الأربعاء , نوفمبر 22 2017
الرئيسية | الموقع | قراءات ودراسات | ((النوتي)): طموح طيار، إحساس أديب وروح مغامر

((النوتي)): طموح طيار، إحساس أديب وروح مغامر

حميد الحريزي

 ((البحر  امرأة  هل تستطيع ان تغادر امرأة فلا  تعود إليها  أبدا)) حنا  مينّه

العنوان: النوتي عنوان رواية  البحار ، تحمل أكثر من دلالة  يقصدها الروائي  لتكون بؤرة هامة  في متن روايته ، ورسالة  مغلفة  بالحكمة  ومحلاة  ببلاغة  الهدف ،  ((النوتي))( ( هو البحار  هو الملاح هو القائد)) ص311. وهذا التعريف  يعني  الكثير ،  فمن  يمنح   لقب   بحار   بمعنى  انه  امتلك  صفات   وقدرات   ومؤهلات   لايمكن   لنا  الا  ان ننحني  أمامها ،  البحار من  عمده  الموج  وأسره  البحر  بأسمائه   العظمى،  من  قد  قلبه  من  الفولاذ  وجسده  من الصوان الذي  يصمد  بوجه  هيجان  أمواجه   ،  وقوة  ملوحته  على  التجريف  والتآكل ،  البحر يهب وسام الشجاعة  لمن  منحه  وصف  البحار ، البحر يقبل الجميع  ولكن شرطه الشجاعة .

 ((  … يقبل الجميع الخطاة والصالحين ، شريطة أن  يكون[ البحار] شجاعا ))  حنه  مينا

من ركب  البحر  اطلع   على بعض  أسراره ، خصوصا  وهو الذي  (( لا يبوح بسر أحد  لأحد ))  وبذلك   فقد أصبح البحر   مستودع  أسرار   لا يملك  مفاتيحه  أحد  ، ××× خبأ  مفاتحه  في  أعماق  أعماقه  لا تستدل  عليه   لا الحيتان ولا الدلافين   ولا  أسماك  القرش  ولا شيء يقترب منه  حتى ×× … حوريات  البحر هذه  التي  أكاد  أجزم  إنها  من خيال   بحار  شاعر  بلغ  به  الحنين  منتهاه  الى حبيبته   فتمثلت له  في طيف حورية  حملها نسيم البحر  أثناء إغفاءاته  على سطح سفينته  ، وقد طال  غيابه عمن  يحب   . البحار  هو القائد الذي  يواجه  بصدره  أمواج  البحر  متضامنا  مع   تقدم  سفينته  أثناء  غضب  البحر وهيجانه  المدمر ، وكأنه يخبره  كفاك  غرورا  أيها  الجبار ، فأنا  من  أعماقك   أتيت ، أنا  ابنك  الذي  حمل  رائحتك   وافترش الأرض ،   بعد أن خبر أعماقك  ،  تربع  على قمم الجبال  ولا زال  طموحه  لا يحده  حد  تواقا  الي ركوب  الفضاء ،  ×هذا  هو ((حسن))  الذي   حولت الظروف   جناحي  ×× طموحه  إلي مجاديف  جبارة  تشق  صدر الأمواج  ؛ احترم البحر ووقره  ، لكنه   لم  يقل   قولة  حنه  مينا (( لكم  أرهبني سر البحر ))   ،  لسبب بسيط ؛ ذلك أن  مينا   روائي   وليس  بحارا ، بينما   ((حسن))    بحار  روائي ،  عشق  أسرار البحر  وعمل  على استكناه   أسرار كبريائه ، مكبرا  فيه  صمته  المهيب  وغضبه  الرهيب … فهو كما  يستمد القوة من  العشق ؛ عشق  الجمال ، جمال   النساء والطبيعة  واللغة ، كذلك يستمد  القوة من البحر .

(( العشق بحر آخر استمد منه القوة )) ص244.
الروائي يرى في الكتاب بحرا آخر ، حيث العلم والثقافة والمعرفة ، إنه بحر علم يعادل بحر الماء ، بحر إذا جف جفت وتصحرت الحياة ، الكتاب أكبر شاهد على ولادة الإنسان الحديث ، الإنسان الذي تمكن عبر بحر الكتاب من أن يعبر بحر الأمواج . عظيم أن يجد ((البحار )) ربانا بمثل ربان سفينته يعشق بحر المياه وبحر الكتاب ؛ فيقترح أن تضم سفينته مكتبة ، ليكون الكتاب رفيق البحار في سفره الطويل ، وهو يتجول في البحار والمحيطات ، فكان فرحه عظيما حينما تم اختياره أمينا للمكتبة وأبرز من يختار عناوين كتبها …
وكم كان فرحا حينما أوحي إليه أن يسمي المكتبة ، ذلك الحلم الذي بطفو فوق مياه البحار والمحيطات ، وهو يمثل في سفينته ((تراتشي)) قلبها النابض بالحب والثقافة والعلم والجمال ، فكما يغترف البحار التجارب والدروس والحكم من البحر ، كذلك يرتشف العلم والثقافة والأدب من المكتبة والكتاب (( الكتب ترافقني أينما أكون ، كانت تشعرني بالتحرر)) ص105…
. وبذلك كان العنوان (( النوتي)) يعطي دلالة عميقة المعنى بليغة الدلالة ، تعبر عن غنى المتن وجمال محتواه .
وهو البحار الأديب الذي أحب البحر وأدمن على الكتاب والكتابة (( أعود إلى أحضان الكتابة ، كما الطيور الي الشجر ، الأمواج إلى الساحل ، الأمطار الي الأرض ، المريض إلى الشفاء ، الماس إلى اللمعان ، الظل إلى النهر ))ص6.
وقد أصبحت القراءة بالنسبة له ممارسة يومية لابد منها ، كما المعدة تطلب الأكل والشراب ، كذلك الدماغ والروح تتطلب القراءة وهو القائل :-
((القراءة عادة أكثر منها رغبة )) ص106 .
فوضع لنا الروائي البحار في ((النوتي)) المتعة ، لترضي فينا رغبة وعادة القراءة ، عبر سفره الذي تحمله لنا أمواج فصول روايته ، إن لم نقل رواية سيرته الذاتية .
هناك العديد من الكتاب العرب والأجانب من كتب عن البحر ، ولكنهم ليسوا بحارة ، وقد كانت رواياتهم رائعة وخالدة كرواية ((الشيخ والبحر )) لهمنغواي ،و ((الياطر)) لحنه مينا وغيرها كثير ، ولكن أن يكون البحار روائيا ويكتب عن البحر والبحارة فسيكون في غاية الروعة ودقة الإحساس ، وتجسيد التجربة المعاشة ، وهذا ما اقدم عليه ((حسن البحار)) في كتابة روايته ((النوتي)) التي تصلح أن تكون فلما يحكي حكاية البحر والبحارة بكل مسراتها وآلامها ، بكل طرائفها وغرائبها ، ×لما يضع النص أمامك البحار وسفينته و علاقتهما مع البحر ، في حالة صفائه ومرحه ، وفي حالة هياجه وغضبه …
فالنوتي بحارا وبحرا وسفينة ومكتبة …تأخذك بعيدا في التحرر إلى كل متغير ساحر جميل .

الذات  المتفردة  والتحدي  المنتج:

((كنت الوحيد الذي يعود متى يشاء ويلبس من الثياب الملونة ما  يشاء أملك مصروفي اليومي من عملي ، وأكبر أمنياتي كانت التحرر من السكن الجماعي … عائلتي كانت ترفض التحرر ، لكن كان لابد من احترام خط رسمته لنفسي أسير عليه بخطى واثقة  ثابتة )) ص221. لا تكتمل  إنسانية الإنسان المتدبر دون إن يكون ذاتا  حرة ، أما   أن  يكون   تابعا  ومنقادا   ومقلدا  × ومطيعا  دون قناعة  وتفكير ، فهو يقترب   من  الحيوان  ، ويحيى حياة القطيع ، ومثل  هذا  المخلوق  لا يمكن  أن يكون  منتجا  مبدعا  ، بل  كائنا  مقلدا  مجترا  لما  يملى  عليه  من  الأفكار  والأوامر  لا يرفض الطاعة العمياء  التي  يرضعها  البعض  منذ الطفولة،    كما  هو حال  العادة  التربوية  لأغلب  الأسر (( الطاعة العمياء في تربيتنا الأسرية ))  ص221،

يحيى الفرد حياة العبيد ، يحب  الرتابة  ويخاف الجديد …  ×× أما الإنسان الحر  المتدبر  المفكر   هو ×× من  يحترمه  البحر ، إنه البحار  القدير الكفء ـ الذي يواجه  الصعوبات  ،  ويألف  تقلبات  مزاج  البحر  ،  ويتمكن  من ترويض  أمواجه  العاتية

((إني أعشق الذكاء ×× في المغامرات والنساء  وأكره الغباء الذي تحول  الي داء هذا العصر فأعلن بكل وسائله السريعة  موت الإنسان في العلن والخفاء ))  ص359.

إنه  بوح حر ، وصرخة   إنسان  يفكر في واقع  العالم  الذي  تسيره قوى  تريد  للإنسان  المزيد  من العبودية ، وتقيد  معصميه  بمزيد  من القيود ،  وتغلق بوجهه  كل  نوافذ الحرية  والتطلع  نحو مستقبل   أفضل  ، إنها  تسعى × لأن تصنع  إنسانا  غبيا  مستكينا  قنوعا  خنوعا  لا يعرف  ولا يقوى على قول  أو فعل   لا …

و((البحار ))  هنا  لا يدعو إلى الانفلات  والفوضوية  ولا إلى عدم الانضباط  ، ذلك ما  يفهم  من  رسالته  ؛ أن الحياة حرية منضبطة واعية ،   وكما أن الحرية مطلوبة  فالضوابط  والقيود  مطلوبة أيضا    حيث  إن الإنسان  لم يصل  بعد إلى درجة الكمال  ،  فلازالت  حيويته  وغريزته  العمياء  تتحكم في الكثير من تصرفاته  لذلك وجب إيجاد    القوانين  والضوابط

(( الإنسان يحتاج أحيانا الي القيود كحاجته للحرية )) ص389 .

×الإنسان كائن  اجتماعي   ولا  يعيش  منفردا   في جزيرة  وسط بحر منعزل ،  مما  يترتب  عليه  واقع  المجتمع  المعاش ، بل الأصل فيه  أن  يكون  منضبطا  وواعيا  بحقوقه  وواجباته ،  وأن  يعرف  أن هناك منظومة  من الضوابط  والقوانين  والأعراف   يفترض  عدم  تجاوزها  بما  لا يتعارض  مع  حرية   القول  والفعل  التي  تهدف لبناء عالم أفضل  …

كما  أن  الكاتب  يرسل   رسالة  للإنسان  تدعوه  الي عدم القنوط  والانكفاء  على الذات  مهما تقدم  به  العمر  وغرزت السنين  مخالبها في  جسده   حتى لا يصاب   بالخرف

(( في الحياة هناك من يخشون الخرف ، وأنا منهم ، ويتم ذلك بإبرام  اتفاق مع  الذات لبث  قناعة بديمومة روح الشباب )) ص101

فديمومة شعور الإنسان   بأنه يعيش  شباب   الروح  الدائم  ستجعل  منه   شعلة   دائمة التوهج  والاتقاد  ، تعمل  على  قهر  كل  عوالم الشيخوخة والهرم ، تحث  الإنسان على التواصل  مع  الحياة  والقول  والعمل  المنتج …(( في البدء حساب الأمل الخاطئ خير من اليأس الصحيح )) ص114. ان  تمتلك  الأمل في  استمرار الحياة  وتعتقد بأنه  لا زال  أمامك  المزيد من  فسحة    الحياة ، وأن  شمعتك لازالت  مشتعلة  ولا زالت  مضيئة  ستكون  للإنسان خير دافع  للتواصل   حتى وإن  أصابه  الفشل  أحيانا  ، ولكنه  في كل  الأحوال  خيرا  من اليأس  والجمود والانكسار   والموت في الحياة  التي ليس  له  أن يتحكم  في بدايتها  ولا في نهايتها  ، مما  يتطلب منه احترام كل  لحظاتها ((  العمر ومضة  فلا تكثر من الثرثرة .. أنفقه في أمور أكثر جدية )) ص117.

والإنسان  لا يمكنه   ولا يمكنك  معرفة مدى تفرده × وقدراته  ،  ومدى اتساع  صدره  وحكمته  وتحليه  بالصفات  الحميدة  كالقوة والصمود لدى الشدائد ، الا بالسفر  وصدق  من قال  (( اختر الصديق  قبل  الطريق ))،  فالسفر هو  الكاشف الحقيقي  لمعدن الإنسان (( لم  يؤكد التفرد الا السفر ، والسفر نفسه حياة أخرى ))ص38. ففيه  وخلاله  وبعده  يمكنك أن  تعرف  مدى رزانة  الإنسان ، وتقيس درجة موثوقيتك  به ، عندما   يكون وفيا صادقا   صلبا عند الشدائد  حافظا للسر   مؤتمنا  على الأمانة (( الكتمان ميزة الرجال ، والحكمة ثوبهم )) ص83.

وعلى الإنسان أن  لا يفوت   الفرص  المواتية لكي   يستمتع  وينتج  ويحقق  رغباته   ،  فربما  لاتتاح  له  هذه  الرغبة مرة ثانية في حياته ، عليه  أن  يستفيد  من  فرصة اليوم  ولا يعلق  آماله   على فرصة الغد التي قد  لا تأتي ((  الأيام المشمسة  تبدأ سريعا  وتمضي  أسرع )) ص306.

ومن الحكمة والتفرد وعدم الدونية أن يعتز الإنسان بذاته هو كانسان بكل ما فيه وما هو عليه (( إني خلقت لأكون أنا )) ص305 وليس إنسانا غيره أقلده وأعمل لأكونه ، وهذا لا يعني أن ليس هناك مثالا يقتدى به ، ولكن الأهم أن يشعر الإنسان أنه قادر ليكون مثل او ليكون ند او اعلي مرتبة مما يرى ، إي ان لا يشعر بدونيته وعجزه (( ومن رام وصول الشمس حاك خيوطها )) فبالجد والتصميم والأمل ينتصر الإنسان ويحقق مبتغاه .

البحر ، المواني ، النساء :

(( راكب البحر واحد من ثلاثة .. إما أن يكون مغامرا أو مجنونا أو مولعا بالمال والنساء)) ص100.
البحر هذا المعلوم المجهول ، الحكيم الأحمق الأرعن ، الساكن المستكين ، الثائر الهائج الغاضب ، السالب الواهب ، المغلوب الغالب ، يهبك الجواهر والدر والمرجان ، يعطيك الأسماك والحيتان ، ولكنه يبتلعك عن طريق أسماك القرش ، يؤنس وحدتك بنسيمه العليل ، ويقتلع سفنك مهما بلغت من الضخامة بأمواجه العاتية ، وقد يبتلع آمالك وأمنياتك مهما بلغت وإن لم تصدق فاسأل (( تايتنك ))، قبل ان تسأل ((تراتشي ))..
يسرد لنا (( البحار)) البحار العديد من طبائع البحر من خلال تجربته في ركوب الأمواج (( البحر لم أقلق بشأنه .. ولا أبالغ لو قلت أجدني أكثر حرية في لججه وكأني لست مخلوقا أرضيا …البحر يحررني من القيود ، ينتشلني من الوحدة .يتلألأ منه التعبير . والموت يضحك)) ص82.
يصف الروائي هيجان البحر والمغامرة الكبيرة وإثبات الوجود من خلال إنزال زورق النجاة وإعادة تعليقه على جسد السفينة ، وخطر اصطدام الباخرة بناقلة بترول عملاقة في عرض البحار ،وحينها كانت الباخرة والبحارة قاب قوسين أو ادنى من الموت غرقا أو احتراقا ، وهو ما ذكره بالحادث المأساوي الذي ادى الي موت البحار ((فائز)) عند انقطاع الحبل في منطقة (( كوجن)) عند سواحل المحيط الهندي، وكيف ينقلب البحر على حين غرة الي وحش هائج تبتلع أمواجه المتلاطمة كل ما يقف أمامها ، مما يجعل من السفينة تتأرجح على أمواجه ويتلاعب بها كما يتلاعب بقشة صغيرة …
كما أن الروائي يصف لنا بأسلوب شيق وممتع أغلب الموانئ التي ترسو فيها السفينة ، حيث ينطلق البحارة الي فضاء الحرية الأرضي للتمتع بكل ما تضمه وتحتويه المرافئ من وسائل الترفيه والمتعة من أكل وشراب وملابس ونساء جميلات (( في يوم واحد فعلت مالم أفعله في اثنين وعشرين عاما من عمري )) ص67.. حيث انغمس البحار كغيره من زملائه في ممارسة كل المتع المتاحة ومنها إن لم نقل في مقدمتها الجنس مع سمراوات وشقراوات ، عاشقات ومحترفات في فنادق ومحلات ودور لهو تقدم خدمات خاصة ك فندق (( سيسيل )) ، وقد ذكر الكثير من أسماء النساء التي مرت بحياته : ((سلوى))، ((نجلاء)) ، و ((سالو)) ابنة ((قوتشو)) التركي ، وسمرائه الفاتنة الذي عشقها كثيرا واشتاق إليها أكثر .
(( أنا احب النساء فقط إذا عبرت المستحيل ولا يمكن أن أكتب عن غيرهن )) ص222 هكذا يصف البحار نفسه ، البحار الروائي عاشق الكلمة وعاشق النساء . هذا العشق الذي رافق الإنسان منذ بداية الخلق فهن من أولى أولوياته ، لم ينافسهن × غير حب المال في العصر الحديث ، وقد كانت المرأة هي الميناء الحقيقي الذي ينتظر البحارة الإرساء فيه بلهفة كبيرة …
(( كان الإنسان يعيش بين الحجر ، تحركه أغلب أوقاته حاجته الي الطعام والجنس ونتيجة تطور الحياة صار المال من أولوياته )) ص202.
وقد استعرض الكاتب العديد من المشاهد السالبة للكرامة الإنسانية من قبل × بائعات الهوى في دول عربية تتمشدق بالفضيلة والشرف والالتزام بالمبادئ الإسلامية ؛ حيث ثارت إحداهن بوجه البحار ثأرا لكرامتها المهدورة ××××× كالقطيع لإرواء شهواتكم )) ص70
ردا على المزيد من الابتذال في ممارسة الجنس الجماعي من قبل البحارة وغيرهم مقابل حاجتهن للمال …-
ويزدري كثيرا ما يدعيه بعض العرب والمسلمين من العفة والفضيلة مقارنة بالغرب ((المتحلل)) (( فاغلبهم عادل بين تخلفنا وانحلال نساء الغرب ، وتلك مقارنات مسطحة بسيطة لا تصمد أمام العقل الذي حقق المعجزات في غرب مؤسس على كثير من الأخلاق والقيم الإنسانية )) ص221.

فالحضارة  والتقدم  والممارسات  الإنسانية يجب  أن تتجسد  في واقع  معاش يحميه قانون   الدول  وكذا  الأعراف  والممارسات الاجتماعية  اليومية، ومن المؤكد أن  أغلب  قوانين  دولنا  الإسلامية والعربية  عموما  تشكو  علل  ونواقص  كبيرة جدا  ، حيث   تميل  إلى تعظيم دور الذكورة   وتعطي  الهيمنة الكاملة للرجل  في  القانون   وفي العرف  السائد / مما يجعل  واقع المرأة  الشرقية عموما  والعربية الإسلامية خصوصا   واقعا بائسا  إن لم  نقل  مأساويا   ، إذ تعاني الكثير  من  العسف  النفسي والجسدي   والإقصاء والتهميش  ، مما  أصاب  المجتمع بالمزيد  من العوق   النفسي  والحضاري …فالحضارة  والتقدم  والممارسات  الإنسانية   يجب  أن تتجسد  في واقع  معاش   يحميه قانون   الدول  وكذا  الأعراف  والممارسات الاجتماعية  اليومية ، ومن   المؤكد أن  أغلب  قوانين  دولنا  الإسلامية والعربية  عموما  تشكو  علل  ونواقص  كبيرة جدا  ، حيث   تميل  إلى تعظيم دور الذكورة  وتعطي  الهيمنة الكاملة للرجل  في  القانون   وفي العرف  السائد / مما يجعل  واقع المرأة  الشرقية عموما  والعربية الإسلامية خصوصا   واقعا بائسا  إن لم  نقل  مأساويا   ، إذ تعاني الكثير  من  العسف  النفسي والجسدي   والإقصاء والتهميش  ، مما  أصاب  المجتمع بالمزيد  من العوق   النفسي  والحضاري …

رجال  ومواقف :

ضمن سرده  الشيق  يقدم لنا  ((البحار))  مسحا   رائعا لسلوكيات  وممارسات  نماذج مختلفة من الرجال ، التقطهم  بفطنة وبصيرة العارف بأسرار الواقع الاجتماعي  في المجتمعات  التي  عاش فيها  واطلع  على عادات وسلوكيات   أفرادها  سواء من العراقيين وغير العراقيين ، وقد  كان  هناك  تفاوت  واسع  بين  إنسان  وآخر  ؛ ففي  حين تجد   بعضهم   يتميز بدماثة الأخلاق والاستعداد للتضحية والعطاء  الدائم  من دون ثمن  ومن دون  منة  كما  هو  شأن الحارس الليلي(( لبيب)) الذي  وصفه   بما  يجعله  قريبا  من قلب  القاريء  ومن الشخصيات  المميزة  التي  ترسخ  معالمها في  ذاكرة  القارئ((حارس ليلي مهنته تجاوزت كل الاحتمالات، تجده مساعدا للجميع يقدم الخدمات من دون مقابل يشمل بكرمه كل من يحتاج …  أكثر ما يدهشني أنه مازال لا يحب  ظهور الشيب، نظيف الهيئة حليق الشارب واللحية …قوي البدن، صحيح القوام ، ، مستقيم القامة …)) ص27 هذا اللبيب  نموذج  من   مدينته   ومنطقته   حلو المعشر مبتسم الثغر دوما  ، محبا  للغناء  والموسيقى  ، مؤديا  للعبادات   مما جعله  محبوبا  لدى أهل  المنطقة   قريبا  إلى قلوبهم  صغارا وكبارا .و((محمود))  الحمال  العربستاني   في  الميناء الإيراني ،   أريحية  وكرم  وحب  عطاء  بدون حدود  وبدون مقابل ،  وقد وصف  جلسته  ومعرفته   بمحمود  التي أنسته  هموم العمل  وهموم الفراق   بسبب أريحته  وطيبة  روحه ((  كان كفيلا أن ينسيني همومي وقد أضفى الرجل على مهجتي الراحة من تعامله الدمث وطيبته الكبيرة …)) ص363.فليس  غريبا  أن   تتسامى روح البحار  بعبارات المحبة والصدق   لمقابلة   سمو  الآخر  ومحبته  فالإنسان  أخ الإنسان  وعلى كل  منا  أن  يكون محبا ومعطاء  من أجل   سعادة الآخر   وسلامته  وهنائه (( من أجل الناس النقية نشعل الروح ، مازال في الأجساد أجنحة )) 363 .ولاشك  أن  شخصيات   عمال  مطبخ  السفينة ستبقى  تلطف أجواء نفسية  القارئ  على طول خط السرد ؛ فهي نماذج  مرحة   متصالحة مع  الجميع  لاتكل ولا تمل  تقدم  الخدمات ، وتنفيذ  رغبات  الجميع   على ظهر الباخرة  وفي  أصعب الظروف  ومن دون  انزعاج  أو ملل  وخصوصا  (( أبو النون ))  عنوان   الفرح  والبهجة ، وتبديد  غيوم   الفراق  والعمل    من سماء البحارة ، عبر ضحكاته  ورقصاته  وطرائفه    بالاشتراك  مع   رفاقه   الآخرين ، فقد كانوا  يقدمون للبحارة  غذاء الجسد  وغذاء الروح   فما أروعهم …ورغم  بساطة عمله  ومستواه التعليمي  ، فقد   اكتشف  البحار  أن (أبا النون)   يحمل ثقافة  رفيعة  تشمل كتب الطب  والتاريخ  والأدب  وخصوصا  الأدب الروسي ، ما جعل البحار ينبهر به ،  وهو يكتشف  ثقافته  وحماسه الكبير   لمشروع  المكتبة  على السفينة ،  وهي  رسالة  بليغة موجهة لمن يدعي الثقافة  ويعتلي  مراتب العلم والعمل  ، لأن هناك  الكثير ممن لم   تمنحهم  الحياة ظروفا مواتية  لمواصلة التعليم  وحمل  الشهادات   ،  ولكنهم  بجهود  شخصية  وحبهم  للثقافة والأدب   تعلموا  الكثير دون  تبجح  ولا ادعاء …  فما أجمل  أن تجتمع  البساطة والعفوية  والثقافة  في   شخص واحد ..كما  أن البحار كان كثير الإعجاب   بربان السفينة  الذي كان  يستحق  التقدير الاحترام ؛ خبرة ،  وكفاءة ، وهيبة وتواضعا ،  كان صاحب  قرار وصاحب  فراسة  ،  شجاعا  لا تهزه  المصاعب  والأزمات   وهو يقود  سفينته  عبر بحار لا تؤتمن ، وهو أيضا  مثقف   يحب  الكتاب   ويهوى القراءة  ؛ وهو القائل واصفا  مكتبة  السفينة  التي كانت  من   بنات  أفكاره  ومقترحاته  ((نحن  نبني مملكة من الجمال )) ص305.كان ((البحار)) الروائي  يرسم لكل  شخصية   صورة يحتفظ بها  لنفسه ، يميز   من بينهم  الشجاع   و الجبان  ،  الثرثار والكتوم ،   النشط المثابر  × والمتكاسل  ك (( عاصم الزيات ))   المتمارض دوما  .الخ. .

من سلطة ظالمة الي سلطة فاسدة:

(( الطاعة والكتمان  وعدم إظهار الرفض ولو بنظرة خاطفة  أوسؤال وعدم تكرار الكلام وضياع الذوق واحترام الذات وفقدان الشخصية وخوف الرجال  والنساء والأطفال والمسنين  والعجائز وتفكك القيم وانحلال  الأخلاق أمور  شائعة  في مجتمع تسلط عليه  الوقح  والسفهاء …)) ص 89 .

يصف  لنا  الروائي  بحسه  الناقد  وانسجاما  مع  روحه الرافضة  للخنوع  والخضوع  وكره   الديكتاتورية وأساليبها  وطريقة حكمها  للإنسان بالحديد والنار  وتبذيرها  للثروات على ملذاتها وحروبها  العبثية  القذرة .

زمرة من   الجهلة والطغاة حكموا  البلاد   بأمر القائد  الأوحد   القائد الضرورة (( سيرة بطل قومي يجيد فنون الهدم ، عنجهية عسكرية  تقطف الرؤوس وتمسح القرى ، دمر كل شيء فينا ، أحلامنا المتواضعة التي كنا  نخاف عليها من النسيان حولها الي رماد ))  ص93.

هكذا   يفكر  المثقف   ابن  الوطن   العراقي  المحب لوطنه  وهو   في طريق  الهروب  للخلاص  من  ليل  الفاشية  والفقر والحرمان  والإذلال  وهو الحالم بالحرية والجمال  ، الحالم بحياة أفضل  وأجمل    له  ولكل  أبناء شعبه  متسائلا  كغيره  من الملايين  من أحرار العراق

((  هل في مقدوري ان أتنفس الهواء النظيف  في زمن القذارة ، وأبحث عن الضياء  في زمن الظلمة ))ص37 .

حكم  الجهالة   والقمع   وخنق الحريات ، وحصارا  امميما  أفقد  الناس  لقمة العيش  والحلم  باستمرار الحياة  أصبح  في غاية الصعوبة  في ظل  العوز  وفقدان  مصدر الرزق   وموت  أو  هروب  أو سجن  المعيل   للعائلة  ، مما  دفع  الإنسان العراقي  الذي  يقف  على  جرف  بحيرة من الذهب  الأسود  يستجدي  لقمة العيش  ويضطر الي بيع  أعضاء  جسده ، وبيع  أطفاله  أو  يقدم على الانتحار خلاصا من حياة  لا تحتملالظلم  والجوع ووزر الحروب  كلها  تقع  على كاهل  الجماهير  الفقيرة المعدمة من  الكادحين  من  عمال × وفلاحين  ومشردين

حكم غاشم وجاهل  ومغامر أحكم قبضته  على الشعب  لأكثر من ثلاثة عقود   ولم  يغادر الحكم  إلا على يد  محتل  أكثر  بربرية  وهمجية   طامع  بالأرض  والمال  مسلطا على الشعب زمرة من  العملاء الجهلة  الذين   ساروا  بالبلاد  نحو الأسوء  في ظل حكمهم  المحاصصاتي  الطائفي  العرقي  وفساده الذي يزكم الأنوف

طاغية (( حكم البلاد بأنواع  لاتنتهي من فنون القتل والقتال ، لم يغادر حتى سلط بشططه تتار العصر علينا  ومازال العدل لم يعرف طريقه إلينا )) ص93 .

وقد  أشار الروائي إلى فساد   من جاء بعد  الاحتلال  لقيادة السلطة  بأمر منه    من خلال    ممارسات  الشركة  المتحكمة   بالسفن  وبالبحر والبحارة ، حيث  انتشار المحسوبية والمنسوبية ،  وعدم  وضع  الإنسان  المناسب في المكان المناسب ،  والتخبط في القرارات   واستهتارها بحياة السفن والبحارة ، وإهدار الأموال  في  غير موضعها .

وهذا حال أصبح  واقعا مشهود للقارئ العراقي وغير العراقي  ، حيث  الفوضى وهزالة الخدمات   على كافة المستويات  في البلاد  مما  لا حاجة للإسهاب  في وصفه   وبيانه

كان  الأسلوب السردي  (( للبحار))  شيقا   وممتعا   ، يحمل  الكثير من  نسيم البحر  وعبق  الموانئ ،  وعمق فكر في  الكتابة  ،  حيث  الثراء اللغوي ، فقد كان السرد بصيغة   ضمير ×  المتكلم  المعبر بشكل  أو آخر عن  سيرة ذاتية  ثرية بتجاربها  وثقافتها   وروحها  المحملة  بالحب ×  تشع   ودا   وحكمة وحبا . وهكذا لم  نقبل  على قراءة (( النوتي))  إلا  طمعا  بالمزيد من التوصيف  والتعريف  بعادات   وأساليب حياة    الشعوب  وسكان  المدن  التي  جابها  ولازال  يجوبها حسن البحار   وهو  يجول  في  البحار ويجوب المحيطات …

 

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

رباعيات الخيام روعة الانتشاء ولوعة الفناء

إبراهيم مشارة غدونا لذي الأفلاك لعبة لاعـــب أقول مقالا لست فيه بكــــــــاذب على نطع هذا …

تعليق واحد

  1. حميد الحريزي

    تحياتي وتقديري لجهودكم الرائعة في نشر الثقافة والادب ، شكرا لنشركم دراساتنا التي تهتم بالادب والثقافة في عالمنا العربي عموما وفي العراق خصوصا ….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *