قراءات ودراسات

دراسة نقدية حول ديوان (ما علّمني الطيرُ)

للشاعر خلف دلف الحديثي

الناقد عبدالباري المالكي*

لا ريب… ان قصائد شاعرنا الحديثي تحظى بعونٍ خاص من مجهول، يدّعي شاعرنا أنه مجرد طيرٍ، فراح يسرد علينا حكايةَ كيف كان يعلّمه ذلك الطيرُ منطق البناء الواعي والخيال التصويري، حتى أفرطَ في حكايته، فأخبرنا أنه وطيرَهُ توأمان
لا ينفصمان ، ثم ما لبث أن تمادى في ادعائه أنهما صارا بنيةً كاملة لا تتجزأ ، وليس مجرد وعاءٍ للتأثيرات الرمزية القائمة على طقوس الخصب.
والطير هو أجلّ من أن تكون لغته مبهمة لدى الحديثي حتى وهبه مفاتيح الأبواب المناسبة التي يتطلبها دوران عجلة وجدانه.
فهو في خلجات الحديثي ليس كائناً صغيراً ، بل هو عالَم واسع لفهم التحولات التي تحققت في حياته ، فقد دعاه الى معرفة ما بداخل جنينه من خميرة وجدانية ، وطاقات إيجابية قادرة على القيام بأي تجديد أدبي ، فقد زرع فيه صرختين اثنتين اعتملتا صدره ، حفّزاه لفهم الواقع المرّ الذي يضيق بشاعرنا أيّما ضيق ، حتى أحاله الى جسد محترق اخترقته رصاصتان رسمتا خريطتيهما بكل اناقة ودقة .
وثمة خيط نديّ يُلحَظ على دروب هوى شاعرنا ، يحمله ذلك الطائر الذي يجول في دوحةِ صراخ ليله ، ويسرح في باقةِ ريحانٍ تكسرت لديه في رسالة رقيقة أوجزت كل أغانيه ومعانيه ، وتلكم هي المسؤولية الأدبية التأريخية التي يكافح من أجلها الحديثي.
وعلى أسوار طينهِ شعرٌ يخرج على شكل بناء مستوٍ ، بقوس أفكاره ، ودموع حنينه ، وهو ملمح فني ساعد القصيدة بإجادة ، إذ نلحظ فيه عناء شاعرٍ مثقف اقتنص أسرار الغربة بعمقها الباطني ، تلك الغربة التي أنسَتهُ عمراً طويلاً حتى ضاع من فمه حوار ذو نكهة خاصة بين سراب وباب لحزن حاق به .
إن شوق الحديثي هو الآخر يتغذى على جروحه فيتحول بعدئذٍ الى جثة يسحقها قطار، إذ يؤلف ذلك الشوق سمةً مميزة في طبيعته وحاضرة في متاهات سنيّه ، ممتزجة بحقله الذي أيبسَه صيفه وبعثره عطشُه .
تلك أسمى صور الحزن التي تعرب عن الوجع القلبي الشديد فإن كان الحديثي رجلاً ليس معذباً فإن قلبه كان يبحث عن الأشواك ما بين ضفاف حياته.
والحديثي في انغماس دائم تعبر عنه انكسارات حياته وهو يتساءل عن الآتي في أنهار حزنه ومتاهات طرقه المتشعبة ، حيث يصيخ القارئ إلى صوت عجاج دموعه ورهقهِ ،حتى استوى حلمه ولم يعد قادراً للدفاع عن نفسه في مناماته .
ففي أضلاعه نيران ملتهبة ، وفي روحه صيحة تدعو للقلق ،
فالكلمات قد أنسِيَت وأصبح صمته الراقص يتردد بصداه وهو يثير الخفايا في دفوف شعره إذ تصوغ روحهُ بتضاريسها العريضة بهاء بأبهج الألوان المختلفة.
وثمة كأس عند الحديثي تأخذ كل شيء تغمره الشمس بنورها ، فخمرها واضح للعيان كلما اشتدت نار الوجدان ، تلك الكأس التي يرسمها شاعرنا خشية أن لا يجد الوقت الكافي للحديث عنها ، ليخبرنا كيف كانت أو ما ستؤول إليه ، فالريح خلفه لمّا تزل ، وطريقه ماثل إلى السواد دائماً ، وشموعه مطفأة في أغلب الأحيان ، وليس ثمة ما يغني عن آلة الموت ويعيقها عن عملها .
إنه انتحار الأنا بلا شك …
فخيبة الأمس خنجر يرتجف ، وقد جاس أضلاعه ونهش دمه ، وتلك الخيبة أشد عليه من سكين صدئة في مفترق أوردة قلبه حيث تلتف حوله كالحبل تضم أبراجاً ملأى بأقواس الحروف الكليلة .
وللحديثي سر مع المنفى الذي يقبع في غبشه ، إذ يكتوي شاعرنا في غربته بالقهر حتى اخترقت السهام ظله فمات ، وتلك سنوّه التي كان يظنها زاهية كألوان الزجاج ، أصبحت قطعة من جسد معذب يتسرب منه اللاشيء ، وقد أحالته إلى قطعة من الجمر حيث عريُهُ المحروق تلوحه أشعةُ الشمس القائظة بعد أن كان روحاً تنادم كأساً عند ظلها.
فالطير بلغته و استعاراته ، ومنطقه السلس مع شاعرنا ، قد ربط جميع المشتركات فيما بينها بدائرة الوجع ، فالناي وقبسُه … والليل ودجاه … واللحن ومرآته … والأنا وبعضها … والصمت وأنفاسه … والمخاض وولادته ، تتقابل كلها فيما بينها وجهاً لوجه ويخترق كلٌ منهما الآخر الى حدٍ لايمكن فصل أحدهما عن الآخر في منطق الطير وشعر الحديثي على سواء .
فلقد آل الطيرُ على نفسه أن يعلّم الحديثي تجربته في الحكمة والبراءة ، وفي الحياة والموت، والألم واللذة ، وفي أغانيه وألحانهِ ، وسلاسة الكلمة وتواضع المقام وغنى القناعة ، حتى ليبدوَ للمتتبع أنهما من معدن واحد ، إذ تزاوجا في كثير من الصور التي تفيد المعنى الواحد ، ذلك المعنى الذي استوعبه الحديثي في نفسه ولغته قبل أن يرتدّ إليه طرفه .
إن تمازج المنطقين لدى الحديثي وطيرهِ هو أكثر ما يميّز هذا الديوان ، فاللهب ودخانه يستقلّان المساء نفسه ، والثغر والناعور يعكسان الرؤى ذاتها ، والنهر والنزف يرويان اليبسَ كله ، والطلّسم وأسراره يضمهما تابوت واحد .
.
إنه منطق حب الموت ، والمزاح مع الموت، هكذا نستنتج ما صنعته حروف شاعرنا ، فهو الإنسان الذي يشكر طيره ما حيَّ ، ويرجو منه أن يغفر له بعض زلّاته .
وفي جانب كبير من ديوان الحديثي نجد الطير كيف تنبأ بما ستجري من الأحداث على شاعرنا ، وعلّمه كيف يعالجها بأسلوبه الخاص ، وكيف له أن يحلم بموسيقى خالصة ، أو حلمٍ ممتدٍ ، أو صمتٍ لا ينبس فيه ببنت شفَة .
إن عناصر النجاح لدى الحديثي هي من سِنخ الطير ومنطقه ، وليس من المستبعد أن تجري في عروق الحديثي قطرات من دم ذلك الطير الذي خلق عظمة شاعرنا ، ولن نخالَه إلّا أنه سعيد بذلك الأصل العرقي ، فقد أحاله ذلك الجذر من خرافة الى شاعر ، وليس للشاعر إلّا الإبداع في حرفه .

العراق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “دراسة نقدية حول ديوان (ما علّمني الطيرُ)”

  1. كنت اريد قراءة نقد
    فوجدت قصيدة ….
    اظن النقد هدفه التوضيح و البيان و ليس اظهار المواهب … و محاولة التفوق على الشاعر

اترك رداً على عبد الحكيم إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق