الثلاثاء , ديسمبر 12 2017
الرئيسية | الموقع | ثقافة المقال | بين الجنة والنار

بين الجنة والنار

حاجي هواري*
هوى متبع اليوم، أصبح الكثير يتطرق لمواضيع عدّة فيناقشها بشدّة لدرجة الهذيان فتستدعي مخيلته حجة دامغة تتهيأ له بأنه على صواب وغيره مخطئ، فلم تتوقف هذه الأفكار المنسوجة في تلك العقول على مناقشة أمور دنياها وحصرها فيما يتعلق بحياتها ومعيشتها فحسب. بل أصبحت تطلق العنان في مناقشة أمور غيبية كالجنة والنار وإطلاق الحكم فيها، فهم يوزعون تذكرة الدخول إليها مجانًا. يا ترى على أي أساس، وما هي المقاييس التي اتخذوها، وما هي المعايير التي من خلالها اعتبروا أنَّ فلانًا من أهل الجنة، وآخر من أهل النار. كيف يحكمون بما ليس لهم بهم علم؟! فهناك من يعتقد أنَّه كذلك، وأنه مجتهد في الأعمال والطاعات، فينظر الى الآخرين نظرة ازدراء أو نظرة الخيلاء. فلا يكون ناصحًا لهم؛ بل يلتزم الصّمت واللامبالاة فلا يسأل عنهم ولا عن أحوالهم بل مجرد إفشاءٍ للسلام يفي بالغرض، أو لقاء بجفاء لا يتعدى لحظات قليلة في محطة الوقوف. قبل التفكير في الدخول الى الجنّة أولاً يجب أن تكون مسلمًا بالمعاملة الحسنة التي تزرع الحب فتساهم في بناء الفرد إنسانيًا وعلميًا وثقافيًا؛ فتزدهر حياته ويكون ناجحًا، فتنجح الأمة. أمَّا إهمال الفرد هو رسوبٌ قاتل وبالتالي يسبب خسارة للمجتمع، وضياع لأساس مهم وضروري، بل الزامي في نهضة الأمم.
ثانيها أن تكون مؤمنًا بالمبادرة والعطاء تحاسب نفسك على تقصيرها ترى في الناس الجانب المشرق، وتطمس الجانب المظلم فيهم. فالثالثة تكون بتجسيد المفهوم التام للاختلاف وأن يكون هناك نبذًا كاملًا للخلاف. ولتحقيق هذا الكم من القواعد الثابتة والراسّخة في عملية البناء، يجب تفعيل جملة من الضوابط التي تتحكم في أيقونة الّنفس ودفعها للنجاة من شرورها ومساوئها، وتطهيرها من الأنانية، وحب الذات والتي تكون في غالب الأمر ميلادًا عسيرًا لنرجسية قاتلة تُدمِّر صاحبها، فتقسوا عليه الحياة، فتقتل نفسه فينبذ العطاء ويلتزم بالأخذ وبهذا تكون النفس قد تهاوت الى الحضيض. أما من ناحية أخرى وإذا اعتبرنا أنَّ الالتزام بالأخذ يورّث الطغيان والالتزام بالعطاء يبني شخصية متزنّة محبّة فاعلة في المجتمع ناصرة للحق فحتمًا هذا كلّه يصب في إزهاق للباطل والقضاء عليه.
هذه هي بوتقة الاتزان الشامل والتي تحوي الحلقة الأضعف للإنسان فتغطي مساوئه وضعفه وانكساراته. لتظهر صلابته وقوته في خلافاته للأرض بداية من النور الذي يشع وجدانه النابع من عقله. وسريرته الطاهرة النابعة من قلبه كإنسان عالم بخبايا الكون: عامل بجهد متقن بحب مخلص بضمير. نحن هنا جميعًا مطالبون بتشييد جنّة الأرض ؛ حتى نصل الى ذروة تُعطى فيها للإنسان قيمته وحقوقه، والتي لا تتم إلا بتحقيق العدالة وتكريس المبدأ الشامل تحقيقًا لحياة كريمة تضمن كرامة الانسان في ظل القانون العادل والراسخ لكل ذي حق حقه عبارة لها دلالات منطقية ومعانٍ سامية.
كيف لا؟ وهي تدعو إلى الوسطية والاعتدال فالجمع بين مطالب الدنيا ومطالب الدّين، فلا تشدد ولا رهبانية، وعلى المسلم المؤمن إدراك هذه الحقيقة والعمل التام بالمعاملة الحسنة النابعة من الحب المجبولة على العطاء، فالدين المعاملة ذلك ما نحن مطالبون به، أمَّا جنَّة السماء الله وحده هو الكفيل بها، وإذا كان الاجتهاد حقيقة واجبة في حدّها الأسمى فهنا يجب عليك أنْ تدرك تمام الإدراك، أنَّ الجنة والنّار لخالقها، يدخل فيها من يشاء برحمته، وبأنك أيضًا مجرد إنسان ضعيف في المنظومة الكونية، فتفكيرك يجب أنْ يكون منصبًّا حول مكنونة محاسبة النفس وكفى … أمَّا الخلق فاتركه لخالق الخلق.

*كاتب جزائري

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

قطط أزمير

حسين أبو سعود يقال بان هناك مدن لا تنام ، كلنا نعلم بان المدن تنام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *