الجمعة , ديسمبر 15 2017
الرئيسية | الموقع | قراءات ودراسات | رواية الصورة الثالثة * ((أينما تولي وجهك فثمة حرب))

رواية الصورة الثالثة * ((أينما تولي وجهك فثمة حرب))

حميد  الحريزي*

العنوان   والدلالة : يركز  الروائي  في الصورة الثالثة  وهي اشارة واضحة   الي  صورة  الجندي  زوج  ((سلوى))    مشوه  الوجه ومعاق  الجسد((نصف  لوجه ضامر والنصف  الأخر منتفخ .. أشكال غريبة  في النصف  الأول ، وجه جهات.واحدة مفتوحة ، وعين مغلقة بل آثار عين التحم الجلد حولها من ثلاث جهات….))  ص130 .

وصف  مؤلم   لهذه  الصورة الثالثة   التي  لاتصف  حالة   هذا  الجندي  ضحية الحرب  وإنما  هي تعبير عن  حالة وواقع  مجتمع    مشوه بأكمله   ،  بنصف  وجه   وعين  واحدة  ،  مجتمع  فككته  وشوهته  الحروب  والحصار   والديكتاتورية  ،  ففي الوقت  يدل  ماضيه  قبل  الحروب   بالوسامة  والجمال  وعلامات  الفرح  والانفتاح ، ودلالة واضح  للصحة والعافية ، وطيب  السريرة  والعفوية  والمحبة ،  نرى  النصف  الثاني  القبيح  الحزين  المشوه ،  مضمر  الألم   والحقد   واليأس ،  والكآبة  والعقد  النفسية المستعصية على الحل  وقد  تجسد  ذلك  حينما (( مل – الزوج- طمر الأسرار ..  رفع دشداشته واستوي كاشفا عن ساقيه ونصف بطنه ، لم تكن الحروف  قادرة على وصف حالته ، كان جسده ينكث ، يرتجف ..  حتى كاد  ان يسقط ” وأنا  في المستشفى  عرفت  إنني  لم اعد أنا .. لقد شوهتني الحرب وتركتني رجلا  لا يملك الا اسمه “)) ص178

وقد كانسمع  صوت  الكاتب  الموجوع  وهو يخاطب  الحروب   بألم   قائلا :-(( أيتها الحروب متى  يتحول البشر الي صناعة  القلوب  بدلا من صناعة  القنابل؟))ص99

وقد  كان   الكاتب  موفق تماما  باختيار  عنوان  روايته   ب((  الصورة الثالثة )).

لتكون  هي مضمون  روايته   في   عرض  مأساة الحروب  وانعكاساتها  على  البشر والطبيعة  ، على الطير  والشجر ،  على الرجال  والنساء والأطفال   وبالخصوص  على   المنطقة الجنوبية في  العراق  حيث  دارت  اغلب حروب  الديكتاتورية  سواء مع إيران  او  مع   دول  الخليج  موضوع الرواية  حيث    يصف  ما  أصاب   هذه  المنطقة   كما   حدث   لهيروشيما  عندما   ضربتها  أمريكا  الخراب   بالقنبلة النووية   وهوي خاطب  نفسه

((  قد  لا يعلم العالم  بما حدث، لكن الذي  سيكون ولو بعد سنوات  ان  قنبلة  هيروشيما  انفجرت  ببطءٍ  شديد في رمال الجنوب  سيكون  بعد دهر من  السياسة مكانا  لزيارات الوفود من اجل حساب أماكن الموت ، فهل يموت الجنوب  يا  محسن ؟)) ص49.

وبعد الحرب   وهزيمة الديكتاتورية   حيث  كان هذا  الجنوب  مسرحا   لانتفاضة  ضد السلطة ، كثرت  فيها  الأقوال  وحدثت  فيها  الأهوال  ،  حيث  شن  التطام  المسعور  هجمة  دموية شرسة  خلفت   المزيد  من المقابر الجماعية  لأهل الجنوب ، ليكمل   ما  فعلته  قوات  أسياده  الأمريكان ومن حالفهم اللذين  تمرد  على  إرادتهم ، فتحول  المهزوم  الي بطل  منتصرا  على شعبه ، وتحول الشعب الضحية  الي  خائن   وغادر وجبان ، فتحول   المجرم  الي  قاض  وتحول  القاضي الي متهم. وهذا    أمر لم يقف  عنده   الروائي ،  بل   حصر  اهتمامه   بكوارث  الحرب  والحصار  فقط . (( ليسأهوال   والكوارث   التي  لم  تبك  النساء  والأطفال   وإنما  أبكت  الرجال  أيضا ((ليس عيبا  ان يبكي الرجال بعد الحروب)) ص50

 المثقف الباحث  عن الحقيقة   بين ركام الحروب:

((  أتمنى  لو  ادخل  العقول   لأعرف   كيف يخططون  او يفكرون ، هل  يهتمون بالإحداث  ويريدون  نسيانها  ليواصلوا  الحياة )) ص46

واضن ان   الروائي  على  لفته   يضع  أمامه  هدف   مهم   الا  وهو   متابعة   آثار  الحرب  على  تفكير وسلوكيات الناس  وطريقة عيشهم  في  عراق  شهد   العديد  من الأنظمة  الشمولية  والفردية   عملت  على عسكرة  المجتمع   وشن  حروب  عبثية   خارجية  وداخلية   دامت   لعدد  من السنوات   أطول  الحروب  حرب  العراق  مع  إيران  والتي  دامت  لأكثر من  ثمان سنوات خلفت  مئات  الآلاف من  القتلى  والجرحى   بالإضافة الي   خراب  وتخلف    الصناعة والزراعة   في البلاد ، ناهيك  عن   مئات  الآلاف  من الأيتام  والأرامل  ،  ومن  ثم   دخل  حربه  الكارثية  التي  قصمت   ظهر النظام   الديكتاتوري  الصدامي   عندما   غزا  الكويت   وتحدى  قوى التحالف  الدولي  بقيادة   الولايات  المتحدة الأمريكية ،وما سمي  بحرب  الخليج  الأولى والثانية  ،  وما تعرض  له  الشعب  العراقي  من   القهر والموت  والتجويع    من  خلال  استئثار  النظام   بالثروة   بالإضافة الي الحصار  الظالم الذي فرضه  المجتمع  الدولي  كعقوبة   على النظام   في حين  ان  أثاره السلبية  كانت  تنعكس  على الشعب العراقي  وخصوصا   الجماهير الفقيرة  والمعدمة   التي عانت  الأمرين  من   جور  الحصار وقهر  الديكتاتور  القائد الضرورة  وحزبه  القائد  ، بعد  ان  انفرد   بالحكم   و تصفية   كافة  الأحزاب  والقوى السياسية   العراقية   الدينية واليسارية على حد سواء …

المهمشون  نواة  للإبداع ،  وحطباً   للحروب :

((  ليس  المعلم  وحده يربي  الأجيال، الفرّاش  أيضا )) ص95 شخصية  الرواية الرئيسية    الكاتب  الروائي  ابن  فراشاحدهم امسكنيالذي كان يوصيه  والده  ان  يحافظ على المكنسة  كما يحافظ  على  قميصه    كان  في نفس  الوقت   يحثه   على القراءة  ثم القراءة  لأنه  يرى    رغم  بساطته  بان  القراءة  هي طريق  المعرفة   والمعرفة هي طريق  التقدم   والرقي   واخذ   دو ر   هام  في  المجتمع

((انه يريدني ان اقرأ، ان اقرأ دوما ، إذن  سأكون قارئا  لاكتشف ذاتي  )) ص75.

وكأنه  يردد  سورة   اقرأ  ولكن  بطريقة اخرى   وهو يقول  –  أقرء باسم  أبيك  الأشم  ، الذي  علم بالألم ، علم  ولده  ما  لا  يعلم .

هذا الأب  المكافح  الذي  مات   بمرض  السرطان   وهو احد  إفرازات  الحرب  القذرة  وقنابلها   المخصبة  باليورانيوم .

هذا  الصبي  ابن  ((الفراش))   الذي  قادته  قراءاته   ليكون   روائيا ، وله  رفقة   من  الأصدقاء والزملاء    مهند الشاعر ، وناهض  الناقد  ،  وهم يعيشون  هموما   مشتركة   في  الثقافة والأدب  والمعاناة المعاشية  اليومية  ن  وحالات  الكبت  والحرمان   وهي معاناة  اغلب الشباب  العراقي  زمن  الحصار والديكتاتورية

وكيف  اضطر  هذا  الروائي   العاشق    ان يعمل    كمشغل  مولدة  لأحد  الفنادق  السياحية  في المدينة  لسد  حاجاته  المعاشية ،رغم   ضجيج   المولدة   والسكن   في  سقيفتها  على  سطح  الفندق وربما  لقائه في  مقر عمله   ،  وتبادلهم لهمومهم العامة والخاصة ،   واضطرا  بعض زملائه لبيع  بعض  أثاث  بيته   لسد حاجاته  اليومية   مهند  ((  حتى انه عاف مدفأة نفطية كان يعرضها للبيع فيسوق الهرج))  ص105.  حاله    كحال   اغلب العراقيين آنذاك  حيث  وصل  الأمر بالناس الي تناول وجبة واحدة  يوفرها   معيل  الأسرة  بصعوبة بالغة  وأحيانا  يصعب  عليه ذلك  ،  ورغم  تضحياته في الحروب  فهو دائما   ضمن  الشبهات   وموضع  متابعة ومسائلة  الأقوى الأمنية   للسلطة الحاكمة   ،  مثال ذلك  ما  تعرض  له  من   الاهانة  ومحاولة الاعتقال    الروائي  مشغل  المولدة  متهما      بالهروب من الجيش  بالرغم  من كونه  كان  جنديا   ملتزما  ودفتر خدمته   أنقذه  في أخر لحظة  من  سوقه  للسجن

((كان دفتر الخدمة العسكرية قد استجاب سريعا لبحثي لكن احدهم  امسكني من ذراعي وجرني  بقوة  فسقط الدفتر على الأرض)) ص184.

معاناة الأديب معاناة   الجنود  العراقيين   أثناء انسحابهم بعد  هزيمة النظام  وما  تعرضوا  له  من   الويلات  وكيف  تم  دفن  بعضهم  حيا في   ((  الخفجي))

(( الأفراد الراكضون ، العربات المزمجرة ، الصيحات المتتالية ، كلها غابت لم نعد نرى أحدا  او نسمع  صوتا ..  وحدنا في دائرة  قطرها الظلام  ومركزها النجوم وسقفها الغيوم وجدرانها  البد ، ضللنا الطريق  ولا  ظل  لنا الا  الأنفاس المتسارعة كل شيء يرتسم في المخيلة ، مجرد رسم لكنه يتحول  الشبح  مخيف ))  ص118.

كما  انه  أشار ان الجند   لم يكونوا  من دين  واحد ولا من  طائفة واحد  ن  فكانت  نذورهم  وادعيتهم    تدل  على انتماءاتهم  المختلفة   هناك من  يدعو العباس وهناك  من يدعو عبد القادر  الكيلاني  ومن يدعو  مريم العذراء والمسيح    من اجل خلاصه

كم هي   صعبة معاناة   الإنسان   في زمن  الحروب   التي   لاتنتهي  فما ان   تنتهي حرب  حتى تشتعل  ثانية  أكثر منها  قسوة  وإيلاما

((  أينما تولي وجهك  ثمة حرب  والأرض  مستعدة   لنزيف الدم ))  ص196.

معاناة  الأديب والمثقف زمن الحرب  و  الحصار والديكتاتورية :-

ان  جل  ما  يخشاه   الديكتاتور هو  المثقف  المستقل   الذي   لا يتزلف  ولا يتملق النظام  ،  فهو   بؤرة إشعاع   الوعي والتمرد والثورة   على  الظلم  والقهر   ومن الصعوبة بمكان  ترويضه   او    سبر غور  فكره  وما   يخفيه  في  تلافيف  دماغه ،  فكم  كان  رجال  الأمن  مستهزئين  بهوية   اتحاد  الأدباء  وكون  حاملها    روائيا  وعضوا  في    اتحاد الأدباء والكتاب   حينما  طلبوا  منه  إبراز هويته   وهو يعمل  مشغل  مولدة   ،  وقد كان  العديد منهم  يحمل حق ا لشعور  بالنقص  أمام  الأديب والمثقف    فيعمل  على  أهانته   وإذلاله   لأنه يرى نفسه   حقيرا  ودونيا  إمامه   وهو  الفاشل في دراسته    وتعليمه     والعاجز   عن  الإبداع  الا  بالتملق للسلطة  وابتداع أساليب  التعذيب  ومحاربة  العلم  والثقافة .

كما  كان   المثقف   يعاني من صعوبة  الحصول  على انيسه  وسر ديمومة حياته   الا وهو  الكتاب ، فالمثقف  يعاني صعوبة الحصول   على الكتاب   الذي  يريد  لان  اغلب الكتب  الجادة  والإبداعية كانت ممنوعة   ومحظور تداولها في سوق  الكتب ..

كما  ان  المتوفر منها  كان    مرتفعا لثمن   واكبر من قدرة   المثقف  على شرائه، مما روج  عملية النسخ والاستنساخ  لهذه  الكتب النادرة   وبيعها  بأسعار منخفضة   تناسب  جيوب المثقفين    ،  وابتداع  أساليب لا تخلو من المغامرة  لإيصال الكتاب الممنوع للقاريء العراقي  الذي لم ينقطع  عن القراءة  ومتابعة التطور  الأدبي  والثقافي  في العالم  رغم  صعوبة  ظروفه ،  ورغم  مراقبة السلطات  لحركاته  وسكناته ن  والسجن  على الشبهات  ن   فربما  منشور    او كتاب  ممنوع   يوصل    مقتنيه  الي حبل  المشنقة …

وقد  كان   الكاتب فطنا   في  توصيف  الفئات  الاجتماعية   المحبة للثقافة   وخصوصا  من  قبل  فئات  الطبقة المتوسطة   رغم  هشاشتها  ،   وزيف  ادعاء  حديثي  الثروة  وأصحاب  الأموال  من  الأغنياء والمترفين    الشبه  أميين   رغم  زيف  ادعائهم   بالثقافة والأدب  ومثاله   ابن  مالك  الفندق  وتظاهره    بحمل  الجريدة  الملفوفة في  يده  ،  وهي اشارة  الي  جهل  وهشاشة  وأنانية    الطبقة  البرجوازية  الطفيلية  الجديدة  ، التي   كانت  مغرمة بحيازة العقارات  والمتاجرة بها  ، فشتان  بين   من  يأكل الدجاج ولحم الخراف بملعقة ذهبية  ولكنه جاهل   وبين  من(( يأكل صمون الجيش والأوراق )) 103  عاشق  الثقافة   والأدب  ومنتجهما  القدير  في زمن  التصحر  الثقافي والروحي .

المرأة ومرارة   الحب والحرب:-

(( ان التواجد في حضن امرأة يعادل  التواجد في  ساحة  الحرب )) ص111

المرأة   هذا  المخلوق الذي  يجسد  سحر وجمال   وكمال   الطبيعة  والكون ،  مثال  الرقة  والعطف  ،  هذا  المخلوق  صانع  وحافظ  ومولد  وضامن استمرار الحياة   ، هوا لمخلوق  الأكثر خسارة  في   الحروب  في  العالم ،  فالمقاتل  قد  يفقد حياته  في صراع  ند  لند في  ساحة القتال   او   يفقد   عضوا  من  أعضائه  او يصيبه  العوق  ولكن   المجتمع   يجله   ويحترمه   ويقد شجاعته  ومقاومته  وفي   اضعف  الإيمان   يعطف  عليه …

ولكن   المرأة  في  كفاحها   اليومي  من اجل  استمرار الحياة لها  ولأطفالها  في حال  فقدان  الأب   او الزوج  ، فهي   تتعرض  لجوع  لا يقاوم   ، جوع  الجسد  للغذاء المادي  ، وجوع  الجسد للغذاء الروحي  ،  أنها  توضع  بين  نارين كل  منهما  اشد  قسوة وضراوة من الأخرى ،  وان  أصيبت   بضرر جسدي  او  روحي  في  هذا  القتال   فسيسلط  عليها  المجتمع  كل  سخطه   واستهانته  حد   القتل   والعزل  والاحتقار ، بالرغم  من كونه   هو  المسبب   لهذا  العوق  الجسدي  والروحي  للمرأة ،  وكأن  المرأة   جسم أصم  بلا  روح   ولا مشاعر  ولا حاجات   مادية  او روحية…

هذا  الرجل  الذي يفتخر  بجرائمه   ضد المرأة  ،   الاستغفال   والكذب   والمشاعر  المزيفة   والاغتصاب   كل  هذه  الأفعال   محل  مباهاة  وفخر   بالنسبة  له، الخيانة رجولة وفهلوة  وقدرة  محمودة على الإغواء  ، في حين   توجه  كل   أنواع  العقوبات  للضحية   للمغفلة  للمستضعفة  المرأة.

هذه  هي  أحكام  المجتمع  ألذكوري  في عالم  الأمس  وواقع  اليوم  في مجتمعاتنا   العربية والإسلامية ….

فتظهر حالة ((سلوى ))    ،  وهي  بمعنى ودلالة  التسلية  واللهو   وقضاء المتعة  كما يشير  اسمها ،  يتعرض  زوجها   الجندي  المقاتل  في جيش  الديكتاتور   الي  إصابة تسبب  له  تشوه   في وجهه  ،  ويتعرض  الي  إصابة عوق  في  رجولته   يتعذر  عليه  القيام  بواجباته الزوجية وتواصل  علاقته  الحميمية  بزوجه   الجميلة الفاتنة  المخلصة ((سلوى ))  ،   من  هجرها   في  الفراش   وأهملها من  حيث  المشاعر والغزل  الجميل والذي   يقول   الراوي   فيه((  ان سر ديمومة المرأة  يكمن في كلمات الغزل ))  ص88.

مما  عرض  العائلة   الي  التعرض  لحالة من  العوز ((  غادرتنا أغراض البيت  الي  بيوت  اخرى ، من هنا كانت الخسارات الأولى ،  لأجد نفسي قطعة الأثاث الوحيدة التي أهملت، حتي سقطت قشرتها  ويبست  أوتارها …  أخرست  جسدها  في  قبو فارغ)) ص88.

وهنا   تكاتف  العوز المادي مع   الجفاف  الروحي   الذي استمر   لعشرة سنوات   من الإهمال و اللامبالاة  لنداء لا بل  لصراخ  الجسد  المتصحر   والمطالب  بقطرات  من  مطر العاطفة  ، فتآكل  وانهار جدار المقاومة لدى  ((  سلوى))   حتى وجدت  ضالتها في  شخص  الأديب  الروائي   هذا  الباحث  أيضا    على  إطفاء غليل  عطشه  وإرواء حصان  غريزته    من واحة  أمنة  ومأمونة  ومجانية  ،والذي  رغم  ثقافته   ووعيه  فانه  يفكر بعقلية  الصياد   الذي  يبحث  عن   فريسته    وصيده  حينما  يقول  ((  حين  اصطدت  سلوى  شعرت  بالحرية  وكأني مسكت  الأرض، وقلت :-  الآن صار وجودي حقيقة ، وحين  اكتشفت الحقيقية  صرت حزينا ،  والآن اشعر باليأس والتعاسة ))  ص94.

هنا   تظهر  حالة  الازدواجية  في    السلوك   بين  العفة  والدنس ،  بين الالتزام  الأخلاقي   وبين  الانفلات  والتحلل وانتهاك  حرمة  الغير  ،من  خلال   علاقته  الغرامية  ومبيته  الليلي  في فراش  الزوجية  للزوج  الذي  إعاقته  الحرب .فقد  أصبح   أسير إشباع  رغبته  الجنسية  وتمسك  سلوى   به  حد الجنون  ،  وبين  تأنيب  الضمير   فيكون  هو  والحرب  ضد  الزوج  المعاق  شكلا وجسدا عن  القيام   بواجب  فراش  الزوجية .

أسلوب سردي إما  بالكف  عن  ممارساتها  خارج  نطاق  الزوجية  او  طلب  الطلاق  من الزوج ….  ولكنه  يقف عاجزا   أمامها  حينما  تسأله  هل  سيتزوجها  هو ان طلبت الطلاق   من  زوجها ،  او تضطر ان   تكون  عاهرة  وبائعة  للجسد  لتامين  حياتها  وهي  بلا  اهل  ولا معيل  ولا عمل …   فهو  يريد  ان يديم  إشباع  نزوته   وغريزته    الجسدية ،  وان يشبع فضوله  في   متابعة قصة  سلوى  وزوجها  لتكون مشروع  رواية مستقبلية   دون   إي  ثمن ،هكذا   هي  البرجوازية الصغيرة   تدعي  الفضيلة  وتدعو لها ولكنها   لا تلتزم  بها  وليست  مستعدة  لتقدم  أية تضحية في سبيلها ؟؟؟!!!

هنا تتكشف  عورات  مجتمعاتنا  وخصوصا  بحق  المرأة التي تطالبها  بالعفة  دون  ان   توفر   لها  الخيار الحر والحياة الكريمة  والعمل المناسب  لتتمكن  من صيانة  روحها وجسدها …

هنا تنكشف  هشاشة  وزيف  ورثاثة    فئة المثقفين   المحسوبة  على الطبقة المتوسطة في مجتمع    تهيمن عليه  ثقافة الاستهلاك  والبداوة ، فهي  طبقة  رثة   تحمل  ازدواجية الحداثة  والتخلف،  وقد تجسد  ذلك  بأبشع  صوره  في محاولة  ((ناهض))  في  تجريب   واختبار رجولته    مع  سلوى   دون  أية   احترام لمشاعرها  وخصوصية جسدها ،   وان  منحته  لمن عشقته    لا يعني انه   أصبح  مشاعا  للجميع …هنا  تتكشف  لنا  ازدواجية   القيم  لمثقفينا ، وضحالة ما يلتهمون من حروف  الكتب  الجميلة التي  لم تتمكن  من تجميل  وتهذيب  سلوكياتهم 00(( لايمكن لخيوط  العنكبوت ان  تحمي  صخرة  الرذيلة )) ص156

إننا  نعاني من  أمراض  بنيوية خطيرة   نتيجة التشوه والهجنة في  مجتمعنا ، الذي  يعاني من  انفصام  الشخصية   على مختلف المستويات ، وهذا    واقع حال  لا مجال للتفصيل  في أسبابه   الذاتية   والموضوعية .

((سلوى))   الجميلة ،  الشابة ، العاشقة ، المخلصة ،  تبقى  عاقرا   ممثلة  لمجتمع   عاقرا  مستهلكا   غير منتج   لأسباب  قاهرة ،  فلا يمكن  ان  تكون  هناك  ذاتا  منتجة  في ظل  ظروف  القمع  والتجويع    ،  والحرمان ،  والاحتلال

أسلوب  سردي  مميز ، ومفردة رشيقة :

ان  أسلوب    علي  لفته  السردي  تميز بالمشاركة  الحوارية ،  فقد  أشرك   معه  في  رواية  الأحداث   ومناقشة الظواهر   الشاعر مهند، والناقد   الأدبي  ناهض  بالإضافة  الي  سلوى  الامراة  المستلبة ،  وهي محاولة   ليكون   فضاء  السرد والبحث والمناقشة   أكثر سعة   معتمدا  المبدأ الحواري  الباختيني   في السرد  ، فهناك  أكثر من صوت  ضمن  المتن السردي  للرواية  ،  محاولا بذلك   إبعاد  الفرض  القهري  لفكر   وايدولوجية  الكاتب  المؤلف  على  شخصيات   الرواية  ومحاورها ،  وكذلك   محاولة  بيان  وجهات   وزوايا  النظر المختلفة   للنص والفكرة   من  قبل  الشاعر   والناقد ،  وتحفيز  القاريء للمشاركة في النقاش  واتخاذ  موقف  من  الأحداث والظواهر  الاجتماعية المختلفة    ومن  أهمها  فضح  قبح  وجه الحرب   كأداة للموت  والقهر والاستلاب  والخراب،  مبتعدا  قدر الإمكان عن  حالة  التقرير الوصفي ..مجسدا ذلك  من خلال  الصور  وسلوكيات  الشخصيات  ومعاناتها  تحت  وقع  الحرب  وأساليبها الوحشية ،  ومراجعة الذات   في  النظر الي معاناة المرأة  وحرماناتها  وتفكر و تدبر  معاناتها   دون  ان يقترح  او  يفرض  حلا لهذه   المشكلة  التي تبدو مستعصية على الحل  الفردي …

مستعرضا ولو بشكل  خاطف   الفرق بين الشعر  والسرد   والإشارة  الي    واقع  عدم  تفهم  العامة للسرد   كما   تتفهم الشعر  باعتباره  هو الأدب السامي((  لا يفهمون  معنى  ان يكون المرء قاصا ، قد  يفهمون كون الإنسان   شاعرا  لكنهم لا يفهمون  معنى القص رغم ميلهم الي سرد الحكايات والاستماع إليها )) ص188.

وهنا كان الكاتب  يشير   الي  حقيقة   كون  الرواية   هي  ((ملحمة  البرجوازية))   زمن   نهوضها   في  العالم  الأول ،  وكونها   فنا  أدبيا   يبدو  مقحما   على شعوب   لازالت  تعيش ((عكاظها ))  في ما قبل الحداثة ، زمن المجتمع  الأهلي ، حيث  القبيلة  والطائفة  والبداوة هي الحاكمة   وسيلتها   الشعر  والخطابة   والمدح  والرثاء تلقى من خلال  منصة  تعلو هامات  الحضور  فاغري الأفواه والأذان   لتلقي  أناشيد   الشعراء والخطباء،  لا يستسيغون   أدب  التفكر المقروء   والصورة التي تستقبلها العين   والمرسلة لمرشحات  الفكر  ليتدبرها  ويتفكرها    ويعي معناها  ،  بالضد من  أدب المنصة المنقول  من  الأفواه  الي  الأسماع    الغير ممتنع  على  الفهم  والقبول والذي لا يحتاج للمرور بمشغل  الفكر  ليكون واضحا ومفهوما …

وكما   عبر عن ذلك  صديقه  الشاعر  ((مهند)) قائلا : ((انتم كتاب القصة والرواية تتأملون كثيرا حتى تكتبوا،  لا يوجد عندكم   عنصر الانفعال الذي تحتاجه القصيدة)) ص80. وقد تضمن  متن الرواية العديد   من  الآراء النقدية  التي   تدل  على ان  الكاتب   ليس  روائيا  وشاعرا فقط  وإنما   هو  مهتم   ومنتج  جيد  للدراسات  النقدية  وله  اطلاع   معتبر    على المناهج  والمدارس  النقدية    فله  هنا وجهة نظر معتبرة  بالتمييز بين  الشعر والسرد   وبين   الرواية  والرسم   حيث  يقول  :-

0((هل  بإمكاني ان  اكتب نصا  قصصيا  وروائيا  يحظى  بالقراءة  والاهتمام  ويصل  الي الناس  مثل  اللوحة ؟؟  ربما تكون اللوحة أسرع، فهي تعلق على الجدران  كزينة، إما الكتاب فقد صار صعبا  في عصر التكنولوجيا والعولمة والحرب ، في عصر  تهشيم الإنسان  وتهميشه .))  ص80.

نزعم ان الكاتب    متمكن  من  حرفته  الروائية    فقد   استطاع  ان  يمسك  في خيوط  السرد  ليقدم للقاريء نسيجا  سرديا متماسكا ومنسجم  الألوان والصور ، وتحسب  له  حسنة توثيق   ماسي  حرب  قذرة   كان  ولا زال لها   انعكاساتها السلبية الكبيرة  على البيئة والطبيعة والمجتمع العراقي  ولتحظى  بالاهتمام  الكافي من  قبل  الأدباء   ناهيك  عن  مختص  علم النفس وعلم  الاجتماع، إنها   محاولة    ناجحة في  (( ادبنة  التاريخ ))   وتوثيق  ذاكرته   بعيدا  عن  التقريرية  الفجة ((  ان  الذي  لا ذاكرة له لاحياه له ))  ص 82   كما  يقول  الكاتب   وهو   يوثق  ذاكرة  الإنسان  العراقي  حول  ماسي  الحروب وويلاتها .

لم  نستمع  للحوارات  الداخلية  لشخصيات  الرواية كما  هو  معتاد  في  اغلب  الروايات   يبدو ان   الروائي  استعاض  عن  ذلك  من  خلال  إظهار  هذه  الحوارات   من خلال   عقد  حوار طاولة  مستديرة  ،  تتكون  منه  ومن  أصدقائه  الأدباء  بالإضافة  الي إشراك    ، والده ،  وسلوى ،  ومالك  الفندق  ،  وأزلام السلطة    ولو  عن بعد  مستبطنا  مشاعرهم  وآراءهم  من خلال   الحوارات المشتركة  الجماعية او الثنائية ….

الرواية    كاميرة  طافية  على  سطح أمواج  بحر الحراك الاجتماعي  الهائج ، كان  المصور  بارعا في تصوير   تمظهراته    الظاهرة  على السطح   دون  ان  بغوص  عميقا  لإظهار  أسباب  ودوافع   هذه الظواهر   وأهمها  الحروب  الكارثية   التي  شهدها  العراق  ، بالإضافة الي   الظواهر الاجتماعية الأخرى  وطبيعة الحراك الطبقي في المجتمع  العراقي ،  وموقف  كل  فئة او طبقة من  هذه   التشكيلات  الاجتماعية   مما  يدور  من  أحداث   وحروب   ومواقف  سياسية  واقتصادية واجتماعية   ، معبرا  عنها   من خلال   واحد  او أكثر من  شخصيات  الرواية ،  وعندها  تتمكن الرواية  من  توصيل  رسالتها   بشكل   واضح  وأكثر  علمية وعملية  ودون  ان  ينتقص  من قيمتها  الإبداعية  والفنية ، لا بل  سيضفي  عليها  المزيد  من  العمق  والتألق  ….

يبقى أمر  لابد  من  الإشارة  إليه   ان  الكاتب   لم   يؤثث لنا   شخصياته ،   كوالده  الفراش،   وأصدقائه   مهند ، وناهض ،  وصاحب  الفندق  وولده  وغيرها من الشخصيات  الرئيسية ربما   باستثناء سلوى ، فالقارئ   لا  ترسم  في مخيلته  صورة  هذه  الشخصيات   وملامحها  وأسلوب   حديثها   وما  يميزها  عن غيرها ،  وهذه  من الأمور الهامة  التي تترك  بصمة  جميلة في ذاكرة القاريء   وترسم  في ذاكرته   طبائع  وشكل  وفرادة  هذه  الشخصيات    وليست فقط  كأسماء عابرة  ، نتمنى   على  الكاتب   وكافة زملائنا  كتاب  الرواية  الالتفات الي  هذا    الأمر  والاهتمام   به  .كما  كنا   اهتماما   اكبر  بالمكان  ، لتكون  الصورة   اكثر  وضوحا  واكثر انسجاما  مع  الحدث ….

  • (( الصورة الثالثة))  رواية  الروائي  العراقي   علي  لفته سعيد – الصادرة عن  دار فضاءات للنشر والتوزيع   ط1 2015.

 

 

 

 

 

 

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

مقامة: لوركا

د. عدنان الظاهر  (( شاعر إسبانيا القتيل في شعر السيّاب والبياتي ومحمود درويش )) فيديريكو …

تعليق واحد

  1. حميد الحريزي

    تحياتي وتقديري لاسرة تحرير مجلة الثقافة الجزائرية متمنيا مزيدا من التقدم والازدهار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *