الأربعاء , نوفمبر 22 2017
الرئيسية | الموقع | قراءات ودراسات | القصة: فن البوح لدى اعتدال رافع

القصة: فن البوح لدى اعتدال رافع

د.ماجدة حمود*     

اختارت الكاتبة اعتدال رافع، منذ حوالي ثلاثين سنة، العزلة والابتعاد عن بريق الشهرة رافضة اللهاث وراء الزيف والمادة، فقد لاذت بحروف إبداعها، أي جنتها الأرضية، التي فتحت أمامها أفقا، تحلق فيه روحها، حيث تعايش أرواح آخرين معذبين، سُرقت أحلامهم مثلها، رفضت أن تعايش بشرا ارتدوا مسوح التماسيح، لا يهتمون بالمشاعر، التي هي أساس الحياة، إذ لا معنى لها دون تواصل إنساني، وقد اختزل معاناتها محمد الماغوط حين وصفها بالجدة الطفلة، لا أحد يوقرها كجدة، ولا أحد يدللها كطفلة!

رغم العزلة، التي فرضتها على نفسها، لم ينسها المخلصون من معجبيها، مازالوا أوفياء لتميزها الإبداعي؛ لهذا جاء اقتراح الهيئة العامة للكتاب في وزارة الثقافة إصدار أعمالها الكاملة، وبذلك يتمّ بهذا العمل النبيل تكريمها بأروع طريقة، حيث يحفظ إبداعها للأجيال؛ كي يسهل تلقيه ودراسته.

يلاحظ ثمة علاقة استثنائية بين اعتدال رافع وبين إبداعها، فهي تعيش كلمتها، وتتنفس بفضلها، إنها فرحتها الوحيدة، التي أمدّتها بالروح, ودفعتها للاستمرار في الحياة، إنها صمام أمانها، تطرد بها وحشتها، لهذا أخلصت لها الود، وتمسكت بها، كمن يتمسك بحبل خلاصه، وقد تنقطع عن الكتابة فترة من الزمن حين تهجم عليها أوجاع الحياة، لكنها سرعان ما تستجمع قواها الروحية، وتلملم إرادتها مستندة على حروفها؛ لتنهض من جديد.

وقد بدت القصة القصيرة لديها أشبه بومضة، تستعجلها قبل انطفائها، إذ لديها إحساس أن الزمن يلاحقها، حتى إنها تخاف أن يخطفها، قبل انتهاء قصتها؛ لهذا تكتبها في جلسة واحدة على حد قولها، لعل السرطان زاد من مخاوفها، فهي تصارعه بإرادة شجاعة، تساندها حروفها في معركتها تلك، فقد كان الإبداع خير علاج لها، تلوذ به هاربة من أوجاعها؛ لهذا اختارت جنسا أدبيا، يناسب إحساسها بأنها ملاحقة بسوط الزمن؛ لهذا كتبت فنونا قصيرة (القصة القصيرة، القصيدة، المقالة) وبذلك يحس المتلقي أن هذه الفنون تشبهها، فهي لا تحب التفاصيل الصغيرة، يشغلها البحث عن الجوهر؛ لهذا يناسبها ما يناسب تلك الفنون من تكثيف واختزال؛ لهذا لن نستغرب تمردت الكاتبة على ما تشهده اليوم الساحة الثقافية العربية من كتابة روائية، يلجأ إليها  كثير من الأدباء، بعد أن كتبوا الشعر أو القصة القصيرة، وهي حين أرادت الكتابة في جنس أدبي آخر، اختارت الشعر فقد أصدرت ديوان “كلمات مسافرة”  (2010) وقد وجدناه يعبق بأنفاس القصة القصيرة هواها الأول!

لكن تجربتها الطويلة مع السرطان منذ حوالي خمس وعشرين سنة، جعلتها تفكر بكتابة رواية “صديقي السرطان” أتمنى أن نقرأها قريبا بإذن الله.

صحيح أن اعتدال رافع ليست ممن يكثرون الكتابة؛ لهذا لم تصدر مجموعات قصصية كثيرة، لكنها استطاعت أن تعيش في ذاكرة المتلقي، وتنبض في مخيلته؛ لأن كلماتها ابنة أعماقها؛ حتى كأنها تكتب ذاتها، علها تجد مرفأ لأوجاعها، لهذا ليس غريبا أن تتحول الكلمة إلى نبض حياتها، بفضلها نجت من الجنون، كما أخبرتني، تكتب الألم، كي تتخفّف من أثقاله، بل يحس المرء أمام قصصها أن ثمة جرحا ينـزف إبداعا.

إذاً تتوغل الكاتبة في أعماق ذاتها وأعماق الآخرين، حتى لتبدو قصصها أشبه بوقفة تأمل لمعاني الحياة الكبيرة، وأسرارها الخالدة؛ مما أتاح لها تقديم إبداع أصيل في فن القصة القصيرة، يترك بصمته في ذاكرة المتلقي؛ لهذا لن نستغرب أن تكون رائدة في فن صعب، لا يمنح التميز لأي كان.

أعتقد أن الاهتمام بإصدار المجموعة الكاملة لأعمالها، يجب أن يواكبه دراسة إبداعها، عندئذ يتمّ تكريمها على أفضل وجه، لهذا جاءت هذه الدراسة، التي أعترف بأنها لن تستطيع التعريف بكل ما أنتجته اعتدال رافع من أعمال أدبية في الشعر والمقالة والقصة القصيرة.

سأحاول في هذه الدراسة التوقف عند بعض قصصها، الفن الذي أخلصت له، حتى ظهر في شعرها ومقالتها، لعلي أستطيع تسليط الضوء على ملامح إبداعها؛ كي أحفّز المتلقي العادي على قراءتها والتمتع بعوالمها المدهشة، وألفت نظر المتخصص لضرورة دراسة أعمالها، لهذا اخترت مجموعة “امرأة من برج الحمل” صدرت في عام 1986، ومجموعة “الصفر” (1988) ومجموعة “يوم هربت زينب” (1996) لعلي أكشف بعض أسرار تميزها:

اللغة الشعرية

أعتقد أن اللغة الشعرية من أبرز ملامح التميز في قصصها، وهي تتناسب وطريقتها في الكتابة، التي تقوم على تقنية البوح والاعتراف؛ لهذا كثيرا ما سمعت اعتدال رافع تقول: “القلم يكتبني، الكلمة تكتبني” فهي تتوحد بحروفها، حتى كأنها تستسلم للغة، التي تنصاع لها في المقابل بطواعية وبعفوية، وبذلك تضيع الحدود بين أنا الكاتبة، وما تكتبه؛ لتصبح بوحا يعيش المتلقي فيه صدق الكلمة وحميميتها المغموسة بالوجع، مثلما يعيش رهافتها، فيحس أنها تنتسب مثل بطلتها (انتصار) إلى “الشجرة والماء والعصفور والبحر والصواري…“(قصة “الحرب” ص53 من مجموعة “الصفر”) فيعيش قصة عشق فريدة بين الكاتبة والحرف؛ لهذا لن تستطيع الكتابة بعيدا عن تلك العلاقة الاستثنائية، فقد أتوا لها، حين مرضت، بمسجلة؛ لتستخدمها عوضا عن الكتابة، تسمعها بوحها، فلم تستطع التفاعل معها، ربما لم تستطع أن تستأمنها على حروفها، التي تحملها بأصابع روحها؛ لتستودعها الورق أو لوحة مفاتيح الحاسوب.

إذاً تكتب اعتدال رافع بنبض القلب قهر الإنسان البسيط، فتجسد أوجاعه، التي هي أوجاعها، لهذا استطاعت أن  تحلّق بقصصها بعيدا عن الإلغاز والحذلقة اللغوية، فتمكنت من ترك بصمتها الخاصة، إنها، بفضل هذه اللغة، تخاطب مشاعر المتلقي، وتشاركه في التفاعل عبر تخيل عوالم أبطالها الداخلية، فالمرأة الفقيرة الحامل في قصة (المخاض) يتحول بطنها المنفوخ الذي يتأرجح أمامها إلى “نعش” (مجموعة الصفر ص11) فتجرح هذه الصورة بقسوتها الوجدان، فيتساءل المتلقي متوترا: أي ولادة هذه، التي تبشّر بالموت!!!

تحضر روح الشعر المكافئة لروعة الحياة وضرورة الحفاظ عليها، ففي مشهد مؤثر في قصة (الحب والحرب) يوحي بانتفاء الحب، حين يختار الرجل الذهاب إلى الحرب؛ لهذا سيقتل قبل ذهابه أول من يقتل حبيبته “سأقتلك قبل أن أذهب إلى الحرب…قتلني وذهب إلى الحرب مستعجلا، وأكلني شوقي إليه” (ص103-104) توحي الجملة الأخيرة بأن القتل كان معنويا، وهو أشد على الروح من القتل الجسدي.

إذاً خفق الشعر في شرايين قصتها القصيرة، حتى ليحس المتلقي أن جمال اللغة شكّل نبضها، وبذلك تعلّمنا الكاتبة أن من يستسهل هذا الفن، فلا يمتلك لغة متميزة، تحمل بصمته الخاصة به، سرعان ما ينساه الزمن!

امتزاج اللغة اليومية بالشعرية

لعل أجمل ما في لغة اعتدال رافع هذا الامتزاج بين الشعري واليومي، وبذلك تساعد على إنقاذ الروح من قتامتها، مثلما تنقد أبطالها من وجعهم وبؤسهم، فالفقراء “يستدفئون بالوهج (الذي يصدر عن الحطب) وبالذكريات” (مجموعة “الصفر” ص40) وفي المجموعة نفسها نسمع صوت الزوجة الفقيرة عبر حوار داخلي، حين يدخل زوجها لتناول الفطور: “تصبّين له فنجان الشاي، وأنت تتحاشين النظر إلى وجهه، ترتسم دوامات على وجه الفنجان من لفح همومك” (ص13) وبذلك تمنح بفضل لغة الشعر الأشياء اليومية أبعادا جمالية، تبرز توحدها بل تفاعلها مع هموم الإنسان، وبذلك تخلق تواصلا مدهشا، يعين على مواجهة بؤس حياة، لا تتوقف منغصاتها.

وفي قصة من المجموعة نفسها نجد (الروزنامة) تعلوها أكداس الغبار معلقة “كمشنقة تتدلى منها قامات لناس وأشجار لا حصر لها”  (ص74)  تتغير هذه الدلالة القاتمة، حين تقوم المرأة بفعل، يدخل الفرح إلى نفس طفلة، قهرتها الحرب (تفصّل لها ثوبا للعيد من الثوب الوحيد، الذي تملكه) عندئذ يصبح للزمن معنى وتأثيرا “انفرطت أوراق الروزنامة، وسافرت من النافذة إلى التاريخ” (ص81)

نجد هذه اللغة أيضا في مجموعة “امرأة من برج الحمل” (التي كتبت بين عامي 1974و 1985) إذ تدهشنا بجمالياتها، التي ترتكز على لغة تتراوح بين اليومي بحيويته والشعري بكثافته وعمقه، وذلك بفضل قدرات تخييلية شديدة التعبير والإيحاء “قذفنا الناس بقمامة ألسنتهم وفضلاتهم” مما يؤثر في المتلقي، إذ يلمس ما يعانيه عبر لغة يألفها، لكنها صيغت بطريقة مدهشة، تجذبه إليها، إذ تخاطب وجدانه ومعاناته، إذ إنها تفضح بشاعة ما نعيشه في حياتنا اليومية، يناقض رغبتنا الروحية في الانعتاق وتذوق الجمال؛ لهذا سيتهم من يحس هذا التناقض، كما اتهمت بطلة قصة (شائعة) بالجنون، فنسمعها تقول: “لست مجنونة إذا ما سألتموني عن الحب الجواب جاهز…أحب الله وأنبيائه وأنتم والشرطي…كاذبة لا تصدقوها، وبالفعل كانت منية القلب تكذّب، ما باحت لأحد بحبها للجياد والفراشات والغزلان” (ص25 مجموعة “الصفر”)  وبذلك يكمن بؤس الحياة اليومية، حين نعيشها عبر حصار مقولات جاهزة، تبدو نقيضا لما نحبه، لكننا نقمع كل ما نحب بدافع التأقلم والنجاة من تهمة الجنون، أي نقمع كل ما ينتمي لعوالم الشعر والجمال، لكن مثل هذه الازدواجية، قد تفضي بنا إلى جنون حقيقي!

الحداثة القصصية:

تبدو هذه اللغة المدهشة من مكونات الحداثة القصصية، التي تقوم على التجديد في الرؤى واللغة والتعامل مع الشخصيات، وقد تجلت الحداثة في بعض قصصها، حين أكدت المؤلفة بصوتها وهمية شخصياتها، في حين نجد مؤلف  القصة التقليدية يؤكد واقعيتها، وبالتالي نفي أي تدخل تخييلي من جانبه (مثال ذلك قصة وداد سكاكيني “الذئبة” من مجموعة “الستار المرفوع”) لهذا تبّدت لنا رغبة اعتدال رافع في مجموعتها (يوم هربت زينب) في تجديد إيقاعها الفني، مما أتاح  لنا معايشة تجربة إبداعية، يتعانق فيها الجمال بالتجربة اليومية! مثلما يتعانق الأسلوب التقليدي بالأسلوب الحداثي، كما في قصتها الطويلة “يوم هربت زينب” وقصتها القصيرة “أبطال من ملح” إذ قدمتها عبر لغة تقترب من الشعر في كثافتها وصورها ورموزها، فقد أعلنت الكاتبة منذ الرسالة الأولى (العنوان) أنها تقوم بخرق التقاليد المألوفة في كتابة القصة، لتقدم لنا عالما لا معقولا أشبه بالحلم، مما يوحي لنا باستثنائية شخصياتها وفرادتها، فهي ضعفاء، تنتمي إلى عالم وهمي (من ملح) يناسب زمنا متغيّرا، لا أصالة فيه، ولم تعد فيه البطولة تقوم على القوة والصلابة والقدرة على المواجهة والانتصار على الأعداء، باتت متجسدة بما يناقضها من شخصيات خرقاء سريعة الذوبان كالملح؛ لهذا بدت مسلوبة الإرادة، لا تستطيع الانطلاق بحرية بعيدا عن المؤلفة، كما هو مألوف عادة من الناحية الشكلية على الأقل في رسم الشخصية فنيا، بل نسمع صوت الكاتبة يتدخل في سيرورة الحدث القصصي، حتى لتبدو كأنها إحدى الشخصيات؛ لهذا تصرح بأن بطلتها حياة تشبهها “تعيش مكسورة الخاطر” وعبد الله كأنه زوجها “فاشل ومهزوم”

إذاً قامت بخلخلة الأطر الفنية للقصة، استغنت عن الإيهام بالواقع؛ لتصرّح ببعض تفاصيل صنعتها الفنية “بعد أن استنكر القاضي هزيمة أبطال قصتها، نجدها تقول: “توسدت شخوصي جرحها ونامت”وبذلك أبرزت كلمة (شخوصي) صوت المؤلفة لا صوت الراوية، لنفتقد بذلك الطريقة المتعارف عليها في تقديم الحدث والشخصيات بحيادية وموضوعية! فلا يظهر الكاتب تعاطفه معها أو نفوره منها!

وبذلك يأتي إعلان تدخلها؛ ليؤكد للمتلقي وهمية العالم، الذي تقدمه! ومثل هذه الخلخلة تعدّ جزءا من الرؤية الحداثية للقصة!

يلاحظ المرء أن بناء القصة قد تشكّل على إيقاع اللغة الشعرية، حتى لغة الواقع التي لحظناها، أحيانا، في القصة تبدو مشدودة إلى عوالم شعرية، وذلك بفضل سيطرة الحلم على فضاء القصة، فعندما تجوع الحبيبة يهم الحبيب بانتزاع قلبه، ليقدمه لها عوضا عن الرغيف، لذلك بدت لنا هذه اللغة برهافتها وبقدراتها المجازية قريبة من لغة الحلم، الذي بإمكاننا أن نعدّه البطل الرئيسي في القصة، لهذا لجأت الكاتبة إلى اللغة الشعرية لكونها أقدر من اللغة التقليدية على تجسيده، فهي أكثر قدرة على الانطلاق بدلالات اللغة وتكسير مألوفيتها، مما يضفي جمالية خاصة على القصة، فالحبيبان حين يختلفان “يجهشان باللوم على بعضهما، وتنأى مسافات القبل”

إن كلمة (يجهش) التي اقترنت باللوم تلقي ظلال الحزن والفجيعة والخيبة على أعماق المتلقي، لذلك تضيع الحميمية بين الحبيبين ويسور البعد أشواكه بينهما! وبذلك أسهمت لغة الخيبة والألم بدلالتها وإيقاعها في رسم جو الحزن والفجيعة!

كذلك نجد لغة الفرح ازدادت توهجا باستخدام لغة الشعر “رقصا على إيقاع حلم دنا قطافه” فتجلّت لغة الحياة الفرحة بكل حيويتها وانطلاقها (الرقص، الإيقاع، القطاف…)

كذلك أضفت الشعرية على لغة الضياع إيحاءات تغني دلالاتها، فاستطاعت تجسيد فظاعة خذلان الفقير، حين يفقد ملاذه الوحيد (الحلم) “تاه القطيع وتبعثر في فلاءات الرمل” فلم تكتف الكاتبة بدلالة فعل (تاه) بل أضافت إليه (تبعثر) لتشدّد على إيحاء الضياع والتمزق، ولذلك جاء (الفلاء) بصيغة الجمع ليعزز حالة الشعور بالضياع ودلالة امتداده!

كما لمسنا في هذه القصة غرائبية في التصوير؛ مما يجعلها أكثر تأثيرا في المتلقي، فالفقير الذي ينجب طفلا، من المفترض أن يكون أملا له، نجده محكوما بحياة مشوهة منذ ولادته “حبل السرة كان ملتصقا برقبة الصبي” لذلك يعيش حياته مقيدا به، حيث يكتسب الحبل دلالات رمزية، حتى إنه يمكننا أن نرى فيه حبل الفقر الذي يورثه الأهل لأبنائهم مع دمائهم، لهذا ليس غريبا أن تكون الولادة مشنقة، تخنق أعناقهم منذ اللحظة الأولى في حياتهم، وبذلك بدت الغرائبية جزءا من جمالية اللغة الشعرية التي استطاعت أن تغني دلالات القصة، وتضفي حيوية وجمالا على فضائها!

ثمة نقطة أفسدت تفاعل المتلقي مع فضاء القصة، باعتقادنا، وهو تدخل صوت الكاتبة أثناء اشتداد الصراع في أعماق عبد الله لإحساسه بضياع الخاتم (الحلم) بسبب طرد جند السلطان له ، فبدا لنا هذا التدخل غير مستساغ، رغم أن الكاتبة أدخلت إلى حلبة الصراع شخصية جديدة هي شخصية اللص!

إن التجربة الحداثية في الكتابة القصصية تحتاج إلى عدة امتلكتها اعتدال رافع، فلم تهتم كغيرها بالتجديد الشكلي على حساب المضمون، فضمنت تفاعل المتلقي مع فضاء القصة إلا فيما ندر.

لغة الحلم

من أبرز مميزات الحداثة التركيز على لغة الحلم، بما يعنيه من إدهاش وجمال وابتعاد عن الرتابة؛ لهذا شكل تعويضا عن بؤس الواقع، لعل أكثر قصة جسّدت هذه اللغة قصة (أبطال من ملح) إذ عاشت شخصياتها حلم البطولة، التي تقاوم القمع، وكل ما يجعلها تعيش مبعدة عن إنسانيتها، التي هي حريتها وكرامتها، وقد تجلى قلق الكاتبة اعتدال رافع وخوفها عبر تدخلها عدة مرات، لتوضح أن طبيعة شخصياتها من ملح، أي من وهم، لعلها تستطيع حماية ذاتها؛ لهذا تقول: “نامت على أوراقي تحدوها أحلام البطولة” وتارة تصف شخصياتها “مسكوبة على أوراقي كدموع مهاجرة في رمد الهجير، ومزحومة بأنفاس من خيوط الحكاية.”

لكن هذا العالم الوهمي، لن ينقذ أبطالها من الحزن؛ لهذا لن تجد سوى الحلم عزاء لها، بعد أن نجح الواقع في قهرها؛ وقد أدى امتزاج لغة الواقع في القصة بالحلم، إلى منح فضائها حيوية، أفلحت في جذب المتلقي رغم سيطرة الأحلام والفنتازيا عليه، مثال ذلك حين نسمع صراخ (حياة) “أنا جائعة وقبل أن يهم عبد الله بانتزاع قلبه ليقدمه لها، رسمت رغيفا، خرج لتوه من التنور، تفوح منه  رائحة القمح ولون الشمس، مدّ عبد الله يده لأخذ الرغيف، قال الخباز: ثمنه

رغم بساطة حلم الموظف عبد الله، الذي يختزله (الرغيف) فإنه لا يستطيع تحقيقه مادام راتبه عاجزا عن تأمين حاجاته الأساسية؛ لهذا تتعاطف الكاتبة مع شخصياتها، وتتوحد بهم؛ لتواجه (الحرامي) الذي لا يكتفي بتنغيص حياتهم، بل يتمادى في شره، حتى يصل إلى تنغيص أحلامهم، فيحرمهم من الفرح بها، مثلما يحرمهم من الأرغفة، بل نجده يتجرأ ويقتحم دفتر المؤلفة، فيضطر كل من (حياة وعبد الله) إلى الهرب، فقد استطاع أن يفسد حلمهما بالرغيف، مثلما استطاع سرقة الأمل منهما (خاتم السلطان) الذي كان سيحلّ مشاكلهما، وقد بدت المؤلفة متعاطفة مع بطليها، تلعن الحرامي في سرها، وتلوم نفسها على الورطة الشنيعة التي أوقعت بها أبطالها، إذ أفسدت أحلامها، حين دفعته لاقتحامها وسرقتها! رغم ذلك تصرّ الشخصية على الحلم، الذي هو خير معين على متابعة الحياة، مثلما هو خير سند للفن، لكن القصة رغم ذلك بدت أقرب للسوداوية، إذ إن الحلم يحاصره السلطان ويصادره، ثم  يأتي اللص، ليكمل المأساة، فيسرقه! وبذلك نعايش عبر (أبطال من ملح) الهروب من بشاعة الواقع إلى الحلم، وقد بذلت الكاتبة جهدها لتقيم توازنا بين أحلام أبطالها وبين صفعات الحياة، لكنها تكتشف حقيقة مؤسية وهي: أن اللصوص سرقوا منها الحلم أيضا!

إن ما يدهش في شخصيات اعتدال رافع إصرارها على الجموح بأحلامها؛ من هنا تبدو آسرةعلى الصعيد الإنساني والجمالي، فهي لا تعرف الركون لبؤس الواقع، كما ترفض أن يقيّدها العادي والمألوف بقتامته، ولذلك كثيرا ما تبدو أحلامها أكبر من بؤس واقعها، مما ينسج ملامح  شخصيات فريدة، لا تعرف التنازل عن حلمها، فهو فرصتها الوحيدة، كي تعيش حياة إنسانية، تستطيع عبرها تجاوز القبح والبؤس “أشفقت عليه لأن قدميه كانتا أكبر من حذائه، وجسده أوسع من ملابسه…”(قصة امرأة ورجل) مما يوحي بأن الرجل يعاني انكسارا داخليا تجلى في عينيه، لكن حب المرأة واهتمامها أدى إلى “استقامة جفنه المكسور، وأصبح مثل من النسر”  لهذا بدا الحب لدى الكاتبة رفيق الحلم، فهو الذي يمنح الإنسان المقهور قدرة على مواجهة أوجاع الحياة، فلا تستطيع هزيمته، صحيح أن العفن ينتشر في كل مكان، لكن بإمكاننا مواجهته، كشخصيات اعتدال رافع، حين نملك روحا حية، وإرادة تتسلح بالحلم والعمل، فنكتشف قدرات خفية في أعماقنا، توقظ عزيمتنا، عندئذ نستطيع أن نتحدى ونغير أنفسنا! لهذا لن نستغرب أن تنتمي معظم شخصياتها إلى طبقة القهر والحلم والأمل، وقد سلطت الضوء على الأطفال، الذين يخلطون واقعهم البائس بالحلم المنقذ، وبذلك استطاع خيال الكاتبة الجامح أن يرسم للمتلقي ملامح طفل، لا يبارح الذاكرة، فجمجمته تنمو على حساب جسده، فتبدو كأنها مركبة تركيبا (قصة حكاية ولد من جيل يأجوج ومأجوج) وبهذه الصورة المشوهة من الخارج، لكنها من الداخل توحي بنمو مركز الحلم والخيال، الذي ينقذ الطفل؛ لهذا يستطيع رسم رغيف، والنوم جائعا.

أما الطفلة (رقية) التي تخبئ النجوم في جيبها، تتجمد يداها من البرد والعمل في البيت، لهذا تحسّ أن الكبار يهدّون أحلامها، وينغصون حياتها، فتستبدل “بالنجوم البعيدة القبور القريبة” وهي لن تكتفي بهذه الأحلام، بل تقاوم ظلمة الحياة وقسوتها بالعلم، فتتهجى حروف الأبجدية عبر شواهد القبور! وبذلك تتخلخل قواعد الحياة والموت، إذ بات القبر (حامل الموت والجمود) مصدرا للمعرفة بفضل إصرار الطفلة على تحويل أحلامها إلى واقع.

لم تحمل اعتدال رافع الواقع البائس مسؤولية قهر الأطفال فقط، بل حمّلت الكبار المسؤولية عن قهرهم أيضا، فهم بوصايتهم عليهم يفترسون أحلامهم، فيهدّمون جسور التواصل بينهما، وقد تصل قسوتهم إلى درجة لا تصدق، تنتفي فيها أعظم المشاعر (الأمومة) حتى إن “الأم تهيئ مشنقة لابنتها” لهذا يتخبط الطفل وحيدا في عوالم قاتمة مرعبة! تؤدي إلى موته، قبل أن يستوفي حقّه من الحياة، التي كثيرا ما تختزل في مرحلة الطفولة، التي يتمّ فيها تكوين الشخصية! إذ بات من المعروف أن هذه المرحلة تصاحب حياة الإنسان كلها؛ لهذا تدمغ بصمات الحرمان شخصياتها، وترتسم على وجه أطفالها خطوط الأحزان، فقد ضاعت أحلامهم،فضاع الفرح معها، بناء على ذلك لن تستطيع البطلة تحقيق حلمها في أن تتعلم السباحة، ولن تستطيع اكتشاف عوالم  المدن المسحورة في أجواف الحيتان!

وقد أسهم زمن الحرب في قهر الأحلام، إذ تحوّل إلى حاجز، يمنع أبطالها من التوغل في أدغال الحلم “القذيفة لم تترك فسحة لقدم تخطو أو زائر يجلس أو حلم يغفو دون أن يذبح” (قصة “وصية القوقعة البيضاء”) وبذلك تصبح الحرب في مخيلة المتلقي مكافئة لمجزرة الأحلام!!

رغم ذلك يبدو الحلم أحد المنقذين، إذ يأخذ بيد اعتدال رافع، مثلما يأخذ بيد قصتها أيضا، فهي مدينة للحلم، الذي يمنح حياتها بعض الفرح، فهي تعترف بأنها تعيشه أكثر من الواقع، مثلما تعيشه شخصيات قصصها، فتتألق بما تحويه من دهشة وغرائبية في اللغة، صحيح أن قصصها تنـزف ألما، لكنها بفضل الحلم وروح الشعر أنقذتها من ظلمة السوداوية والكآبة؛ وبذلك تتغلغل كلماتها  أعماق المتلقي دون أن يحس لحظة بأنه أمام عالم متخيّل مدعٍ، فقد أتقنت الكاتبة أدواتها الإبداعية، إلى درجة نحس معها أننا بعيدون عن “لعبة الفن” وفي الوقت نفسه أمام عالم مدهش في جماله ورهافته وبراءته، فهي تنفر من كل ما يوحي بالافتعال، الذي يشوّه نسيج القصة، فيعرقل التواصل العفوي بينها وبين المتلقي.

إذاً بفضل لغة الحلم اجتمعت في قصصها عوالم البساطة والبراءة، بالجمال والإدهاش، فتأسر المتلقي لغة الكاتبة، التي تصغي بقلبها إلى وجع الإنسان، لتنطلق حروفها مرفرفة في آفاق من الشعر والحلم المدهش.

التكثيف والاختزال

تحترم الكاتبة إبداعها قدر احترامها لوقت متلقيها؛ لهذا نأت قصتها عن الثرثرة، فقد حمّلتها أمانة روحها وأوجاعها! لهذا نعايش في قصصها لغة شعرية، يناسبها التكثيف والاختزال، حتى كأن اعتدال رافع تزنها بميزان الذهب، فهي تحس نبض الحرف، وتعيش وجعه، المتماهي مع وجع أبطالها.

يلاحظ في مجموعة “الصفر” هذا الاختزال الشديد، إلى درجة تضطر إلى التوضيح في الهامش، إذ يقول عبد السميع لزوجته (آمنة) “لا تهولي الأمور، وتضخمي الأوجاع ، وتقولي عن سِرَّتك كأنها مذبوحة ببلطة مهووس من مهووسي المذابح” فتشير في الحاشية ص13 (في صبرا وشاتيلا بقروا بطون النساء الحوامل بالبلطات)

يحضر تكثيف الرعب في قصة (الروزنامة) إذ يبدو زمن الأطفال مخنوقا بالمذابح “كان صوتها يدمع ويشتي على رأس رنا الصغير الغافي على أوتاره المذبوحة حكايا لأطفال شُلعوا بوحشية عن أسرتهم وأعمارهم“(ص81) فيعيش المتلقي صدى فظاعة الحرب على الأطفال، والكاتبة لن تشير إلى هذه الحرب بتفاصيل تاريخية، ستكتفي بتاريخها، الذي يوحي بحرب أهلية، شارك بها الصهاينة باجتياح بيروت (1982).

تبحث اعتدال رافع عبر لغتها الشعرية عن عوالم أكثر إنسانية، تمت إلى جوهر الإنسان؛ لهذا ترفض، كبطلتها،  أن تنتمي لزمن “لا يمت بصلة إلى الشعر والفروسية…تذبح الكلمة من رقبتها كالنعاج” (قصة “المخاض” ص30 من مجموعة “الصفر”)

لغة السخرية

من أسرار جمال القصة القصيرة لدى اعتدال رافع تلك اللغة الساخرة، التي تشارك في رسم بؤس الشخصية الفقيرة، فتجتمع لديها المرارة بالابتسامة، فتمنحها عبر لغة المتناقضات تفردا مؤثرا، فالبطلة (راكعة) مثلا، تقاوم إغراء الطعام، الذي يحمله الرجل، رغم إلحاح الجوع عليها، وبما أنها “تتنفس مثل كل الأحياء، كان لابد أن تستنشق ما يتحفنا به الهواء من روائح، وراكعة تعودت طويلا أن تكتفي بهذه النعمة الإلهية رغم ما تنطوي عليه من عذاب، وتعميق لأخاديد الحرمان” (قصة “نحول الرماح” (ص89) تعودت أن تسد غائلة الجوع برائحة الحلاوة، التي تمر بها، وهذا في نظرها يعدّ ذلك نعمة إلهية!

وقد تبدو هذه اللغة أكثر قدرة على تجسيد بشاعة البشر، كما في قصة (حارس القطيع) التي تنطق بصوت (كلب) فيسمع المتلقي تأملاته وأفكاره، التي تراوده “غريب أمر هؤلاء البشر لا يخجلون من لصق صفاتهم بالكلاب“( ص85) وبذلك يأبى الكلب أن تلحقه صفات البشر لشدة بشاعتها!

وبما أننا نعيش زمنا مجنونا بسبب الحرب؛ بدت اللغة الساخرة خير مجسّد له”القصف يصيب جميع الأمكنة ما عدا مشفى المجانين؛ لأن الجنون هوية حضارية ” (قصة “هستيريا الزهري” ص110) مما يوحي للمتلقي بأن البشر جميعا، في زمن الحرب، تخلوا عن عقولهم، وبات اللا معقول يشكل جوهر حياتهم!

لغة الموروث:

من أسرار جمال القصة القصيرة أن تمتلك روحا خاصة بها، تنطق ببيئة خاصة، تكون أشبه ببصمة تميّزها عن إبداع غيرها، يلاحظ أن قصص اعتدال رافع امتلكت تلك البصمة، التي تنتمي للبيئة المكانية بكل معطياتها الثقافية، لهذا نلمس روح البيئة الشامية، التي تربت فيها، عبر لغتها الشعبية، ففي قصة “رقية” تنتقي الراوية مفردات وعبارات، توحي بانتمائها لتلك البيئة “دفعت ثمنها من عبها” (مجموعة “امرأة من برج الحمل”) كما تسمع المتلقي لغة المثل الشعبي، التي تعلي من شأن الرجل “الرجل في البيت رحمة حتى لو كان فحمة” (مجموعة “الصفر) وفي قصة “الروزنامة” تحضر أهزوجة شعبية شامية، تقال للأطفال عادة:

نيّمتك في المرجوحة   خفت عليك من الشوحة

نيّمتك في العلية                خفت عليك من الحية

كما تحضر في قصصها لغة الموروث الشعبي عبر معتقدات خرافية، شكلت مرجعية فكرية لأبطالها الفقراء؛ لهذا لا تزال المرأة في قصة (شائعة) تعيش الخوف من الجن، إذا لم تبسمل، حين تسكب ماء حارا، كما نجدها في قصة (الروزنامة) “تتشاءم من طنين يداهم أذنها اليمنى، ويسد قناة المناجاة لديها، ومن رفة هدب عينها اليمنى، ومن يوم الأربعاء والجمعة، ونعيق الغراب والبومة…” (ص76) رغم ذلك يلاحظ أن اعتدال رافع تبدو راغبة بتقديم إيحاء إيجابي، فتبيّن أن بطلتها “كانت تتشاءم كثيرا وتتفاءل أكثر

كما شكّلت لغة الموروث الديني جزءا أساسيا من بنية الشخصية، حين أحست (لطيفة) بطلة “وصية القوقعة البيضاء” بدنو أجلها “أدارت نفسها جهة القبلة…رفعت يدها اليمنى وتشهدت

ويلاحظ في القصة نفسها موروث الحكاية الشعبية ألف ليلة وليلة “طارت لطيفة على بساط الريح على سطح بيت ريفي، معشوشب …” (ص 40)

في قصة “الجرد الحنون” تحضر قيم بيئة تقليدية (القبيلة) حيث تفتقد المرأة الروح الإنسانية لدى رجال عشيرتها، الذين انتزعوا كينونتها وشيّؤها، فقد سلبوها الإرادة والحرية، لهذا تقول: “ألبسوني شوالا، هكذا يصطادون الكواسر في الشوال، ضاعت قُبلي وابيضّت شفتاي” يبدو تكرار (كيس الشوال) هنا مقصودا، فالمرأة لا تكتفي بالإعلان عبر القول بجريمة القبيلة، بل تؤكد عبر الفعل مدى التشوه والقهر الذي يحاصرها به رجال، ينتمون إلى مرجعية تقليدية (العشيرة) تفرض إرادة التخلف عليها، وذلك بخنق تمرّدها وحريتها، حين أرادوا وأد الحياة في داخلها! لهذا قررت العزلة عن البشر؛ لتجد منقذا لها في ذلك (الجرد الحنون)  رغم ما يحتويه من حيوانات مفترسة، التي تعايشها، فتجدها قد تخلت عن وحشيتها، وتمنحها الحنان، بعد أن مارست القبيلة شتى أنواع القهر عليها “دار الضبع حولي، شمّني، أطلق صيحة ثم رحل، عنقي مذبوح، وشعري محروق، وركبتي مجوفة، والورد الجوري يبس دما على شفتي…الضباع والرياح والعتمة، ترصّع ليل الجرد بالأنس. عزّ على الليل أن يتركني وحيدة، وحمل إلي ابن آوى، تأملني بحدقتين دامعتين.”

يحضر الموروث الجاهلي، هنا، بعفوية وفنية عالية، عبر ميراث العادات القبيلة الظالمة، إذ يحدث تناص بين لغة الكاتبة، التي تلتقي مع الشاعر الجاهلي الشنفرى، الذي يقول في لاميته:

أقيموا بني أمي صدور مطيّكم  فإني إلى قوم سواكم لأميل

ولي دونكم أهلون: سيد عملّس          وأرقط زهلول وعرفاء جيأل([1])

فيحس المتلقي أنه أمام معاناة واحدة، تلغي الفارق الزمني الكبير بينه وبين البطلة، إذ يلتقي الشاعر والبطلة في افتقاد دفء العلاقات الإنسانية، فيجدان في الصحراء والجرد مكانا آمنا، بل إن الحيوانات المتوحشة (الذئب والنمر والضبع…) باتت أكثر قدرة على منح الأمان من البشر.

جماليات الاسم:

تتنوع أسماء الشخصيات لدى الكاتبة، فقد تختار اسما عاما (المرأة) يوحي بشموله جنس النساء، لترصد معاناتهن من وباء الحرب، مثلما ترصد عطاءهن، والتضحية بأغلى ما يملكن من أجل الأطفال (تفصّل من ثوبها الوحيد ثوب العيد لطفلة الجيران الفقيرة) تتعمّد الكاتبة عدم ذكر الاسم، لتوحي بعمومية تلك الدلالة، وامتلاك المرأة قدرة كبيرة على العطاء.

ثمة إحساس لدى المتلقي بتماهي الكاتبة مع شخصياتها دون تمييز بين المرأة والرجل؛ إذ إن الهم يوحدها وأبطالها  جميعا، لهذا اختارت لهما اسمين في قصة (أبطال من ملح) هما (حياة، عبد الله) لتوحي بعمومية الدلالة، التي تختزل عبر هاتين الشخصيتين كل الفقراء من عباد الله الذين يعيشون الموت وكل ما يناقض الحياة بسبب سيطرة الجوع والحرمان! ومن هنا تبدو الدلالة الساخرة التي أسبغتها الكاتبة على اسم المرأة (حياة)

وقد استخدمت الكاتبة في القصة نفسها اسما يدل على فعل مشين (الحرامي) كما أنها اختارته عوضا عن (اللص أو السارق) لأنه أكثر تداولا في الحياة اليومية، وهي ذات صلة بالحرام المكروه في الضمير الشعبي بتأثير المرجعية الدين، باعتقادنا.

تسعى الكاتبة إلى هذه العمومية؛ لهذا يتكرر لديها اسم (عبد الله) في قصة “الشرخ” حيث نجده فقيرا معدما، يدفن حيا، وبذلك نجد الكاتبة معنية بعباد الله المحرومين.

وحتى حين تختار اسما أقرب إلى الصفة، فإنها لا تميّز بين المرأة والرجل، ففي قصة “امرأة ورجل” فنجد الحلم والفقر يؤسسان لبطولة مشتركة بين الجنسين، فيبدو صوت المرأة (أم شفيق) ندا لصوت الرجل (أبو شفيق) إذ جمعهما الحب والأحلام، فأنجبا (شفيق) لنعايش عبر دلالة الاسم الأمل في بناء الأسرة تحت لواء أنبل المشاعر! فالحنان والشفقة يحتاجهما الصغير والكبير، وافتقادهما يدمر الروح قبل أن يدمر بيت الأسرة.

يلاحظ امتلاك اعتدال رافع حساسية لاختيار الأسماء ذات دلالة مؤثرة، لاتصالها بما يكوّن اللاوعي العربي، الذي يحلم بقيم الفروسية المنقذة من بؤس واقعه، لهذا تختار في قصة “فارس” التي كتبتها (1994) عنوانا لقصتها هو اسم لبطلها (فارس) مما يغني دلالة الاسم والعنوان معا، إذ تعلن عن ولادة بطولة جديدة، لا تصنعها المعارك والانتصار على  الأعداء (كفروسية عنترة) بل هي بطولة العمل والكفاح من أجل لقمة العيش الشريفة، ومع ذلك فإن هذا البطل لم ينقطع تماما عن مفهوم الفروسية القديم، إذ يلتقي مع فرسان الماضي في حب الشعر، كأن الفروسية في الذاكرة الجمعية العربية لا تجتمع إلا بثنائية الشعر والكفاح.

وقد تلجأ إلى انتزاع هذه الفروسية من الاسم، فنعيش دلالة نقيضة له، ففي قصة “الصفر” نجد اسم الفارس (عنترة) قد تكرر عبر ثلاث شخصيات (الرجل: عنترة الأول عشيق أم عنترة الثاني: الطفل، في حين منحت اسم عنترة الثالث لقط) فقد ضيّعت هذه الشخصيات قيم الفروسية، لذلك تطلق على شخصيات عاجزة ومستسلمة، بل يشاركها هذا الاسم حيوان أليف، أقرب إلى الضعف، مما يضيف دلالة السخرية عليه.

وقد تختار اسما تاريخيا لشخصيتها النسوية (رقية) يوحي بميراث أحزان كربلاء، لكن الكاتبة منحتها بعدا رمزيا، تغير حياتها على أساسه، لهذا تتحول دلالة الموت (القبر) إلى حياة تقاوم بها الجهل (تتهجى الحروف على شواهد القبور) ونظرا لأهمية هذه الشخصية تجعل اسمها عنوانا للقصة.

جماليات العنوان

مثلما لاحظنا في دلالة الأسماء نلاحظ في دلالة العنوان البعد العام، مثل عنوان “امرأة ورجل” فيحس المتلقي بعدم تمييزها، الذي لحظناه سابقا، إذ إن كلا المرأة والرجل في القصة، يتسمان بأنبل المشاعر معا.

كما وجدناها تحتفي الكاتبة بالأسماء ذات الأبعاد الرمزية والتاريخية والأسطورية،  مثل (“رقية” “وكان اسمي الشاطر حسن” “فارس”…)

وقد يلاحظ المتلقي أن عنوان مجموعتها “امرأة من برج الحمل” لا علاقة له بأي عنوان داخل المجموعة القصصية، على نقيض مجموعتها “الصفر” و”يوم هربت زينب”  كأن الكاتبة، التي هي من مواليد برج الحمل،  تتماهى مع أبطالها، وتريد أن تجعل معاناة أبطالها المقهورين (وخاصة من النساء والأطفال) تجسيدا لمعاناتها، حتى إن هذا العنوان يصلح لمعظم قصص المجموعة، إذ وجدنا  (سبع قصص) تتحدث عن معاناة المرأة الضعيفة كالحمل “الدجاجة” “الجرد الحنون” “الصبية والأخطبوط” “وحشة” “الجنين الذي ذبح أمه” “رقية”

وقد وجدنا بعض القصص تتحدث عن البطل الذكر الذي ينتمي إلى عالم (الحمل) إذ نجده فتى ضعيفا ويتيما (في قصة  “الدرب إلى المجرة”) أو فتى يضاف إلى فقره إعاقة أصابته أثناء القصف الصهيوني لقريته الجنوبية (في قصة “حكاية ولد من جيل يأجوج ومأجوج”) حتى الفتى الحطّاب الذي كان في العشرين من عمره (في قصة “وكان اسمي الشاطر حسن”) لا يملك سوى أحلامه (طاقية الإخفاء) وفأسه، ما إن يحاول تغيير بؤسه حتى يصفعه واقعه، فيجد (المهلهل) صديق أحلامه مذبوحا أمام باب بيته! ربما كان ذبح صديقه الفارس الجاهلي (المهلهل) دليلا أن الشاب في هذا الزمن عليه أن يبدأ من جديد بعيدا عن أساطير البطولة الجاهلية، ليصنع بطولة خاصة به، تستند على ظروف عصره ومعطياته!

وقد يوحي عنوان القصة بالحالة النفسية التي تعانيها البطلة، ففي قصة “وحشة” تعيش المرأة عزلة عن الحياة، تجعلها تكره الليل، الذي يزيد وحشتها، وتتمنى لو يرحل إلى بلاد العشاق والشعراء، فجماله لم يخلق من أجلها، فقد اجتاحها الجدب والقهر، لذلك تحسد الكلاب على حريتها، وتتمنى لو تعلن حرمانها على الملأ! وهي لا تجد وسيلة تخفف قلقها وهواجسها سوى التدخين، كما لا تجد وسيلة للتمرد سوى على تلك النصائح، التي تدعو للإقلاع عنه خشية الموت! فهي مشدودة إلى رغبة في الانتحار البطيء، لعلها تنقذ روحها من إحباطها وقهرها!
جماليات الافتتاحية والخاتمة:
تتقن اعتدال رافع لعبة القص، الذي يعني تشويق المتلقي من أول كلمة في الافتتاحية إلى آخر كلمة في الخاتمة، فهي تأخذ بيده إلى عوالم الدهشة والجمال.
ولو توقفنا عند افتتاحية قصة (البصمات الدامية) “قال لي حبيبي وأنا أضع رأسي الغزير على كتفه: لو كنت أملك مركبة فضائية لخطفتك،كما تختطف الشوحة صغار العصافير، وطرت بك إلى أحلامك” (ص95) استطاعت هذه الافتتاحية بما امتلكته من لغة شعرية، وحركة (أضع، خطفتك، طرت إلى أحلامك) رسم جمال مشهد، يشوّق المتلقي على معرفة المزيد.
اعتنت الكاتبة بجماليات الخاتمة، حتى لتبدو أشبه بجرح يفغر فاه ألما؛ ليثير أسئلة في أعماق المتلقي، ففي مشهد ختامي غرائبي مفزع حيث يغطس الأطفال بدم أمهم لحظة وفاتها “كانت فاطمة تطفو فوق بركة دم، شاحبة وفمها مزموم وعيناها كبيرتان . لم يسبق لهم رؤية عينين بهذا الاتساع الممزق، انتحبوا وهم يقتربون منها أكثر. وتقرمزوا بدمائها.” وقد جاء عنوان هذه القصة “الجنين الذي ذبح أمه” ممهّدا لفجائعية هذه القصة وغرائبيتها! فقد قتل الأمَ جنينها، الذي حاولت إجهاضه!
حققت اعتدال رافع في قصصها معادلة الفن الصعبة التي يلتقي فيها الجمال بهم الإنسان، فقد أتاحت للمتلقي فرصة معايشة الألم عبر لغة تخييلية، تنفتح على جمال لا تدركه إلا روح مرهفة، تستطيع أن تكشف قدرة أفعال بسيطة أو أقوال لا ننتبه لأهميتها، لكنها تهب حياتنا معنى، فتخفّف ظلمة ما نعانيه من قهر، لهذا نسمع طفلا في خاتمة (حكاية ولد من يأجوج ومأجوج) يقول: “أترقب خروج صاحب البيت ليحييني بابتسامته العذبة التي كان أنسها يبهرني، لم يسبق لي أن رأيت في حياتي ابتسامة فيها كل هذا الضوء، وأيقنت أن هناك شموسا أخرى غير الشمس المعلقة في السماء.”
أعترف أن جمال هذه اللغة وعمق حساسيتها الإنسانية جعلني أكاد أتناسى خطأ فنيا ارتكبته الكاتبة، حين أنطقت طفلا بلغة تتجاوز قدراته، فقد أسقطت عليه رؤيتها وحساسيتها، وبذلك ضيّعت صوته الخاص به!
تحاول الكاتبة أن تختار لخاتمتها، في أغلب الأحيان، لغة أقرب إلى الشعر، كي تشحنها بأكبر طاقة تعبيرية مؤثرة، فمثلا بدأت الفتاة الفقيرة (راكعة) في قصة (نحول الرماح) تفقد قدرتها على مقاومة رجل يساومها على شرفها بقطعة حلوى، إذ بعد حرب طويلة بينها وبين الجوع، أحست بالضعف، ولكن “قبل أن تلامسها أصابعها كانت قطعة الحلاوة قد تحولت إلى قطعة سوداء تعج بالذباب” تبدو هذه الخاتمة أشبه بطعنة تصيب شغاف القلب، وتشحن الوجدان بالقرف من واقع بائس، يمتهن كرامة الفتاة، لكن خيال الكاتبة يحاول إنقاذها عبر هذه الصورة “كانت يدها واجمة كثيرا ، والرجل لم يخطر بباله أن يستبدل قطعة الحلاوة بأخرى”(ص92)
حتى الخاتمة التي تنتهي بموت البطلة (لطيفة) في قصة “وصية القوقعة البيضاء” لن تريح المتلقي، بل تزيده ألما وتوترا، فأخوها (عباس) الذي أهملها في حياتها “ذهب مع أولاده إلى مخدع لطيفة كانت مدثرة بالثلج في فراشها. نهبوا أشياءها بعد أن افتضوا بياضها وحنينها بأصابعهم الخشنة” (ص42) انتهكوا حرمة موتها الجميل والمؤسي (كانت مدثرة بالثلج) بأفعال تقتل (بياضها وحنينها بأصابعهم الخشنة) فتموت لطيفة مرة أخرى حين تسرق أشياءها الحميمية، فلا تنفذ وصيتها!
وقد حاولت الكاتبة في تجربتها الحداثية التدخل في الافتتاحية وفي الخاتمة، بعد أن نبّهت إلى أمر هام هو: انسجام المقدمة مع الخاتمة، فقد بدأت القصة بالحديث عن شخصياتها المهزومة والمجروحة “بعد أن استنكر القاضي هزيمتها، توسدت شخوصي جرحها ونامت”) وختمتها بنهوض الكاتبة في الصباح وإخراج دفترها من تحت وسادتها، فتكتشف تلون صفحاته ببقع دماء شخصياتها التي تبدو متناثرة كالشموس، فجاءت صفة (الشموس) لتفتح آفاقا جديدة أمام المتلقي، تنقذه من إيحاءات القهر والظلم.
وبذلك تبدو الخاتمة مفتوحة لديها، فهي لا تريد أن تريح المتلقي، بل تقلقه، وتثير في داخله أسئلة تؤرقها، لعله يشاركها البحث عن أجوبة، تنقذه مع أبطالها من بؤس يومي يطارده.
أخيرا أعتقد أن هذه العجالة لا تفي تجربة اعتدال رافع حقّها، لكن لا أدري إن كنت قد استطعت لفت النظر إلى تجربتها الفريدة في الإبداع القصصي؟ آمل أن أكون قد حفّزت المتلقي؛ ليدرس هذه التجربة المتميّزة بالعمق الإنساني والرهافة الشعرية!
وعدتك يا صديقتي ألا أكتب دراسة أكاديمية جافة، فأنا مثلك أنفر من تلك اللغة النقدية المحنطة في إحصاءات ومصطلحات لا حياة فيها، أبحث عما ينفع الناس، ويحلق بهم في عالم أجمل.

1- سيد: ذئب، عمّلس: سريع، أرقط: نمر، زهلول: أملس، عرفاء: طويلة العرف، جيأل: ضبع

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

رباعيات الخيام روعة الانتشاء ولوعة الفناء

إبراهيم مشارة غدونا لذي الأفلاك لعبة لاعـــب أقول مقالا لست فيه بكــــــــاذب على نطع هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *