ثقافة المقال

أليس كابلان تحكي: كيف كتب كامو “الغريب”؟

عبد الغني بومعزة

كتب الفيلسوف الفرنسي جابرييل مارسيل”عالم سارتر هو العالم الذي يُرى من شرفة المقهى،أمّا الكاتب الوجودي الفرنسي الآخر، فعالمه مختلف تمامًا، هو ألبير كامو، إذا كان سارتر كتب الحياة التّي رأيناها من مقهى، فكامو كتب أنها شوهدت من شاطئ في يوم مشمس حار يسيطر عليه منزل على تلّ حيث تعيش مجموعة من الأصدقاء، بعبارة أخرى، ركزت وجوديّة سارتر على الآخرين، بينما كامو يتحدّث عن العالم الطبيعي ولامبالاته بالإنسانيّة”، دون أدنى شك فلقد كتب كلاهما الفلسفة والرّواية، الغثيان لسارتر، الغريب والطاعون لكامو، كان الإجماع العام من قبل النقاد والباحثين أنّ سارتر كان أفضل فيلسوف وكامو أفضل روائي، ​من المثير للاهتمام أنّ الرّجلين عاشا حياة أسريّة متوتّرة، بعد وفاة والده ، ترعرع سارتر على يدّ والدته ووالده بالتبني ونشأ في خوف من نظرة الله ونظرات الآخرين،قُتل والد كامو لوسيان في الحرب العالميّة الأولى قبل أن يولد كامو لأمّ صمّاء والتّي كانت لديها مفردات تتكوّن من أربعمائة كلمة، كتبت أليس كابلان، أستاذة اللغة الفرنسيّة في جامعة ييل:”أن الإعدام جعل لوسيان كامو مريضًا(ذهب لرؤية رجل يُعدم بالمقصلة)، لدرجة أنّ مشهد الإعدام ملأه بالرّعب فلم يستطع الكلام، كان هو الشّيء الوحيد الذي لم يسمع به ألبير كامو من والده”، استثمرت الباحثة جهدا جبّارا للبحث في حياة كامو، عائلته، طفولته، دراسته الناجحة، انفجار مواهبه الأدبيّة، كتاباته، تجربة كتابة روايّة الغريب احد أعظم روايات ما بعد الحرب العالميّة، تطرّقت كثيرا بشكل دقيق وعميق إلى علاقته بوالدته والتّي تعتبر حسب الكثير من النقاد احد أجمل و أعظم العلاقات بين كاتب و ووالدته، ممّا يدعونا للقول بأنّ كتابها عن ألبير كامو وروايّة الغريب هي اقرب إلى السّيرة الذّاتيّة، وهذا يدفع القارئ للتخمين بأنّ الغريب ليس ميرسو، انه في الحقيقة ألبير كامو، كامو الغريب، بعد كلّ شيء، تقول فقرته الافتتاحيّة، وهي واحدة من أشهر فقرات القرن العشرين :
<< Maman est morte aujourd’hui. Ou hier peut-être, je ne sais pas. J’ai reçu un télégramme de la maison : « Mère décédée. Funérailles demain. Fidèlement votre.’ Cela ne veut rien dire. C’était peut-être hier >> ،

“اليوم، ماتت أمّي، أو ربّما ماتت أمس، لست أدري، لقد تلقّيت برقيّة من المأوى تقول:”الوالدة توفّيت، الدفن غداً، احتراماتنا”، إنّ ذلك لا يعني شيئاً، ربّما كان ذلك أمس . “
المثير للغرابة أنّ ترجمة هذه الفقرة للعربيّة ليس متجانسا، ومتقاربا، ففي كلّ نسخة مترجمة نقرأها بشكل مختلف، لكن هذه الترجمات تتفق على الجوهر والمعنى، هذه ترجمة للفقرة لذات الرّوايّة صدرت عن الدّار المصرية اللبنانيّة، بقلم الدّكتور محمد غطاس وهي حسب اعتقادي اقرب الترجمات قربا من النسخة الأصليّة :
“ماتت أمّي اليوم، أو ربّما كان ذلك بالأمس، لست أدري، تلقيت برقيّة من دار المسنّين تقول، ماتت الأم، الدّفن غدا، تحيات طيّبة، وهذا لا يعني شيئا، فربّما كان ذلك بالأمس”(يمكن العودة للقراءة النقديّة الصّادرة في موقع منشور والموسومة ب: اليوم ماتت أمّي، كيف يفترض أن تُترجم أوّل جملة في رواية الغريب؟، للكاتب والناقد معاذ أبو معطي / 29/12/2019 ) .
***
كتبت كابلان :
” في ماي 1935، بعد فترة وجيزة من زواجه من سيمون هاي، بدأ كامو في تدوين أفكاره في دفاتر ملاحظات من شأنها أن تغذي كلّ مشروع مستقبلي، الملاحظات الأولى على هذا الدفتر الشّخصي، فكر كثيرا في أصوله، هل يمكن أن يظل مخلصًا للفقر الذي ولد فيه دون الاستسلام للرّومانسيّة؟، وهل يمكنه التعبير عن غرابة علاقته مع والدته؟… يستغرق الأمر عددا معيّنا من سنوات الفقر لبناء الحساسيّة، في هذه الحالة بالذات، فإن الشّعور الغريب الذّي يشعر به الابن تجاه أمّه يشكّل حساسيته الكاملة”، لذا فهي تعتقد وهذا من خلال تحليلها لشخصيّة ألبير كامو بانّ رواية الغريب ليست روايّة سيرة ذاتيّة كما يعتقد الكثير، كامو كان أكثر نشاطا ومحبّا للمرح وإنشاء علاقات اجتماعيّة، بعكس ميرسو، هذا الأخير في بداية الرّوايّة، كان شخصيّة غير مباليّة، لا تؤمن بالعلاقات الاجتماعيّة، بالرّوابط، لكن مع تقدم الأحداث وجد نفسه بشكل لا إرادي يربط علاقة صداقة مع جيرانه، سالامانو وريموند سنتيس، هذا الأخير سيورّطه في صداقة خطيرة تنتهي بمقتل”العربي”على الشّاطئ تحت أشّعة الشّمس الحارقة، عربي لا يذكر اسمه ، ما يلاحظ أنّ ميرسو سيكتشف أثناء المحاكمة ذلك الجزء المخفي من ذاته ، بمعنى آخر يستيقظ عاطفيا وإنسانيا،هذا في الحقيقة هو دفاع الكاتب عن بطله، ميرسو، في حين أنّ البعض يعتبر ميرسو” بطل معادي للبطل”، بحيث أنّ الكثير من التقليديين ندّدوا به واعتبروه وسيلة لتهديم عمران الرّوايّة التقليديّة السّائدة حينها، قال ألبير كامو:”أرى فيه (ميرسو) شيئا ايجابيا وهو رفضه للكذب حتّى عند الموت”، عودة للباحثة أليس كابلان فهي توضّح لنا كيف بدا”الغريب”في الظهور، أو بالأصح كيف نضجت الفكرة، كان تطوّرا بطيئا على مدار عدّة سنوات، كان كامو قد نشر حينها كتابين بنسخ محدودة،ثمّ كتب روايّة”الموت السّعيد”، والتّي تضمّنت العديد من نفس العناصر الموجودة في روايّة الغريب، حاول وضع حياته كلها فيه وكان محشوًا بالانفعالات بحيث كانت الفكرة صعبة وبعيدة المنال، لكن بينما كان يكتبها و في نفس الوقت كان أيضا صحفيا في الجزائر العاصمة، المثير في تلك الفترة أنّ مقتطفات من قصّة أخرى عاشها في وهران تظهر بشكل منفصل في دفاتر ملاحظاته، حينها كان يدرس الفلسفة تحت إشراف أستاذه الأوّل،جان جرينير، ويتعلم الصّحافة تحت إشراف معلمه الآخر، باسكال بيا، وعندما انتقل هذا الأخير إلى باريس فكر مباشرة في كامو واستدعاه إلى باريس، كان كامو مراسل محكمة في الجزائر وشوكة في خاصرة الإدارة الاستعمارية التّي كانت تنظر لما يكتبه كامو بارتياب وتململ، و الآن،اجتمعت هذه التجربة بالإضافة إلى الشّعور بالوحدة في باريس وقراءته لرواية جيمس كين”ساعي البريد يدق الباب مرتين دائما” لمساعدته على البدء والانتهاء من كتابة رواية الغريب، قدمه بيا إلى أندريه مالرو، رجل الأدب الفرنسي الشّهير الذّي قرأ وانتقد بشكل بنّاء بعض مشاهد الرّوايّة، وساهم في نشرها من قبل غاليمارد، كانت المشكلة الكبيرة التّي واجهها كامو هو تقسيم تقسيم فرنسا من قبل الاحتلال الألماني إلى جزأين، مناطق تحت السّيطرة الألمانيّة المباشرة بما فيها باريس والثانيّة تحت سلطة حكومة فيشي المتعاونة، تمّ نقل مخطوط روايّة الغريب ذهابًا وإيابًا قبل نشرها أخيرًا في أفريل سنة 1942، في تلك الأثناء، عاد كامو إلى الجزائر بسبب تعرّضه لوعكة صحيّة متعلقة بمرضه القديم وهو السّل .
***
بعد عودته إلى فرنسا، انضم إلى المقاومة من خلال الكتابة والتّحرير لصحيفة ـ كفاح ـ السريّة، قام النازيون بسجن وإعدام العديد من زملائه بينما وحسب شهادات بعض العارفين أنّ كامو نجا كذا من مرّة من شرطة الغستابو التّي كانت تترصّد حركة المقاومة الفرنسيّة، حينها بدا في كتابة روايته الثانيّة، الطاعون، ووضعت روايّة الغريب كامو في مقدمة الكتّاب الفرنسيين المعاصرين الأكثر شهرة، ممّا سبّب له الكثير من العداوات، غيرة وحسد وعداء،”هذا هو ثمن النجاح”، كتب أحد الصّحفيين معلقا على من انتقدوا الرّوايّة، عدد منهم يكرهونه وغالبا ما أساؤوا فهمه، كتب فرانسوا مورياك المحسوب على التيار الأخلاقي في الرّوايّة الفرنسيّة:”ليس لديّ ذوق ل(الغريب)لكن لأسباب فنيّة بحتة، أجد أسلوبه مشتقًا للغايّة”، كان سارتر أكثر النقاد إدراكا لجمالية الرّوايّة، كان ثاقب البصر بحيث أشاد بها وبكاتبها، رغم انه في وقت سابق عبّر عن عدم إعجابه بأسطورة سيزيف، اعتبرها نوع من المحاولة اليائسة لكاتب يريد أن يقلد الفلاسفة، كتبت كابلان بأنّ”رواية الغريب سحرت سارتر، وبان استخدام كامو للغة كان قويا [ كلّ جملة في الرّوايّة كانت مثل جزيرة]، صدرت رواية الطاعون بعد الحرب، و في عام 1957 حصل كامو على جائزة نوبل للآداب، كان قد اشتهر بالفعل بعد جولة محاضرة في الولايات المتّحدة وظهور صور بالأبيض والأسود لكارتييه بريسون تظهر كامو ملفوفًا في معطف واق من المطر وسيجارة على شفتيه، وفي عام 1948، حاول قاتل استخدام روايّة الغريب كجزء من دفاعه، مدّعيا أنّ الكتاب أثر على جريمته، وطلب والد الضّحيّة من كامو إدانة المتّهم فأجاب كامو:” وظيفتي يا سيدي – ولمرّة واحدة أقول هذا بحزن – هي عدم اتّهام الناس، بل يتوقف على فهمهم “، وعندما مات في حادث سيّارة والعثور على مخطوط روايته الغير المكتملة ـ الرّجل الأوّل ـ ، كتبت كابلان:” رقيق جدا و مؤثر مثل الغريب الذي كان هادئا ومضطربا”، وفي عام 2013 ، صدرت روايّة تُروى من وجهة نظر شقيق العربي الذي لم يذكر اسمه والذي قتل على يدّ ميرسو بعنوان ـ ميرسو ، تحقيق مضاد ـ للكاتب كمال داوود، تقول كابلان:” هناك شيء اسمه روح العصر،هو موقف روحي مميّز لفترة تاريخيّة معيّنة، ربّما تتلخص روح العصر الحاليّة في نفاد صبر الحديث عن العربي “الغائب”، والرّغبة في وصف واقعه ورواية قصّته”، كامل داود أعطى اسما وحياة لهذا العربي، لهذا الأخ ووالدته، استند مقتل العربي في الرّوايّة إلى حادثة شاطئ بويسفيل، كان بطلها الإخوة راؤول و إدغار بن سوسان، لكن لم يعرف أحد اسم العربي، بحثت أليس كابلان في أرشيف جريدة ـ L’Echo d’Oran ـ وعثرت على اسم عربي الغريب و اسمه هو ” قدور بن طويل”،ومن المفارقات أن بن طويل وكامو كانا مصابين بالسّل ولم يستطع القتال في الحرب، كان البحث عن الغريب هو لمحبي وعشّاق كامو والمهتمين بالخيال الفلسفي والرّوايّة، شكل من أشكال عيش لحظة سرياليّة وخياليّة، هي متعة القراءة، القراءة الرّائعة، وكتب الناقد”فرانك فريمان”معقبا على كتاب أليس كابلان:”أوصافه التفصيليّة للعمليّة الإبداعيّة سوف تتحدّى كتّاب جميع الأزمنة، كتّاب ما بعد ألبير كامو، على الرّغم من أن كابلان تذهب أحيانًا بعيدًا في تكهّناتها، إلا أنها تكتب بشكل عام على أساس علمي متين(هناك خمسون صفحة من الملاحظات)، في حين أنه يمكن تفسيره على أنه عنصر غير ضروري للصحّة السّياسيّة، يمكن أيضًا اعتباره بمثابة مصالحة ضروريّة وإرضاء للفضول الطبيعي .
***

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق