الموقع

إلى حيث ألقت رحلها..

جمال الهنداوي

ما أكثرها الأشياء الصغيرة التي تتحصل على القدرة في بث الآمال الكبيرة في النفس إن كانت في الوقت والمكان المناسبين..وما أكثر السحر الذي تبثه بعض المناسبات التي قد تبدو للناس كتوافه الأمور ولكنها من الممكن إن تشكل اندفاعات حماسية مؤملة للبعض الآخر..ففنجان من القهوة قد لا يشكل حدثا تاريخيا لأي كان..ولكنه لو كان أثناء البحث عن مخرج لازمة اختيار رئيس الوزراء في العراق ..وان كان في مكتب رئيس المخابرات المصرية فانها ستقود المرء إلى إطلاق التصريحات النارية فورا..

وتتدخل في هذه المسألة أيضا إمكانيات وروحية وكرم صانع القهوة ومدى احترافه للطريقة والأسلوب الأمثل لتقديمها..فان كانت قهوة المقرن الفخمة والمعطرة بالهيل قد حدت ببعض الفرقاء إلى إعلاء الخطاب بالتمسك بحق القائمة العراقية القانوني والدستوري بتشكيل الحكومة العراقية فان قهوة عمر سليمان السادة قد دفعت بالسيد صالح المطلك مباشرة إلى إعلان إمكانية التنازل عن منصب رئيس الوزراء لأي شخصية وطنية باستثناء زعيم ائتلاف دولة القانون ومرشح التحالف الوطني نوري المالكي،شاهرا  سيف الدعم المصري لتوجهات القائمة العراقية العروبية.

فما أشبهه ببيان البيانات..وما أقربه إلى إعلانات الرقم واحد العتيدة.. ذلك التصريح المؤثر والحماسي والذي لا تنقصه إلا موسيقى المارشات العسكرية المصاحبة..الذي اجهر به السيد صالح المطلك.. النائب السابق ورئيس جبهة الحوار الوطني..اثناء زيارته الى القاهرة.. والذي جاء استكمالا لبيانه الأكثر انفعالية الذي أعقب إعلان السيد حيدر الملا.. الناطق الشخصي للسيد المطلك واحد المتحدثين الكثر باسم العراقية..والذي جاء كرد لا يخلو من بعض الانفعال والهستيرية الاستباقية على التسريبات التي تحدثت عن اتفاق التحالف الوطني على اختيار السيد نوري المالكي ليكون مرشحه لمنصب رئاسة الوزراء..الذي هدد فيه باسم جميع أعضاء القائمة الفائزين بالانتخابات وباسم زعيم تجمعه-والذي هو ليس منهم- بالانسحاب من العملية السياسية برمتها في حالة تشكيل الحكومة من قبل مرشح التحالف الوطني اللهم الا من يحوز رضا السيد المطلك..

ونحن هنا لا نجد إلا أن نشد على أيدي المطلك  ونهنئه على هذا القرار الشجاع بالانسحاب من عملية مجتث منها أصلا.. وليس لنا إلا أن نقول بأنه خيرا فعل..فان السيد المطلك وما يمثله من توجه كان ولفترة طويلة من الأضرار الجانبية للعملية السياسية..وكانت لخلفيته المؤيدة للتيارات المعادية لتطلعات الشعب العراقي دورا بالغ السوء في إحباط أي تفاهم ممكن إن يفضي إلى تشكيل حكومة ذات جبهة عريضة قد تكون ضرورية لإدارة البلاد في المرحلة الراهنة مستخدما في سبيل ذلك الهدف كل الوسائل المتاحة بغض النظر عن شرعيتها..وذاكرة الشعب ما زالت تختزن ادعاءاته المضخمة بانهيال العروض عليه بأعلى المناصب أو تبنيه لخطاب استحواذي إقصائي أعقب إعلان نتائج الانتخابات-التي لم يشارك بها-..مطالبته بمنصب رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء للقائمة العراقية واستخفافه بقرارات المحكمة الاتحادية والتبشير بتغيير الدستور وتعليق قوانين وقرارات المسائلة والعدالة..

لقد كان على السيد المطلك وهو العضو البارز في مجلس النواب السابق أن يدرك بان التاريخ لا يكتب مرتين..وان المفروض بمن يدعي ريادته لمشروع وطني أن ينظر بعين منصفة إلى حقائق الحياة وان يدرس عبرها وان يستخلص من تجاربها الرؤية التي تضع الوطن والإنسان في مقدمة آمالها..وان يستوعب ان المرحلة لا تتحمل التقافز المربك ما بين حبال المصطلحات المنتحلة الزائفة المراد بها اخفاء توجه شوفيني مغلق مختل عفا عليه الدهر والزمان وإرادة الشعب العراقي العظيم..

ان التلبس المزمن لدى التوجه الذي يمثله السيد المطلك للاستعارات الإيديولوجية المتماشية مع الظرف الآني اللحظوي الانتهازي كان له الأثر الطويل والمتقادم على تشويه واستلاب الانتماء الوطني الأصيل الحر للشعب العراقي وتغريب علاقته بهويته الوطنية من خلال  بودقتها في مفاهيم تتراقص ما بين فكر شوفيني غير محدد المعالم.. إلى تلفع برداء ديني فضفاض يعيد تسمية الأشياء وتزييف وقائعها وربطها بولاء قسري بفكر وعقيدة الدولة الشمولية المنتحلة لفكرة إن لا عراق بلا استبداد ولا مستقبل بلا ديكتاتورية وان الأمور لن تصل إلى غاياتها إلا بربط العراق إلى نير القمع والإلحاق بركب الإرهاب والزج به في قائمة جديدة متطاولة من النزاعات الارتزاقية أو الحروب العبثية المهلكة..

نشد على يد الزعيم القومي الكبير..ونجرؤ ان نهمس بإذنه انه سيكون للتحالف الوطني مرشحا..وانه لن يطمع برضاك على وجه التأكيد ..فنرجو ان تكون على قدر المسؤولية وان تحاول التلاقح البناء مع الواقع العراقي الجديد أو أن تتنكب تماما طريق المسيرة الديمقراطية العراقية..وان تجنب عمليتنا السياسية النصائح القادمة من ملفات عتيقة متربة مرمية في احد الإدراج المنسية في بعض المكاتب المنشغلة بملفات التوريث أو المأزومة بذهان اللاشرعية والتي تعض علينا الأنامل من غيظ تجربتنا الديمقراطية الوليدة..فلا حاجة لنا بتلك الرؤى ولا الافكار..ولا حاجة لنا بك أيضا.. أو لست مجتثا من العملية السياسية يا سيدي..

نحن نتطلع إلى القوى العقلانية في القائمة العراقية والتي تحمل فكرا وطنيا ومشروعا سياسيا نثق بنواياه وأهدافه ونتطلع الى دعمها لامال وتطلعات الشعب العراقي العظيم والعمل على قيادته مع القوى السياسية الشريكة في درب البناء والتقدم والازدهار..والتي نؤمن بقدرتها على استنباط العبر والطروحات من عظمة وسمو التضحيات التي قدمتها الجماهير المؤمنة بالتحرر والانعتاق والاستقلال وبناء التجربة الديمقراطية الحرة..والتي ننتظر منها صدق الوعود بالعمل لخير الشعب وعزة الوطن ووحدة الارض..ومن حقك ومن حق اي عراقي شريف يؤمن بهذه المبادئ ويتحلى بهذه الصفات الانسانية ان يجد ايادي الوطن والشعب مشرعة لاحتضانه ورفعه على الاكف ووضع مقدمة الركب في يمينه ليقوده نحو طريق الخير والعزة والسلام.

ونحن نتأمل منكم ان تدعموا هذه التوجهات الوطنية ضمن القائمة العراقية من خلال ممثلي جبهتكم..اما اذا كنت يا سيدي تحاول ان تعلي من مشروع ربط العراق بمشاريع إقليمية منتهية الصلاحية مع انظمة فاقدة للشرعية والتأثير الحقيقي الخير والمثمر على حركة الأحداث..مرة باسم العروبية ومرة باسم الإسلام الطائفي المغلق ومرة باسم الاخوانية أو مرة تحت شعار البعثي للبعثي كالبنيان المرصوص..أو لو كنت والفكر الذي تمثله لستم مستعدين ذهنيا ولا عمليا من التطهر من اليات وممارسات ورواسب الحكم الديكتاتوري السابق..فيجب ان تعرف انك والفكر الذي تمثله –ومع كل الاحترام الواجب لشخصكم الكريم-لست مفيدا للعراق في هذه المرحلة..ولن تكون الا كحجر عثرة صغيرة لن يقوى على عرقلة مسيرة العملية السياسية .. ولا إيقافها.. ناهيك عن طموحك بإعادتها إلى الوراء.. فأتمنى عليك يا سيدي أن لم تستطع ان تنفعنا وتساعدنا على لملمة وترميم وتنظيم بيتنا العراقي الكبير..والذي لا نملك غيره..إن تنفذ وعيدك وان تتركنا.. وفي العراق متسع لكي يعيش به للجميع ..وتستطيع ان تدعو فيه للعروبية ما شئت.. أو لك أن تبقى في عمان..أو إن تذهب حيث تشاء..حتى لو كان إلى حيث ألقت رحلها..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق