جديد الكتب

أطروحة لنيل درجة الدكتوراه في الآداب في: إشكالية التحيز في النقد الأدبي العربي المعاصر

كتب: علي صديقي: نوقشت برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمدينة وجدة المغربية أطروحة لنيل درجة الدكتوراه في الآداب أعدها الطالب الباحث علي صديقي، في موضوع: إشكالية التحيز في النقد الأدبي العربي المعاصر، وقد كانت اللجنة العلمية مشكلة من السادة الأساتذة: الدكتور بلقاسم بنجعوط رئيسا، والدكتور مصطفى رمضاني عضوا، والدكتور عبد الرزاق صالحي عضوا، والدكتور إسماعيل اسماعيلي علوي عضوا، والدكتور مصطفى اليعقوبي مقررا. وفيما يلي نص التقرير الذي قدمه الطالب بين يدي أعضاء اللجنة العلمية المحترمة….

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين على عونه وتوفيقه. وبعد،

اسمحوا لي، السادةَ أعضاءَ اللجنة العلمية الموقرة، أن أستهل هذا التقرير بكلمة شكر أوجهها إلى أستاذي الجليل الدكتور مصطفى اليعقوبي، الذي تفضل بالإشراف على هذا البحث ورعايته بكل صدق وسَعة صدر؛ فقرأ فصوله ومباحثه بصبر جميل، وقادني بتوجيهاته الرشيدة إلى جادة الصواب، وشجعني بشكل متواصل، فاللهَ أسألُ أن يجزيه عني الجزاء الأوفى على كل ما أسدى من نصح، وأنفق من وقت، وقوَّم من عِوَج. كما أوجه خالص شكري وتقديري إلى أعضاء اللجنة العلمية المحترمة أساتذتي: الدكتور مصطفى رمضاني، الذي رحب بي وببحثي في وحدة البحث والتكوين “في الاتجاهات الفنية في الأدب العربي الحديث”، والدكتور عبد الرزاق صالحي، الذي تجشم عناء السفر في هذه الظروف الصعبة للحضور إلى مدينة وجدة، والدكتور بلقاسم بنجعوط، والدكتور إسماعيل إسماعيلي علوي، اللذين عهدتهما أستاذين متمرسين بالنقد العربي قديمه وحديثه، أشكرهم جميعا لتشريفهم لي بقراءة هذه الأطروحة، وقَبول مناقشتها وتقويمها. كما أتقدم بجزيل الشكر إلى جميع أساتذتي الكرام في وحدتيِ البحث والتكوين: “الاتجاهات الفنية في الأدب العربي الحديث”، و”الأدب المغاربي الحديث والمعاصر”. وأشكر كلَّ من ساعدني في إنجاز هذا البحث بملاحظاته وتوجيهاته وتشجيعاته، وجميع أفراد عائلتي الكبيرة والصغيرة. كما لا يفوتني أن أشكر جميع الحاضرين الذين شرفوني بحضورهم.

1. موضوع البحث:

يعالج هذا البحث موضوع إشكالية التحيز في النقد العربي المعاصر، وهو موضوع يكتسي أهمية كبيرة، نظرا لما يتمتع به مفهوم التحيز من إمكانيات معرفية مهمة، تجعله قادرا على الكشف عن مآزق النقد العربي المعاصر، والوقوف على أسبابها، ومحاولة إيجاد حلول لها. يتفق كثير من الباحثين والنقاد العرب المعاصرين على أن النقد العربي المعاصر ليس بخير، وأن ما حققه من تراكم كمي ونوعي لم يعصمه من التخبط في “الأزمة”، و”التشتت”، و”الغموض”، و”الاضطراب”. غير أن هذا الاتفاق بين هؤلاء على وجود هذه الأزمة، يقابله اختلاف شديد بينهم في أسبابها؛ إذ تجد فريقا منهم يتحدث عن التنقل من مَنهج إلى آخر من مناهج النقد الغربية، والتمثلِ الناقص لها، ومحاولةِ توظيفها دون هضم كاف أو استيعاب دقيق لجزئياتها وتفاصيلها، إضافة إلى عدم قدرة الناقد العربي على مسايرة ما ينشأ في الغرب من مناهجَ ونظرياتٍ، بسبب كثرتها وتنوعها. وتجد فريقا ثانيا يسِم أسبابَ الفريق الأول بالواهية، ويؤكد أن سبب تلك الأزمة إنما هو تسليمُ كثير من نقادنا بالطابع المطلق للمناهج النقدية الغربية، وزعمُهم أنها معارفُ “عِلْميةٌ” و”عالَميةٌ” و”مطلقةٌ”، لا ينبغي أن نتردد في استيرادها وتوظيفها دونما أي نقد أو مساءلة، ونظرتُهم التجزيئية إليها بوصفها مجردَ أدوات إجرائية، تضبط خطْوات الباحثين في تعاملهم مع قضاياهم المدروسة؛ مما جعلهم يحددون قيمة المنهج بما يختزنه من طاقة إجرائية، ويستبعدون خلفياتِه التاريخيةَ والمعرفية، وأسسَه العلميةَ والفلسفية واللاهوتية. ويذهب هذا الفريق إلى أن المناهج النقدية الغربية متحيزةٌ إلى الأنماط المعرفية التي أوجدتْها، ومنسجمةٌ مع المعطيات الثقافية والحضارية التي نشأت فيها. وعليه، فإنها ليست مطلقةً، ولا متعالية على الخصوصيات، وإنما هي نسبية وتاريخية. وينطلق من مسلمة مُفادها أن هذه المناهجَ ليست مجرد أدوات إجرائيةٍ مفصولةٍ عن خلفياتها وأطرها المعرفية، وإنما هي منظومة متكاملة؛ تشمل الأدواتِ الإجرائيةَ، التي تشكل جانبَها المرئي الظاهر، والرؤيةَ المؤطرة لها، أو مرجعيتَها الكامنة، التي هي “روح المنهج”، و”جانبُه اللامرئي” الخفي. من هنا، يأتي هذا البحث ليمحص دعوى “كونية” المناهج النقدية الغربية الحديثة ومفاهيمها التي روَّج لها بعضُ نقادنا؛ وذلك بالكشف عن تحيزات مناهج النقد الغربي الفلسفية واللاهوتية. كما يأتي ليكشف عن تحيز النقد العربي المعاصر “الكلي” و”التلفيقي” إلى النقد الغربي؛ يتجلى الأول في ادعاء عدد من نقادنا “كونيةَ” المناهج النقدية الغربية، والثاني في إيمان كثير من نقادنا بإمكانية “التركيب” و”التوفيق” بين مناهج الغرب ونظرياته لـ”نحت” مناهج بديلة تراعي خصوصياتِ النص الأدبي العربي، وتمكننا من تجاوز قصور بعض المناهج النقدية الغربية.

2. دوافع البحث وأهدافه:

انطلقت في هذا البحث من مسلمة تحيز المناهج النقدية الغربية، وقد مكنني ذلك من الوقوف على حقيقتين:

الأولى: هي أن استيرادَ بعضِ النقاد العرب المعاصرين المناهجَ النقديةَ الغربية، وتوظيفَها في قراءة النصوص العربية دون مساءلة أو نقد، راجعان إما إلى اعتقادهم أن ما نقل إليهم من هذه المناهج إنما هو أدوات إجرائية محضة، أو إلى إيمانهم بإمكانية عزل هذه المناهج عن مضامينها الفلسفية والدينية. فلما وظفوها، فُرِض عليهم الأخذ بخلفياتها وأسسها، وتبنيها عن وعي أو عن غير وعي. وهو ما يجعل هذه المناهج تفرض سلطتها على الناقد؛ حيث تصبح النصوص الأدبية في خدمة المنهج لا العكس، كما تقضي بذلك الأعراف العلمية.

والثانية: هي أن الخروج من هذه الأزمة لن يتم إلا بالكشف عن الجذور المعرفية والخلفيات الفلسفية واللاهوتية لهذه المناهج، حتى إذا تنبه إليها الناقد، وكان على وعي بها وباستحالة فصلها عن هذه الجذور والخلفيات، أمكنه التخلص من سلطتها، وانفتحت أمامه آفاق الإبداع النقدي. وبناء على ذلك، توجهت إلى البحث في هذا الموضوع، للكشف عن تحيزات النقد الغربي، وإبطال دعوى “كونية” المناهج النقدية الغربية، ورسم حدودها. وموازاة مع هذه الدوافع الموضوعية، أردت أن أحقق ضمنيا رغبة ذاتية، تتحدد في تعميق صلتي بإشكالية لازمتْني منذ أولى مراحل دراستي الجامعية، وهي “إشكالية المنهج” التي هي بحق “مشكلة أمتنا الأولى” كما أكد ذلك الشاهد البوشيخي؛ لأنها أصبحت، في سياقنا الثقافي العربي الراهن، الذي يعد النقد الأدبي جزءا منه، من القضايا الشائكة والمعقدة.

3. خطة البحث:

لقد سارت خطة البحث على النحو الآتي:

أ. جمع المادة وتصنيفها: جُمعتْ مادة هذا البحث من كتب النقاد الغربيين والعرب ومقالاتهم وحواراتهم. وقد روعي في هذا الجمع مبدأ توسيع دائرة البحث إلى أقصى حد ممكن، لتشمل أكبر عدد من الدراسات التي تمكنت من الحصول عليها، والاطلاعِ على محتوياتها. وبعد الانتهاء من عملية جمع المادة جاءت مرحلة تصنيفها؛ حيث تم تصنيف نصوص النقاد الغربيين بحسب نوع التحيز الحاضر فيها. أما النقاد العرب، فقد تم تصنيفهم وفق ثلاثة معايير أساسية، هي: معيار المواقف، ومعيار الزمن، ومعيار الانتماء الجغرافي.

ب- عرضها وتحليلها ونقدها: بعد مرحلة الجمع والتصنيف، انتقلت إلى مرحلة عرض المادة وتحليلِها ونقدِها. وقد روعي في أثناء العرض معيارا الزمن والانتماءِ الجغرافي. وبعد عرض هذه النصوص، قمت بتحليلها، ونقد آراء النقاد العرب بخصوص القضايا المطروحة، مستعينا –في ذلك- بمواقف عدد من النقاد والفلاسفة والباحثين العرب والغربيين تجاه تلك القضايا.

4. محتـوى البحث:

يتشكل هذا البحث مما يأتي:

– مقدمةٌ تحدثت فيها عن موضوع البحث، ودوافعِه وأهدافِه، وخطته المنهجية، والصعوباتِ التي واجهته، وتحيزاتِ صاحبه.

– مدخلٌ خصص لتحديد مفهوم التحيز لغة واصطلاحا، وذكر خصائصه وأنواعه، والإشارةِ إلى قِدم إدراكه في التراث العربي الإسلامي؛ ببيان موقف بعض النحاة والأصوليين والمتكلمين والفقهاء المسلمين من المنطق الأرسطي. وخُتم هذا المدخل بالحديث عن جهود المرحوم عبد الوهاب المسيري وسعد البازعي في دراسة التحيز دراسة منهجية شاملة، وتأسيسه بوصفه علما جديدا.

– الباب الأول: وفيه كشفٌ عن الخلفيات الفلسفية واللاهوتية لمناهج النقد الغربي الحديث عامة، وللبنيوية والتفكيكية خاصة، واستعراضٌ لجهود بعض الباحثين والنقاد العرب المعاصرين في هذا المجال. من هنا، ضم هذا الباب فصلين، خصص الأول منهما للكشف عن الخلفية الفلسفية للبنيوية والتفكيكية؛ بالحديث عن مرجعيتهما الحُلولية المادية التي يستندان إليها، وبيان سعيهما نحو إلغاء الذات الإنسانية، وتقويض ميتافيزيقا الحضور، وفكرة الأصل، وغيرها من المقولات التي تمركز حولها التراث الفلسفي الغربي.

وأفرِد الثاني لفضح الخلفيات الدينية -البروتستانتية المسيحية والقبَّالية اليهودية- للنقد الغربي؛ بإبراز أثر منهج تفسير الكتاب المقدس الذي أرسى معالمه باروخ سبينوزا (Baruch Spinoza)، في النقد الشكلاني الغربي، وكذا أثر التراث القَبَّالِيّ اليهودي في الثقافة الغربية عامة، والتفكيكية خاصة؛ وذلك بالإشارة إلى إسهامات المفكرين اليهود في بناء هذه الثقافة، وتوضيح نمط العلاقة التي تربط التفكيكية بهذا التراث، واستعراض جملة من المفاهيم التفكيكية ذات الأصول القبالية.

– الباب الثاني: وقد اهتم بالكشف عن التحيز إلى النقد الغربي في النقد العربي المعاصر، غير أني رأيت أنه من الواجب، تاريخيا، الحديث عن تحيزات بعض من يوصفون -من قبل كثير من مثقفينا ونقادنا- بـ”رواد النهضة العربية الحديثة” عامة، و”النهضة النقدية” خاصة، أمثال: عباس محمود العقاد، وإبراهيم عبد القادر المازني، وميخائيل نعيمة، وطه حسين، ومحمد مندور، وهذا ما تكفل به الفصل الأول من هذا الباب.

أما الفصل الثاني، فخصص للكشف عن أبرز أشكال التحيز حضورا في الثقافة العربية المعاصرة عامة، والنقد العربي خاصة، وهو التحيز الكلِّي إلى الحضارة الغربية وما تنتجه من ثقافة ومناهج ومفاهيم.

وتوقف الفصل الثالث عند ثاني أهم أنواع التحيز شيوعا في نقدنا المعاصر، وهو التحيز التَّلفيقي إلى النظريات والمناهج والمفاهيم النقدية الغربية.

أما الفصل الأخير من هذا الباب، فقد اتجه نحو مناقشة مفهوم “التَّأصِيل” الذي دعا إليه بعض النقاد العرب لتجاوز تحيزات النقد الغربي، وتقديم “النظرية النقدية العربية البديلة”. كما حاول هذا الفصل اقتراح بعض “الآليات” التي من شأنها أن تمكننا من التخفيف من حدة التحيز وتقليل آثاره، وتقديم تصور أولي عام لفلسفة النموذج البديل، الذي من شأنه تجاوز مآزق النقد العربي والغربي معا.

– خاتمة موجزة تم فيها التذكير بأهم قضايا البحث، وتسجيلُ أبرز خلاصاته، والإشارةُ إلى بعض آفاقه.

5. صعوبات البحث:

لا يخلو أي بحث علمي من صعوبات؛ ترتد إما إلى البحث وموضوعه ومادته العلمية، وإما إلى سياقه الثقافي والعلمي المحيط به، وإما إليهما معا. وصعوبات هذا البحث كثيرة ومتنوعة، غير أن أهم ما يستحق الذكر هنا، سعة موضوعه، وغنى مادته؛ فهو بحث في إشكالية التحيز في النقد العربي المعاصر عامة، وليس عند ناقد واحد معين، فتتيسر عملية جمع مادته وتصنيفها ووصفها.

6. نتائج البحث:

وتتمثل أهم هذه النتائج فيما يأتي:

أولا: يرتبط مفهوم التحيز، بالمعنى المحدد به في هذا البحث، بمفاهيم كثيرةٍ، أهمها «الخصوصية»، لكن ليس بمفهومها الضيق السلبي، الذي يحيل على معنى الانقطاع والعزلة، وإنما بمفهومها الواسع الإيجابي، الذي ينطلق من الوعي بحتمية الاختلاف بين الثقافات والحضارات، ومن الإيمان بدور هذا الوعي وأهميته في الاجتهاد والإبداع والانفتاح. ولذلك، فإن الخصوصية هنا، لا تُضاد الكونية؛ تلك الكونية التي تتألف من عدة خصوصيات مختلفة، وليس من خصوصية واحدة متمركزة حول ذاتها، ومتسلطة على غيرها، بل هي السبيل لتحقيقها.

ثانيا: مصطلح التحيز حديث جدا، ويرتبط بالأساس بجهود عبد الوهاب المسيري وسعد البازعي النظرية والتطبيقية. غير أن إدراك التحيز، والقول بالخصوصية الحضارية، قديم في تراثنا العربي الإسلامي، وهذا ما يدل عليه موقف عدد من النحاة، والأصوليين، والمتكلمين، والفقهاء، والعلماء المسلمين، من المنطق الأرسطي، ومناهضتهم له.

ثالثا: من أهم سمات التحيز “الحتمية”؛ لأنه جزء من الطبيعة الإنسانية، غير أنه، وبرغم ذلك، فهو ليس نهائيا، ولا يلغي إمكانات الانفتاح على الآخر والاستفادة منه، بل النهائي هو الإنسانية المشتركة، و”الكلمة السواء” التي أشار إليها الحق سبحانه في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه.﴾(آل عمران: 64).

رابعا: شاع لدى كثير من الباحثين والنقاد العرب المعاصرين أن المناهج النقدية الغربية مجردُ أدوات إجرائية، ولا صلة لها بأي مضمون فلسفي أو عقيدة دينية. غير أن الأمر بخلاف ذلك، إذ يكشف البحث المعرفي عن امتلاك هذه المناهج رؤية فلسفية كلية عن الإنسان والوجود، وصدورِها عن مرجعية حلولية مادية تحصر الوجود في الإدراك، وتستبعد الغيب، وتصفي ثنائية الخالق والإنسان، وتوحد الإنسان بالطبيعة. أضف إلى ذلك، صلة تلك المناهج الوثيقة بالتراث الديني الغربي الحلولي، البروتستانتي المسيحي، والقبَّالي اليهودي.

خامسا: ينقسم التحيز إلى عدة أنواع؛ منها ما هو إيجابي، ومنها ما هو سلبي، غير أن أكثر أنواع التحيز حضورا في النقد العربي المعاصر، هو التحيز الكلي إلى النموذج الحضاري الغربي، وهذا ما يتجلى من خلال دعوى “الكونية” الشائعة في هذا النقد؛ حيث يدعي كثير من النقاد العرب “كونية” ما ينتجه الغرب من نظريات ومناهج ومفاهيم. غير أن الدارس سرعان ما يقف على فساد هذه الدعوى، حين يهتدي إلى المبادئ التي تنطلق منها، والمتمثلةِ في “الموضوعية”، و”الإطلاقية”، و”العلمية”، و”الإجرائية”، ويبين تهافتها.

سادسا: يزعم كثير من النقاد العرب المعاصرين أنهم بصدد “تأسيس منهج نقدي عربي بديل”، يحترم خصوصيات النص العربي، وذلك عن طريق تأصيل المناهج النقدية الغربية ومفاهيمها؛ بالبحث لها عن أصولٍ وسوابقَ في التراث النقدي والبلاغي العربي، باعتبار “التأصيل” آلية من آليات تجاوز تحيزات هذه المناهج، وفصلها عن بيئتها التي نشأت فيها، واستنباتها في بيئة أخرى مختلفة؛ هي البيئة الثقافية العربية.

سابعا: تجاوز التحيز عامة، وتحيزاتِ النقد الغربي خاصة، بشكل كلي، أمر متعذر، وكل ما يمكن تحقيقه هو التخفيف من حدة هذا التحيز وتقليلُ آثاره، وهذا بدوره لا يمكن أن يتحقق إلا بإدراك الحقيقة الأساسية المتمثلة في أن التحيز حتمي، بوصف هذه الحقيقة قاعدة أولى ضرورية، يمكن الانطلاق منها للسعي نحو الكشف عن تحيزات النقد الغربي، وبيان حدوده ونسبيته وتاريخيته. وبالمقابل، تقديم البديل المنهجي المختلف عن النموذج الغربي، القادر على تجاوز سلبياته ومآزقه، وذلك بحكم استناده إلى مرجعية توحيدية متجاوِزة.

وفي الختام، أجدد شكري لأستاذي الفاضل الدكتور مصطفى اليعقوبي، على ما أسداه إلي من نصائح قيمة، وتوجيهات دقيقة، كما أجدد شكري للجنة العلمية الموقرة على تفضلها بقراءة هذا البحث ومناقشته، وعلى ما ستبديه من ملاحظات، وما ستوجهه إلي من توجيهات، وما ستقترحه علي من تصويبات، ستُسْهم –بلا شك- في تقويم عثراته.

والله من وراء القصد

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق