الأربعاء , نوفمبر 22 2017
الرئيسية | الموقع | حوارات المجلة | نيلس هاو: في الحرب تكون الحقيقة الضحية الأولى

نيلس هاو: في الحرب تكون الحقيقة الضحية الأولى

حاوره: جوان تتر*
ولد نيلس هاو في مزرعةٍ ريفية في بلدة ليمفيغ، التي تقع على الساحل الغربي لشبه جزيرة يوتلانت، غربي الدنمارك، عام 1949. بدأ كتابة الشعر منذ المراهقة، وصدر له حتى الآن مجموعة دواوين منها: “حين أصير أعمى” 1995، “نحن هنا” 2006، و”نساء كوبنهاجن” 1993، بالإضافة إلى اشتغاله على مجموعات قصصية قصيرة منها:  “صيف إيراني” الصادرة عام 1990.ترجمت قصائده إلى لغات عدّة، من بينها العربية والكردية.

يعتبر هاو من الأصوات البارزة في المشهد الأدبي الإسكندنافي. يميل في كتابته نحو البساطة، ليس فقط في تناوله للأفكار التي يطرحها والتيمات التي يتناولها فحسب، إنّما كذلك في المفردات التي يستخدمها دون أي تكلّف متناولًا قضايا الإنسان وهمومه وتفاعله مع الحياة المعاصرة التي يشوبها التعقيد، كما أن الكثير من قصائده تسودها روح السخرية والدعابة.

بدايةً هل يمكن أن تعطينا لمحة عن حياتك وكيف بدأت الكتابة؟
ولدتُ في الساحل الغربي في الدنمارك ونشأت في مزرعة تبعد عن العاصمة، والدي كان يعمل في رعاية مقبرة صغيرة في قريتنا، وكنت غالبًا أساعده في الحقول أو في حفر قبرٍ ما في المقبرة. في الثانية عشرة من عمري أبصرت صورةً لدوستويفسكي ضمن كتاب، وقرأت مذكراته حيثُ كان مصابًا بحلم أن يكون كاتبًا. أحلامٌ كبيرة تنمو في أماكن بعيدة، وكان يبدو لي حلم الكتابة شخصيًا غير قابلًا للتحقّق. غادرت المنزل في وقت مبكّر جدًا وامتهنت مهنًا عدَّة قبل أن ألتحق بالجامعة وأدرس بشكلٍ جديّ، بدأت كتابتي عندما بدأتُ الإحساس بالأشياء ونشرت في عدة صحف ومجلات، في الوقت الراهن أعيش في العاصمة مع زوجتي كريستينا، وهي عازفة بيانو، وابنتنا، كل صباح أستقلّ دراجتي الهوائية كي أتوجّه إلى مكتبي، ثمة خارطة للعالم فوق طاولتي في المكتب، وحين أرفع رأسي ترتفع أفكاري أيضًا لعلها تجد موطئًا لها هناك في إحدى النقاط.
هل يمكن الحديث عن انطباعك بشكل عام حول الشعر الدنماركي؟
مثل كل مكان، الشعر الدنماركي يشبه عش النمل من حيث الأنشطة، نحن فرع صغير من الأدب الغربي، والإلهام يأتي عبر الحدود من الثقافات الكبرى، الفرنسية والإنجليزية، ومن ثم فإن البلاد يحيطها المياه، ومنذ قرون كان الناس هنا مزارعين أو بحّارة، واستخدم الشعر الدنماركي في وقتٍ مبكّر الاستعارات من الحياة في هذا المجال، القصائد الأولى كانت مكتوبة باللغة الدنماركية ومتأثرة بالكنيسة والدين، وبالتالي فإن هذه المستويات الميتافيزيقية متأصّلة في اللغة الدنماركية، إلّا أن المحدّثين قلبوا كل شيء الآن رأسًا على عقب، إلّا أنه لا يمكننا الهروب من الدلالات الميتافيزيقية في اللغة، مع العلم أن الشعر الدنماركي الحديث يركّز حاليًا على قضايا سياسية وبيئية وأمور وجودية راهنة.

كيف تنظرون إلى المرأة في القصيدة بشكل عام؟

أنا سعيد جدًا لأنّك ركّزت على هذه القضية، تحرير المرأة ومشاركتها في المجتمع هو واحد من أهم القضايا في الرّاهن من الأيَّام، وفي كل مكان، المجتمع الصحي يستوجب وجود مساواة بين الرجل والمرأة على جميع المستويات، وفي بعض الأماكن من العالم، النسوة لا زلن يشبهن الخيام ويتم التعامل مع النسوة المحررات بنوع من عدم الاحترام، هذا الأمر محزن جدًا، يجب أن يكون كل من الرجل والمرأة قادرين على العمل، فهناك شاعرات مميزات، كما أنّ التحرك بحرية بأمان في الأماكن العامة يستوجب وجود دولة قوية، جميعنا يقدّر فيسلافا شيمبورسكا، فروغ فرخزاد وإينغر كريستنسن التي توفيت قبل بضع سنوات وكان لها سوناتات ممتازة وترجمت إلى العديد من اللغات.

الثقافة العربية بشكل عام تعاني من قلة الترجمات، هل توجد في الدنمارك المشكلة نفسها؟

في هذا المجال ثمة نقص كبير، نحن الأوروبيين محاصرين ضمن الأبجدية اللاتينية، في حين أن العرب يتعاملون مع أكثر من لغة، كما أن دور النشر الغربيَّة كسولة جدًا ولا شكّ أن العديد من الدول تعاني هذا الكسل، آمل أن نرى في المستقبل المزيد من الشعر العربي مترجمًا، وأعتقد أن المجال الثقافي العربي هو أفضل مما لدينا، فاللغة الدنماركية هي لغة صغيرة مقارنةً مع اللغة العربيَّة، كما أنّ الناشرين الغربيين لا يهتمّون ولا يعثرون على ما يكفي من قرّاء لترجمة الأعمال، فربما لدى الناشرين العرب جمهور أكبر من ذلك بكثير، وأعتقد أن أهم الأعمال الأدبية العالمية قد ترجمت إلى اللغة العربيَّة.

لماذا تحب ترجمة شعرك إلى لغات مختلفة؟
ذلك سرّ، ولكنني سعيد جدًا بأن قصائدي تسافر عبر العالم وتعثر على قرّاء جدد مختلفين، كما أن ما يسعدني بصفة خاصة أن قصائدي تأصلت خارج أوروبا وإلى مختلف اللغات، وأعرّب عن امتناني للمترجمين، كتبي ترجمت إلى اللغة الكردية والعربية والعبرية والفارسية.. والمترجمون يستحقون كل الاحترام، دعنا ألا ننسى أن الشعر ليس ظاهرة اجتماعية، بل هو حديث فردي مع القارئ عن أسرار عميقة في الحياة.

لمن تقرأ من الشعراء العرب؟
أودّ أن لا أكون جاهلًا بهذا الأمر، ولكن الترجمة تكون بشكل عشوائي، أنا أعرف محمود درويش بطبيعة الحال، وعددًا لا بأس به من قصائد بدر شاكر السياب، التقيت محسن الرملي في مصر، كما تجدر الإشارة إلى حسين حبش وموسى حوامدة وأسعد الجبوري وغيرهم الكثير من الشعراء الذين يعيشون في الدنمارك مثل فاديا الخشن وصديقي العزيز سليم العبدلي، وتمت ترجمة أدونيس إلى الدنماركية، وهذا هو الانجاز الأعظم برأيي، وأعلم أنّه متروك للنقاش بين الزملاء العرب – غالبًا ما لا يُقدَّر نبيٌ في وطنه- وأدونيس ساهم بشيءٍ مهم في الأدب العالمي، حضر مهرجانًا هنا وفرحت جدًا لمقابلته، فهو شاعر متميز، وكل عام أكون في انتظار أن يمنح جائزة نوبل، هذا هو الخطأ الأكبر حتى الآن أنّه لم يُمنح نوبل وآمل أن يكون ذلك في العام المقبل، سيكون جميلًا المزيد من التركيز على الشعر العربي الذي يضم هذه التقاليد الغنية من الشعراء المحدّثين والكبار.

هل تستفيد من الأساطير في كتابة الشعر والقصة القصيرة؟
أحب هذا السؤال، يتمّ تضمين كلمات من اللغة لدينا بدلالات أسطورية، ومن المهم جدًا أن نكون على بينة بتلك الدلالات لأجل استخدامها في لغةٍ ذات مغزى، ففي الدول الإسكندنافية لدينا أساطير قديمة في طبقة لغوية عميقة، وفيما بعد أتت الأساطير من روما واليونان القديمة، وثمة قواسم عديدة مشتركة مع بقية أوروبا والشرق الأوسط، وأيضًا كان في متناول اليد الأساطير التوراتية- الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، كان الكتاب الأساسي في المنزل، ووالدي كان من المسيحيين الملتزمين وفي كل يوم كان يقرأ على مسامعنا قطعة من الكتاب المقدّس. كل هذه الأشياء كانت شائعة وهي بدون شك جزء من عملي عندما كنت أكتب، غير أنني لا أركز في ذلك، إنه مجرد تراث مشترك، ويبدو أن جوهر الثقافات الكبرى القديمة هو نفسه، الشعراء والفلاسفة والأنبياء والمعلمون يحاولون المحاولة ذاتها، أعني إيجاد واستكشاف أفضل السبل لتحقيق حياة كريمة وتحقيق الوئام مع الذات الداخليَّة والأرواح التي تحكم الكون وما إلى ذلك من أفكار، ثمة الكثير من الكلام الآن حول الدين وعوامل الثقافة العرقيَّة والناس يتمسّكون بهويتهم، أشعر بأن هذه طريقة خاطئة، فعندما أسافر مع قصائدي أعلم أن هويتي الدنماركية الأصلية تتماهى مع جميع الآثار والأساطير، ويجب أن تكون الهوية الفطرية كالجلد الميت، أي أن تكون هناك عملية تحوّل وتغير جلد باستمرار، داخل كل منا انسان لا أكثر ولا أقل، هذه فكرة رائعة ومتحررة جدًا، معنى الحياة أن تعيش، أن تكون إنسانًا.

هل هناك أهمية للقصائد في زمن الحروب؟
آه، إنها مسألة معقّدة، هل يمكن أن نقول إن الشعر أكثر أهمية من أي وقت مضى في زمن الحرب؟ هذا مجرّد هراء! في زمن الحرب لا بد أن نفكر بصمت، الحرب والدمار على النقيض تمامًا من الشعر، العالم على لهيب من النار، السياسة والقنابل والأيديولوجية والدين يجتاح العالم، ووجهًا لوجه مع هذا الرعب يبدو غبيًّا أن يكتب الناسُ القصائد في وسط الحرب، نكتب الشعر لأن هناك حاجة لذلك، وفي زمن الحرب، الحقيقة هي الضحية الأولى، الغرض من الشعر هو استعادة اللغة ومنعنا من أن نكون مجانين، وقد ناقشت ذلك في العديد من القصائد.

ماذا تقول لأولئك الذين لا يقرأون الشعر؟
الشعر ليس الطريق الوحيد إلى الشلّال، فبعض الناس يجدون الطاقة والإلهام المباشَرين من الاضطرابات في الحياة، هذه حقيقة مُطمئِنَة، إن كنت ترغب في القراءة اقرأ، إن كنت ترغب بالرقص فارقص. لقد نشأت في طبقة غير أدبية أحترمهم جدًا، الحكمة هي الروحُ النبيلة، وتجدها بين الناس مشغولةً بمستويات مختلفة، ولكن أعتقد أن القراءة الصامتة تحمل أسرارًا ثمينة داخل القلب من أجل تقوية عويل الرياح، طموح الشاعر وسعادته هو المساهمة في هذا الكنز الدفين الموجود في الكلمات بشكلٍ دائم.

الشعر في كوبنهاغن وغيرها
يبدو أنّ الربّ قد اختار بضع مئاتٍ، أو في معظم الأحوال بضعة آلاف شخص في كل دولة ليشتروا كتب الشعر، وهذا واضح في عمليات الطباعة الصغيرة ورفوف الشعر التي لا تحتل غير مساحاتٍ قليلة ضمن المكتبات، تلك هي الطريقة في الدنمارك وفي معظم البلدان الأخرى، حتّى في الصين التي يبلغ عدد سكانها 1.4 مليار فإّنه من النادر أن تحتلّ مجموعة شعريَّة مقامَ الكتب الأكثر مبيعًا حقيقةً.

لدى سفري وتجوالي في المطارات، كنت أواجه تلكَ الحقيقة بكل وضوح، إنّها حقائقُ لا تتزعزع، فثمة على الدوام أماكنُ لبيع الكتب في المطارات، ولكن في أغلب الأحيان لا أُبصر على الرفوف كتبَ شعرٍ على الإطلاق! ففي الواجهات الأماميَّة لكل مكتبة ثمة أغلفةٌ برّاقةٌ تومضُ لكتب كلاسيكيَّة إلّا أنّها ليست شعرًا، أنا شخص قنوع إلى حدٍّ ما، غير أنّ الشعر له أبعاد جماليَّة لا يمكن أن نجدها في النثر، إنّه يثير العواطف بطريقة مباشرة أكثر ويركّز على موضوعات ذات أهمية للجميع.

مؤخّراً كنت في مطار “هيثرو”، وكان يلزمنا وقتٌ لكي تقلع الطائرة، توجهت إلى مكتبة، ذُهلتُ حقيقةً للواقع، لا شعر، شيءٌ مذهل! فالمملكة المتحدة لديها ثقافة وطنية قديمة وتفتخر بتقاليدها الشعريَّة، ودوَّن معظم البريطانيين الكثير من الشعر الاستثنائي والرمزي، لذا فليس من اللائق ألا نجد كتب لـ ييتس، باوند، أودن، إليوت، أو تيد هيوز، سيلفيا بلاث وشيموس هيني، ولإيجاد حلّ لحيرتي دَنوتُ من الشابّ المسؤول عن المكتبة ليقولَ لي بكل ودٍ وخجل: “نحنُ لا نبيع الشعر!”.

هل يمكن الحصول على الجواب نفسه في مكانٍ لبيع الكتب بكوبنهاجن؟
معضلةٌ عظيمة إن كان الشعر لا يمكن العثور عليه في مكانٍ لبيع الكتب، بهذه الطريقة لن يحصل الشعر على فرصة لإثبات قدرته على البقاء، إن اعتمدنا على الكتب الأكثر مبيعًا فقط، سوف نصبح قرّاءً أغبياء، وأدمغتنا سوف تذبل وأرواحنا ستفقد أجنحتها، لا بد أن يكون الشعر على رفوف كل مكتبة، لا بل وبشعورٍ من الفخر والمهنية واحترام الذات.

في الواقع لا أعتقد أن الوضع الحالي في المكتبات يعطي الصورة الحقيقية لاحترام الشعر بين القرّاء، فحياة الشعر في حالة جيدة لا بل وتزدهر كما لم يحدث من قبل، ولكن فقط يترتب على ذلك بناء قنوات تواصل مع القرّاء وجمع العديد من المتحمّسين الذين يستمتعون باستماع الشعر، ويبتاعون أكثر من كتابٍ شعري في الآن نفسه، وهذا يعطي الانطباع القديمَ الرّاسخ، حيث كان الشعر يُقرأ في الساحات والأسواق منذ القِدَمْ.

هذه هي الطريقة: الشعر هو متنَفَّس وأكسجين ضروري للغة، فالغرض من الشعر هو استعادة اللغة ومنعنا من أن نكون مجانين، وثمة كل ما يدعو للتفاؤل ويُبعث على الرضى، فربما لا يتمّ عرض الشعر في الأجزاء الأمامية من المكتبات ونادرًا ما تصل كتب الشعر إلى القوائم الأكثر مبيعًا، ولكن عوضًا عن ذلك فالشعر عمره طويل مثل قصائد الشعراء الصينيين الكلاسيكيين القدامى، وهذا ما يقوله الشاعر الصيني لي باي (701- 762):
“القصائد المثاليَّة

كمثل المباني الوحيدة

تبقى واقفة دائمًا”.

*شاعر وكاتب من سوريا

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

الأديبة السورية لبنى ياسين للمجلة الثقافية الجزائرية: الثقافة تجمعنا عندما تكون عقولنا منفتحة على الآخر

واحدة من الأديبات السوريات المغردات للحب وللسلام. سنونوة الكتابة، وصفها الروائي المصري الراحل أنور عكاشة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *