ثقافة السرد

السجينة

بقلم: عبد القادر كعبان

جلست على طاولتي المعتادة في زاوية المقهى لأتمكن من رؤية الجميع في ذلك المكان الصاخب. مزيج من الناس يجلسون في تلك الليلة الباردة، تشوبهم مشاعر وأحاسيس حزينة مجهولة السبب. عيون تحلم بغد أفضل وسط بخار متصاعد من الأفواه يكاد يخفف برودة المكان. اعتدت دائما تناول قهوتي وبين يدي ما يؤنس وحدتي..هي تلك الجريدة التي باتت تكرر أحداثا ألفناها. سرحت مع الموسيقى الهادئة متناسيا من حولي. ما كان يشد انتباهي هي علبة السجائر الملقاة على الطاولة أمامي. تلك السيجارة اللعينة الممتعة سجينة داخل تلك العلبة تنتظر من يحررها. فوجئت بعجزي عن تحرير ذلك السم القاتل. سرحت بأفكاري مستغربا سر ذلك الشيء العجيب الذي يحترق مولدا متعة قصيرة ألفها كل إنسان يدخن أفقدته إنسانيته في هذا الموقف الرهيب.

لوهلة رفعت رأسي لأرى الجميع يفرط في تناول فناجين أحزانهم وبخار اللعينة يخرج من أفواههم حيث ملامح الأسى والحزن الممتزجة بذلك الصخب قد مسحت كل تعابير الجمال عن وجوههم. وإذا بفتاة شقراء جالسة بطاولة مجاورة تلاحقني بعينيها الزرقاوين. أنستني تلك العلبة الملقاة أمامي وتلك السجينة بداخلها. جاءت و جلست بجواري و بيدها سيجارة ثم قالت:

-هي آخر سيجارة بحوزتي… !

مددت يدي إلى جيبي باحثا عن قداحتي ثم هممت بإشعال السيجارة.

ابتسمت قائلة:

-أشكرك.

التفت إلى علبتي الملقاة على الطاولة ثم تناولتها بسرعة. فتحتها وتناولت تلك السجينة ووضعتها بين شفتي و هممت بإشعالها. تقطع أفكاري ابتسامة تعبر عن انتصاري في تحرير ذلك الشيء اللعين الممتع.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق