قراءات ودراسات

لخضر: الإبهار في النص السردي عند ياسمينة صالح

بقلم: د. عدنان الظاهر *

هذه هي الرواية الرابعة للروائية الجزائرية الشابّة ياسمينة صالح . روايتها الأولى ” بحر الصمت ” [ 2001 ] والثانية «أحزان امرأة 2002)، والثالثة ” وطنٌ من زجاج ” [ 2006 ]. تقرأ الروايات الأربع فتراها مسلسلاً أو فيلماً مُتقناً ملوّناً شديد الكثافة منوّع المناخات مختلف الأجواء نفّذه وأخرجه خبير مزوّدٌ بعالي الخبرات التقنية وأحدث أجهزة التصوير والإثارة . رغم كل هذا التنوع والاختلاف وشدة التكثيف وبلاغة الأداء يجد القارئ في هذا المسلسل الناجح عموداً فقرياً واحداً يربط أحداثه بقوة يتوزع على محورين رئيسين متوازيين مترابطين بإحكام عضوي وجودي لا ينفصم  يُفسَّرُ أحدهما بالآخر وقد أجادت الروائية أيّما إجادة في هذا الربط حتى بدت فيه وخلاله كأنها تقدّمُ استعراضا أو بياناً توضح فيه فلسفتها الخاصة فيما جرى وما زال يجري من أحداث في بلدها الجزائر أو في سواه كعراق اليوم مثلاً . المحوران المتوازيان بدون انفصام هما الحرب والدم من جهة والحب والتزاوج من الجهة الثانية . الوطنية والسلام الاجتماعي ثم إدامة الحياة بالحب والزواج ثم الإنجاب حيث لا من إنجاب دون زواج. المواليد الجُدُد يعوضون ما يسقط من القتلى من ضحايا الإرهاب والحروب الأهلية الدينية أو العِرقية أو الطائفية.

لخضر ” حسب لهجة أهل الشمال الإفريقي هو [الأخضر] وهو اسم علم معروف في تلك البلدان. الأخضر هو بطل هذه الحلقة الرئيس جرت حوله معظم أحداث الرواية وساهم فيها بنشاط فصعد في الحياة من مجرد شخص مُعدَم ، حمّال ابن حمّال ، إلى شخصية مرموقة في الدولة برتبة جنرال فكيف حصل ذلك؟ تتبعت ياسمينة صالح حياة ” لخضر ” يوماً فيوم وبصبر عجيب ورؤية ثاقبة تحلل فيها ما يقع من أحداث بقدرات غير عادية لكأنها كانت هي نفسها  ضابطَ جيش أو شرطة . وحين تتكلم عن الحب والعشق والعاشقين وتفاصيل الزواج يُخيلُ للقارئ كأنها هي العاشقة المحروقة . قامت بالدورين ـ ممثلةً ومُخرجةً ـ بكفاءة عالية وقدرة تثير الإعجاب فمن أين أتتها هذه المواهب ؟ يجدها القارئ في كل مكان إنْ ضوءاً مُتحرّكاً أو ظلاً ساكناً . يجدها في أوساط الفقراء والصعاليك ورجال العصابات والقَتَلة كما يجدها متألقة بين رجال الجيش والشرطة وينحني أمام قدرتها على تقمّص شخصيات ومواقف العاشقين وتصوير مشاعرهم وأدق عواطفهم بتلوّناتها العنيفة حيناً والهادئة أحيانا . تلتزم بصرامة مرنة خط سيرها على أو بمحاذاة العمود الفِقْري لسردها الروائي فتثيرُ إعجاب القارئ بقدرتها على التركيز ، أعلى درجات التركيز ، بحيث لا تفوتها صغيرة أو كبيرة وهي تعالج الأحداث وتتابع مساراتها السردية وخفاياها مُمسكةً بأعنّة الزمان مسيطرة على جغرافية الأمكنة بتخطيط يبدو فطرياً أو جبلّةً فيها فُطرتْ عليها مُذْ ساعة مولدها .

ياسمينة والوطن

إنْ بدّعتْ ( أو أبدعت ) ياسمينة وأجادت في التحرك على متوازيي العمود الفقري لأحداث وتفصيلات رواياتها الثلاث : الإرهاب والحب ، فإنها تنخرط في موضوعة مُعقّدة عرفها تأريخ البشر وثورات البشر منذُ أقدم العصور . أعني الخيانات . خيانات بعض الثوار لمبادئهم وانكفائهم حرصاً على مصالح ومنافع دنيوية وامتيازات ومال وعقار وما شابهَ ذلك من زينات الحياة المعروفة وزخرفها . كما لم يفتها موضوع آخر طريف رصدته ياسمينة صالح بذكاء بمجسّات تبدو أكبر من عمرها … أعني صعود بعض النَكِرات والشقاوات إلى أعلى المناصب بالقتال ضد المستعمرين أو بالمشاركة مع عناصر مأجورة مُدرّبة لإغتيال الخصوم السياسيين وتأجيج الصراعات بين مُختلف قطاعات الشعب كيما يفيدُ من ذلك مسؤولون كبارٌ في الدولة وأصهارهم والمقرّبون إليهم من تجار أسلحة ومضاربين وسواهم من  تجار السوق السوداء . أقتبسُ ما قالت ياسمينة عن الصنف الأول [[ بلقاسم … اللقيط الشقاوة … الخادم … الحوذي يُصبحُ واحداً من سادة وقادة الثورة في الجزائر / من رواية بحر الصمت لياسمينة صالح ]] (2) . كيف تسنّى لهذه الشابة المشتعلة وطنية وغيرةً على بلدها أنْ تلتقط هذه الظاهرة وما الذي لفت نظرها إليها وما سبب إبرازها ؟ إنه الإحساس الإنساني الفائق السموّ . إنه الموقف النقدي الصريح الذي يكشف الخفايا ولا يتردد في الجهر بقول كلمة الحق . أمّا النموذج الثاني الذي أبدعت الكاتبة في ملاحقة دقائق تأريخ حياته وتصويرها بالظلال والألوان فهو ” لخضر ” بعينه . والده حمّال في   الميناء إلتحق ، ما أنْ كَبُرَ قليلاً لخضر ، بوالده يمتهن مهنة والده ذاتها . تدرّج لخضر في الحياة ودرجت به عاماً بعد عام ليجد  نفسه واحداً في عصابة من القتلة المحترفين ثم قائداً لمثل هذه العصابات حتى غدا شخصاً مرموقاً يحملُ رتبة جنرال في الجيش ! الناس الأبرياء يُقتلون ويُحرقون وتُفصلُ رؤوسهم وصاحبنا لخضر يترقى نجمةً نجمةً ليغدو الآمر الناهي في بلد انتصر على مستعمريه بدماء وتضحيات وأرواح مقاتليه البررة .

أعراس الدم

لفت نظري أكثر من سواه موضوع الربط بين الإرهاب وما يسيلُ من دم بريء في مختلف بقاع الجزائر وشغف الكاتبة بملاحقة أحوال العاشقين صبايا وصبيان وناضجين. فتارةً تتم صفقات الزواج لتنتهي بمصرع الزوج على أيدي قتلة مأجورين ممن لا همَّ لهم إلاّ إشاعة أجواء الرعب والخوف . وتارة أخرى تتمُّ فيها إجراءات ومراسم الخطوبة لكنَّ صفقة الزواج لا تتم : يُقتلُ بسيارة مفخخة ضابط الشرطة خاطب الطبيبة الجزائرية المتأهبة للدخول في عش الزوجية . يحولُ الموت غيلةً دون بلوغ الغاية والهدف . نسمع قول صحافي صديق للعائلة المفجوعة [[  خبرٌ وقع أمام عينيَّ كالصاعقة. خبر سيارة مفخخة انفجرت على مقربة من المديرية العامة للأمن . هالني عشرات القتلى . شعرتُ بالفظاعة وقتها. خُيلَ إليَّ أنَّ الأمر صار فوق الاحتمال. كانت الحربُ في ذروتها بين اليأس والرعب والقتل العمدي . أجلْ … شعرتُ بالرعب وصور القتلى تصلنا إلى مقر الجريدة لنشرها تباعاً . كنتُ بلا صوت حين وقع نظري على صورة الضابط الرابع الذي كان ضمن الضحايا / رواية وطن من زجاج . الصفحات 168 ـ 169 ]] (3) . الطبيبة التي ترمّلت قبل زواجها كان هذا الصحافي الوطني الشاب يتمنّاها زوجاً له فلقد كان صديق شقيقها وزميله في تحرير جريدة بعينها طالته هو الآخر يد القتل الإرهابية . هو ضحية حب عاصف لم يكتمل ولم يبلغ هدفه المأمول . أما هي ، الطبيبة ، التي أحبها وتمناها فلقد نُكبت بزواج لم يتم وبخطيب أحبته وفضلته على الصحافي . لنسمع تفاصيل قصة مأساوية أخرى مما أبدع خيال وقلم ياسمينة صالح ” حياة ” شابة جزائرية وهي خطيبة ” حُسين” الذي فقد أمَّهُ رضيعاً وضاع منه أبوه الجنرال الأخضر بل تركه في رعاية جده وجدته لأمه وضاع أثره عليهم . قتل إرهابيون أباها الضابط في سلك الشرطة . أما نجاة ، والدة حياة ، فقد سبق وأنْ أحبّها الأخضر في صباها وأوائل شبابه وعرض عليها الزواج لكنها رفضته بتكبّر وغرور لأنه كان يومذاك حمّالاً ابن حمّال [[ رواية لخضر ]] (1) . ما هذا التوافق الغريب ؟ ضباط أمن وشرطة يقتلهم الإرهابيون يتركون زوجاتٍ أو فتياتٍ مخطوبات كان المفروض أنْ يكونَ نصيبُهنَّ لرجالٍ آخرين .

لقطات من صور الإرهاب التي أبدعت ياسمينة صالح في رسمها ووضعها أمام أنظار العالمين تضع أمامي ما جرى ولمّا يزل يجري على أرض الرافدين في العراق. تقول ياسمينة بلسان الصحافي إياه عاشق الطبيبة المنكوبة قبل خطوبتها [[ … قبل سنوات كان يُخيلُ إليَّ أنَّ القلمَ أقوى من الرصاص… لكنْ … اكتشفتُ أنَّ الرصاصَ أقوى من كل شيء وأنَّ الحربَ التي تنفجرُ لا يمكنُ أنْ يهزمَها قلمٌ … وأنَّ القلمَ لن يحمي أمّاً من الفجيعة في غياب أبنائها. وأنَّ القلم لن يحمي فقيراً يجرّه الإرهابيون من بيته لينحروه كالشاة دون أنْ يعرفوا اسمه حتّى …يجرّونه لحاجةٍ في نفس الجريمة التي تعني بقاءهم على صدر الصحف اليومية لأجل الإطاحة بمعنويات الناس . لهذا يقتلون لأجل أنْ يقتلوا أولئك الذين يعتقدون أنهم ما زالوا أحياءً . يقتلون لأنَّ القتلَ زادهم اليومي في قتال غامض يتغذّى من جثث الفقراء والبسطاء والمقهورين والمغبونين /  رواية وطن من زجاج ، الصفحات 162 ـ 163 ]] (3) .

ليت أهل العراق يقرأون ما كتبت هذه الياسمينة المباركة الشديدة النقاء والناصعة البياض وهم أعرف بأحوال وطبيعة ياسمين حدائق بيوت بغداد بشكل خاص . تكتب كأنها تكتب من قلب بغداد وتحلل فتصل إلى ذات الأهداف الكامنة وراء دوافع الإرهاب والإرهابيين في كل مكان على سطح المعمورة .

المراجع

1ـ رواية لخضر. المؤلفّة ياسمينة صالح . الناشر: المؤسسة العامة للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 2010 .

2ـ رواية بحر الصمت لياسمينة صالح. الناشر: دار الآداب ببيروت عام 2001، وصدرت الطبعة الثانية عن دار الحضارة بالقاهرة 2009 .

3ـ رواية وطن من زجاج لياسمينة صالح. الناشر: الدار العربية للعلوم ببيروت، 2006..

تموز ( يوليو ) 2010

  • · الدكتور عدنان الظاهر ـ أديب وناقد عراقي مقيم في ألمانيا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق