الأربعاء , أكتوبر 18 2017
الرئيسية | الموقع | قراءات ودراسات | سجن النساء (حتمية الموت ومصادفة الحياة).. قراءة في روايات نسوية

سجن النساء (حتمية الموت ومصادفة الحياة).. قراءة في روايات نسوية

آمال كبير*
تمهيد: شبيهة تلك المعتقلات التي يختارها الإنسان ويتعايش مع قهرها، بتلك التي يقاد إليها عنوة وبطشا، خاصة إن كان الإنسان امرأة، تقول نوال السعداوي: (لكن الجريمة الكبرى أنني امرأة حرة، في زمن لا يريدون فيه إلا الجواري والعبيد، وولدت بعقل يفكر في زمن يحاولون فيه إلغاء العقل) ولهذا تتشابه تلك الدروب التي تقطعها المرأة وسط القطيع بتلك التي تجرّ إليها مثقلة بالأصفاد، وشبيهة تلك الأصفاد التي تدمي أطرافها بتلك التي تصنعها لنفسها أو ترضخ لها تحت مسميات عديدة، مدعية اختيارها الحر أو مستسلمة لانقيادها الحر كذلك.
(هناك أشكال كثيرة من السكوت: السكوت الذي تفرضه بالقوة السلطات الاستبدادية على مواطنيها، وتسرق ذكرياتهم، وتعيد كتابة حكاياتهم، وتفرض عليهم هوية أجازتها الدولة. أو سكوت الشهود الذين يفضلون تجاهل الحقيقة أو عدم التحدث عنها، وسكوت الضحايا الذين يصبحون غالبا شركاء في الجرائم التي ارتكبت ضدهم ( شجعت باريسا على أن تحدثني هاتفيا، وتبادلنا الحديث بالفعل بضع مرات. كان صوتها يرتجف ونحن نتبادل ذكريات رفيقات السجن، ونتذكر الصداقات التي أعانتنا على الاستمرار في الحياة. وبعد بضعة أسابيع أخبرتني بأنها لا ترغب في الحديث معي أكثر من ذلك. لم تكن ترغب في أن تتذكر ما حدث. قالت لي: ” لا أستطيع القيام بذلك. إنه شاق للغاية !، إنه مؤلم للغاية !” واختنق صوتها بالدموع ) مارينا نعمت/ سجينة طهران، ص 38. ومن ثم هنالك أنواع من السكوت نطلق العنان لها تتعلق بذواتنا، وأساطيرنا الشخصية، والقصص التي نفرضها بالقوة على حيواتنا الحقيقية ) آذار نفيسي/ أشياء كنت ساكتة عنها، ص 23. إنه السكوت الدامي، السكوت المدمي، حيث تتسرطن الجراح لتصل بصاحبها إلى غيبوبة فكرية لا رجعة منها (والأهم من كل هذا وذاك: هل هناك حوار بين السلطة والشعب في أي زمان ومكان في هذا الشرق ؟ ولذا صار فم الإنسان العربي مجرد قنّ لإيواء اللسان والأسنان لا أكثر) محمد الماغوط/ سأخون وطني، ص 25. ولذا استفحل داء السكوت حتى صار مزمنا، ثم صار معديا، ثم صار قاتلا.
فتلك المظاهر الوحشية التي ترسخ في ذاكرة المرأة المسجونة خارج ذاتها المستقلة أو المنقادة، لا تترك آثارها خارج الزمان الإنساني، بل تصنع ذلك الزمان بوحي من مرارة التجربة وسطوتها على الفكر والروح، وآثارها على حركات الجسد الحي مصادفة بعد أن كان الموت حتما ( عندها فقدت القدرة على النوم…) سجينة طهران، ص36. فالقدرة على النوم تساوي إن لم تكن تفوق القدرة على الحياة ( لكن السجن اليوم لم يعد جدرانا مرئية، أصبح السجن شيئا أتنفسه في الهواء، حصار حول العقل ورقابة غير ملموسة ولا منظورة، لم تعد هناك قائمة سوداء، وإنما قائمة رمادية شفافة لا ترى بالعين المجردة ) نوال السعداوي/ مذكراتي في سجن النساء، ص08. فالقدرة على الحياة بعد تجربة السجن تكاد أن تتحول قبل الكتابة عنها مستحيلة أو ناقصة أو مشوهة تفتقد إلى الحقيقة الضرورية لاستمرارها، لهذا كان لابد من مواجهة النسيان، أو ربما مواجهة الذاكرة التي فقدت آليات انتظامها فما عادت تستطيع مواصلة التذكر ولا محاولة النسيان.
ألم وغضب ومحاولات فاشلة للتناسي أو للتعايش، وكلما كتبت أحداهن ازدادت غضبا وازدادت الكتابة وهجا واحتراقا « ليلا، حينما أكون وحيدا، أبكي كثيرا. أبكي على نفسي، وعلى أولادي، وعلى هذا البلد اللعين. الآن وقد أصبحت لدينا فرصة لعمل شيء من أجل الناس الفقراء، وقعت الحكومة بين أيدي الشباب المتحيزين والفارغين » أشياء كنت ساكتة عنها، ص210. لتتحول اللحظات المليئة بالفراغ والإحباط بين الأسوار إلى فرصة لتنظيم الحياة من جديد، ولاكتساب طاقة للحفاظ عليها، ولإبداع الأمنيات التي تنتهي غالبا إلى الفشل في لحظة الصمت الأولى التي تقضي على كل الاحتمالات، بل ولتجعل السجن نعمة في نظر الأحرار الذين يعايشون زمنا أقسى من زمن السجن ( حين كنا مجانين بما يكفي بحيث كنا نستنسخ مئات الصفحات من كتب من مثل (مدام بوفاري) و(وداعا للسلاح). وقبل أن يتاح لي الوقت للتفكير في الرد عليه راح يخبرني عن أول مرة اعتقل فيها، في ساعة متأخرة من الليل، عندما كانت الميليشيا التورية تقوم بجولات تفتيشية عشوائية في شوارع المدينة، أخذوه إلى التحقيق القضائي مع اثنين من أصدقائه، على الأرجح بسبب غطرستهم وليس بسبب الأشرطة المحظورة قانونا التي عثروا عليها في سيارتهم… ) آذر نفيسي/ جمهورية الخيال، ص09. ولذلك لم تستطع الذاكرة تجاوز حدث السجن باعتباره رمزا للاتجاهات الأيديولوجية المغلوطة التي كانت تتحكم في الحريات الفردية وتسيطر على الوعي العام غير منتبهة للأخطاء الفادحة التي ترتكبها في حق الإنسانية.

1- البداية:

على غير المتوقع تأتي بداية رواية “سجينة طهران” بسيطة، سريعة، كمن يحمل ثقلا يود التخلص منه بسرعة وعند أول فرصة للتوقف ( مادمت لا أستطيع النسيان، فربما يكون الحل في التذكر، وهكذا بدأت الكتابة عن الأيام التي قضيتها في “إيفين” وهو- المعتقل السياسي الشهير سيء السمعة بطهران- ) سجينة طهران، ص 36. غير أن هذه البساطة سرعان ما تعاود الالتواء خلف مساحات الألم المبثوثة في تفاصيل الذكرى المرعبة، لكن السرعة لا تتوقف ولا تخفت، ففي لحظات قليلة من القراءة ينفتح باب من الرعب المدوّي والذي يختطف زمن القراءة إلى هناك، إلى سجن “إيفين” ( كان “إيفين” سجنا سياسيا منذ زمن الشاه، واسمه يبث الرعب في القلوب، فهو مرادف للعذاب والموت، مبانيه العديدة تمتد على مساحة كبيرة في شمال طهران عند سفح جبل “ألبرز”. لم يتحدث أحد عن “إيفين” قط؛ إذ كان محاطا بجدار من الصمت المخيف ) سجينة طهران، ص 41.
كانت بداية الكتابة قرارا يشبه كثيرا أول قرار تتخذه السجينة في أول جلسة تحقيق لها، أو لعله كان قرارا سابقا على كل الجلسات وعلى كل العذابات ( كل ما كان يشغل بالي أني قررت ألا أخبرهم بأي اسم. لست ضعيفة أو عاجزة، وسوف أخوض الحرب للنهاية ) سجينة طهران، ص 51. تلك الحرب التي خاضتها “مارينا نعمت” مرات عديدة واستطاعت بفضل قوة قدرية مجهولة بالنسبة إليها أن تنجو دائما، لكنها في كل مرة كانت تعتبر الملاك الحارس منقذها دون أن تتساءل عمن بيده القدرة على أن يتجسد ملاكا حارسا يحكم على حياتها المستحيلة بالاستمرار؟!
إن النصوص التي تحتوي تجربة السجن لا تحمل بنية مختلفة عن بقية النصوص السردية، وقد لا يكون السجن بنية رئيسة فيها، فقد يكون موضوع السجن متواجدا في أي قصة أو رواية، غير أنه يكون بنية مهيمنة تخضع لها بقية البنى الرافدة أو المتدفقة داخل السياق، مما يجعلها قادرة على تحريك الحدث السردي من جهة، وقادرة على تحقيق جمالية أدبية لما يمكن أن يعدّ خارج الأدب أو بعيدا عن الجمال وهو “السجن”.
من هنا كان سجن “مارينا نعمت” بنية مركزية تحكمت في مسار حياة السجينة من بداية الحكاية، حيث كان كل فعل داخل الرواية ينقاد إلى تمثل حدث مركزي واحد؛ وهو فعل السَّجن، سواء أكان تمثلا إيجابيا متوافقا مع الفعل الرئيس أم كان حدثا سلبيا متناقضا معه على سبيل الذكرى المعاكسة له، بشكل يكاد يكون مطلقا ولكنه يؤدي إلى استحداث زاوية للرؤية المقارنة بين الحدثين؛ اللذين يكون أحدهما رئيسا ولكنه غير مقصود ويكون الآخر ثانويا ولكنه الأكثر قصدا إلى التأثير؛ وذلك أن الحدث الثانوي هنا هو الأجدر بالاهتمام أو إنه يبدو كذلك لعمق الفجوة بينه وبين الحال الراهن الذي أدى إليه فعل السّجن، ولهذا فإن نص السجن لا يسرد نفسه فقط بل يسرد نصوصا أخرى تتداخل معه فكريا وثقافيا وإنسانيا مما يجعله تراثا حافلا بالمعطيات التاريخية والممكنات المعرفية التي قد لا تتوفر للقارئ في نصوص أخرى، وأكثر ما نجد هذا في رواية: أشياء كنت ساكتة عنها، ص 16. حيث تقول: ( لم أعد أؤمن بأنه يمكننا أن نبقى صامتين. في الحقيقة، إننا لم نلتزم الصمت فعلا. بطريقة أو بأخرى، كنا نبين ما جرى لنا من خلال صنف الناس الذين أصبحناهم ).
وإذا كان الاعتقال ودخول السجن ليس فعلا مقصودا، فإن القصدية تتوفر من خلال فعل الكتابة اللاحق على فعل السجن، ولهذا فهي شرط من شروط أدب السجون مما يجعلها بنية ضرورية لاستيعاب الحدث الكامن خلف فعل السجن من جهة وخلف فعل الكتابة عنه من جهة ثانية.
كما تطرح فكرة القصدية من أدب السجون قضايا أكثر أهمية في بنية النص، ذلك أن السجن كمعطى مكاني محدد جغرافيا وتاريخيا لا يمكنه أن يكون معطا فاعلا خارج فعل الكتابة؛ التي تجعل منه موقعا مهما على مستوى التأثير، بما تثيره حوله من انفعالات قد لا تكون موجودة أو قد لا تكون أصلا إن لم يتحول السجن إلى نص.
على هذا يمنح السارد الذي يحمل غالبا ضمير “الأنا” الجمالية الضرورية للسجن حيث يبرز خصائصه الفكرية والمعرفية ويحوله إلى سجل حافل بالوصف والحوار والحكي، كما يمكن للأنا الجمعي “نحن” أن يكون تأسيسا للمعرفة أو للعلم الذي لا يثير الالتباس أو الشك حين يتم تقديم التجربة المدهشة كحدث جماعي يشترك فيه ويتقاسمه مجموعة من البشر.
وعلى الرغم من أن السجين قد لا يكون منتجا للأفعال كالسارد العادي، إلا أنه يمكن أن يكون كذلك من خلال عرض المواقف التي يحتاج فيها إلى أن يكون فاعلا داخل الحدث الحقيقي؛ بمعنى أنه لا يمكن أن يكون متقمصا للأفعال بقدر ما يكون منجزا لها بالفعل وبالأثر.
غير أن الشخصية لا تنتمي في أدب السجون للملفوظ بقدر ما تكون ملامح جسدية وسيكولوجية وعقلية حقيقية، مما يجعلها فاعلة ومؤثرة في كل الأفعال المتوقعة وغير المتوقعة على السواء، كما تجعل تصاعد الأحداث نحو الذروة أكثر مفاجأة في حال موافقة توقع أفق القارئ أو في حال تخييب ذلك الأفق على أي صعيد كان، وفي أي مستوى من مستويات تواتر الأحداث.
ولأن الحدث ملك للسارد تختفي شخصيات وتظهر أخرى وتقترب شخصيات وتبتعد أخرى، فهو الوحيد الذي يمتلك القدرة على تحريك الشخصيات وتصنيفها حسب المرجعية الحكائية التي يستند عليها، مما يجعل بعض تلك الشخصيات ثانوية في الحدث العام الذي لا يتساوى فيه فعل التأثير السردي ولا صوت الشخصية اللفظي الذي يكون السارد قد امتصه أو غيبه، حتى لو كان مؤثرا على مستوى الحدث الحقيقي، وذلك إنما يكون ناتجا عن القصدية السردية التي يمتلك زمامها السارد.

2- أوصاف الألم ووطأة العذاب:
يختلف عذاب السجن عن أي عذاب آخر، ويختلف طعم الألم بين القضبان الممدودة والأبواب الموصدة والجدران العالية عن أي طعم آخر للألم يمكن أن يكون الإنسان قد عايشه أو اختبره يوما ( أدخل كلا معصميّ قسرا في صفد واحد، واقتادني إلى الفراش، كان الصفد المعدني يحطم عظامي. وأفلتت مني صرخة، لكنني لم أقاوم، إذ كنت أعرف أني في موقف بائس تماما لن تزيده المقاومة إلا سوءا…) سجينة طهران، ص 52. ولعل هذه التجربة على بساطة عرضها وسرعة وصفها لم تكن سوى لمحة عابرة عما يمكن أن يكون ألما جسمانيا، متعلقا بعلامة من علامات القهر البشري في صورة القيد الحديدي، الذي يضغط العظام ويحفر داخل اللحم البشري أخاديد دامية، تتمزق معها أوصال الإيمان والثقة وتتناثر مع اللحم البشري المنثور في فراغ الأمنيات وصرخات الاحتجاج. ( شق صوت السلك الحاد المخيف الهواء، واستقر فوق باطن قدمي. ما هذا الألم؟ لم أشعر بشيء كهذا قط، بل لم يكن بوسعي حتى أن أتخيله، انفجر الألم داخلي صاعقة من البرق. الضربة الثانية: توقفت أنفاسي في حلقي… ولم يكن بإمكاني إلا أن أفكر في تحية مريم العذراء… استمر العذاب بلا نهاية… بعد الضربة السادسة عشرة توقفت عن العدّ. لم أعد أشعر بغير الألم ) سجينة طهران، ص 52، 53. وإذا كانت هذه الضربات بالنسبة إلى “سجينة طهران” الناجية هي كل أنواع التعذيب الجسدي التي تعرضت إليها جلّ عذابها آنذاك، فإن آثارها على القدمين الصغيرتين كانت آثارا دائمة تركت فعلها على مسيرة حياتها، بل على مسيرة حياة أناس تعلقت حياتهم بها وفقدوا اتجاه أقدامهم منذ تورمت قدماها، ومنهم “علي” الذي لم يتمكن من النجاة على الرغم من كل محاولات الحب والتضحية التي قدمها للسجينة ( جذبني من ذراعي فاعتدلت في جلستي. كانت قدمي تؤلمانني كثيرا كأن مئة نحلة لدغتهما، نظرت إليهما فوجدتهما متورمتين ومصطبغتين باللونين الأحمر والأزرق، وتعجبت من أن جلدي لم ينفجر ) سجينة طهران، ص 54. لكن الذي انفجر كان شيئا أكثر هشاشة من الجلد، وأكثر صلابة من الجسم المادي المحكوم بالفناء، لقد انفجرت بذرة قوية من الحقد داخل روح طفلة لم تبلغ العشرين، تلك الآلام حولت الطفلة إلى إنسان مكتمل التجربة والعذاب ( شعرت كأن سكينا قد شقني نصفين. ملأ صوت صفير عال أذنيّ، ثم غرقت في الظلام ) سجينة طهران، ص 55. وإذا كان الظلام هو الملجأ غير الواعي الذي ظلت السجينة تهرب إليه عن قصد أو دون قصد كلما استغرقت روحها في الغموض، فإن مساحة النور المخصصة للإنسان الطبيعي كانت قد تضاءلت أيضا حتى شارفت على الاختفاء، فلم يعد الظلام يقاس بلحظات الغياب، بل صار الحضور الفعلي في الحياة يعاني ظلاما خانقا وأشد قسوة لم تتمكن الشمس التي تسطع بقوة ولا الثلوج التي تتراكم على أرض “طهران” ناصعة صلبة أن تعيد إنارة جوانبه.( كانت قدماي تؤلمانني كأني أسير على زجاج مكسور، سرعان ما خرجنا من المبنى وواصلنا السير والرياح الباردة تعصف بي، بدأت الفتاة التي أمامي تسعل، وملأ الثلج الذي كسا الأرض خفي المطاطي فخدر قدميّ وساعد في تخفيف الألم، لكنني كنت أفقد الشعور بقدمي شيئا فشيئا، وكل خطوة تزداد صعوبة عن سابقتها، تعثرت في صخرة فوقعت أرضا، وبينما أستند برأسي على الأرض المتجمدة، لعقت الثلج محاولة تخفيف جفاف فمي ومرارته، لم أشعر بالبرد أو العطش هكذا من قبل، كان جسدي يرتجف دون إرادتي، وأسناني يصطك بعضها ببعض حتى ملأ صوتها رأسي، رفعتني أيد خشنة عن الأرض، وأجبرتني على الوقوف على قدميّ) سجينة طهران، ص 74. هذه الصورة الوصفية للحدث السردي الذي لا يكون الوصف مخالفا له تماما، تمثل الخصائص الذاتية لتجربة السجن والتي لا تكون مستنسخة بين مختلف المساجين وإن كانت متقاربة الرؤية والدلالة وحتى التفاصيل في بعض الأحيان، وهذا ما يجعل السجن حدثا متعلقا بالسجان وبالسجين على السواء. (صاح حامد: ” سيري جيدا وإلا أطلقت الرصاص عليك هنا “… نحن قاب قوسين أو أدنى من الإعدام، وشعور البرودة الذي ملأ صدري يشلني. هذه لحظة موتي، لا أحد يستحق الموت بهذه الطريقة… رفعني أحد الحراس عن الأرض وقيدني آخر إلى العمود، فانغرس الحبل في لحمي. كنت منهكة للغاية. هل سيؤلمني الموت كما آلمني الجلد؟ … صوبوا بنادقهم نحونا فأغمضت عيني… سمعت صوت سيارة تسرع نحونا، ففتحت عيني. وللحظة تخيلت أنهم سيدهسوننا بالسيارات، علا صرير الفرامل، وتوقفت سيارة مرسيدس سوداء أمام الحراس مباشرة، ترجل “عليّ” منها…) سجينة طهران، ص 74، 75، 76. فهذه المواقف هي التي تجعل من غرفات السجن وأنماط التعذيب وأشكال المعاملة القاسية مرجعا توثيقيا دون أن تنزع أدبية النص، مما يجعل عالم السجن عالما مفتوحا على عدة فضاءات بحسب تعدد المواقف والأحداث، من خلال ربط السابق باللاحق أو العكس، مما يجعل كل حدث تفسيرا موجها للمرئيات أو للمحتملات وفق الثنائية الرئيسة القارة وهي: السجين/ السجن.( سألته: “هل حكم عليّ بالسجن مدى الحياة حقا؟” أومأ برأسه، وطاف بوجهه شبح ابتسامة حزينة. حاولت ألا أبكي، لكني لم أستطع. أردت أن أسأله عن السبب الذي دفعه لإنقاذي من الإعدام. أردت أن أخبره أن الإعدام أفضل كثيرا من السجن مدى الحياة. أردت أن يعرف أنه لم يكن لديه الحق فيما فعل، لكنني لم أستطع) سجينة طهران، ص 92. ( في الليلة التي ألقي القبض فيها على سارة وسيرس، أجبرها الحرس على مشاهدته وهم يجلدونه. كانوا يريدون أسماء أصدقائه، لكنه رفض أن يخبرهم بشيء. أغلقت سارة عينيها كي لا تشاهد ما يفعل بأخيها، لكنهم ضربوها وركلوها وأجبروها على المشاهدة. ثم حلوا وثاقه، وقيدوها هي في الفراش، وأخبروا سيرس أنهم لن يجلدوها إذا أخبرهم بالأسماء لكنه لم يتفوه بكلمة، وتعرضت سارة هي الأخرى للتعذيب. سالوها هل تعرف أصدقاءه، لكنها لم تكن تعرف أيا منهم، فسألوها عن أصدقائها هي ) سجينة طهران، ص 95. ( دوى هاتف في رأسي: ” مازلت على قيد الحياة، وأنت لا تستحقين ذلك “) ص 96.
يغزل التاريخ السردي في نصوص السجن زمنا مختلفا عن الزمن الآني الذي توحي به الجملة المنتهية، فيملأ الوعي المستقبل للنص بالأسرار الدفينة خلف الأحداث الجسام التي تحولت بفعل الحكي إلى كلمات ( في تلك اللحظة التي خلعت فيها العصابة عن عيني في ليلة الإعدام تغيّرت حياتي تماما. كنت قد مررت بالعديد من التجارب الصعبة من قبل، ولكنها لم تؤثر في كنه حياتي، فقدت أحبائي، وألقي القبض عليّ، وتعرضت للتعذيب، لكن تلك الليلة أخذتني إلى آفاق أبعد بكثير. كان وقتي في هذا العالم قد انتهى، لكنني مازلت على قيد الحياة. ربما يكون هذا هو الخط الفاصل بين الحياة والموت، وأنا لا أنتمي لأيّ منهما ) سجينة طهران، ص 125. فالانتماء الزمني يحدد قدرة الإنسان على التفاعل مع مجريات الأحداث التي عاشها أو يعيشها، لتحديد خارطة إنسانية طبيعية لما هو آت أو لما سيعيشه من أحداث، غير أن هذه الخطوة التي ترتبط غالبا بذهن الإنسان العادي سرعان ما تتحول إلى شكل هلامي مائع فور تجربته السجن، حيث لا يتسع الزمان ولا المكان بعدها إلا للتعذيب والقهر والسؤال تلو السؤال ( قال إنه أثناء جلده بالسياط لم يكن الألم وحده بل الذل هو الذي جعله يشعر على مدى لحظات قلائل كما لو أنه كان يغادر جسده ويغدو شبحا، جعل الشبح يراقبه من مسافة ما وهو يضرب بالسياط، وأضاف قائلا: ” كان الوضع أسهل علي عندما صرت شبحا” ) جمهورية الخيال، ص 10.

3- الأمنيات المتداعية:
كان السجن المكان الأكثر خصوبة لتوالد الأمنيات، تلك البسيطة التي لم تكن تكلف صاحبها زمنا للتحقيق ولا مشقة للبوح، وتلك الأخرى، المستحيلة، التي لم تكن تخطر على بال، بل وتلك المخيفة التي لا يقبلها منطق إنساني ولا عقل بشري ( تمنيت لو كان بإمكاني التسلل إلى فراش جدتي كما كنت أفعل وأنا طفلة لتخبرني بأنه لا يوجد ما يدعو إلى الخوف، وأن كل ذلك ليس سوى كابوس ) سجينة طهران، ص 55. فكم كانت المسافة قريبة بين الفراش والفراش، وكم كان التسلل سهلا ولذيذا حين كانت الطفولة جسرا تمر عليه المخاوف الكاذبة لتصل بصاحبها إلى النشوء والارتقاء. كانت الأمنيات مختلفة بين السجناء، بعضهم كانت أمنياته مبنية على واقع ما قبل السجن ( تزخر يوميات أبي بوصف مرهق إلى حد اللهاث للخطط التي اتخذها من أجل تطوير مدينة “طهران” – بناء المنتزهات وخلق أول خارطة شاملة للمدينة، البدء بمجالس محلية خاصة بالمدينة، محاربة الفساد – وصف لحواراته التي لا تعد ولا تحصى مع الشاه، التي تبدو لطيفة وفاتنة. يطفح النص بالنشاط: الأفعال تامة والنثر حيوي ودقيق ) أشياء كنت ساكتة عنها، ص 159. تلك الأمنيات التي انتهت بعد السجن.( في بلدان من مثل إيران يتعرض الخيال للتهديد من نظام يرغب أن يهيمن كليا على حياة مواطنيه، الذين يعدّون معارضة الدولة ليست عملا سياسيا فقط بل عملا وجوديا ) جمهورية الخيال، ص 27. يتساوى مع أي عمل آخر يمكنهم ممارسته بالغريزة أو بالفطرة أو بالطبيعة البشرية للحفاظ على الحياة، لذلك تصبح متعة التخفي سببا وجيها للاستمرار حين يدرك هؤلاء أنها صارت حلما، أمنية، محض أمنية.

4- تشوه الدين:
يتشوه مفهوم الدين أمام وحشية التعذيب، من المسؤول عن هذا؟ هل هي السلطة القمعية أم الضعف الإنساني؟ ( وربما توقع مني أن أكون كمعظم الفتيات المسلمات اللواتي ينتمين إلى عائلات محافظة؛ أن أكون هادئة خجولا مستكينة، لكنني لم أعرف أيا من تلك الصفات ) سجينة طهران، ص 48. غير أن الفتيات المسلمات لم يكنّ مسؤولات عن حالات الضعف والاستكانة، بقدر ما كانت القوانين الاجتماعية القاهرة هي السبب في تدجين الأنثى المسلمة بقرارات سياسية أو فتاوى دينية أو تقاليد اجتماعية مغلوطة، ولم تكن الفتيات المسلمات اللواتي صادفتهن “مارينا” في السجن سوى نسخة إسلامية منها، إلا أنها لم تتمكن من الانتباه إلى عمق التجربة الإنسانية عندما يتعلق الأمر فيها بالدين؟ وإذا كانت قد وجدت متنفسا في مناجاة العذراء بديلا عن الإسلام وروحانيته التي جرحت وتشوهت بسلاح الجنود وتعليمات السلطة القاهرة، فبمن كانت تستنجد الأخريات في لحظات الضعف والألم واليأس، وهل كانت النجاة التي منحها الله لها ولم يمنحها لغيرها فضلا من العذراء أو من دينها المسيحي أم كانت فضلا من إله قد يكون اختارها لتكون فاصلة من فواصل الدين الإسلامي، تختلف في شكلها الإنساني ووعيها البشري عن طبيعة المسلمات بالميلاد، لكنها لم تتمكن من اقتناص الفرصة أو الاستفادة من التجربة.
لا يمكن أن نلوم “مارينا نعمت” على مشاعرها تجاه الإسلام، وقسوتها تجاه المسلم الذي ضحى بحياته لإنقاذها، بقدر ما نلوم تلك الحركات التي استغلت الإسلام بما فيه من الرحمة والمحبة لتصنع لنفسها تاريخا مهترئا من الكره والنهم السلطوي وسفك الدماء دون وجه حق، من خلال تلك الفتاوى والادعاءات الخارجة عن منطق الإسلام والبعيدة عنه بعدا شديدا ( لو سمح المرء لكافر أن يستمر في إفساد الأرض، فستصبح المعاناة النفسية للكافر أسوء كثيرا. أما لو قتل المرء هذا الكافر وحال ذلك دون ارتكابه الخطايا، فسيكون الموت نعمة له ) سجينة طهران، ص 72. لماذا إذا لم يقتل الرسول الكفار الذين اختاروا البقاء على كفرهم كي ينقذهم من أنفسهم؟ ولماذا كانت دعوته باللين والقدوة الحسنة لا بالإكراه والاستعباد؟ ولماذا لم تتمكن “مارينا” التي درست القرآن أن تعرف أن الله واحد، وأن تعاليم الدين الإسلامي لم تكن تلك التي شاهدتها بل تلك التي قرأتها في القرآن؟ ﴿ من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ﴾ المائدة / 32. وكيف أمكن لها أن تصنع عالما مثاليا من كل الكتب والروايات التي قرأتها وكتّابها بشر ولم تكن قادرة على أن تصنع المثالية من كتاب سماوي، وهي المؤمنة المتعلمة الواعية؟ ( كان القسيس يستقبلني بحفاوة شديدة ) سجينة طهران، ص 173. ألم يستقبلها “عليّ” في قلبه وهو المسلم بحفاوة شديدة؟ ويبدو أن المغالطة التي يقع فيها أدب السجون تبدأ من هنا، من اللحظة التي يفكر فيها السجين أنه قادر على الحكم على الآخر – كيفما كان – استنادا إلى تجربة استثنائية. (قبل أكثر من ألف سنة خلت ألّف الفردوسي حكاية أسطورية عن إيران، نسج خيوطها جزئيا من نتف التاريخ، امتدت ملحمته زمنيا من خلق العالم إلى الفتح العربي في القرن السابع الميلادي، وهي هزيمة مهينة جدا أشّرت نهاية الإمبراطورية الفارسية الموغلة في القدم وتبدل ديننا من الزرادشتية إلى الإسلام… واجهنا أسوء الفاتحين قاطبة لأنهم كانوا أعداء من الداخل، حيث كانوا على الرغم من ذلك يتعاملون مع المواطنين الإيرانيين كما لو أنهم تابعون انتصروا عليهم، كان العرب فاتحين مفسدين. كانت الأسطورة تقول إنهم كانوا مصرين على أن يمحقوا جل الثقافة الفارسية، وبخاصة الكلمة المكتوبة… أتذكر وأنا طفلة، أنني سمعت قصصا عن الطريقة التي أمر فيها الخليفة العربي عمر بن الخطاب جنوده بحرق كل الكتب التي وجدوها في إيران مادام الكتاب الوحيد الذي يحتاج إليه الناس هو القرآن… ومع ذلك، من هم الذين فتحوا بوابات المملكة لأولئك البرابرة، من هم الذين سهلوا لهم فتح بلادهم؟ ) أشياء كنت ساكتة عنها، ص46. لتكون إحدى المثقفات اللواتي لم يكلّفن أنفسهن عناء البحث في تاريخ الإسلام والفتح العربي الذي ظل الفارسيون يتعاملون معه بمنطق شعوبي بحت، فالكاتبة هنا تورد تاريخا من أسطورة “الشهنامة” التي لم تقرأها نقديا كما تقول، وفي الوقت نفسه تطلق حكما دون الاستناد إلى دليل منطقي أو علمي، ودون أن تحاول فصل الحقيقة عن الخيال في الكتابة الأسطورية ( كان فريدون ملك العالم، هكذا يبدأ والدي القصة، وقد أنقذ الجنس البشري من الملك – العفريت المولود في بلاد العرب (زهك)، والذي بمساعدة إبليس قتل والده وهزم بلاد فارس…) أشياء كنت ساكتة عنها، ص47. ليتضح أن الفتح العربي ظل في فكر الفرس مجرد سطو ديني بمعونة إبليس لا بمعونة الله، ولهذا فتحول الدولة الإيرانية إلى دولة إسلامية ظل مرفوضا في أذهانهم جميعا على اختلاف مستوياتهم الفكرية والمعرفية، فلم تقبل مسألة الدين الإسلامي؛ على أساس أنه سطوة لا فتح من جهة، وعلى أساس السلوكات المشوهة لجوهر الدين فكرا وممارسة من جهة ثانية.
في الوقت نفسه تظل “مارينا نعمت” مستندة إلى مسيحيتها ( كنت أحب الجلوس على أحد مقاعد الكنيسة والنظر إلى صورة العذراء بثوبها الوردي الطويل وغطاء رأسها الأزرق وابتسامتها الهادئة التي تعلو وجهها، بينما الشموع تتلألأ أمامها. لقد عرفت العذراء معنى الخسارة، وذاقت طعم الألم. هنا كنت أشعر أني في بيتي ) سجينة طهران، ص173. إن صورة “العذراء” و”المسيح” غالبا ما كانتا تعطيان للمسحيين شعورا ماديا بالاطمئنان، على عكس المسلمين الذين ليس لهم صورة أو منحوتة عن نبيهم، ولذلك يفترض أن يكون شعورهم بالاطمئنان غيبيا يقينيا، ولهذا فالسجينة هنا لم تتمكن من الوصول إلى قناعة إسلامية على الرغم من قربها الشديد من الإسلام وتعاليمه معايشة ومدارسة، لأنها ظلت قابعة ضمن الصور التي تراها في الكنيسة وتعبر لها عن وجود حقيقي مختلف عن الوجود الغيبي، الذي لم يتمكن من هم حولها من المسلمين من توصيله إليها، بل عملوا على تنفيرها منه باستمرار لتظل “العذراء” ممثلة في تماثيلها المتواجدة في أكثر الأماكن دفئا وفي أكثر الأماكن قربا إلى قلبها ( سألته بعد أن انتهى من صلاته: “لماذا أنت مسلم؟” . قال وهو يضحك: “أنت أغرب من قابلت في حياتي ” لكنه أوضح لي أنه مسلم لأنه يعتقد أن الإسلام بإمكانه أن ينقذ العالم. قلت” ” وماذا عن روحك؟” . فوجئ بسؤالي وأجابني: ” بالطبع سوف ينقذ روحي أيضا. هل أنت مسيحية؟”. ” – نعم”. ” – لماذا؟ هل والداك مسيحيان؟”. أوضحت له أن والديّ ليسا مسيحيين ملتزمين. أصر على سؤاله: “لماذا إذن؟”. أدركت انني لا أعرف الإجابة تحديدا. أخبرته أنني درست الإسلام ولم أجده مناسبا لي، ولست أدري لم راودني هذا الشعور. ربما كنت أعرف عن محمد أكثر مما أعرف عن المسيح، وقرأت من القرآن أكثر مما قرأت من الإنجيل. لكن المسيح كان أقرب إلى قلبي، كان وطنا لي. ابتسم آراش. أعتقد أنه كان يتوقع مني حجة قوية، لكنه لم يجد شيئا. كان الأمر في نظري مسألة عاطفية ) سجينة طهران، ص112. لقد كانت “مارينا نعمت” ضحية هؤلاء المدّعين للدّين، ولذلك لم تتمكن – على الرغم من رهافة إحساسها الذي جعلها تشعر بالذنب لأجل من ماتوا ونجت هي لسنوات طويلة – من أن تفتح قلبها للإسلام حتى بعد أن عاشت بين أهل “علي” المسلمين ورأت طيبتهم وعلو أخلاقهم بما يمكن أن يكون بديلا للجو البارد الذي عاشته بين أبويها، لكنها لم تناقش الإسلام هنا، ولم تمنح نفسها فرصة مناقشة ما عرفته من القرآن فقد كانت صدمتها بعيدة عن معتقدها، أم أنها فعلت ولم تقل؟ إذ من غير المعقول لتلك الصراحة أن تنبع دون أن تناقش كل المعطيات التي مرت بها هذه الروح وتمر، إن إهمال هذه النقطة الجوهرية في تجربة “مارينا” تزيد من قتامة الصورة المشوهة التي يحملها الآخر عن الإسلام والمسلمين، ولذلك فالتجربة في هذه الرواية لم تكن تجربة تامة ولا مكتملة؛ إذ اكتفت السجينة بأن تقدم ما جعلها تخرج من حال إلى حال، وقد لخصت عذابها، لكنها لم تلتفت إلى عذابات الآخر الشبيه أو المختلف عنها، وقد لا تكون تلك مهمتها، ولكن مَن مِن السجينات المسلمات اللواتي عايشن تجربتها، أو حتى كنّ معها تمكنت من أن تكتب عن مأساة سجنها ؟ ومن كان قادرا على أن يحول الميتات منهن إلى حدث فني بعد أن مررن مجرد خبر هنا أو هناك؟ وإذا كانت السجينة تقدم شكرها إلى “زهرا كاظمي” التي أخرجت تلك القذارة الممثلة في “سجن إيفين” إلى نور العالم كي يكتشف البشر شناعتها، فمن سيكون قادرا على إخراج تجربة العذاب الإسلامية ضحية وجلادا؟ ( بعد الثورة اعتقلوها، وفي محاكمة موجزة حكموا عليها بجريمة الفساد على الأرض، وشن الحرب على الله، ونشر البغاء، والعمل لصالح الأمبرياليين. وقالت الشائعة إنه بسبب كونها امرأة وينبغي ألا تمسّ، وضعوها في كيس. كانت طريقة موتها غير واضحة، قال بعضهم إنه عثر على عيارات نارية أطلقت على الكيس، بينما قال الآخرون إنها رجمت بالحجارة حتى الموت، واستنادا إلى سيرة ذاتية حديثة كانت قد شنقت مع عاهرة، لكن شهادة الوفاة خاصتها تشير إلى أن “سبب الوفاة: جروح ناجمة عن إطلاقات مسدس”. أكانت هذه هي النهاية التي يدخرونها لتلكم النساء الذكيات اللواتي لم يضعن هباء؟) أشياء كنت ساكتة عنها، ص115. فما هو الهباء الذي تتحدث عنه تجربة السجن دائما؟ هل هو الموت ظلما بين جنبات العذاب والقهر؟ أم هو القضاء على الأفكار الحرة التي تمثل جانبا من جوانب الانتفاض النسوي ضد أشكال الابتذال الإنساني خارج أسوار السجن وداخله؟ ( إنه واحد من الأوقات النادرة التي يكون بوسع الرجال والنساء أن يختلطوا ويمتزجوا جهارا من دون خوف من العقاب. ربما يبدو التفجع على إنسان مات منذ ما يزيد على ثلاثة عشر قرنا اجتماعا غير مرغوب فيه للتعبير عن الرغبات المجهضة، لكن الجميع يحتشدون في الشوارع كي يشاهدوا الطقوس وإعادة التمثيل المسرحي لشهادة الحسين. كان ابن عم والدي المدعو يوسف يؤكد أن ذلك هو أفضل وقت للتغزل بالبنات ) أشياء كنت ساكتة عنها، ص84.
لعل السجينة هنا تصنف نفسها سجينة سياسية فحسب، وهذا جائز ووارد ومنطقي، ولكنها سياسة مقترنة بالدين الإسلامي، وهو ما ظلت تشير إليه في كتابها طيلة الوقت، فلم يكن مخبوءا ولا متواريا أن سجن “إيفين” كان جحيم الإسلام قبل “الخميني” وفي زمنه، لكن لماذا لم تتمكن من أن تغير موقفها من “علي” الذي كان بدوره سجينا سياسيا في زمن ما، وظلت تعتبره مذنبا طيلة الوقت؟ ( أيها الرب يسوع، ساعدني، لا تدع روحي تضيع في الظلمات، إذا سرت في وادي ظل الموت، لا أخاف شرا، لأنك أنت معي ) سجينة طهران، ص75.

5- المعرفة المخبوءة خلف الجدران:
يمارس السجين حركة مدّ وجزر مقصود لتقديم المعرفة من خلال تجربة السجن الذي من المفروض أنه حدث لنفي المعرفة أو للقضاء عليها ( هناك شيء يحدث في هذا البلد؛ يمكنني أن أستشعره، فهو يفوح برائحة الدم والكوارث… منذ سنوات وآية الله الذي لا أذكر اسمه هذا يعارض الحكومة، وأؤكد لك أنه لا ينوي خيرا، سوف يرحل نظام ديكتاتوري ليحل محله نظام ديكتاتوري آخر أسوء مثلما حدث في روسيا مع اختلاف الأسماء، بل إن الأمر سيكون أكثر خطورة، لأن تلك الثورة تتخذ من الدين قناعا تختبئ خلفه ) سجينة طهران، ص116. فتلك الأخبار غالبا ما تكون خاصة بالمكان المحدود للبلد وليست ملكا معرفيا عاما، غير أن ظهورها في نصوص السجون تجعلها بمثابة الحدث التاريخي الذي كثيرا ما يكون له صلة من قريب أو من بعيد بالحدث السردي الرئيس وهو السّجن ( كنت أنا وأخي ننتمي إلى جيل لا يبالي بالماضي ويعدّ سلسلة النسب عبئا ثقيلا وسببا للإرباك أكثر مما هي موضع امتياز، بعد الثورة فقط أصبح ماضي أسرتي بغتة مهما بالنسبة لي، إذا كان الحاضر هشا ومتقلبا، عندئذ يمكن أن يغدو الماضي ملاذا بعيدا ) أشياء كنت ساكتة عنها، ص82. إذ يتحول النص الأدبي للسجن باعتباره مكانا حقيقيا وحيّا وموجودا، إلى اختلاق لعناصر تخرجه من ماهيته الفعلية إلى فضاء أدبي؛ حيث لا يصبح إنتاج الوقائع الفعلية -وإن بدت كذلك سطحيا- مجرد استرجاع لما حدث بالفعل، بل يتحول إلى ممارسة معرفة تحليلية، إلى دراسة واستيعاب لتفاصيل دقيقة في البنية العامة للحدث المروي، تجعله يتحول من مجرد حكي واقعي مفصل إلى محتمل وجودي مبتكر يخرج بالفعل الماضي إلى آفاق المستقبل المبتكر.
فالسارد يقدم المكان والزمان المرئيين من خلال المشاهدة العينية المباشرة، ساردا وواصفا لأوضاعه ومؤشراته دونما حاجة إلى التخييل، لكنه في الوقت نفسه يحتاج خيالا واقعيا داعما، بالسفر المقصود إلى الماضي من خلال سرد تاريخه أو أدواره المختلفة في أزمنة متعددة يختارها السجين بدقة لتعويض فعل الخيال الهادف إلى تفعيل التأثير ( ما كنت أفتش عنه هو الفجوات – الأشياء التي انطمس ذكرها أو تلك التي ضاعت في النسيان. بهذه الطريقة أرى الماضي: بوصفه تنقيبا. إنك تنخل عبر كُسر الحجارة غير المصقولة، تلتقط قطعة صغيرة جدا هنا، وأخرى هناك، تلصق عليها رقعة من الورق تدل عليها وتسجل أين عثرت عليها، مشيرا إلى زمن وتاريخ اكتشافها. لم أكن أفتش عن الأسس وحدها بل عن شيء محسوس بصورة تزيد أو تقل في الوقت نفسه ) أشياء كنت ساكتة عنها، ص19. إنها أركولوجيا مزدوجة تقوم على الحفر في الحاضر والماضي أيضا، علما أن هذه العودة إلى الماضي لا تمنع من إعادة صياغة المكان والزمان عبر أسئلة الحاضر. مع هذا لا يمكن للتشابه السردي وإقحام التفاصيل التاريخية في “أدب السجون” أن يجعل الحدث متشابها، بقدر ما يسهم في تعدده وتنوع صيغه الوصفية والسردية، مما يجعل للمكان الواحد “السجن” تعريفات وأوصافا متباينة، من خلال تباين التعبير عن التجربة التي تكاد تبدو واحدة تباينا معجميا ووصفيا وثقافيا ( بدأت أؤمن أنه كي تصبحي امرأة مثقفة له علاقة ضعيفة بأن تكوني إيرانية جيدة، أو أن تجعلي أفراد أسرتك يفخرون بك) أشياء كنت ساكتة عنها، ص147. بما يجعل فعل التنظيم السردي فعلا للخلق الإبداعي بصور شتى ( ربما لهذا السبب كسروا بابي بالقوة المسلحة وساقوني إلى السجن. ولم أندهش فالصدق في زمن الكذب لا يمكن أن يكون حرا طليقا. ولم أفزع لكني غضبت، ورفضت أن أفتح لهم بابي بهدوء. رفضت أن أختفي في الليل دون صوت. أن أمضي في الصمت دون ضجة. أن أساق إلى السجن أو إلى الموت دون غضب وثورة !) ذكرياتي في سجن النساء، ص13. لأنه لا يعتمد كبقية أنماط السرد على الرصيد المكتوب أو على المقروء السابق – كيفما كان – بل يقدم جديدا كاملا في جدته وأصيلا في تفاصيله. ( أسائل نفسي ما هو الشيء الذي يثيرني فيها. هل هي تلك القصص التي روتها عن النساء اللواتي في عمر جدتي ممن حملن البنادق تحت (الشادور) الأسود الذي يلبسنه كي يقدمن العون لرجال (الثورة الدستورية) ؟ أخبرتني أنني مدينة كثيرا لأولئك النسوة اللواتي بنين أول مدرسة عامة للبنات في إيران. فقد ضربن، نبذن من المجتمع، وأبعدن أحيانا من مسقط رؤوسهن بسبب جهودهن تلك ) أشياء كنت ساكتة عنها، ص145. وتحت هيمنة بنية “السجن” يتراءى النص السردي مفتوحا على السابق واللاحق انفتاحا مؤسّسا على تجاوز المكان، والانطلاق في فسحة الفضاء لتعدي الأسوار ولو بطريقة ضمنية أو متخيلة، بل وبطريقة مقصودة إلى فعل التجاوز الإيحائي الذي لا يلتزم بحدود المكان خشية الاختناق، كما تقدم “آذر نفيسي” بين يدي مذكراتها شيئا من السياسة وأخبار الأوضاع المختلفة التي مرت بها إيران وتمر، من خلال محاولات فرض سياسة ما من جهة، ومحاولة إشاعة الديمقراطية من جهة أخرى، لتتساءل سؤالا تاريخيا بالغ الدقة والتعقيد ( إلى أي مدى يمكننا أن نثق بالجماهير التي تتفجع على “مصدق” لكنها تنتخب “خميني” ) أشياء كنت ساكتة عنها، ص157. بعد أن تكون قد عرضت القصة الكاملة لكل من تلك الشخصيات السياسية التي كان وجودها وزوالها سببا في سجنها وأبيها، مما يوفر معرفة داخلية بمواطن الفجيعة التي أدت إلى الحدث الرئيس لكنها كان لا بد أن تمر بسلسلة من الذكريات، التي ما تفتأ أن تعود على شكل ومضات تاريخية عن الاضطرابات والثورات التي تقلبت وتعاقبت على “إيران” التي كان “الشاه” ينوي تحويلها إلى دولة معاصرة غير أن “الخميني” ثار عليه وحولها إلى دولة متزمتة باسم الدين (استقيت مفهومي عن الدين التقليدي من أسرة والدي، فقد كانوا صارمين وثابتين في ممارساتهم الدينية لكنهم مرنين كفاية بحيث كانوا يتحملون التجريب الفكري لأولادهم، كانت جدتي لأبي تحيط أبناءها، مؤنين وغير مؤمنين على السواء، بالحب والحنان. لم تعترض بنات أعمامي في أصفهان على منح النساء الحق في الانتخاب. كن يواجهن يوميا التناقضات الظاهرية لحيواتهن بوصفهن نساء معاصرات، ومثقفات اخترن أن يكبلهن نمط الحياة التقليدية. من هم هؤلاء الذين الناس الذين يستخدمون لغة منمقة قوية جدا ويسمون النساء من أمثال أمي عاهرات ؟ ) أشياء كنت ساكتة عنها، ص 179.

6- الحب المولود بين القضبان:
هل كان خطأ أن يولد الحب بين جدران الزنازين وأوكار التعذيب وقضبان السجون؟ وهل كان جريمة أن ينقذ المحب محبوبه ويموت لأجله ثم لا يجد الإنصاف لا من العدو ولا من الحبيب؟. على الرغم من غرابة المشهد ولامعقوليته، إذ يصادف أن يتواجد في محطة الرعب ما يشبه مخفف الألم ممثلا في شخصية “عليّ” ( طوله نحو مائة وثمانين سنتيمترا، ووزنه نحو تسعين كيلوجراما، وشعره أسود قصير، ذو لحية سوداء مهذبة، في أواخر العشرينيات من العمر… كان أنفه عريضا بعض الشيء، وعيناه البنّيتان معبّرتين وله رموش طويلة وكثيفة ) سجينة طهران، ص51. الذي يبدو مثل الشخصية المخترعة في الروايات العادية التي يتزاحم فيها الواقع والخيال، “علي” تلك الشخصية التي يخترعها الكاتب لاختلاق واقع محتمل، لا يكون أكيدا ولا يكون نهائيا لكنه يكون موجودا في عالم الكتابة على أقل تقدير، الممكن السردي يتواجد كمصادفة إلهية غير متوقعة في عالم السجون ( سألني هل أشعر بالألم، فأومأت برأسي متعجبة من حسن معاملته لي…) سجينة طهران، ص55. لقد تهيأ للسجينة حب لم يتهيأ للكثيرات اللواتي يعشن خارج السجن، وللكثيرات ممن حلمن بمثل ذلك الحب الإنساني الذي قدر له أن يولد في غير مكانه المناسب، وأن يمنح للحبيبة غير المناسبة أيضا ( كان الشوق في عينيه عميقا صادقا، فشعرت بألم في معدتي، وبأن صرخة تتهيأ للخروج من حلقي، لكنه استدار وغادر الزنزانة. كان جسدي يرتجف مع كل دمعة تنحدر من عيني. كنت أكرهه ) سجينة طهران، ص77. مما يجعلنا نتساءل: كيف يمكن لها أن تكره إنسانا يطلّ كل ذلك الشوق الصادق من عينيه؟ كيف يمكنها أن تكره إنسانا أنقذها منذ لحظات من موت أكيد؟ وهل يمكن لتجربة السجن أن تصل إلى حدود إلغاء العقل والمنطق تحت سطوة العذاب والقهر؟ أسئلة ليس من السهل الإجابة عنها، مهما كانت الاستعانة النفسية أو الاجتماعية أو الفكرية أو حتى القدرة الابداعية التأويلية، لأنها تتعلق بالسجين فحسب، أسئلة تدرس الحالة من الخارج أما ما ينبع منها كحدث خاص ونهائي متعلق بالتجربة الفعلية وبالشخصية الفعلية فلا يمكن إلا أن يكون وصفا.

 

*ناقدة جزائرية

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

بنية الخبر في قصة –انتفاضة – لنبيل عودة

د. أفنان القاسم أستعمل مصطلح “قصة” تجاوزًا، فانتفاضة ليست قصة، انتفاضة في بنيتها ضد-القصة، ضد-السرد، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *