قراءات ودراسات

قراءة في وكر الأفاعي لميسون حنا

بقلم الناقد المسرحي أحمد هاشم

عزيزتى الدكتورة / ميسون
تحية إعزاز وتقدير
قرأت المسرحيتين “وكر الأفاعى, الدفين” من المجموعة المسرحية “وكر الأفاعى” وقد استمتعت بهما, ولى عليهما بعض الملاحظات, أرجو أن يتسع الأفق لديك لتلك الملاحظات التى هى بالتأكيد من واقع الرغبة فى أن يكون النص المسرحى ـ هذا أو ذاك ـ فى أحسن صورة كنص مسرحى يمكن تقديمه على خشبات المسارح, وهو ما يهفو إليه كل كاتب مسرحى.
1 ـ قراءة فى وكر الأفاعى والدفين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ينتمى النص إلى ما يطلق عليه “المسرح الرمزى” وهو ذلك المسرح الذى يتمحور حول موضوع معين بحدوتة معينة وأشخاص محددة, بينما يروم المؤلف إلى شيئ آخر, ويلجأ المؤلفون إليه فى حالات متعددة, كأن تكون الرقابة المفروضة من السلطة الحاكمة لا تسمح بالخوض فى موضوعات تقترب من إنتقاد النطام الحاكم أو ابتعاده عن الديموقراطية وفرض الديكتاتورية, وقد يلجأ إليه الكاتب هربا من الرقابة المجتمعية ـ كمجتمعاتنا العربية ـ بزعم القيم والعادات والتقاليد والدين ( مع ملاحظة الخلط الفج بين ماهو دينى وما هو مجتمعى ـ أيا ما كان المعتقد الدينى ” مسيحى, إسلامى, يهودى” وتلك الوصاية الدينية التى يفرضها البعض وكأنهم وكلاء عن الرب على الأرض وحارسين لدينه, ومن ثم قد يلجأ المؤلف أحيانا إلى الرمزية هربا من الرقابة المجتمعية وقد نشأت تلك الرمزية بأوروبا فى القرن التاسع عشر لمواجهة الواقعية ومغالاة المذهب الطبيعى, وفى ذات الوقت هربا من السلطة الكنسية المهيمنة على الحياة المدنية بتلك الفترة, ولكن سرعان ما اندثرت تلك الرمزية نظرا لتسارع الحراك بأوربا فى مجال الحرية بوجه عام, وحرية التعبير بشكل خاص, وقد لجأ إليها بعض كتاب المسرح المصرى (وكتاب الرواية أيضا) فى ستينات القرن المنصرم إبان الفترة الناصرية التى أحكمت قبضتها الرقابية بكافة المجالات ( ليس ناصر بل المتحلقين حوله بدليل أنه سمح بعرض فيلم شيئ من الخوف بعد أن كانت منعته الرقابة بحجة أن عتريس المقصود به عبدالناصر) ثم ابتعدت عنها بعض الشيئ, ولا يتم اللجوء إليها إلا حين الخوض فى موضوعات دينية أو سياسية مباشرة أو الطوطمات المجتمعية كالجنس, والرمزية لا يستحب اللجوء إليها لأنها تصرف أهتمام المتلقى الى فك رموزها مما يصرف انتباهه ـ بقدر ما ـ عن التركيز فى كلية العمل الذى يشاهده, كما أنها تحمل تأويلات متعددة قد لا يقصدها المؤلف, وإذا ما أخذنا “وكر الأفاعى” مثالا فإنها تحمل تفسيرات عدة لا سيما المغامر, وزعيم الثعابين, بل مجموعة الثعابين, وكذلك الإلتصاق القدرى الحاصل بين الثعبان والمغامر , وما نتج عنه من صراع بينهما ومحاولة فرض هيمنة كل منهما على الآخر.
كذلك جاءت لغة النص الراقية موغلة فى اللغة الفصحى, مما لا يجيده غالبية المشاهد العربى, فلغة المسرح ـ لا سيما المسرح العربى ـ تكون أفضل وأكثر ملاءمة للعرض المسرحى (الذى يختلف فى متطلباته عن النص المسرحى بين دفتى كتاب) من ناحية اللغة وأشياء أخرى, وبطبيعة الحال ليست اللهجة العامية هى البديل نظرا لتعدد لهجاتنا فى البلاد العربية, وذلك ما دعا “توفيق الحكيم” إلى الدعوة فى كتابه المهم “التعادلية” لما أسماه اللغة الثالثة وهى ليست عامية ولا فصحى بل تقع بينهما لتكون “لغة فصحى مخففة” يفهمها ويتفاعل معها كل الفئات فى المجتمع, وتعبر حاجز اللهجات فى الدول العربية المختلفة, وفد لجأت إليها فى بعض المناطق من نص “الدفين” وليس فى كل النصِ .
إن نص “وكر الأفاعى” ينتمى كذلك إلى ما يطلق عليه “المسرح الذهنى” وهو ذلك النص المسرحى الممتع فى قراءته بين دفتى كتاب ولكن يصعب تنفيذه على خشبة المسرح لأنه نص أفكار وحورات ذهنية (الكاتب الأيرلندى برنارد شو له الكثير من النصوص المنتمية الى المسرح الذهنى ومعظم مسرحيات المصرى توفيق الحكيم تنتمى الى نفس النوع ولم يتم عرضها على خشبة المسرح سواء الحكيم أو شو) أكثر منه نص يعتمد على الصراع الإنسانى وأفعال البشر كما هو فى المسرح الإغريقى قبل خمسمائة عام من الميلاد (مسرحيات أيسخيلوس, سوفوكليس, و يوربيديس) كتاب التراجيديايا الأوائل الذين إعتمد “أرسطو” على أعمالهم المسرحية واستقى منها القواعد الدرامية التى أودعها كتابه الأشهر “فن الشعر” أى فن الدراما التى لم تكن تكتب إلا شعرا ساعتئذ, وملخصه أن الدراما “هى فعل أو مجموعة أفعال يقوم بها بشر لهم مواصفات خاصة (مواصفات الشخصية الدرامية) خلال زمن معروف ومكان محدد, ويتميز ذلك الفعل بوحدة الموضوع” وبالطيع دخلت على تلك القواعد العديد من التحديثات عبر المذاهب أو المدارس المسرحية المختلفة منذ عصر النهضة الأوربى حتى الآن إلا أنه لا زال معرفة تلك القواعد الكلاسيكية أمر مهم حتى مع الخروج عليها وتحطيمها, ومن أهم تلك القواعد خضوع الأحداث لما يطلق عليه “قانون الحتمية والضروة والإحتمال” بمعنى أن الحدث أو الفعل الموجود فى النص المسرحى لابد أن يخضع لضرورة حدوثه من الناحية الدرامية وفقا لسياق الأحداث أو إحتمالية حدوثه من الناحية المنطقية, فهل هذا الإلتصاق بين الثعبان والمغامر يمكن حدوثه وفقا لذلك؟ ونفس الشيئ فى نص “الدفين” إذ نجد أنفسنا أمام تساؤل ملح… كيف عرف “خليل” بوجود تلك المخبوءة فى هذا المكان|؟ على وجه التحديد؟ ومن ثم أخبر أصدقائه وعمل على إخراجه؟ لم يمهد النص لهذا بل لم يجب على هذا التساؤل, وفى ظنى أن نص “الدفين” يمكن العمل على معالجته وتعديله وتقديمه كنص أطفال يحمل رسالة قيمية عن الطمع ونهاية مايصل إليه كل طماع, واقتراحى هذا نابع من بساطة الفكرة وسلاستها ومباشرتها أيضا مما يسهل استيعايها لدى الأطفال وخاصة أن سهولة توقع النهاية مما يتنافى مع مسرح الكبار الذى يتطلب من الكاتب أن يكون كالحاوى الذى يحمل فى جرابه مفاجآت لا يتوقعها المتلقى وكل لحظة يفاجئه بمفاجأة جديدة حتى يضمن استمراية شغفه بالمتابعة لا سيما أن المتلقى ملول بطبعه وفى النص ومنذ منتصفه يتم توقع النهاية المؤدية الى قبض الريح أو كما يقول المثل المصرى “نقبهم طلع على شونة” أى إلى لا شيىء.
ومع كل ذلك إلا أن النصين يتمتعان بقدرة حوارية كبيرة فيما يتعلق بإستولاد الحوار والجمل المؤدية إلى بعضها فى سلاسة ودون افتعال.
وأخيرا يبدو أننى استغرقت فى التحليل وما قصدت من ذلك اصطياد السلبيات فليس ذلك من شأن الدور النقدى وإنما كان دافعى هوإنارة الطريق والرغبة فى الكمال لما لمسته فى كتابتك من جدية ووقار, وأرجو أن يتسع صدرك لما كتبت فالصديق هو من صدقك فيما تأتمينينه عليه والخلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية ولا يمنع الصداقة من المضى فى طريقها والإلتقاء بطريق الإبداع ويسعدنى دائما استقبال ماتكبين دكتورة ميسون
خالص تقديرى واحترامى لشخصك ولكتاباتك وسوف أكمل قراءة النصوص الأخرى بإذن الله .
أحمد هاشم

رد على قراءة في مسرحيتي وكر الأفاعي

بقلم د ميسون حنا

قرات التعليق على مسرحية وكر الأفاعي والدفين الذي كتبه الناقد المسرحي أحمد هاشم، ولا يسعني إلا أن أشكر جهوده في التغلغل في أعماق النصين، وأثمّن ملاحظاته القيمة والتي تدل على سعة اتطلاعه وثقافته المسرحية.
​الغرائبية في الكتابة والرمزية. يلجآ اليها الكاتب كما آشار في تعليقه هربا من الرقابة بأنواعها، ولكن أحيانا وهذا الأهم أن يلجأ إليها الكاتب كأسلوب فني يضفي على العمل جمالا ويثريه بما لا يستطيعه النص المباشر، ولا أرى بأسا من إعمال الفكر لفك الرموز وهي رياضة فكرية ممتعة، أما قابلية النص للتأويل فإنها تُحسب له لا عليه، والتأويل أحيانا يثري النص الذي لم يكن الكاتب – كما تفضل الأستاذ الناقد وقال- قد رمى إليه أو عناه، والمنطقية في استخدام الرمزليست بالضرورة شرطا لنتيجة حتمية، وعلى سبيل المثال رواية المسخ لكافكا الذي جعل بطل روايته يتحول إلى مسخ على شكل حشرة كبيرة، ومع استغرابنا لهذا الاختيار الذي قلب كيان ذلك الإنسي إلا أن استمرارنا قراءة الرواية جعلنا نُخضعها للمنطق .
المنطق كان مفقودا في بداية الرواية التي واجهتنا بصدمة غير متوقعة. وهناك أيضا مسرحية الطعام لكل فم للأديب الكبير توفيق الحكيم الذي آضفى أجواء غرائبية في بناء مسرحيته ومتابعة شخوصها على نشع في حائط تسرب إليه الماء من سطح الجيران، ومع دهشتنا لخيال الأديب إلا أننا نندمج مع آحداث المسرحية ونجدها تلقائيا تخضع للمنطق الذي خطه الحكيم لمسرحيته. وكذلك مسرحية مصير صرصار للحكيم أيضا، والأمثلة كثيرة في هذا المجال.
​لا أقول هذا دفعا عن نصي فالكاتب يكتب ولا يكون نتاجه حكرا عليه، وعندما يُنشر النص يصبح ملكا لقارئه، آنا فقط آعبر عن رأيي الشخصي في استخدام الرمز وأترك للقراء قابلية نقده وتفكيكه وتشريحه. وفي النهاية أجتريء وأقول آني لا أحب استخدام الرمز المُستغلق . غير المفهوم، على الرمز أن يكون غلافا فنيا يضفي الألق وليس الغموض.
​أشكر الناقد أحمد هاشم مرة أخرى على قراءته التحليلية، أما بالنسبة للدفين آحترم رأيه فيه وأثمنه. أخيرا أكرر شكري للناقد لهذه القراءة الغنية والمميزة والله ولي التوفيق.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق