا !! القصة كانت أشبه بفيلم عربى, لكنها كانت ـ مع ذلك ـ واقعية إلى درجة الصدمة , وجدت فيها الصحافة مادة خصبة لموضوعاتها على مدار أسابيع تالية.. اعترف الضابط (المزيف) بأنه كان يرغب في الالتحاق بكلية الشرطة لكن ظروفه لم تسمح له. فقرر أن يحقق حلمه بطريقته الخاصة. أقنع المحيطين أنه التحق بالكية وبعد سنوات تخرج منها وصنع لنفسه زيا رسميا وعلامات دالة على رتبته . وعبر الصحف كان يتابع حركات ترقيات الضباط ويقوم بترقية نفسه , على مدار خمسة عشر عاما أتقن الدور حتى أنه حرم نفسه من ترقية (نفسه!!) نتيجة خطأ مهنى (!) رأى أنه ارتكبه . (هو) لم يجد أمامه سوى أن يعلق بقوله : ((ابن الكــــــــــــلب)) !! ضبط نفسه متلبسا بقولها فلم يعرف هل كان معجبا به أم ناقما عليه, خاصة بعد أن أصبح متأكدا من أن المرة الوحيدة التى زاره فيها لطلب ما (لم يعد يذكره) هى التي جرته إلى هذا الوضع الغريب الذى وجد نفسه فيه.
(6)
ليست حالة فقدان ذاكرة بدليل أن حياته تمضى وفق سيناريوهات تبدو مكررة (يعرف مساراته إلى البيت والقهوة وبائع الفول) , لكن ذاكرته انتقائية على ما يبدو بدليل أن كثيرا من الأمور ترفض أوامر الاستدعاء المتتابعة . في سياق الجو البوليسى الذى يحياه فكر: ماذا لو كان قادرا على إعداد أمر ضبط وإحضار لذكرياته التي تاه معظمها؟ ابتسم, وتحولت الابتسامة إلى قهقهة. مثلما يجرى في الأفلام فوجىء بنفسه يضحك وسط حارة كسا الوجوم وجوه أبناءها. كان يضحك بدون سبب . مما جعل من حوله ينظرون بدهشة. انتبه .. نظر إليهم بحدة.. أدركو أنه عاد لحالته المعتادة فتشاغلوا عنه. من رد فعلهم ومحاولتهم اتقاء غضبه تأكد أنه ذو شأن بينهم. حاول أن يتذكر ما يميزه عنهم فأبت ذاكرته لكنها قدمت له خدمة بديلة. فبين الوجوه التي أخبرته أنها معتادة عثر على وجه مختلف, أيقن أنه أحدهم :(إيه الحكاية؟) تساءل ولم يحاول البحث عن إجابة, مجنبا نفسه لحظة إحباط متوقعة.
(7)
بطريقة ما وجد (هو) نفسه في هذا المكان . لم تكن المرة الأولى التي يراه فيها. رغم إدراكه لطبيعة المكان إلا أنه شعر تجاهه بألفة بدت مستغربة . جلس على أحد المقاعد المتناثرة على أبواب الضباط في انتظار شىء ما : ( هل تم استدعاؤه؟ ) لم يحاول أن يفكر. بطريقة ميكانيكية أخذ يرد على كل تحية توجه له. كان يبدو معروفا : (هل شارك كل هؤلاء في مراقبته؟ تساءل ثم ابتسم ابتسامة مرهقة). نظرته الذاهلة (ربما من تأثير أرق مزمن) أظهرت بوضوح أن عقله قد توقف عن التفكير في أى شىء شعوره بالتعب تغلب على إحباطاته , بل أنه تغلب على شعوره بأنه مراقب, لم يعد يفكر في سبب ذهابه إلى قسم الشرطة . فقد أمدته ذاكرته تدريجيا ببعض الأمور, تذكر أنه منذ فترة طويلة لا يشعر بالأمان إلا داخله. من يفكر أن يراقب مواطنا داخل قسم شرطة؟ سؤال هزلى يعبر عن واقع أكثر هزلية لكنه يرى أنه الأكثر توافقا مع حالته تلك. في جلسته شعر بالاطمئنان التام وعدم الرغبة في طرح أى أسئلة أخرى. حتى عندما وقف فجأة ليلقى بالتحية العسكرية للضابط المار أمامه لم يثر ذلك انتباهه. بل أنه لم يتعجب أيضا من التلقائية والمهارة اللتين تميزت بهما حركاته أثناء إلقاء التحية!!

*أديب واعلامي مصري

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

فصل من رواية “من هناك إلى هنا”

وفاء العمير* كان الجميع قد اعتاد أحياناً على الذهاب إلى مزرعة جدي، الثلاث زوجات والأبناء، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *