قراءات ودراسات

مستقبل.. الرواية العربية

د.نضال الصالح

لم تكن العلامة اللغوية التي صدّر بها د. علي الراعي مقدّمته لكتابه: “الرواية في الوطن”، أي: “المجد للرواية العربية”، تثميناً للإنجازات الكبيرة التي حققتها تلك الرواية فحسب، بل تثميناً أيضاً للدور الذي نهضت به في الحياة الثقافية العربية من جهة، وللمكانة التي شغلتها في الوعي الجمعي العربي من جهة ثانية.‏

“المجد للرواية العربية! لقد جعلها أفضل المبدعين فيها لسان حال الأمة، وديواناً جديداً للعرب”(1)، فمن أعمال الرواد الأوائل في النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى نهاية القرن العشرين والسنوات الثلاث الأولى من الألفية الثالثة قطعت الرواية العربية أشواطاً طويلة في طريق التأسيس والتأصيل لجنس أدبيّ عربي حديث، وحققت خلال ذلك إنجازات شديدة الغنى والتنوّع، وأثبتت كفاءتها العالية في تجديدها لنفسها دائماً، وفي مساءلتها لأدواتها وتقنياتها، وفي مغامراتها الجمالية التي مكّنتها، دائماً أيضاً، من إحداث تواز مستمرّ بين محاولات مبدعيها البحث عن كتابة روائية لها هويتها الخاصة بها، ومحاولات هؤلاء المبدعين أنفسهم بآن لمواكبة إنجازات السرد الروائي في الأجزاء الأخرى من الجغرافية الإبداعية.‏ ولعلّ أبرز ما ميّزها طوال تاريخها ليس مواكبتها لمختلف المدارس والتيارات والاتجاهات والفلسفات الوافدة فحسب، بل تمرّدها أيضاً على الثابت والمستقّر من القيم والتقاليد الجمالية التي ما إن كانت تذعن لها لوقت حتى كانت تبتكر بدائلها المناسبة التي غالباً ما كانت تحمل بذور فنائها في داخلها، صائغة بذلك سمة تكاد تكون وقفاً عليها من المشهد العالمي، وإلى حد بدت معه ومن خلاله فعالية إبداعية مفتوحة ومشرعة على احتمالات غير محدودة، ودالّة على قابلياتها الكثيرة للهدم والبناء دائماً، وعلى امتلاكها ما يؤهلها للتجدّد والتطوّر دائماً أيضاً.‏ ولئن كانت هذه السمات جميعاً، وسواها، هي ما جعل تلك الرواية الجنس الأدبيّ الأثير إلى جمهور القراء، على الرغم من حمّى الإقصاء الذي مارسته، ومات تزال، وسائل الاتصال الحديثة لمختلف أشكال الكتابة،فإنها هي أيضاً ما يؤشر إلى أنّ هذه الرواية نفسها هي فنّ المستقبل بامتياز كما كانت الفنّ الإبداعي المميّز في النصف الثاني من القرن العشرين خاصة بامتياز أيضاً. وليس أدلّ على ذلك من وعي عدد غير قليل الروائيين العرب، كما أثبتت نصوصهم، أنّ كل تحول في حركة الواقع يستلزم تحوّلاً في الوعي الجمالي، وليس أدلّ عليه أيضاً من بزوغ أصوات جديدة دائماً مثّلَ عددٌ منها علامات في التجربة الروائية العربية من جهة، وبدايات لإيقاع جديد أو لمنعطف جديد في هذه التجربة من جهة ثانية.‏

إنجازات الرواية العربية:‏

مهما يكن من أمر فعاليات تحقيب الرواية العربية، أي نصيبها من الصواب أو الخطأ وتعدّد علاماتها اللغوية وتكثّرها أيضاً، فإنه يمكن التمييز بين مرحلتين مركزيتين في تاريخ المدوّنة العربية: تمتد الأولى ما بين النصف الثاني من القرن التاسع عشر ونهاية الستينات من القرن العشرين، والتي يمكن الاصطلاح عليها بمرحلة النشأة والتأسيس، وتمتد الثانية ما بين نهاية الستينات إلى الآن، والتي يمكن الاصطلاح عليها بمرحلة التجريب والتأصيل.‏ كانت الستينات إيذاناً بتحوّلات جذرية في التجربة الروائية العربية، فعلى الرغم من محاولات التجديد التي أبداها عدد من الروائيين طوال المرحلة الأولى، فإنّ تلك المحاولات لم تستطيع تقويض التقاليد التي نشأت عليها تلك التجربة، أو التأصيل لتقاليد جديدة، على حين شكّلت العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين منعطفاً حقيقياً في مسارها، وأحياناً غير منعطف في العقد الواحد نفسه. ويمكن إجمال الحدود الفاصلة بين المرحلتين بالسمات الثلاث التالية:‏

1 ـ فورة الإنتاج الروائي:‏

شهدت بداية السبعينات تزايداً لافتاً للنظر في كمّ الإنتاج الروائي العربي، بلغ في بعض الأقطار العربية، حداً تجاوز معه فيما بين نهاية الستينات ونهاية التسعينات ثلاثة أضعاف ما صدر من أعمال طوال ستة عقود أو تزيد. فبينما لم يكن عدد الأعمال الروائية الصادرة في سورية حتى نهاية الستينات، على سبيل المثال، يتجاوز مئة وخمساً وعشرين رواية، بلغ في العقود الثلاثة الأخيرة وحدها ما يزيد على ثلاثمئة وخمسين رواية، وتجاوز بين عقدي السبعينات والثمانينات وحدهما في مصر ما يزيد على ثلاثمئة رواية، ولم يكن قد تجاوز حتى نهاية الستينيات أكثر من مئة وستين رواية. والسمة نفسها تتجلّى، على سبيل المثال أيضاً في المشهد الروائي الفلسطيني على حين لم يكن عدد الأعمال الروائية الفلسطينية الصادرة حتى نهاية الستينيات أكثر من نحو خمسين رواية بلغ فيما بين عامي 1960 و 1999 أكثر من ثلاثمئة رواية على الرغم من الظروف الغاشمة التي كانت تعصف بالوطن الفلسطيني وبالمثقف الفلسطيني بآن.‏

2 ـ تعدّد المغامرات الجمالية:‏

لم تكن التحوّلات التي دفعت بالرواية العربية إلى الأمام وقفاً على المستوى الكمي بل تجاوزت ذلك إلى المستوى الفني الذي بدت العقود الثلاثة الأخيرة معه موّارة بالجديد دائماً، ولا تعني أجزاء بعينها من الجغرافية الروائية العربية، أو جيلاً بعينه من الروائيين، أو روائياً بعينه فحسب. فعلى حين كانت فعاليات التجريب حتى نهاية الستينات وقفاً على أجزاء محددة من المشهد الروائي العربي، مصر وسورية والعراق خاصة، امتدت تلك الفعاليات، مع نهاية الستينات، لتشمل، وبنسب متفاوتة، الأغلب الأعم، من الجغرافية الروائية العربية. وعلى حين كاد نتاج السبعينات يوحي باستفاد مجمل أشكال التجريب، تمخض نتاج الثمانينيات عن مغامرات فنية أكثر جرأة، وعزّز نتاج التسعينيات الثقة بمستقبل الإبداع الروائي العربي.‏ فمن تجديد الواقعية ومناوئة المقدّس بأشكاله كافّة، كما في “التفكيك” و”معركة الزقاق” لرشيد بوجدرة، و”الخبز الحافي” لمحمد شكري، وفي غير رواية لغالب هلسا: “الضحك”، و”الخماسين”، و”السؤال”، و”ثلاثة وجوه لبغداد”، ورواية سميرة المانع: “حبل السرة”، إلى استثمار العجائبي والغرائبي كما في: “الشيخ ومغارة الدم” لنذير العظمة، و”كوابيس بيروت” لغادة السمّان، و”فردوس الجنون” لأحمد يوسف داوود، فالأسطوري كما في “الأنهار” لعبد الرحمن مجيد الربيعي، وفي أعمال هاني الراهب: “التلال”، و”خضراء كالمستنقعات”‏ و”خضراء الحقول” وفي “الحنظل الأليف” لوليد إخلاصي، و”طائر الحوم” و”إنانة والنهر” لحليم بركات، إلى إعادة كتابة التاريخ كما في خماسية عبد الرحمن منيف: “مدن الملح”، وثلاثية خيري الذهبي: “التحوّلات”، ورباعية نبيل سليمان: “مدارات الشرق”، و”دفاتر الطوفان” لسميحة خريس، إلى استلهام سرد المتصوّفة كما في الأغلب الأعمّ من أعمال جمال الغيطاني: “التجليات”، و”رسالة في الصبابة والوجد”، و”شطح المدينة”، و”هاتف المغيب”، و”خلسات الكرى”، إلى استلهام التراث كما في: “الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل” لإميل حبيي، و”النفير والقيامة” لفرج الحوار، و”المقامة الرملية” لهاشم غرايبة، إلى استدعاء الموروث الحكائي من التاريخ والسرد الشعبي، كما في: “ما تبقى من سيرة الخضر حمروش” لواسيني الأعرج، إلى الاستفادة من تقنيات الصحافة والسينما والوثائق، كما في: “ذات” لصنع الله إبراهيم، إلى تقويض خطية الزمن، كما في: “امرأة للفصول الخمسة” لليلى الأطرش، فـ “رواية النصّ” أو “الميتا رواية”، إلى “رواية الضدّ” كما في: “أحياء في البحر الميت” لمؤنس الرزاز،وسوى ذلك كثير مما يؤكّد أنّ الرواية العربية “لم تعرف.. منذ مخاضها العسير المهادنة في تحرير نوعها من هيمنة النوع الأدبي الواحد، أو الاتجاه الأدبي الوحيد، أو التقنيات الثابتة” (2)، ومّما تجلّت معه ومن خلاله حاضنة حقيقية لمختلف إنجازات الإنسان من مغاراته الفكرية الأولى إلى الراهن، وحقلاً شاسع الإمداد للتجريب وخلخلة السائد.‏

3 ـ بروز الصوت النسوي:‏

أثبت المشهد الروائي العربي طوال تاريخه، وفي العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين والسنوات الثلاث الأولى من هذا العقد خاصة، أنه مشهد متجدد. وإذا كان من أبرز ما ميزه في مرحلته الأولى ترجّح الخطّ البياني المحدّد لمساره بين انحناءات حادة، ومتعثّرة أحياناً، فإنّ من أبرز ما ميّز هذا الخط نفسه في المرحلة الثانية ليس تصاعده الدائم فحسب، بل إفصاحه أيضاً عن سمتين تكادان تكونان خاصتين به: حضور الصوت النسوي فيه بقوّة، ثمّ كفاءة عدد غير قليل من التجارب الروائية النسوية في صياغة مشهد جديد لم‏ تعد المكانة الممنوحة للمرأة العربية المبدعة فيه هامشية، أو تزينية، حسب نازك الأعرجي، بل مكانه دالّة على أنّ الإبداع النسوي مكوّن فاعل في حركته، وفي وسائل تجديده لنفسه على غير‏ مستوى. فبالإضافة إلى الأصوات النسوية التي أشرت إليها آنفاً (غادة السمان، وسميرة المانع، وسميحة خريس، وليلى الأطرش) وسواها، برزت أصوات: أنيسة عبود وأميمة الخش وماري رشو وسمر يزبك من سورية، وهدية حسين من العراق، وفيروز التميمي من الأردن، وميرال الطحاوي ونجوى شعبان ونورا أمين من مصر، وياسمينة صالح من الجزائر وفوزية شلابي وشريفة القيادي من ليبيا، وهدى ونجوى بركات وعلوية صبح وإلهام منصور من لبنان وعروسية النالوتي ومسعودة أبو بكر من تونس، ورجاء عالم وليلى الجهني من السعودية، ودلال وشعاع خليفة من قطر، وفوزية شويش السالم من الكويت، وسوى ذلك.‏ وإذا كان ذلك كلّه، وسواه بآن، هو ما جعل التجربة الروائية العربية فضاء مفتوحاً على الاحتمالات دائماً، فإنه وسواه ما يجعلها فضاء واعداً بالاحتمالات أيضاً.‏

مستقبل الرواية العربية:‏

خسر المشهد الروائي العربي في العقد الأخير من الألفية الفائتة والسنوات الأولى من هذا العقد عدداً من أبرز الروائيين العرب (يوسف إدريس، وجبرا إبراهيم جبرا، وإميل حبيبي، وغالب هلسا، ومؤنس الرزاز، وعبد الرحمن منيف، وبهاء طاهر، وزيد مطيع دماج، ومحمد زفزاف، وغائب طعمة فرمان، ومحمد شكري، وأديب نحوي)، وتمخضت السنوات نفسها عن أصوات جديدة تمكّنت. بإبداعها وفي وقت قصير نسبياً، من اجتذاب أنظار جمهوري القراء والنقاد إليها، وعزّزت، بإبداعها أيضاً القول بخصوبة هذا المشهد، أمثال: عزّت القمحاوي من مصر، وربيع جابر من لبنان، وصلاح الدين بوجاه من تونس، ويوسف خليل وأمير تاج السر من السودان، وسالم حميش من المغرب، وقاسم توفيق وإلياس فركوح وسالم النحاس وهاشم غرايبة من الأردن، وممدوح عزام ومحمد أبو معتوق وغسان ونوس وسمير عامودي من سورية، وسواهم ممن أشرت إليهم في موقع سابق من هذا البحث، وممّن أكّدت نصوصهم ونصوص هؤلاء أن المشهد الروائي العربي متحرّك ولا يعرف الثبات عند أسماء بعينها أو تجارب بعينها أيضاً.‏

(أ) ـ عوامل تجديد الرواية العربية:‏

تنجز الرواية العربية مستقبلها كما أنجزت ماضيها وراهنها بمساءلتها الدائبة لأدواتها وتقنياتها، وقبل ذلك للواقع الذي تصدر عنه وتتحرّك في مجاله، ثمّ بحفرها، الدائب أيضاً، في التراث السردي ليس من أجل تأصيلها لكتابة تشير إلى نفسها ولا تشير إلى سواها فحسب، بل أيضاً من أجل تثبيتها في الوعي الجمعي العربي، بوصفها جزءاً من الهوية الثقافية العربية وليست صدى لإنجازات الآخر أو تابعة لـه. ولكي تحقّق الرواية العربية لنفسها ما يلي:‏

1 ـ وعي الروائيين العرب بالمناهج والنظريات النقدية الحديثة:‏

باستثناءات ليست كثيرة، فإن إجابات معظم الروائيين العرب في حواراتهم وشهاداتهم لا تتضمّن في داخلها أية إشارات إلى حمولة معرفية واضحة بالمناهج والنظريات النقدية، وأحياناً بالمنجَز النقدي العربي نفسه وإلى حدّ تبدو نصوص الكثير منهم معه بوصفها نتاجاً للمكّون الأوّل فحسب من المكوّنين الجدليين والمركزيين للإبداع: الموهبة، والثقافة، أي للموهبة وحدها التي عادة ما تعبّر عن نفسها في عمل إبداعي واحد ما يلبث أن يتناسل بهيئته الأولى في الأعمال اللاحقة.‏ وعلى الرغم من أنّ عدداً من روائيي العقود الثلاثة الأخيرة مارس نقد الرواية، وسواها من أجناس الأدب الأخرى، فإن النتاج (النقدي) لأولئك غالباً ما كان أصداء لوعيهم هم بمعنى الإبداع ووظائفه وليس نتاجاً للنقد بمعناه العلميّ، أي ما يصدر عن حصيلة معرفية بإنجازات النقد، وما تتجلى الممارسة النقدية معه فعالية دالةً على سعة المخزون المعرفيّ لمنتجها بتلك الإنجازات من جهة، وبسواها من حقول المعرفة من جهة ثانية.‏ ومهما يكن صحيحاً أنّ المبدع عامة، وليس الروائي وحده، معنيٌ بإنتاج الإبداع قبل أن يكون معنياً بنظرياته، فإنّ الأكثر صحة أنّ تجديد الأوّل لنفسه لا يتحقّق بغياب الثاني. فالمبدع الحقيقيّ هو ذاك الذي يدأب على تزويد نفسه بالمعرفة، والروائي المبدع خاصة هو ذاك الذي تكون إنجازات النقد بالنسبة إليه كالحكمة إلى المؤمن، أنّى وجدها التقطها. إنّ الموهبة التي تكتفي بنفسها لا تعيد إنتاجها لأدواتها ووسائل تعبيرها وتقنياتها فحسب، بل تحكم أيضاً على نفسها بالعطالة التي تبدو نصوص الروائي معها كما لو أنها نصّ واحد وقد تقنّع بعلامات لغوية مختلفة.‏ وبهذا المعنى، فإنه يمكن القول: كلّما اتسعت ثقافة الروائي العربيّ بإنجازات النقد أطلقت الرواية العربية نفسها في فضاءات الإبداع، وتعددت، بفعل تلك الثقافة، احتمالات المستقبل التي تنتظرها، والتي تجعل منها بآن ابنة شرعية للمرحلة التاريخية/ الجمالية التي تنتمي إليها. لقد انتهت، وربّما إلى غير رجعة، الأطروحة القائلة إنّ النقد فعالية قائمة بنفسها كما الإبداع فعالية قائمة بنفسها، فكلاهما شرط للآخر، وليس تابعاً لـه وكلاهما أيضاً جزيرتان في أرخبيل مترامي الأطراف هو الفنّ الذي يستهدف المعرفة كما يستهدف التربية الجمالية.‏

2 ـ سعة المخزون المعرفيّ بإنجازات الرواية العالمية:‏

كما لا تتضمنّ حوارات معظم الروائيين العرب وشهاداتهم أية إشارات إلى حمولة معرفية واضحة بالمناهج والنظريات النقدية تتجلّى السمة نفسها فيما يتصل بإنجازات الرواية العالمية، وأحياناً بإنجازات الرواية العربية أيضاً. ولئن كان مسوّغاًَ تعليل أولئك في هذا المجال بتحرير الإبداع العربيّ من كونه صدى لإنجازات الآخر إلى كونه إبداعاً عربيّ الوجه واليد واللسان، فإنّه مّما لا يبدو مسوّغاً أن يكون البيت الروائي العربي موصد النوافذ أمام تلك الإنجازات، أو أسير إنجازات سكّانه فحسب. فالرواية العربية التي أحدثت، في العقود الثلاثة الأخيرة خاصة، تعديلاً في الذائقة الجمعية العربية التي ظلّ الشعر يتربّع على عرشها طوال أربعة عشر قرناً تقريباًَ، فاستحقت بذلك، وبسواه، صفة “ديوان العرب في القرن العشرين”، لم يكن ممكناً لها أن تحقق ذلك لو لم تشرع نوافذها على إنجازات الرواية العالمية، ولو لم تستثمر تلك الإنجازات استثماراً دالاً على كفاءتها العالمية بل الكفاءة العالية لمبدعيها، في امتصاص مختلف مغامرات الجنس الروائي أياً كان مصدر ذلك الجنس من جهة، وأياً كانت المرجعيات الفكرية والجمالية لتلك المغامرات من جهة ثانية. وليس أدلّ على ذلك من الدور الذي نهضت به الواقعية السحرية، في أمريكا اللاتينية خاصة، في تحرير الكتابة الروائية العربية من جفاف الواقعية التي ارتهنت لها طويلاً، إما بالاستلهام أو الاستيحاء، أو الاقتباس، أو التأثر(3).‏ إنّ استثمار إنجازات الآخر لا تعني تبعية لـه، أو إلغاء للهوية، بل هو شكل من أشكال الوعي بضرورة بناء الذات مهما تكن مصادر ذلك البناء ووسائله، وهو، بآن، فعالية دالّة على الثقة بحصانة هذه الذات ضدّ محاولات الاستتباع أو الهيمنة، أو الإقصاء من التاريخ. لقد شيّدت الرواية العربية هويّتها حينما يتابع مبدعوها تحوّلات الرواية العالمية، ليس رغبة في تقليد هذه الأخيرة، أو النسج على منوالها،أو اقتفاء أثرها، بل في تشييد عمارة روائية عربية تضارع مثيلاتها في المشهد الروائي العالمي.‏

3 ـ مناوئة المقدّس:‏

مثّلت الرواية العربية، ولا سيما في العقود الثلاثة الأخيرة، فعالية تعرية وتفكيك ومقاومة للمقدّس بأشكاله كافة: السياسي، والديني والاجتماعي. وبسبب ذلك تعرّض الكثير منها إلى المصادرة، بفعل الرقيب السياسي أحياناً، والديني أحياناً ثانية، والاجتماعي أحياناً ثالثة، أو بفعل هؤلاء الرقباء الثلاثة أحياناً رابعة. ومن أمثلة ذلك رواية الجزائري الحبيب السائح: “زمن النمرود” (1985)، التي لوحقت من الرقيب السياسي الجزائري، فأمرت وزارة الثقافة بسحبها من المكتبات وإعدام نسخها، بسبب خرقها الصمت المحظور سياسياً خاصة وأخلاقياً ولغوياً عامة، بتعبير السائح نفسه الذي اضطر إلى إبقاء روايته الثانية: “الخيانة” طي المخطوط بعد “التحفظ على نشرها بسبب خطورة موضوعها الذي يمس الثوابت”(4). ومن أمثلته أيضاً ما تعرّض لـه الروائي اليمني وجدي الأهدل من أذى الرقيب الاجتماعي بسبب روايته: “قوارب جبلية”‏(2002) التي ما إن أفصحت عن حضورها في المكتبات، حتى اتخذت وزارة الثقافة قراراً بمصادرتها، بعد أن رفع عدد من القراء الشكاوى المطالبة بسحب الموافقة التي منحت لتداولها، ولم تكد تمضي أيام قليلة على قرار الوزارة حتى اضطر الأهدل إلى الفرار خارج وطنه(5).‏ لقد قضّ الكثير من النصوص الروائية العربية مضاجع المقدّس، فمكّن، بسبب ذلك، الجنس الروائي العربي من تبوأ مكانه لافتة للنظر وجديرة بالتقدير في الحركة الثقافية العربية. غير أنّه على الرغم من وفرة تلك النصوص،فإن النتيجة التي انتهى صنع الله إبراهيم إليها سنة 1992 ما تزال تمارس إلى الآن حضورها في المشهد الروائي العربي، أي قولـه: “لقد قامت الرواية العربية بمغامرات شتى، وقدّمت لنا عدداً غير قليل من الإبداعات المتميزة. لكن من الإنصاف أن نعترف بأنّ دروباً كثيرة لم تطرق بعد، وأنّ طائر الخيال ما زال عاجزاً عن التحليق عالياً في مواجهة الأسوار التي تحصنت خلفها السلطة الدينية والسياسية، وما زالت التجربة الجنسية أكثر التجارب حميمة وتفرداً وتعقيداً، بمنأى عن التناول”(6).‏ وتأسيساً على ذلك، فإنّ ثمة الكثير مّما ينتظر الرواية العربية في هذا المجال، أي مقارعة المقدّس، والتمرّد عليه، وتغليب إرادة التنوير على إرادة السلطات المستبدة. وليس غلواً القول إنّ ما يجعل هذه الرواية جديرة الانتماء إلى المرحلة التي ستنجز فيها، كما كانت جديرة بانتمائها إلى ا لمراحل التي أنجزت فيها، هو دأب مبدعيها على الحفر في طبقات الاستبداد: السياسي، والديني، والاجتماعي، وعدم انصياعها لمجمل أشكال التحريم المعوّقة للتقدّم الحضاري عادة، وابتكارها الهوامش المناسبة التي تمكّنها من قول ما تريد ولكن على نحو جمالي تتعاضد فعالية الحفر، معه ومن خلاله، مع فعالية البناء على المستوى الفني.‏ إنّ أطروحة إدوار الخراط القائلة إنّ “ازدهار الرواية.. يقترن باقتحام المناطق المحظورة” لا تكتسب أهميتها من صوابها فحسب، بل من صلاحيتها للمستقبل أيضاً، ولا سيّما في الواقع العربيّ الذي تتورّم فعاليات الاستبداد فيه بدلاً من أن تتقزّم أو تتلاشى، ثمّ من إضمارها في داخلها أبرز مهمّات الإبداع استجلاء المسكوت عنه في المدونات الرسمية، وتفكيك ذهنية التحريم التي تستبّد بالعقل المستقيل أو المكوّن خاصة، وتعرية الأعراف والتقاليد المضادة لتقدّم المجتمع وتطوّره، وسوى ذلك مّما على الإبداع عامة، وليس الفنّ الروائي وحده، إماطة اللثام عنه والجهر به.‏

4 ـ التجريب:‏

نهض التجريب بدور مهمّ في تجديد الرواية العربية لنفسها، وبفضله استطاعت هذه الرواية تحقيق قفزات نوعية في سيرورتها الجمالية، وعبّرت عن استجابات الجنس الروائي عامة، أكثر من سواه من أشكال الإبداع الأخرى، لمختلف مغامرات الإبداع على مستوى التخييل أحياناً، وعلى مستوى الشكل أو البناء أحياناً ثانية، وعليهما معاً أحياناً ثالثة، وإذا كانت هذه الرواية قد أنجزت ما أنجزت في حقل التجريب وفي مجاله خاصة، فإن هذا الحقل نفسه هو ما يتيح لها إضافة المزيد إلى ما أنجزت، وهو أيضاً ما يعدّد احتمالات المستقبل الذي ينتظرها، وما يمكنها من إبداع مدوّنتها الخاصة.‏ وما يعزّز أهمية التجريب ودوره في تجديد الرواية العربية أنّ العلامات الفارقة في تاريخها كانت روايات تجريبية، نأت بنفسها عن شرك التنميط الذي استسلم لـه سواها من الروايات، وعارضت الثابت بالمتحرك، والمكوّن بالمكوّن، والنقل بالعقل، وحقق مبدعوها بامتياز ما كان “ج. هيلز ميلر” انتهى إليه من أنّ الكتابة السردية الجديرة بانتمائها إلى تاريخ الأدب هي تلك التي “توقع الفوضى في كلّ القوانين والتقاليد التي قد تعطيها شكلاً ومعنى‏

محدّدين(8).‏

ومهما يكن صحيحاً أنّ مصادر تجريب هذه الرواية قد استُنفدت أو كادت، وأنّ ما ستحاوله في هذا المجال يكاد يكون محدوداً في مصادر بعينها، بمعنى أنّ هوامش التجريب لديها، بل لدى مبدعيها، لن تتجاوز تخوم ما انتهت إليه سابقاتها، فإنّ ثمة الكثير من الينابيع التي لمّا تنهل هذه الرواية منها بعد: مّما حاوله المنجَز الروائي من جهة، وممّا لم تمتد إليه يد التجريب من جهة ثانية. ففي التراث السردي العربيّ على سبيل المثال، وسواه من أشكال الإبداع الأخرى، خزّان هائل من مصادر التجريب التي يمكن للروائي العربي أن يغذي بها نصوصه، وأن يؤصّل من خلالها لإبداع روائي لـه هويته الخاصة به. ومن تلك المصادر، بالإضافة إلى مكونات الشكل (اللغة، والشخصيات، والفضاء، والمنظور السردي): أساطير المنطقة (الرافدية، والفينيقية، والكنعانية..)(9)، والمدوّنات السردية القديمة (الحكاية، والخبر، والمقامة، والترّسل، والشذرة…)، والموروث الشعبي (السير، والخرافة، والأغاني..)، وسوى ذلك مّما استثمرته هذه الرواية ولمّا تزل مناطق مهجورة منه، ومّما لم تستثمره بعد ليس على المستوى الحكائي فحسب، بل على المستوى الفنّي/ الجمالي أيضاً.‏ لقد أحسن محمد برادة حين شبّه الفنّ الروائي بشهرزاد التي لا تستطيع الاستمرار في الحياة إلا بقدر ما تبتكر من وسائل‏ الحكي(10)، فالفن الذي لا يسائل أدواته ووسائله وتقنياته دائماً لا ينتج قطيعة مع المرحلة التي صدر فيها فحسب، بل ينتج قطيعة مع المستقبل أيضاً.‏ إنّ أمام الرواية العربية مهمّات كثيرة، من أبرزها تعزيز مكانتها بوصفها أقدر الأجناس الأدبية العربية على التقاط توترات الواقع وحركته، وعلى الغوص على الجوهريّ فيه، وهي لن تحقق ذلك إذا اكتفت بما أنجزته، وإذا لم يجدّ مبدعوها في البحث عن أشكال وتقنيات جديدة لا تكتفي بتقويض عادات الكتابة فحسب، بل تتجاوز ذلك أيضاً إلى جعل هذه الكتابة فعالية مفتوحة تتعدّد احتمالاتها بتعدّد فعاليات البحث نفسها.‏

5 ـ ازدهار الحركة النقدية:‏

طالما شكا معظم الروائيين العرب ندرة النقد الجادّ(11)، وطالما ردّد كثرة منهم لا يتابعون الحركة النقدية العربية، معللينّ ذلك أحياناً قليلة، ومكتفين بالتعبير عن برمهم بتلك الحركة دون تعليل أحياناً أكثر، وإلى حد بدا أنّ ثمة قطيعة، أو ما يشبه القطيعة، بين الروائي العربيّ والنقد المعني بالرواية العربية. ولعلّ أكثر الإشارات الدالة على تلك القطيعة “ازدراء” بعضهم للنقد الأدبي عامة، وليس للنقد المعني بالجنس الروائي وحده، ولعلّ أكثر تلك الإشارات جهراً بذلك رصاصة الرحمة التي أطلقها حنّا مينة، ذات يوم في قناة أبو ظبي الفضائية، على مجمل النقد الروائي العربي، أي حينما قال: “ليس لدينا نقد ولا نقّاد”، معزّزاً بذلك ما كان علي الجندي وصف به نقد الشعر في سورية: أي أنه بلا طعم، ولا رائحة ولا لون.‏ والسمة المشار إليها آنفاً أي ازدراء النقد، ليست وقفاً على أعلام الرواية العربية، بل تمتد لتشمل الأغلب الأعمّ من كتّاب هذه الرواية في الأغلب الأعمّ من الجغرافية العربية أيضاً، مهما يكن من أمر صلتهم بالإبداع، ومن أمر المكانة التي حظي نتاجهم بها في المشهد الروائي العربي، ومن انتمائهم هم أنفسهم إلى حقل المعارف أو النكرات. ولئن كان لتلك السمة ما يسوّغها أحياناً، كغياب الحوار بين الرواية العربية ونقدها حسب محمد برادة، وضآلة النقد المؤسس على زاد معرفي كاف بمعنى الممارسة النقدية، وسواهما، فإنّه مّما لا يبدو مسوّغاً استمرار تلك القطيعة بين كليهما.لقد أكد كثير من الروائيين العرب أنّ نقد تجربتهم لم يقدّم لهم شيئاً، ولم يدفع بهم إلى التعديل في منظومة وعيهم للفنّ الروائي، وللإبداع عامة، على الرغم من وفرة الدراسات التي عنيت بنتاج بعضهم، وعلى الرغم أيضاً من أنّ بعض تلك الدراسات أنجزها أكاديميون مختصون في نقد الرواية. وغير خافٍ أن استقرار تأكيد كهذا في الحياة الثقافية العربية لا يعني عزلة الإبداع عن النقد فحسب، بل أيضاً، تعطيلاً لحركة الثقافة أولاً، وإمعاناً في القطيعة بين كليهما ثانياً، وتثبيتاً لثقافة الإقصاء والنفي ثالثاً. الأمر الذي كان طراد الكبيسي قد تنبّه إليه في وقت مبكّر نسبياً في بحثه المهم: “مشروع رؤية نقدية عربية للرواية العربية” الذي تلمّس فيه، بعمق، مرجعيّات تلك القطيعة وأسبابها(12).‏ إنّ الإبداع شرط لازدهار النقد، كما، أنّ النقد شرط لازدهار الإبداع. وبهذا المعنى، فإن مستقبل الرواية العربية وثيق الصلة بمستقبل نقدها، بل بمستقبل وعي الروائي والناقد العربيين بأنّ الإبداع والنقد فعاليتان متكاملتان. ويمكن إجمال أسباب نهوض النقد الروائي العربي بما يلي:‏

ـ إعادة النظر بواقع الدراسات العليا في الجامعات العربية.‏

ـ تحديد هوامش النشر في الدوريات الثقافية العربية.‏

ـ تحرير الممارسة النقدية من أوهام التمجيد لأصوات إبداعية بعينها وتهميش سواها.‏

ـ تثبيت قيم وتقاليد في المشهد النقدي.‏

ـ تأصيل النقد.‏

6 ـ استثمار وسائل الاتصال الحديثة:‏

تنبّه الروائي المصري بهاء طاهر، قبل نحو عقد ونصف من الآن، إلى أنه إذا أريد للكاتب العربي “أن يحقق رسالته ودوره باعتباره رائداً في حركة المجتمع نحو التغيير.. فإنه لن يتمكن من تحقيق ذلك إلا بوصوله إلى وسائل الإعلام الجماهيرية واستغلالها لكي يعبّر عن رأيه ولكي يصل إلى جمهوره الطبيعي”(13).‏ إنّ وسائل الإعلام الجماهيرية الحديثة منها على نحو أدق ولاسيّما شبكة الإنترنت، تمثّل، بالنسبة إلى الرواية العربية، مدخلاً واسعاً إلى المستقبل، وتمكّنها من تحقيق إنجازات كثيرة من أهمّها وصولها إلى قطاعات واسعة من القراء داخل الوطن العربي وخارجه. وتفصح تلك الوسائل عن أهميتها وقيمتها ودورها في هذا المجال من خلال المفارقة اللافتة للنظر بين حجم انتشار الكتاب وحجم مستخدمي شبكة الإنترنت، فعلى حين لم يتجاوز عدد النسخ التي تطبع من أي مجموعة قصصية أو رواية في الوطن العربي، حسب تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003، ثلاثة آلاف نسخة في الحدّ الأعلى، بلغ عدد مستخدمي شبكة الإنترنت من العرب حتى نهاية 2003 نحو اثني عشر مليوناً(14).‏ وغير خافٍ أنه يمكن إثارة انتباه عدد غير قليل من أولئك إلى الإبداع الروائي العربي وتحفيزهم على متابعة ذلك الإبداع أيضاً. وغير خافٍ أيضاً أنّ الإبداع عامةً، أيّاً كان الجنس الذي ينتمي إليه وليس الرواية وحدها، الذي سيكتفي في المستقبل بالكتاب وحده وسيطاً بين منتجه ومتلقيه لن يحكم على نفسه بتضييق مجالات الانتشار فحسب، بل بقطيعته مع العصر من جهة، وبضعف تأثيره من جهة ثانية.‏

7 ـ تفعيل الأنشطة المعنية بالإبداع الروائي:‏

يتسم الأغلب الأعم من الأنشطة المعنية بالجنس الروائي العربي، على غير مستوى وفي غير مكان من الجغرافية العربية، بسمات مركزية ثلاث: الانتقائية، والاعتباطية، والوظيفية. ولئن كان من أبرز مظاهر السمة الأولى إلحاح معظم الأوصياء على معظم تلك الأنشطة، وصنّاعها، وعرّابيها، وسدنتها، على تكريس المكرّس وتثبيته، وإقصاء سواه، فإنّ من أبرز مظاهر الثانية ضعف الإعداد الذي سبق كثيراً من تلك الأنشطة وينظمها وينهض بها على نحو علمي دقيق تؤدي معه ومن خلاله الأهداف المرجوة منها، ولعلّ من أبرز مظاهر الثالثة غلبة الطابع الوظيفي على الكثير أيضاً من تلك الأنشطة التي غالباً ما يسعى المنظمون لها إلى تنفيذ خطط وبرامج فحسب.‏ لقد شخّص الروائي العراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي حال الكثير من فعالياتنا الثقافية بوصفه للأوصياء على الكثير منها بأنهم أشبه ما يكونون بـ”قبيلة تصادر الآخر وتقتله إن استطاعت ما دام خارجاً عنها، وبعض هذه القبائل خطير، لـه فروعه ووسائل إعلامه ومخبروه وندواته وكلمة السرّ ولـه ديكتاتوريته، رغم أنّ أبناءه يدّعون ديمقراطية يلغونها في الفعل والممارسة”(15).‏ وغير بعيد عن ذلك ما انتهت الروائية الأردنية ليلى الأطرش إليه من أنّ الكثير من تلك الفعاليات رهن “بمزاج.. الموظفين أو اللجان التي تمتلك الاختيار والتحديد. تقرّر وتستولي على الدعوات وتوزعها أرزاقاً، فصارت المشاركة صكوك غفران للعلاقات الشخصية ومزاجها، وتبادلاً للمنافع، و(شيلني أشيلك).. وتكرّست نجوم رسمية بحكم الموقع أو السيطرة أو العلاقات لا بحكم الإبداع”(16).‏ إنّ الأغلب الأعمّ من المؤتمرات، والندوات، والمهرجانات الثقافية العربية، ومنها المعني بالرواية العربية، وبنسب متفاوتة فيما بينها، فعالية تزيينية وليست جوهرية، ولذلك فمن الزعم القول إنّ مؤتمراً ما، أو ندوة ما، أو مهرجاناً ما، في هذا المجال، أي: الإبداع الروائي العربي، أنجز إضافة، من نوع ما أيضاً، إلى هذا الإبداع خاصة، وإلى الحركة الثقافية العربية عامة. واستمرارُ حالٍ مثخنة بتلك الاختلاطات جميعاً، وبسواها، لا يكتفي بتعطيل وظائف تلك المؤتمرات والندوات والمهرجانات فحسب، بل تكرّس أيضاً، ظلّ الحقيقة بدلاً من الحقيقة نفسها، ويتلعثم بالواقع بدلاً من الإفصاح عنه أو الجهر به. وليس وهماً أنّ إعادة النظر الجذرية في ذلك كلّه، وفي سواه مّما يفتك بالأداء الثقافي العربي على هذا المستوى، يمكن أن تحدث تحولاً نوعياً في أداء الرواية العربية، وفي منحها جواز مرورها اللازم إلى المستقبل.‏

(ب) ـ حقول التجديد:‏

إذا كان لكلّ نصّ سرديّ مكوّنان مركزيان: حكاية وخطاب، أو حكاية وحبكة، أو متن ومبنى، أو محتوى وشكل، أو ما تواتر من علامات لغوية أخرى في نظريات السرد تحيل إليهما، فإنّ ثمّة حقلين مركزيين أيضاً يمكن للرواية العربية أن تتحرك في مجالهما مستقبلاً، بل أن تطور أداءها عبرهما لكي تكتسب شرعية انتمائها إلى هذا المستقبل نفسه، هما:‏ ارتبطت الرواية العربية منذ نشأتها بحركة التنوير العربية(17)، وأبدت في مراحل مختلفة من تاريخها ومن خلال وعي معظم مبدعيها بأن الفنّ رسالة، كفاءة عالية في تفكيك الواقع، وفي الغوص عليه، والتقاط الجوهري منه. وكان للواقعية، بمفهومها النقدي وبتياراتها المركزية: النقدية، والاشتراكية، والسحرية، دور مهمّ في تعبير الكثير من نصوصها عن النسق الاجتماعي /السياسي/ الاقتصادي/ الثقافي الدالّ على المرحلة التي صدرت فيها من جهة، وعن القوى التي كانت تضبط إيقاع تلك المرحلة من جهة ثانية. وإلى الحد الذي بدا الكثير من تلك النصوص معه أيضاً وثائق، أو سجلات، أو مدوّنات أدبية عن الواقع، أو ثبوتاً فنياً، توفّر للمؤرخ، وعالم الاجتماع، وسواهما، موادّ معرفية غير مباشرة للأحداث، والقيم، والأفكار، والقوى التي كان يمور بها ذلك الواقع، وللمركزي من الأسئلة التي كانت تضطرم فيه وحوله، ولا سيّما لما تهمله المدوّنات الرسمية عادة.‏ لقد أثبت معظم الروائيين العرب، في الثلث الأخير من القرن العشرين خاصة، أنّ الإبداع ليس، حسب “ملفيل”، فعل تعبير فحسب بل مقاومة أيضاً(18)، ولذلك مثّل نتاج الكثير منهم شاهد عدل على ما كان يثخن جسد الواقع العربيّ من أسئلة، ولذلك أيضاً أسهم ذلك النتاج في تعزيز مكانة الجنس الروائي في الحياة الثقافية العربية، وقدّم أدلّة ناصعة على الدور الذي يمكن أن ينهض به الفنّ عامة في معركة التنوير والتغيير.‏ إنّ المتتّبع للمنجز الروائي العربي، في الفترة المشار إليها آنفاً، يخلص إلى أنّ الروائي العربي لم يكد دع شيئاً من الموضوعات التي كان الواقع يثيرها حوله: من هزائم ونكبات وقمع واستبداد على المستوى السياسي، إلى أسئلة الذات والهوية على المستوى الفكري، إلى تحولات البنية المجتمعية العربية وآثار تلك التحولات في الوعي على المستوى الاجتماعي، وسوى ذلك مّما كان يعصف بالواقع، ويتفاعل داخله. ولئن كان ما يعتمل في الراهن من أحداث وقضايا ومشكلات ومؤرقّات، على غير مستوى (سياسي، واجتماعي، واقتصادي، ومعرفي، وتربوي..) وبسبب عوامل مختلفة داخلية أحياناً وخارجية أحياناً بأكثر، يرهص بتحوّلات قد تكون جذرية في السياسة، والمجتمع، و الاقتصاد، والمعرفة، والتربية، و..، فإنّ الإبداع العربي عامة، وليس الرواية وحدها، سيجد نفسه في مواجهة موضوعات جديدة لن تفرض، على الروائي خاصة، أن يكون بحق، حسب “د.هـ. لورانس”، قديساً، وعالماً، وفيلسوفاً، وشاعراً (19)، وسواهم، فحسب، بل فاعلاً مركزياً أيضاً في متابعة نبض الواقع، واستجلاء مرجعيّات الأسئلة التي يثيرها، وهوامش الإجابة عليها.‏ وعلى الرغم من أنّ الإبداع عامة ليس بديلاً لشيء آخر سواه، فإنّ ما يضطرم في قلب هذه التحولات نفسها من إشارات إلى أفكار، وقيم، و قوى جديدة، سيرغمان التعبير الروائي العربي على الحفر عميقاً في الواقع، وعلى الالتفات إلى الجزئيات والتفاصيل المكوّنة لـه، ولا سيّما إذا ما أراد ترسيخه بوصفه ضمير الجماعة في المستقبل كما أن ضميرها في الماضي وكما هو في الراهن.‏ وإذا كان صواباً القول إنّ “المجتمع يرى في الروائي لا محركّاً فقط للفعل.. بل محرّكاً للحلم أيضاً”(20)، فإنّ من أبرز المهمات التي تنتظر الروائي العربيّ في المستقبل، وفي هذا المجال، تثمين الوعي، والإعلاء من شأن الحقيقة، وتمجيد إرادة التعبير، بوصفها جميعاً، الوعي والحقيقة والإرادة، حوامل مركزية للفعل والحلم معاً.‏

2 ـ التقنيات:‏

لئن كان التجريب، في أحد وجوهه، يعني تجديد وسائل التعبير، وأشكال الكتابة، وعدم الانصياع للمتواتر من التقنيات، والتمرّد عليها، وخلخلتها، فإنه، بآن، يعني تثميراً لما تمّ إنجازه من تلك الوسائل، والأشكال والتقنيات.‏ لقد قدّمت التجربة الروائية العربية الكثير من النصوص الدالّة على وعي الروائيين العرب بأنّ الإبداع يعكس الواقع، ولا يحاكيه، بل يعيد بناءه على نحو فنيّ، ويحوله إلى واقع نصيّ لـه قوانينه الخاصة، وبأن أهمية النص لا تكمن فيما يقولـه فحسب، بل في طريقة /طرائق صوغ هذا القول أيضاً. ومن أمثلة ذلك تجربة غسان كنفاني، وجمال الغيطاني، وإبراهيم الكوني، ووليد إخلاصي، وإبراهيم نصر الله، والميلودي شغموم وواسيني الأعرج، وصلاح الدين بوجاه، وفرج الحوار، ومؤنس الرزاز، وسميحة خريس، وهاشم غرايبة، وسواها من التجارب التي بدا أنّ كلّ نصّ جديد من نصوص مبدعيها إضافة حقيقية إلى ما سبقه، وتأسيس للنص اللاحق.‏ غير أنّه على الرغم من مجمل الإنجازات التي حققتها التجربة الروائية العربية، فإنه، إلى الآن على الأقل، لم تؤسس مدوّنتها الخاصة بها، بسبب غلبة التقليد على التأصيل. وعلى الرغم أيضاً مّما زخرت به تلك التجربة من إنجازات في هذا المجال، أي: الشكل، ومّما بدت معه ومن خلاله تربة خصبة لمعظم تحوّلات نظرية الرواية وتحوّلات الفنّ الروائي نفسه، ومن جرأة مبدعيها على اقتحام مناطق كثيرة من حقول التجريب، فإنّ ثمة حقولاً غير قليلة يمكن أن يشكّل اكتشافها، والتنقيب فيها، إضافات نوعية إلى تلك التجربة.‏ إنّ انتماء الرواية العربية إلى المستقبل رهن بتثمير كتّابها للفني /الجمالي، على أنّ فعالية التثمير تلك لا تعني استغراقاً في الشكل، أو فعالية تزيينية، بل فعالية عليها أن تمتلك في داخلها ما يعلّلها، أي ما يجعلها لصيقة بتلك الصورة التي جاءت عليها، وليس على صورة أخرى غيرها، وهي، بهذا المعنى، تشكيلٌ تتجاور قيم المعنى فيه مع قيم البناء. فالإبداع، أياً كان الجنس الذي ينتمي إليه، رسالة تمارس تأثيرها في المرسل إليه حينما تحسن اختيار وسائلها، وحينما تكون تلك الوسائل منبثقة من داخل الرسالة وليس من خارجها، أي حينما تكون معلّلة تماماً.‏ ولئن كان من المهم الإشارة في هذا المجال إلى تعريف “بورخيس” للرواية بأنها: “ممارسة إشكالية، أي أنها عمل يضع العالم موضع البحث والتساؤل”، فإنه من المهمّ أيضاً الإشارة إلى أنّ الرواية العربية لا تومئ إلى مستقبل لها بمنأى عن هذا التعريف، أي عن وعي مبدعيها بأنّ الفنّ الروائي ممارسة إشكالية، تتجاوز مساءلة الواقع إلى مساءلة التقنيات التي يمكن من خلالها مقاربة ذلك الواقع على نحو فنيّ.‏ وبعد، فلقد شيّد الروائيون العرب في العقود الثلاث الأخيرة من القرن العشرين والسنوات الثلاث الأولى من هذا العقد عمارة إبداعية راسخة، ودالّة على إمكان انتماء الجنس الروائي العربي، أكثر من سواه من الأجناس الأدبية العربية الحديثة الأخرى، إلى المستقبل، كما كانت دالّة على شرعية انتمائه إلى الماضي والراهن. ولتعزيز تلك السمة، بل لتأكيد صوابها لا مناص أمام الروائي العربي من إحداث تحوّلات فنية /جمالية لا تكتفي بالتأصيل لكتابة لها هويتها الخاصة بها فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى وعي الذات في مواجهة معوّقات التقدّم التي يعانيها الراهن.‏

هوامش وإحالات:‏

1 ـ د. علي الراعي. “الرواية في الوطن العربي، نماذج مختارة”. ط1 دار المستقبل، القاهرة 1991. ص(19).‏

2 ـ جابر عصفور. “زمن الرواية”. ط1. دار المدى، دمشق 1999. ص(10).‏

3 ـ للتوسع، انظر: د. الرشيد بوشعير. “أثر غابرييل غارسيا ماركيز في الرواية العربية”. ط1. دار الأهالي، دمشق 1998.‏

4 ـ من حوار كمال الرياحي مع الروائي. مجلة “عمّان”. العدد (103) كانون الثاني 2004.‏

5 ـ للتوسع حول مقارعة الرواية العربية للمقدّس، يمكن العودة إلى: نضال الصالح “المغامرة الثانية، دراسات في الرواية العربية”. ط1. اتحاد الكتّاب العرب، دمشق 2000. بحث بعنوان: “أسئلة المقدس والمدّنس في الرواية العربية”.‏

6 ـ مجموعة كتّاب “ملتقى الروائيين العرب لأول”. ط1. دار الحوار، اللاذقية 1993. ص (20).‏

7 ـ مجموعة كتّاب. “الإبداع الروائي اليوم” ط1. دار الحوار، اللاذقية 1994. ص (131).‏

8 ـ مارتن، والآس. “نظريات السرد الحديثة”. ترجمة حياة جاسم محمد. ط1. المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 1998. ص (32).‏

9 ـ للتوسع يمكن العودة إلى: د. نضال الصالح. “النزوع الأسطوري في الرواية العربية المعاصرة”. ط1. اتحاد الكتّاب العرب، دمشق 2001.‏

10 ـ انظر: مجموعة كتّاب “الإبداع الروائي اليوم”. ص (238).‏

11 ـ انظر على سبيل المثال مداخلات: حنان الشيخ، وأحمد المديني، وغالي شكري، ومحمد برادة في “أعمال و مناقشات لقاء الروائيين العرب والفرنسيين” الذي نظمه معهد العالم العربي في باريس في آذار/ مارس 1988، المنشورة في: “الإبداع الروائي اليوم”. مرجع مذكور. ولاسيما قول برادة: “طوال مئة سنة، وهو عمر الرواية العربية، لم ينتظم حوار متلائم بين النقد والرواية”. ص (235). وانظر أيضاً شهادة عبد الرحمن مجيد الربيعي في “ملتقى الروائيين العرب الأول”. مرجع مذكور. ص (128).‏

12 ـ انظر: مجموعة كتّاب. “الرواية العربية، واقع وآفاق”. ط1. دار ابن رشد بيروت 1981.‏

ص (253) وما بعد.‏

13 ـ مجموعة كتّاب. “الإبداع الروائي اليوم”. ص (100).‏

14 ـ نقلاً عن صحيفة “الأهرام” المصرية. العدد (42792). تاريخ 3/2/2004.‏

15 ـ مجموعة كتّاب “ملتقى الروائيين العرب الأول”. ص (127).‏

16 ـ ليلى الأطرش. “نوم للمهرجانات والمؤتمرات”. مجلة “عمان”. العدد (89) تشرين الثاني 2002.‏

17 ـ انظر: د. نضال الصالح. “معراج النص: دراسات في السرد الروائي”. ط1. دار البلد، دمشق 2003.‏

18 ـ نظر: جون هالبرين وآخرون. “نظرية الرواية”. ترجمة: محي الدين صبحي. ط1. وزارة الثقافة، دمشق 1981. ص (143).‏

19 ـ المرجع نفسه. ص (140).‏

20 ـ مجموعة كتّاب. “الإبداع الروائي اليوم”. ص (44).‏

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق