قراءات ودراسات

قراءة في: الخطاب الديني بين الغلوّ والاعتدال

قراءة: بشير خلف

إن الإسلام دين الرحمة والتسامح والوسطية. وقد تميزت هذه الأمة عن غيرها من الأمم بكونها أمة الوسطية، كما قال عز وجل: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدا على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا” أي خيارا عدولا قد بلغتم الذرى في السمو والشرف. والدلالة الاصطلاحية لمدلول الوسطية تعني التوازن والاعتدال والسمو والرفعة بين طرفي الغلو والتقصير. فالوسطية منزلة بين طرفين كلاهما مذموم.

وتميزّ ديننا بالسماحة والسير ورفع الحرج عن أتباعه ومع هذا الوصف لهذه الأمة والدين، إلا أن أقواما خالفوا مقصد الشارع الحكيم وخرجوا عن سمة أمة الوسط والاعتدال وتنكبوا الطريق السوي وانحرفوا عن المنهج الصحيح ونزعوا إلى الغلو والتشدد. هذه الظاهرة المؤلمة قد أعطت فرصة لأعداء الإسلام لشن حملة ظالمة من الافتراءات والمزاعم التي أرادت أن تلصق بالإسلام تهم التعصب والإرهاب وعدم التسامح وغير ذلك من الدعاوى التي لا أصل لها في الإسلام ولا سند لها في العلم ولا من الواقع التاريخي. فكان هؤلاء بقصد منهم أو بغير قصد عونا لأعداء هذه الأمة على تحقيق مرادهم في النيل من الإسلام وأهله.

وأطلق العلماء قديما كلمة التطرف الديني على القائل المخالف للشرع،وعلى القول المخالف للشرع وعلى الفعل المخالف للشرع. فهو فهم النصوص الشرعية فهما بعيدا عن مقصود الشارع وروح الإسلام فالتطرف في الدين هو الفهم الذي يؤدي إلى إحدى النتيجتين المكروهتين، وهما الإفراط أو التفريط. والمتطرف في الدين هو المتجاوز حدوده والجافي عن أحكامه وهديه، فكل مغال في دينه متطرف فيه مجاف لوسطيته ويسره.  (التطرف في الدين، دراسة شرعية ــ إعداد: د. محمد بن عبد الرزاق، بحث مقدم للمؤتمر العالمي عن موقف الإسلام من الإرهاب 2004م ص5، 6).

إن مصطلح التطرف الديني لم يرد لفظه في الشرع، وقد استعمله بعض العلماء كالنووي، وابن تيمية ” لغة الوقوف في طرف الشيء والخروج عن الوسط والاعتدال فيه”، وهو يشمل الذهاب إلى طرف التشديد و إلى طرف التسهيل. فالغالي في الدين متطرف، والجافي عنه متطرف. قال الجصاص : (طرف الشيء إما أن يكون ابتداؤه أو نهايته ، ويبعد أن يكون ما قرب من الوسط طرفا) .والكلمة الأخرى ذات الصلة بالتطرف هي الغلو. لقد بيّن العلماء الغلو في الدين. ومن ذلك ما قاله النووي: “الغلو هو الزيادة على ما يطلب شرعا” وقال ابن حجر: هو المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد” لذا يمكن القول: إن الغلو تجاوز ما أمر الله تعالى من جهة التشديد. لقد ذمت الشريعة التطرف والغلو في الدين. فقال الله تعالى: “قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق) (المائدة:77) يقول ابن كثير رحمه الله “ينهي تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها” (تفسير ابن كثير 1/589.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” هلك المتنطعون”  قالها ثلاثا (شرح النووي على صحيح مسلم 16/220) قال النووي: أي المتعمقون ــ الغالون، المتجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم (اعلام الموقعين، 4/150) قال ابن مسعود: “إياكم والبدع وإياكم والتنطع وإياكم والتعمق وعليكم بالدين العتيق” (اعانة الطالبين 1/131). قال ابن حجر: وفيه التحذير من الغلو في الديانة والتنطع في العبادة بالحمل على النفس فيما لم يأذن فيه الشرع، وقد وصف الشارع الشريعة بأنها سهلة سمحة. (فتح الباري 12/301). وقال عليه الصلاة والسلام أيضا: “إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين” (رواه الإمام أحمد 1/215، 247).

قال ابن القيم رحمه الله: “ما أمره الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان إما إلى تفريط وإضاعة وإما إلى إفراط وغلو ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه. فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد وهذا بتجاوز الحد (مدارج السالكين 2/496) ففي هذه النصوص من النهي الصريح عن الغلو واتباع سبيل أهله ما يكفي المسلم في الابتعاد عنه والتحذير من أهله.

إن التطرف ظاهرة عالمية تتمثل في التطرف الديني أو السلوكي. وهذا التطرف لا يكاد يخول منه مجتمع من المجتمعات المعاصرة. وهو يتنوع ما بين تطرف سياسي، وتطرف أخلاقي، وتطرف فكري، وتطرف ديني. وهذا التطرف الديني لا يقتصر على أتباع دين معين، أو أنصار مذهب معين ( الحقيل، 2001: 19). ويدخل في معنى التطرف، التنطع، والتصلب، والهوس العقدي، والعنف. والتطّرف هو تفعَّل – بتشديد العين – من طرف يطرف طَرَفا بالتحريك، وهو الأخذ بأحد الطرفين والميل لهما: إما الطرف الأدنى أو الأقصى (القاموس المحيط، و” شرحه تاج العروس ” و ” لسان العرب ” و” معجم مقاييس اللغة “، و”الصحاح ” و” المصباح المنير ” مادة (طرف). ومنه أطلقوه على الناحية وطائفة الشيء.. ومفهوم التطرف في العرف الدارج – في هذا الزمان -: الغلو في عقيدة أو فكرة أو مذهب أو غيره يختص به دين أو جماعة أو حزب. ولهذا فالتطرف يُوصف به طوائف من اليهود ومن النصارى، فثمة أحزاب يمينية متطرفة أو يسارية متطرفة. فقد وصفت بالتطرف الديني والحركي والسياسي.( ـ أ.عبد العزيز بن علي بن رشيد الغريب/ التطرف الديني: المفهوم الرئيس والمفاهيم ذات الصلة.كلية العلوم الاجتماعية.جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.)

إن بلدنا عانى كثيرا من هذه الظاهرة التي بدأت ملامحها تظهر في المجتمع الجزائري منذ بداية السبعينات، وتفاعلت أكثر بعد أحداث أكتوبر 1988 وظهرت حركات إسلامية، وأحزاب على الساحة، وكان سلاحها الأول الخطاب الديني المتشدد  الذي كان الوسيلة الأولى لتعبئة العامة من أجل تغيير كل شيء، وبدون أن نسهب في الحديث عن هذا الموضوع، حيث الجميع يعرف ما وصلنا إليه من مآسٍ نتيجة هذا الخطاب الديني الذي كانت سمته التطرّف، والغلوّ، والتشدّد والذي لا نزال في يومياتنا نعايشه. إن الرابطة الولائية للفكر والإبداع بولاية الوادي، وبحكم معايشة أعضائها للمرحلة التاريخية التي ساد فيها هذا الخطاب، وكذا نظرا لقلة طرْح هذا الموضوع في الساحة الثقافية الجزائرية، بل وحتى على مستوى الجامعات الجزائرية ؛ فإن رابطة الفكر والإبداع ارتأت أن تطرح الموضوع كعادتها في طرّح القضايا المعاصرة× إذْ نظمت ندوة وطنية للخطاب الديني بين الغلوّ والاعتدال بمدينة الوادي أيام: 03 ـ 04 ـ 05 أفريل 2010 أطر هذه الندوة مجموعة من الأساتذة ذوي الاختصاص من الجامعة الجزائرية، ومن المركز الجامعي بالوادي، وكعادة الرابطة في كل ندواتها تجمع المحاضرات في كتاب تصدره في حينه، ويوزع على المثقفين، والأساتذة وذوي الاختصاص، فكان ثمرة الندوة الأخيرة هذا الكتاب الذي يحمل نفس موضوع الندوة: ” الخطاب الديني بين الغلوّ والاعتدال”

الكتاب

الكتاب من الحجم المتوسط ،ذي ورق مصقول وإخراج جميل، أبدع في تصميم غلافه الفنان التشكيلي محمد البشير سواسي. يقع الكتاب في 302 صفحة، يتضمّن إضافة إلى كلمة الرابطة التي تصدّرت الكتاب 16 محاضرة، صُنّفت، ورتّبت في ثلاث محاور هي:

1 ـ الخطاب الديني: المفهوم والخصائص.هذا المحور يتضمن المحاضرات التالية:

الخطاب الديني والتحديات المعاصرة ” الخطاب الفقهي نموذجًا ” الدكتور إبراهيم رحماني، واقع الخطاب الفقهي. الأستاذة  فريدة حايد، خصائص الخطاب العقائدي في الفكر الإسلامي : دراسة تحليلية نقدية. الدكتور تركي عبد الرحمن، شروط نجاح المحاضرة المسجدية المعاصرة. الأستاذ مهاوات عبد القادر، عوائق الخطاب الديني وعوامل نجاحه. الأستاذ  محمد عمارة، الخطاب الديني والتأهيل المتخصص. الأستاذ  أحمد منصوري.

2 ـ أزمة الخطاب الديني المعاصر.هذا المحور يتضمّن المحاضرات التالية:

الخطاب الديني من منظور  العلوم الاجتماعية. الدكتور غرس الله عبد الحفيظ ، حول مشروع محمد أركون : من نقْد الخطاب الديني إلى آفاق الأنسنة. الأستاذ : أحمد دلباني، نماذج من الخطاب الديني لأصناف العلماء.الدكتور رابح جابه، نماذج من الخطاب الديني لأصناف العلماء.الدكتور رابح جابه، أثرُ النصّ المقدّس على الخطاب الديني. الدكتور أحمد زغب، أثر منهج تفسير التاريخ الإسلامي على الخطاب الديني والدعوي المعاصر. الأستاذ فالح صالح.

3ـ تجديد الخطاب الديني. ويتضمن هذا المحور المحاضرات التالية:

قراءة تأسيسية تأريخية لمفاهيم التجديد والخطاب الديني. الدكتور أحمد عيساوي، فن الخطاب عند الأمة الإسلامية بين المنهجية الفكرية والارتجال. الدكتور محمد خالد اسطمبولي، خطاب الفتيا بين الغلوّ والاعتدال.              الدكتور الذوّادي  قوميدي، السنة النبويّة في تطوير أساليب الخطاب الدّعوي. الدكتور يوسف عبد الّلاوي.

مدخل

ركز رئيس الرابطة بشير خلف في كلمة الرابطة الاستهلالية على التعريف اللغوي، والاصطلاحي لكلمة” الخطاب” ثم عرّف الخطاب الإسلامي، وأنواعه، ومرجعيتيه الأساسيين وهما الكتاب والسنّة، وضرورة تجديد هذا الخطاب:

«..وقد يدخل في ذلك أيضًا  المناهج الدراسية الدينية في المدارس والمعاهد والكليات الشرعية، بل يمكن أن يُوسّع مفهوم الخطاب الديني ليشمل النشاط الإسلامي، والنشاط الدعوي، وعمل الجمعيات الإسلامية،  والمؤسسات الإسلامية بشكل عام الفقهيِّ منها، والعلمي، والدعوي، والتربوي، ونوع النشاط الذي تقوم به لتقييم مدى نجاحه، وفشله، وقربه من المقاصد العامة للتشريع، ومن بعد ذلك تقويمه، وإصلاحه، وتجديده. وعلى ذكْر التجديد لماذا يتحاشى بعضُ المسلمين الاعترافَ بضرورة التجديد ليبقى كل شيء كما كان ؟ تحت مظلة مقولة ـ  ليس في الإمكان أفضل مما كان ـ  إيثاراً لِما هو مألوف، وتوجساً، وارتياباً من كل حديث، وجديد أو مشتق منهما؛ فهم  يفضلون أن يبقى الخطابُ الإسلامي  فكرا،وخطابة، ولغة، وطريقة، وعلما متكلِّساً مترهِّلاً مهترئاً ألف مرة على أن تناله يدُ التجديد، أو تطالَه بواعث التحديث وأسبابه. إن ذلكم أيها السادة مظهر جليٌّ من مظاهر الضعف، والخور، والهزيمة النفسية؛ كما أن الارتماء في أحضان كل جديد دون تروٍّ وتمحيص بدوره  هزيمة نفسية.

وقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال 🙁 إنَّ اللهَ يبعثُ لهذهِ الأُمّةِ علَى رَأْسِ كُلِّ مَائةِ سَنةٍ مَـنْ يـُجدّدُ لـهُا دِينَهَا ) أخرجه أبو داود والحاكم وصححه، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم تجديد الدين، والخطاب الديني جزء من هذا الدين, والذين يقومون بعمل هذا التجديد جاؤوا بلفظ (مَن) فهو عام يشمل الفرد والجماعة، وفي ظل توسع الأمة واتساع رقعتها، والانفتاح العالمي، وتضخم الخلل الموجود في واقعها؛ فإن هذا الواقع يفرض أن هذا العمل التجديدي ليس شأن فرد واحد، بل مجموعات تتكامل فيما بينها، وتؤدي أدواراً مختلفة، وتخصصات علمية متباينة وحقولاً معرفية، كلها تنتهي عند مصبّ المصدر الأصلي (الشريعة).  ثم إن هناك فرقًـا بين الخطاب الديني، والوحي المنـزّل، بمعنى أن الخطاب الديني يعتمد على الوحي في كثير من الحالات، لكنه يبقى في حدود العمل العقلي البشري، أو العمل الاجتهادي الذي يرتبط بإمكانيات الإنسان، وقدرته وطاقته، فهو مثلُ خطاب الفقهاء، والوعاظ، والمصلحين الذي يمثل اجتهاداً من عندهم، ومفهوم (تجديد الخطاب الديني).

إن تجديد هذا الخطاب ضرورة فطرية وبشرية؛ لأن هذا الخطاب الديني الحالي مفككٌ وفرديٌ، بينما يشهد العالم تجمعات وتطورات هائلة في الاقتصاد، والسياسة،ومجال التقنية، والمعلومات والاختراعات،وهذه التطورات التقنية والاتصالية تغلغلت في حيواتنا، وارتبطنا بها وولَهْنا بها، حيث  صارت جزءا منا كأفراد، واُسرٍ، وجماعات، ومجتمعات؛ وأعتقد بأن أية نهضة، أو تنمية في العالم الإسلامي التي ينادي بها المخلصون من دعاة الإصلاح إنْ لم تصدر من مفهوم ديني عام وشامل،  فهي محكوم عليها بالفشل، فلا بد من خطاب ديني واع، ومعاصر ومنضبط يستطيع أن يضع هذه النهضة ويساعد عليها، ويدفعها، لإخراج الأمة من هذا التيه والدوران الذي تدور فيه حول نفسها. إن هذا التجديد الحي قراءةٌ واعية واعدة للنفس، والآخر والواقع، و قراءةٌ قادرة على إيجاد الحلول الشرعية المناسبة لمشكلات الواقع. لأن التجديد سنّة كونية من سنن الحياة، وأحدُ قوانين الوجود، وضرورة عصرية لا غنى عنها. كما أن تجديد الخطاب الديني ليس فقط ضرورة دينية، وإنما أيضا هو ضرورة حياتية، واجتماعية، ودينية في الوقت ذاته.

التجديد ضرورة حياتية؛ لأن الدين الإسلامي صالح لكل زمان ومكان، ومن ثم فإن الوقوف والثبات على معنى واحد يضرّ بالدين مثلما يضرّ أيضا بحركية الحياة، وبالإنسان. ومهمة الفقه الأساسية تتمثل في مواجهة متطلبات الحياة المتجددة والاجتهاد بشأنها.»

المحور الأول

محاضرات المحور الأول كانت منسجمة مع بعضها، فهي تصبّ مجتمعة في مفهوم الخطاب الديني،ونتعرض إلى ثلاث منها هنا في إشارات سريعة. فهذا الدكتور إبراهيم رحماني الأستاذ بالمركز الجامعي بالوادي يركز على البعد الروحي والديني لدى الإنسان من حيث التجذّر، والتأثير، إلاّ أن التباس الفهم، وعدم المعرفة كثيرا ما يؤدي إلى الشطط، والغلوّ، والتطرّف:

«… لا أحسب أن أحدا بإمكانه اليوم أن يجادل في مدى تأثير البعد الديني في حياة الناس، ومهما كان الخطاب الديني قاصرا أو مقصرا أو كافيا وافيا فلا يمكن بأي حال تهميشه، فقد ترسخ الدين في حياتنا بالرغم من كل الحملات المناوئة له، فهو متجذر في الحياة والفكر، ومتموضع جينيا في دماء الشعوب إلى درجة أن السياسيين غير المتدينين إن اعتلوا كرسي السلطة فإنهم مضطرون لأن يلبسوا العباءة الدينية سواء أكان هذا صدقا أم تملقا .  ومع ذلك فإن ممارسة الأحكام التوجيهات الدينية والدعوة إليها يلتبس الأمر فيه عند كثير من الناس إن لم يحسنوا التفقه في الدين، وغابت عن أذهانهم مقاصده، أو لم يمتلكوا أدوات فهم النصوص الدينية، فتكون تلك الممارسات والدعوات مجانبة للصواب رغم استنادها إلى مرتكز ديني إلا أن فهم النص ليس بنص فهو جهد بشري يحاول فهم المقصد الشرعي وتجسيده عمليا في أرض الواقع. ولعل مكمن الخطر في السلوك الاجتماعي المرتكز على الأصول الدينية مع تقصير أو قصور في فقه تلك الأصول يجعل الممارس أو المتحدّث باسم الدين يظن أنه يحسن صنعا ويؤدي واجبا شرعيا ويرجو من مسلكه الثواب والجزاء الإلهي الأحسن. مع أنه في مسلكه قد يضر بالمجتمع ماديا أو معنويا.

فقد يختار الإنسان مسلك الإجرام وطريق الرذيلة والانحراف وهو موقن أن المجتمع يستقذره ولا يحفل به ويعتبره محل ازدراء ورفض، ولما تطاله يد القانون أو يضايقه ويحاصره العرف الاجتماعي سيتأكد أن ما أصابه هو ما كسبت يداه وأنه استحقاق طبيعي لسوء اختياره. أما حين يصدر من المرء إضرار بالمجتمع وهو يحسب أنه يؤدي واجبا شرعيا، وموقعه لا يتعدى كونه منفذ  لأحكام شرعية مطلوبة يأمر بها الدين ويثيب عليها؛ فهنا يكون الوضع أكثر خطورة وتعقيداً، فالدافع المعنوي لإنتاج الضرر أكبر في هذه الحالة، ومردّه سوء الفهم للنصوص الدينية خاصة إذا رافقه اعتقاد بامتلاك النص الأصح واحتكار الفهم الأرجح في حالات الاختلاف والتنازع مما ينجم عنه إقصاء لأي اجتهاد مخالف مهما كان قائله ومنزلته. إن ذلك الممارس والمبلّغ للأحكام الدينية يعتبر في حقيقة الأمر ضحية، تسبب في أضرار لغيره دون إدراك أو وعي، وكان مسلكه مشوب بجهل وفقر في الفقه في الدين، وقصور وسطحية في التفكير. وبناء عليه، فقد يجنح بعض ناقصي الأهلية في فقه الدين ومقاصده فيسيؤون التصرّف، وبدلا من أن يتخذوا من الدين رسالة أخوة ومحبة وتناصح، وبناء وتعاون وتآزر اجتماعي في إطار العبودية لله الواحد الأحد، سيجعلون منه محكمة أو محاكمات على الهواء لا يتورع الواحد أن ينحر أخاه ماديا أو معنويا لأتفه الأسباب وبغير موازين الحق والعدل والمسؤولية.

وهكذا قد يتحول حامل الفكر الديني إلى قنبلة موقوته في المجتمع، فإذا ما أضيف إلى ذلك المسلك تطرف وغلو في الاتجاه المقابل لتهميش الدين أو التقليل من فاعليته في الحياة العامة والخاصة، فلا يأمن أي مجتمع ولا يهنأ له بال؛ فمن أين لنا الحديث بعدها عن الأمن، السلام، العمل، الإنتاج، التنمية والتقدم؟  » أمّا الأستاذة فريدة حايد أستاذة بجامعة جيجل ترى أن في العهد النبوي،وعهد الخلفاء الراشدين كان الفقه مدار السياسة والتدبير، وكان الفقهاء هم نواب الأمة وبيدهم تدبير كل أمر، وإن عماد أقوالهم الشورى و الاجتهاد، و الرجوع إلى الكتاب و السنة، ونتيجة ذلك تطورت الحالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية:

« … حيث كان الفقه مدار السياسة والتدبير، وكان الفقهاء هم نواب الأمة وبيدهم تدبير كل أمر، وإن عماد أقوالهم الشورى و الاجتهاد، و الرجوع إلى الكتاب و السنة، وقد تطورت الحالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية… بعد وفاة النبي (صلى الله عليه و سلم) وتغيرت طريقة الاستنباط وأخذ الأحكام من الكتاب والسنة. ولكن لم يكن ذلك إلا دافعا ليبذل الجهد والوسع وإثبات صلاحية الشريعة لكل زمان ،ومكان فازدهر الفقه وتوسعت مسائله وأقواله وأصبح هو قانون ذلك الزمان. ولم يبق في حدود ما استجد بل نظر وخـطط لكل ما سيقع فــــــــزاد انتشار الشريعة وحكمت في كل ميدان وجاءت من وراء ذلك ثروة فقهية هائلة دونت وحفظت وأصبحت تتناقل بالسند والحفظ التام كأنها أقوال الشريعة في كل زمان فأدى ذلك إلى تراجع حركة الاجتهاد وحركة الفتوى و التصدي للوقائع التي تنامت وتزايدت وهي في تزايد مستمر، وتخلى الفقهاء عن الاجتهاد وحلت محل الشريعة قوانين غربية لا صلة لها بما جاءت به الشريعة، وبقيت أقوال الشريعة محفوظة في قاعات معزولة، وأماكن خاصة لا يراها و لا يسمعها إلا من هداه الله إلى دخول تلك الأماكن. وأصبحت الشريعة مجموعة شعائرلا علاقة لها بالحياة المدنية واتهمت بالقصور والتاريخية والرجعية لذلك ارتأيت أن أعالج هذا الموضوع وأساهم في التجديد المنشود. بالتركيز على تجديد الفقه الإسلامي بكل مجالاته ،ومسائله و مذاهبه ومجتهديه تحت عنوان “واقع الخطاب الفقهي” و هدفي من وراء ذلك التمهيد لإعطاء الحلول المناسبة، فالخطاب الفقهي هو جوهر الخطاب الديني كله و أساسه، وإذا صلح الفقه صلح الخطاب الديني.

الدكتور تركي عبد الرحمن من المركز الجامعي بالوادي في محاضرته الموسومة بالخطاب العقائدي في الفكر الإسلامي، شرح مفهوم الخطاب العقائدي في الفكر الإسلامي، ومصادره، والفرق بينه وبين الخطاب العقائدي في الديانات السماوية الأخرى:

«… شغل تحليل الخطاب الديني اهتمام الفلاسفة والمفكرين الذين بحثوا في تأصيل هذا الخطـاب وعوامل تأثيره على المخاطبين، كما بحثوا في الخصائص والمميزات التي جعلته ينفصل عن أنواع الخطاب الأخرى .

وفي هذه المداخلة بيّنت خصائص الخطاب العقائدي في الفكر الإسلامي من حيث أنه خطاب يعتمد البرهان والحجة والدليل سواء كان نقليا أم عقليا ، ويبتعد عن الخرافة والشعوذة والدّجل، ومن حيث أنه خطاب للعقل والوجدان، ومن حيث أنه خطاب لا تعارض فيه بين الوحي والعقل بخلاف الخطابات العقائدية في النحل والديانات الأخرى ، ومن حيث أنه خطاب يستهدف الإنسان فكرا وسلوكا ومجتمعا وحضارة ، ومن حيث اهتمامه بالكون والدعوة إلى تأمل ظواهره وتعليلها واكتشاف قوانينها واستثمارها في خدمة الإنسانية

ووفق هذه الخصائص وفي هذا الظرف التاريخي والحضاري الجديد يعالج هذا الخطاب البيئة الإسلامية التي بقيت تعاني تخلفا على مستويين هما :

1 – مستوى إيجاد نمط جديد للتفكير العلمي لدى الأجيال الإسلامية وذلك في المجال النظري .

2 – مستوى تحقيق نهضة تكنولوجية تنزل بنتائج هذا التفكير العلمي والتوجه العقلاني إلى التطبيق العملي ، وإيجاد عقلية علمية واسعة الانتشار تقر الأسباب والمسببات وتؤمن بالنظام السائد في الكون ، وتدرك الأشياء على أساس منه .

إن الخطاب العقائدي في الإسلام باعتباره خطابا دينيا يتألف من: المرسِل وهو هنا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والعلماء المتخصصون الذين استندوا إلى القرآن والحديث النبوي لفهم قواعد العقائد وكليات الأخلاق والأحكام، وما احتواه هذان المصدران من حقائق وإشارات علمية حول الإنسان والنفس والحياة والكون والطبيعة والمستقبِل وهم الناس عامة على مختلف ثقافاتهم ومشاربهم ودياناتهم وطبقاتهم الاجتماعية، وذلك لأن الدين الإسلامي جاء إلى العالمين، والرسالة أو الموضوع والذي يتمثل في توحيد الله وإثبات صفاته العليا وأسمائه الحسنى أو النبوة والوحي والمعجزة أو البعث والثواب والعقاب ، والهدف وهو تحصيل سعادة الخلق في الدنيا والآخرة واكتسابهم للحياة الكريمة الفاضلة المبنية على الحق والعلم والفضيلة والإخاء . من خلال ما سبق نرى أن الخطاب العقائدي في الفكر الإسلامي وعبر كل العصور تقريبا اعتمد على مصدري الوحي الأساسيين القرآن والسنة النبوية، وإن كان القرآن بنسبة أكبر، كما اعتمد على أساسيات العقل الصريح وبديهياته ومسلّماته، جادل العلماء بواسطة هذا الخطاب كل الطوائف المخالفة سواء كانت ضمن المذاهب الإسلامية أو ضمن الديانات الأخرى كالنصرانية واليهودية وغيرهما، اتسم هذا الخطاب بالعلو والتحدي، إذ لم يصل إلى مرتبته العلمية والحججية أي خطاب عقائدي آخر، نظرا لما يحمله من حقائق لا يمكن أن يطالها البطلان أو الزيف .

ومع ذلك نجد أن هذا الخطاب لم يظفر حتى الآن في تثوير الجماهير لتحقيق النهضة المبتغاة، وفي ترسيخ التفكير العلمي لدى الشعوب الإسلامية، مع أن النصوص الإسلامية تقـدم للعقل ميدانا فسيحا للحركـة والعمل.»

المحور الثاني

إن محاضرات هذا المحور متكاملة مع بعضها، وهي تتعرض إلى أزمة الخطاب الديني من حيث العوائق الكامنة فيه، والتي في أصلها غير متأتية من الكتاب والسنة، وإنما متأتية من المسلمين أنفسهم، ومن عوامل داخلية وأخرى خارجية، فهذا الدكتور غرس الله عبد الحفيظ من جامعة وهران يقول:

«… تتجلى أزمة الخطاب الديني الإسلامي المعاصر في اعتقاد حاملي منظومة هذا الخطاب، أن منطوقها ومفهومها، وكل ما يصدر عنها من أبجديات وأدبيات هو من المقدسات، وامتدادات للبيان الشرعي والتنزيل السماوي الذي يحرم نقده أو الاختلاف معه. يعتقد الفاعلون الدينيون التقليديون المنتجون لهذا الخطاب، أنهم الورثة الشرعيون للأنبياء، فهم المخول لهم من السماء والحضرة الإلهية احتكار معنى الديني وفهم الحقيقة المطلقة؛ بل هم التمثل الأوحد للحق، وأن أدوات ووسائل ووسائط التعاطي مع مصادر الوحي تأخذ في نظرهم قدراً من العصمة والتعالي، والامتناع عن النقد . تصير حينئذ حركة النقد أو القراءة الجديدة وتفعيل حركة الاجتهاد داخل المنظومة الدينية الإسلامية مشوبة بهوس المخالفة، وهاجس التغيير والتبديل والتحريف، والتعارض مع ما كان عليه السلف الأوائل، بل حتى اللغة والكتابة أو الخطاب المغاير لمعهود لغة المنظومة التقليدية الدينية، ُينظر إلى المُختلف والمتجاوز لذلك بشيء من الاغتراب والاستلاب، ويحُكم عليه بالتنصل عن جلده والمروق من دينه والشطط في القول والنظر. تمارس هذه السلطة الذوغمائية (1) كل أشكال الهيمنة والسحق لكل من يسول له عقله الخروج عن حرفيتها وقواعدها الجامدة، و تعتقد أن ظاهرة الاختلاف نقمة على الأمة واتباع للباطل والهوى وابتداع في الدين، ولم تسلم حتى المذاهب الفقهية والكلامية المختلفة ذات المنشأ التاريخي التي أعطى ظهورها مشروعية للاختلاف من العزل ومحاولات المحو والإقصاء. والمؤكد أن دوغمائية هذه السلطة تستمد فعاليتها واستمراريتها من غياب العقلانية الموضوعية في الشأن الحياتي الخاص والعام،  القادرة على تفكيك التداخل الموجود بين الإلهي والبشري وبين نصوص الوحي المقدسة وشبكات التأويل التاريخية، وأخيرا بين المؤسسات والمرجعيات الدينية الخاضعة للرهانات الرمزية والمادية التي تعد جهازاً إيديولوجياً تابعاً للمجموعة المسيطرة، وبين الهيئات العلمانية المتنوعة والمتعددة من جميع التخصصات العلمية المطلوبة، والمستقلة عن كل الإكراهات النفسية و الفكرية والاجتماعية والسياسية و المستندة إلى قوة البرهان النقلي والعقلي و منطق المصلحة المنضبطة.

لا ينفي هذا التشخيص للوضع الديني التقليدي العام وجود محاولات جادة تحاول إعادة التأسيس والتأصيل للنظر الديني (2) على نحو إيجابي ومقاصدي ومنفتح على العالم، ومفيد في بناء الحياة الفردية والجماعية، لكن هذه المشاريع لا تزال في طورها التأسيسي الأولي، وهي تحتاج إلى دعم شامل لكي تصبح مرجعية قوية علميا وحضاريا، ذات نفوذ فاعل ومثمر في تشكيل وعي للأمة في مستوى التحديات والرهانات. لكن مع الأسف، الخطاب الديني العام المُنتَج حاليا يستغرق كل التوصيفات المذكورة سلفا، فإن ما يسمع ويقرأ ويكتب وينشر في المجتمعات العربية والإسلامية يكاد يكون في الغالب إعادة إنتاج لما سلف واجترارا لما مضى، وتبسيطا وتسطيحا للقضايا المطروحة. لا يزال التقليد والتحجير ميزة العقل الديني، ولا يزال هذا الأخير مُسيّجا بأحكام الممنوعات والطوارئ، ومُغِلقا الأبواب على فريضة النظر والتدبر المنصوص عليها في النصوص الدينية بشكل مكثف وجلي.

الأستاذ أحمد دلباني أستاذ في جامعة محمد خيضر ببسكرة في محاضرته التي استند فيها لأطروحات الفيلسوف الجزائري محمد أركون..هذه المحاضرة التي كانت بعنوان: حول مشروع البروفيسور محمد أركون:  من نقْد الخطاب الديني إلى آفاق الأنسنة .

«… إن الخطاب الإسلامي المعاصر غارق كليا في مناخ الانتفاخ وتلفعه نزعة الأسطرة من طرفه إلى طرفه. إنه بكل بساطة خطاب لم يتح له أن يقطع المسافة الإبستيمولوجية النقدية الضرورية من أجل إدراك شروط انبثاقه بوصفه نتاجا لمخيال اجتماعي جبار واقع تحت صدمة التحديث غير المسيطر عليه، وتحت صدمة فشل انتقال المجتمعات العربية – الإسلامية إلى الحداثة التي تقطع- بصورة متوازنة – مع مشكلات الماضي والتخلف. إنه خطاب إيديولوجي بالمعنى التام، يكشف عن تحول الإسلام – شيئا فشيئا – إلى ” ملاذ ” كما يعبر البروفيسور أركون(5)، يعوض عن فشل الإيديولوجيات التي تم اعتمادها صيغا متوحشة للتحديث في مجتمعاتنا. إن تنامي النزعات الأصولية عندنا، بالتالي، لا ينفك بحال عن المسار المعقد الذي جسد فشل الدولة الوطنية العربية في الانقذاف في مغامرة الدخول إلى العالم المعاصر، من دون إجراء المراجعات الضرورية والهادئة مع الماضي والمقدس وفضاء المتخيل الرمزي الذي يرافق عادة كل بنية سوسيولوجية لم تخترقها الحداثة. لقد تم اعتماد الوصفة الجاهزة لهذه الحداثة متصورة على أنها تحديث أخذ شكل التعنيف لمجتمعات ذات بنية قبلية بطريركية عتيقة؛ وأخذ شكل التدمير المنتظم لمناخها السيميائي ولأنظمة تصورها للعالم؛ وها هي قارة المقدس تنفجر في وجوهنا من جديد، في صورة اعتصام بحبل الهويات الضيقة، وفي صورة عودة طقسية للماضي المعاد إنتاجه أسطوريا في الفضاء السوسيو- تاريخي، بوصفه الطريق الوحيد الممكن للخلاص في متاهة اللحظة التاريخية الحالية.

إن ما تجدر الإشارة إليه هنا، هو تواطؤ الخطاب الإسلامي المعلن مع هذا الوضع العام، وتحوله إلى خطاب إيديولوجي تمويهي تمكن من اكتساح الساحة إعلاميا والتحول إلى قوة لإنتاج الحقيقة السوسيولوجية البعيدة عن كل حس نقدي لما يعتمل داخل مجتمعاتنا. إن هذا الخطاب يقفز على لحظته التاريخية المعقدة ليعيد إنتاج الوعي الإسلامي المغترب في أفق الخلاص. إنه خطاب الانسحاب من العالم بامتياز، تؤطره الثنائيات المانوية الأكثر تقليدية والأكثر تجذرا في الوعي القروسطي. إنه، بالتالي، خطاب محاكمة العالم وإدانته لا محاولة فهمه. من هنا، يعتبر المفكر الإسلامي المعاصر مبشرا لا مفكرا، بوصفه يمثل وعيا يهجم على العالم بالمسبقات اللاهوتية القديمة والجهاز المفاهيمي الذي كرسته الأدبيات الكلاسيكية المرتبطة بأنظمة الفكر الديني في أكثر أشكاله تقليدية.

انطلاقا من ذلك، نقول إن هذا الخطاب لا يحتضن لحظته ولا يستطيع أن يسبر تعقيدها بمعزل عن الخطاطات الجاهزة من أجل إنتاج لحظة المعقولية الجديدة القادرة فعلا على ردم الهوة بين الوعي والشروط الانفجارية للواقع المتحول والمتغير دوما. إنه، بكلمة، لا يمثل فتحا إبستيمولوجيا يستطيع أن يؤسس لقراءة تفتح أفقا جديدا من أجل إعادة ترتيب علاقة الإنسان المسلم بالعالم المعاصر وبتراثه الخاص؛ إذ يحتاج هذا الأمر  – كما هو معروف وكما تبين تجربة الحداثة الأوروبية مثلا – إلى ثورات معرفية وفلسفية وسوسيو- سياسية لم يشهدها العالم الإسلامي ولا الفكر الإسلامي منذ قرون، أي منذ انقطع هذا الفكر عن تراثه المبدع وأصبح يعاني من تصلب شرايين العقل الذي غرق في آلية الشروح والهوامش لأسباب تاريخية موضوعية، كان أركون من أبرز من كشف عنها.»

الدكتور رابح جابه من جامعة الجزائر وفي محاضرته التي كان عنوانها: نماذج من الخطاب الديني لأصناف العلماء..يستعرض عدة حالات من هذه الخطب، لدى العديد من علماء الشريعة،وكيف يفسرون النصوص الدينية، وبخاصة الآيات القرآنية بعيدا عن مضمونها الحقيقي، وما يتسبّب في ذلك من أضرار للمتلقّين:

«… أغلب هذا الصنف من العلماء يعتقدون أنهم يعرفون كل شيء، ويفسرون كل النصوص الدينية، ويفتون في كل شيء، في اختصاصهم أو في غيرها حسب ما يرنه بعقولهم، معتقدين أن عقولهم مصيبة في كل ما يقولونه، فيضلون ويُضلون في أغلب أحوالهم.

أكثرُ هذا الصنف من العلماء يمتازون بالغلو في الدين والتهويل، ويقولون بأشياء ما أنزل الله بها من سلطان ولم تذكر في القرآن الذي لم يفرط فيه من شيء، والذي لا يستحي قائله أن يضرب فيه مثلا ما، بعوضة فما فوقها، أو يأخذون هذا الغلو والتهويل من أسلافهم مسلما لا يفكرون فيه. مثل: سكرات الموت، عذاب القبر، قضاء الصلاة يوم القيامة على حجر ساخن في جهنم، الصراط الذي يمر فوق جهنم إلى الجنة، نزول عيسى بن مريم ومجيء المهدي المنتظر… وغيرها الكثير. سمعت أخيرا أن أحد كبار علماء هذا الصنف يقول في أحد قنوات التلفزة أن الإنسان تخرج أمعاؤه يوم القيامة وتربط في الناعورة كما تربط إليها الدابة بالحبل، ويديرها بأمعائه هذه، ولجهله؛ إنه لا يعلم أن الأمعاء تقل بها أعصاب الإحساس كما توجد في الجلد، وقالها الله تعالى كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب… وهكذا، فهل وجد هذا العالم الكبير نصا في القرآن بهذا المعنى؟ إنهم ينكرون – وأحيانا بعنف- كل ما يخالف عقولهم هذه.  هذا الإنكار والعنف فيه وعن جهل هو لب الخلاف في الخطاب الديني. جهل العلماء بالحقيقة الوحيدة التي يقصدها النص يجعلهم يضيفون إليها من عند أنفسهم معاني غير موجودة فيها، فتوصف أحيانا بأنها غلو في الدين، غلو نهى عنه الله بقوله: (يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق) النساء 171.  (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل) المائدة 77.  وأحيانا توصف الزيادة بأنها اعتدال. الغلو في الخطاب الديني من عند أنفسنا وليس من الدين، وحتى الاعتدال في الخطاب الديني كذلك من عند أنفسنا، ما يراه أحد غلوا يراه آخر اعتدالا، وما يراه أحد اعتدالا يراه الآخر غلوا أو تسامحا، والكل نسبي مادام من عند أنفسنا، ولا نخرج من هذه النسبية إلا فيما هو من عند الله، وكل ما هو من عندنا كذب على الله، إننا نكذب على الله سواء كان ذلك بالزيادة أو بالنقصان، بالغلو أو بالاعتدال والله – جل جلاله- يقول: (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة، أليس في جهنم مثوى للمتكبرين.) الزمر 60.

كبر في نفوسهم ما هم ببالغيه، وغلو أو اعتدال في الدين بغير حق، ويقولون على الله ما لا يعلمون، ويجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب مبين ومع ذلك يختلفون. أغلب المنضوين تحت هذا الصنف ينكرون بعض المعجزات التي خص الله بها أنبياءه مثل وحيه لموسى أن اضرب بعصاك البحر لينفلق، وكان كل فرق كالطود العظيم.

المحور الثالث:

إن هذا المحور يتضمن عدة محاضرات حاول أساتذتها تقديم البديل، لأزمة الخطاب الديني، من حيث تجديد هذا الخطاب وفْق مستجدات العصر، ووفق حاجات حيوات المسلمين..هذا الدكتور أحمد عيساوي أستاذ الدعوة والشريعة بجامعة باتنة، يرى بأن سبب الخلاف بين تياري التقليد والتجديد في الفكر الإسلامي يعود إلى رؤية كلا منهما لمفهومي الثابت والمتغير في المرجعية الدينية .

«… ففي الوقت الذي يذهب فيه مفكرو التيار التقليدي السلفي إلى اعتبار الدين كله ثابت ومقدس، لا فرق بين القرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وعمل السـلف الصالح من الأمة ، معتدين بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:[ خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم – وعدد ثلاثة أو أربعة قرون وتوقفهنا عليه الصلاة والسلام -]. فلا مكان في فهمهم لمتحولات ومتغيرات ومتطورات فيه على الإطلاق، فكله ثابت، فيما ذهب مفكرو تيار التجديد إلى انقسام الدين الإسلامي إلى قسمين، قسم خاص بالأطر المرجعية المقدسة الثابتة، والتي لا تتغير ، ولا تتبدل، وهي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة . وثمة قسم آخر متغير ومتحول، وهي الفهومات والقراءات التي قامت على الأطر المرجعية الثابتة ، معتدين بقوله عليه الصلاة والسلام : [ إن الله تعالى ليبعث على رأس كل مئة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها ].وانطلق تيارا التجديد والتقليد – بالرغم من اختلافهما في وجهات النظر – إلى تعزيز وتدعيم موقع الإسلام محليا وإقليميا وعالميا، يدفعهما حب الإسلام والغيرة عليه، والتمكين له، بحسب رؤية واجتهاد كل اتجاه لتحقيق المكاسب الإسلامية التالية :

1             – إصلاح العقائد والتصورات .

2             – محاربة البدع والخرافات والأوهام والأباطيل .

3             – الكشف عن بواطن الخلل في تخلف وانهزام الأمة الإسلامية، والعمل على استنهاض كوامن القوة في الأمة الإسلامية .

4             – مواكبة التطورات والمستجدات في حياة وواقع المسلمين بإيجاد الحلول والإجابات المقنعة لمشاكلهم وتطلعاتهم .

5             – إبراز القيم والمعاني السامية، والمبادىء النبيلة ، التي يتأسس عليها الدين الإسلامي، كقيم العدل والإخاء والمساواة والشورى والسلم والحرية ..

6             – الدعوة إلى مواجهة قوى الاستغراب والاستخراب والاستكبار العالمية ، الطامعة في ثني وصرف العرب والمسلمين عن دينهم، وفي ثرواتهم وأرضهم وخيرات بلادهم .

7             – تربية الفرد والمجتمع المسلم على قيم الإسلام النبيلة .

8             – العمل على إيجاد جماعات وقيادات واعية تقود المجتمع في ظل غياب الوعي والتحاكم الشرعي الإسلامي التي عليه جل الكيانات والأنظمة العربية والإسلامية .

9             – إحياء التراث الإسلامي، وإعادة قراءته وحراثته وتقديمه للأجيال الإسلامية الحديثة ، وتخليصه من كل ما لحق به من تشويه وتقزيم .

10          – الردّ على مطاعن وسموم المستشرقين والمستغربين، الذين يتعرضون لتشويه صورة الإسلام .

11          – محاولة تجاوز معضلة الصراع المذهبي والفرقي، وتوحيد جهود العمل الإسلامي المشترك .

12          – تجاوز معضلات الفكر الإسلامي الماضوية ( إشكاليات الفكر الاعتزالي والصوفي ) .

حتى يستطيع الخطاب الإسلامي المعاصر تخطي عتبات القـراءة التقليدية والماضوية لمضامينه، يجب أن يتحصن بالأسس والقواعد المنهجية التالية :

1 – الفهم العميق، والهضم الدقيق لمضامين ومكونات الخطاب الإسلامي في أبعاده : المقدس والتراثي والاجتهادي، وفق تراكمات وفتوحات الحقائق العلمية والمعرفية الحديثــة ، التي زادت في نورانية   الفهم والعمق ولاسيما في المجال الطبي والصحي والحسابي والاتصالي والمعلوماتي.. وفي مجال ارتياد الأنفس والآفاق والطبيعة والكون والحياة.

2 – الفهم العميق والدقيق لمضامين ومكونات الخطاب الإسـلامي في أبعاده المحلية والإقليمية والعالمية والكونية، والحدود الفاصلة بينهما ، بنية ، وتوجها ، وتأثيرا .

3 – الفهم العميق والدقيق لمضامين ومكونات الخطاب الإسـلامي في إطار سـياقه التاريخي التجربي .

4- فقه المعطيات الواقعية المحلية والإقليمية، والعالمية والدولية منها بشـكل أخـــص وأدق، والتمييز بين ما يجب أن يوجه للمدعوين المحليين، وبين ما يوجه للآخــر المتعدد عالميا .

5 – عـــدم إهمال التراكمات الإنســــانية المدنية والحضارية الأفقية والعموديــة، في جانبيها النظــــــــــــري:[ العلمي، المعرفي، الفلسفي، الثقافي، الفكري] والتـــــطبيقي:[ العلمي، التكنولوجي، الاتصالي الفضائي ..] .

6 – تجاوز مرحلة وحالة الحنين والاستلطاف والإعجاب .. القائمة بين المعاصر والماضوي ، ولاسيما فيما له علاقـة بالتجربة التاريخية الإسلامية التي ترجمت المضامين العالمية للخطاب الإسلامي .

7- تقديم قراءة واعية ودقيقة عن الآخـر المتعدد، بهدف ضمان صيغة وبنيـــة خطاب ملائمة لوسـطه ومؤثرة في كيانه، ومقبولة في مناخه وفضاءاته المتعددة .

8- محاولــة تجسـير الشـروخات والرواسـب الموروثـة عن الفهــم الماضوي لمضامين وبنيـة الخطاب الديني للآخر، وذلك بخلق حالة من التناغم والتلاقي والتسامع مع الآخر، وتحسيسه بالثقة المطلقة بالمراد التواصلي معه .

9- وضع الآخر في مجال التواصل، وإحداث القطيعة مع قناعات التلاغي الساكنة في موروثه الثقافي تاريخيا، ولـو بالاتفاق العملياتي الآلـــــي البحت، على مواجهة القضايــا والمعضلات الملحة التي تعاني منها البشرية قاطبة، كمكافحة تعاطي المخدرات والإجهاض والسيدا وزواج المثلين والشذوذ  الجنسي والقضاء على نظام الأسـرة والانتحار والجريمة المنظمة والتجارة بالرقيق الأبيض .. الذي  تنكره وتحاربه الكثير من الكنائس المسيحية، ومنظمات المجتمع المدني العلمانية.

10- الإحساس بالمسؤولية الملقاة على الآخـــر، من جـراء الزهــد في تحمل المسؤوليات الحضارية، وترك الآخر يقود العالم في قرن العولمة، والاسـتنكاف عن ضخ قيم البذل والعطاء المفروضة في الخطاب الديني الإسلامي نحو الذات والآخر السوي أو المتأزم معا على قدر سواء .

11  ـ الصراع المذهبي الفروعي الضيق، والاختلاف الفرقي الأصولي المزهق والقاتل لكل آمال الوحدة والتجمع التأثيري الفاعل على الساحتين المحلية والعالمية، وترك العمل بالقاعدة الأصولية الحركية التي أطلقها رواد العمل الإسلامي في العصر الحديث ( لنعمل فيما اتفقنا فيه، وليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه).

12- العمل على استغلال كافة وسائل الاتصال التقليدية والحديثة المؤثرة في جمهور المدعوين.

13- الركن الاجتهادي الفاعل والمتحرك ضمن دوائر المقدس، ومرورا ببوابات الفهم السـلفي والتراثي للمقدس، كبوابات عبور واسـتئناس وتدبر لصيرورة فهم المقدس من قبل الأجيال الأولى عملا بالمبدأين الإسلاميين العظيمين( إن الله ليبعث على رأس كل مئة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها ) و(الخير والبركة في أمتي إلى يوم القيامة ).

بينما الدكتور قوميدي الدوّادي في محاضرته التي كان عنوانها: خطاب الفتيا بين الغلو والاعتدال ، يرى أن تجديد الخطاب الديني أكثر من ضرورة للعديد من العوامل، والنصوص تركت المجال للبشر كي يجتهدوا، وفق ما تقتضيه ظروف زمانهم، وقضاياه المستجدة.

«… فالتجديد خاصية من خصائص الرسالة الإسلامية الصالحة لكل زمان ومكان، وهو لازم من لوازمها، وضمان لبقاء قدرتها على التكيف مع متغيرات الزمان والمكان، والاستجابة لمتطلبات المسيرة الإنسانية المتواصلة وحركة الحياة المستمرة في كل عهودها ومجتمعاتها ومعطياتها المختلفة.

وفي الشريعة الإسلامية مساحة واسعة تركتها النصوص قصداً لاجتهاد المجتهدين في الأمة ليملؤوها بما هو أصلح لهم وأليق بزمانهم وحالهم، مراعين في ذلك المقاصد العامة للشريعة، مهتدين بروحها ومُحْكَمات نصوصها. ومما ينبغي مراعاته في التجديد المطلوب لخطاب الفتيا هذه الأسس:

– النظر في المآل التطبيقي لتلافي الوقوع في المناقضة لمقصود الشارع.

– حسن الفهم والتعليل والتفريق.

– مراعاة المقاصد الدعوية والإصلاحية في الفتيا.

– مراعاة الاعتدال والتوسط الذي هو سمة الشريعة التي ارتضاها الله تعالى لهذه الأمة.

لاشك أن تحقيق منهج الاعتدال ونفي الغلو لا يكون إلا بالتفقه على المنهج الصحيح، وهو ذات المنهج النبوي الذي ورثّــه النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة ومن بعدهم.

وعلاج ما يقع عندنا من ميل عن الاعتدال لا يكون إلا بمحاصرة أسبابه في واقعنا الراهن.

وبعد

فإن الخطاب الديني المعاصر بكل ما يحمله من تشدد وغلوّ من هذا الطرف أو ذاك في زمن كثُر فيه الدعّاة وتدعّم ذلك بوسائل الاتصالات، الحديثة التي سهّلت على هؤلاء الدعاة الاتصال بالمتلقين للإفتاء، أو طرْح المواضيع المتعددة، يبقى هذا الخطاب يأخذ مساحته الواسعة في الساحة الفكرية العربية الإسلامية، إلاّ أن أغلبية الناس في هذا العالم المترامي الأطراف ينشدون الاعتدال،وينفرون من أي تطرّف،أو غلوٍّ..فالإسلام دين التسامح، والأخوة، والتكافل، والاعتدال.

إن هذا الكتاب قيّمٌ لما يحتويه من تشخيص لظواهر ضعف الخطاب الديني المعاصر تجاه المستجدات المعاصرة، وتشريح للغلوّ والتشدد وأسبابهما، ودعوة إلى التجديد، ولكن دون الجنوح عن مصادر التشريع الأساسية..كتاب جير بالقراءة المتأنية.

الكتاب: الخطاب الديني بين الغلوّ والاعتدال

المؤلف: مجموعة محاضرين .

التخصص: أساتذة متخصصّون في الشريعة والفكر الإسلامي

المطبعة: دار مزوار للطباعة بالوادي .الجزائر

إصدارات الرابطة الولائية للفكر والإبداع بولاية الوادي

الطبعة : الأولى 2010

الحجم : متوسط

الصفحات: 302

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق