حوارات هامة

آخرُ مقابلةٍ مع جون بيرجر قبل رحيله: إنْ كنتُ حكواتيًّا، فذلك لأنّني أُنصِت

أجرتها: كيت كيلاوَيْ*

نقلها إلى العربيّة: يزن الحاج

يتحدّث أحدُ أكثر الكتّاب تأثيرًا ضمن جيله، عشيّةَ عيد ميلاده التسعين، عن الهجرة، وعن بريكست [خروج بريطانيا من الاتّحاد الأوروبيّ]، وعن الشيخوخة، وعن ولعه بالرسائل النصّيّة.

في الخامس من تشرين الثاني/نوڨمبر، سيبلغ جون بيرجر التسعين. وأذ أسافرُ إلى باريس للقائه، فإنّني أحمل حقيبةً ملأى بالكتب. هناك كتابات عن تاريخ الفنّ نُشرتْ حديثًا، بعنوان پورتريهات. وهناك مناظر، وسيَصدر بالتزامن مع عيد ميلاده التسعين، ويضمّ مجموعةً آسرةً من المواجهات (التي اختارها، بعنايةٍ، توم أوڨرتن، لدار نشْر ڨيرسو) مع مفكّرين يُجِلُّهم بيرجر، من [برتولت] بريشت وڨالتر بنيامين إلى روزا لوكسمبورغ. وهناك مُسامرات، وهي مجموعةٌ رائعةٌ من مقالات حديثة صدرتْ مؤخّرًا عن دار پنغوين. وهناك مزهريّةُ أزهارٍ برّيّة: مقالاتٌ احتفائيّةٌ بجون بيرجر (من بينها ثناءاتٌ من آلي سمث، وسالب پوتر، وجولي كريستي) سيصدر قريبًا عن منشورات زَدْ.

ويتواصل الثناءُ سينمائيًّا في شريط الفصول في كوينسي: أربعُ پورتريهات لجون بيرجر، وقد صُوِّر أواخرَ ثمانيناته؛ وهو كولاجٌ لدردشاتٍ غير رسميّة ونقاشٍ سياسيّ، مع مساهمات لـ : تيلدا سوينتن، والكاتب والمنتِج كولن مكابي، وآخرين. جرى التصوير في قرية أوت ــــ ساڨوا، في مرتفعات الألپ الفرنسيّة، حيث عاش بيرجر أكثرَ من أربعين عامًا. ولا يُظهر هؤلاء المُعجَبون المتنافِسون أنّ الرجل محبوبٌ جدًّا فحسب، بل يُظهرون أيضًا دَيْنًا فكريًّا وراء رغبتهم في شكرهم. ولكون بيرجر ناقدًا، وروائيًّا، وشاعرًا، ومسرحيًّا، وفنّانًا، ومعقِّبًا ــــ وحكواتيًّا في المقام الأول ــــ فقد اعتَبرتْ سوزان سونتاغ أنْ لا نظيرَ له في قدرته على جعل “التنبّهَ إلى العالم الحسّيّ” مواكبًا لـ “إلزامات الضمير.” ولقد غيَّرَ كتابُه، طُرُق الرؤية، وسلسلةُ بي بي سي التلفزيونيّة التي عُرضتْ في العام 1972 استنادًا إلى هذا الكتاب، طريقةَ استجابة جيليْن على الأقلّ للفنّ بسببهما. كما ساهمتْ كتابتُه منذئذٍ ــــ عن الهجرة بالأخصّ ــــ في تغيير رؤية كثيرٍ منّا إلى العالم.

يعيش بيرجر حاليًّا في أنتوني، وهي ضاحيةٌ تَبعد سبعةَ أميال عن باريس، حيث يقيم مع صديقته القديمة نيلا بييلسكي، وهي ممثّلةٌ وكاتبةٌ نشأتْ في الاتّحاد السوڨييتيّ. فتحا [لي] البابَ معًا، وحالما جلسنا لتناول الغداء، التفتتْ إليّ وقالت: “ما ينبغي أن تفهمَه عن جون هو أنّه لا يهتمّ بالتحدّث عن نفسه.” ومع علوّ أصوات الاستحسان، فإنّه يكاد لا يبدو معنيًّا بأيّة جلبةِ إطراءٍ، على عكسِ ما يُفترَض أن يكون عليه الأمرُ. وحين أخرجتُ مسوّدةً طباعيّةً من مزهريّة أزهار برّيّة، راح يقلّبُها بين يديه بدهشةٍ مبتهجة: “هذا رسمٌ لمالينا، حفيدتي،” يقول متعجِّبًا، وهو يتأمّل الأزهارَ ذاتَ السيقانِ المغزليّةِ على الغلاف. ينهض عن الطاولة، ويعود بپورتريه بالألوان الزيتيّة، بحجم ورقة A4. الپورتريه لوجهٍ عصيٍّ على الزمن، مع أنّ مالينا في الثالثة عشرة فحسب (لبيرجر ثلاثةُ أولاد: كاتيا، وجيْكوب، وإيڤ؛ وخمسةُ أحفاد). يثبّت البورتريه إلى جوارنا، فننظر إليها كما لو أنّها [أيْ مالينا] انضمّت إلى مائدتنا. “لو سألتِني مَن أنا،” يقول بيرجر، “سأودّ أن أرى نفسي من خلال عينيْها، بالطريقةِ التي تنظر إليّ.” تحديقتُها واثقةٌ على نحوٍ مُربِك. إنّها تبدو ــــ ونتّفق على هذا ــــ كما لو أنّها تعرف أكثر ممّا بإمكانها معرفتُه أو رؤيتُه.

ثمّة أمران رائعان حيال هذه اللحظة. أوّلُهما، تذكيرٌ بأنّ بيرجر مولعٌ، كدأبه دومًا، بطُرُق الرؤية؛ بأنّه لا يزال قادرًا على التملّص [من التأطيرات]، وعلى تحويل الإدراك إلى تجربةٍ برّانيّة. وثانيهما، أنّ من طبعه الحرصَ على تقدير الفنّان الشابّ الذي رسم حفيدتَه. “ناوليني بطاقةً من تلك الطاولة الجانبيّة،” يقول. ثم يكتب بيده المرتعشة قليلًا والمنحنية على نحوٍ جذّاب: جول لنغلِن. “سيصبح شهيرًا جدًّا يومًا ما.” يعلن ذلك وهو يعيد البطاقةَ إليّ.

على الرغم من أمنية بيرجر في أن يُرى من خلال عينيْ حفيدته، فمَنْ أراقبُه الآن هو بيرجر ذاتُه: صغيرٌ بعضَ الشيء لكنّ وجهَه كبير؛ ومنحوتٌ بشكل أنيق؛ بعينين زرقاوين، وشعرٍ أبيضَ كثيف. كنتُ قد شاهدتُ مؤخّرًا طُرق الرؤية على اليوتيوب، ولَكَمْ هو مذهلٌ مدى السلطة الفكريّة التي لا تزال عليه الحلقاتُ الأربعُ إلى اليوم. لم يكن لدى بيرجر وقتٌ للأبراج العاجيّة؛ فقد كانت طريقةُ رؤيته راديكاليّةً. منذ أربعين عامًا، كان يملك حضورًا كاريزميًّا، ينظر إلى الكاميرا بعينين ثاقبتين وعُبوسٍ متكرّر، كما لو أنّه يوشك دومًا على مخالفة نفسه. كانت تلك النظرة ملائمةً لأنّ ما فعلتْه الحلقاتُ الأربع هو دفعُ الناس إلى إعادة التفكير. ولم يتجنّب بيرجر الصعوبات أبدًا: فقد وصف، مثلًا، كيف أنّ النساء، في الرسم التقليديّ، موجوداتٌ من أجل “تغذيةِ شهوةٍ، لا من أجل امتلاك أيٍّ من شهواتهنّ الخاصة.” وعلى خلاف عمل كينيث كلارك الأرستقراطيّ، الحضارة (1969)، فإنّ طرق الرؤية لم يكن متغطرسًا على الإطلاق. في كلّ حلقةٍ، كان بيرجر يرتدي القميصَ الرائعَ ذاتَه، برسمته الهندسيّة البنيّة على خلفيّة لونِ كْريم. صوته واضحٌ حازمٌ، ويموّه أحرف الـ R. كانت كلماتُه الختاميّة في تلك الحلقات هي: “ما بيَّنْتُه وما قلتُه … يجب أن يُحكَمَ عليه تبعًا لتجربتكم.” وهذا ما كانت تطْلبه منّا كتاباتُه كلُّها.

بالنّسبة إليّ، سيبقى بيرجر دومًا مؤلّفَ إلى الزفاف ــــ وهي روايةٌ مؤثّرةٌ عن مرض الإيْدز، وفيها تطارِد الحقيقةُ التخييلَ؛ ذلك لأنّه اكتشفَ ــــ بعد شروعه في الكتابة ــــ أنّ كُنّتَه مصابةٌ بالإيدز. وحين كنتُ مُحكِّمةً لجائزة “بُوكر” سنة 1995، كانت تلك الرواية، من بين 141 روايةً مرشَّحةً، هي التي أردتُ فوزَها بكلّ قوّة ــــ مع أنّ الوضعَ أفضل ربّما لأنّها لم تفز. فمن المعروف أنّ بيرجير تبرّع بنصف جائزة “بُوكر” لتنظيم “الفهود السُّود” [بلاك پانثرز] في العام 1972، حين نالت روايتُه جي (G) الجائزةَ، وهي روايةٌ ما بعد حداثيّة عن النضج السياسيّ لزير نساءٍ إيطاليّ. كماركسيٍّ عريق (مع أنّه لم يكن يومًا عضوًا في الحزب الشيوعيّ)، عارضَ بيرجر الارتباط التاريخيَّ بين بوكر ماكونيل والعمّالِ الذين جُلبوا إلى الكاريبي [ليحلّوا محلَّ العبيد الأفارقة]. أما النصف الآخر من الجائزة فذهب لتمويل كتابه، رجلٌ سابعٌ، مع المصوِّر الفوتوغرافيّ جان مور، عن العمّال المهاجرين الأوروبيّين، وهو العمل الذي قال منذ صدوره إنّه أكثر عملٍ يودّ أن يحيا بعد رحيله. ويبدو أنّ أحد أعضاء “الفهود السُّود” رافقه إلى حفل بوكر وكرّرَ نصيحتَه له بأنْ “يُبقي الأمورَ هادئة.”

والآن يقلّب بيرجر في المسوّدة الطباعيّة لكتاب مُسامرات، الذي يضمّ مجموعةً من مقالاته ورسومه (ارتاد مدرسة تشلسي للفنون في صباه، حيث درس على هنري مور، كما درَّسَ هناك، قبل أن يعمل ناقدًا فنّيًّا في مجلة نيو ستيْتسمن). نتأمّل الاسكتش الزاهي لنصف دزينةٍ من نباتات الفطر المقلوبة رأسًا على عقب. تحتها، نجد مكتوبًا بخطّ يده: “أراكِ لاحقًا، يا عجّة …” ينسى الناسُ أنّ بيرجر طريف، وفضوليّ، وأنّه يُنصت، وكيف ينصت. على الغداء، تدور الدردشةُ حول الأرضي شوكي، وحول طبقٍ جورجيٍّ مذهلٍ يحتوي على الجوز، ولكنّ هذا يَدفع نيلا إلى التحدّث عن زوجة بيرجر الأميركيّة، بيڨرلي بانكروفت (أمّ إيڤ؛ أمّا الولدان الأكبران فمن زواجٍ سابق)، التي توفّيتْ في العام 2013، وعن مهارتها جنائنيّةً. وهذا ما يدفعني إلى التفكير في المشهد الأشدّ تأثيرًا في الفصول في كوينسي، حيث يحثّ بيرجر توأمَيْ تيلدا سوينتن المراهقَيْن على قطف توت العلّيق لأنّ بيڨرلي كانت تحبّه، فيقترح بيرجر على التوأميْن جمع صورٍ لبيڨرلي، فيندفعان إلى ذلك مباشرةً، ويبنيان ما يشبه ضريحًا منزليًّا، ويلتهمان أطباقًا مليئةً من التوت إلى جانبه. “سعادتُكما ستُسعدُها،” يخبرهما بيرجر. ومع انتهاء الغداء، تهمس نيلا لي، على انفراد، أنّها تُدلّع بيتَها الباريسيّ بـ “فندق سپينوزا،” نسبةً إلى فيلسوف القرن السابع عشر المُفضَّل لدى بيرجر. وقد استهلم بيرجر كتابَه، دفتر رسم بنتو (2011) من سپينوزا، الذي كان عملُه النهاريّ هو صقل العدسات. يفضّل بيرجر ، مثل بطله،عدمَ التمييز بين الفيزيقيّ والروحانيّ؛ فرؤية سپينوزا، كما يُخبرني بيرجر الآن، هي أنّ “كلّ شيءٍ لا يتجزّأ.”

بعد الغداء، ننتقل إلى مكتبه: وكرُ لوحاتٍ، مكانٌ للنور، نوافذُه مُشرَعة على اتّساعها، وتطلّ على أشجار. يحاول تحريك جسده ليرتاح على الصوفا البيضاء؛ فالتهابُ المفاصل في ظهره يصعّب الأمرَ عليه. ككاتب، يمتلك بيرجر تلك الموهبةَ النادرةَ والرائعةَ في تبسيط الأفكار المعقّدة. قال مرّةً، في مقابلةٍ على بي بي سي مع جيريمي آيزاكس، إنّه يحبّ، في عمله كلّه، أن يتّبع نصيحةَ المصوّر الفوتوغرافيّ [الهنغاريّ] روبرت كاپا: “حين لا تكون الصورة جيّدةً بما يكفي، اقتربْ أكثر …” فعينُه على التفاصيل تبقى متفرّدةً ومُدهشةً على الدوام (فكِّروا في ملاحظته الأخّاذة أنّ الأبقار تمشي كما لو كانت ترتدي حذاءً بكعبٍ عالٍ). وتبدو قراءتُه مثلَ التحديق من نافذة ــــ لعلّها مُشابهةٌ لنافذة مكتبه ــــ حيث لا أحدَ يحجب المنظرَ. “تصلني الطريقةُ التي أراقب بها بكلّ طبيعيّة كشخصٍ فضوليٍّ ــــ أنا مثل la vigie ــــ(1) الشخص المراقب على قاربٍ ويؤدّي أعمالًا صغيرة، كأنْ يُلقم المرجلَ مثلًا، لكنني لستُ ملّاحًا؛ بل العكس تمامًا. فأنا أتجوّل في أرجاء القارب، وأكتشف أمكانَ غريبةً: الصّواري، حافّة القارب الجانبيّة العليا. ومن ثمّ أكتفي بالنظر إلى المحيط. إنّ إدراك السفر لا علاقة له بكونك ملّاحًا.”

وُلد بيرجر في ستوك نيونغتن، شمال لندن. كان أبوه، ستانلي، مهاجرًا هنغاريًّا، قَدِمَ من مدينة ترييسته [الإيطاليّة] عبر ليڨرپول إلى لندن، وكان تأثيرُ الحرب العالميّة الأولى عليه رهيبًا، إذ خَدَمَ كضابطِ مشاة، وقُلِّد وسامَ “الصليب العسكريّ.” كان يحبّ الرسمَ، وعلّم نفسَه بنفسه (دفعه الالتزامُ الأبويّ، حين رأى جون يقرأ رواية جويس يوليسيز، إلى مصادرة الكتاب، مع خمسة كتبٍ أخرى، وأقفل عليها داخل خزنته). خلال تصوير فيلم كولن مكابي، الفصول في كوينسي، يُعلّم بيرجر تيلدا سوينتن (صديقتَه لأكثر من عشرين عامًا) كيفيّةَ تقطيع التفّاحة إلى أربعة أقسام وتقشيرها كما اعتاد أبوه، وتفيض مشاعرُه حين يتذكّر كيف أنّ أباه أراده أن يصبح محاميًا، أو طبيبًا، أو جنتلمانًا إنكليزيًّا.

أمّ بيرجر، مريام، وُلدتْ في بيرموندسي، جنوب لندن (عمل أبوها في الميناء حيث كان يعتني بأحصنة عرباتِ معملِ البيرة). كانت تنادي بحقّ المرأة في الاقتراع، وكانت ــــ كما قال بيرجر ــــ “شديدةَ الغموض، شديدةَ التكتّم.” ولكنّها لم تكن تكتم طموحَها أنْ يصبح ابنُها كاتبًا يومًا ما. يفضّل بيرجر تجنّبَ الحديث عن مدرسته الداخليّة، سانت إدواردز، أوكسفورد، التي كان قد وصفها مرةً بكونها “مكانًا مجنونًا” حيث “الساديّةُ، والتعذيبُ، والتنمّرُ … مكانًا وحشيًّا بالمطلق، منظومةً أقربَ إلى التوتاليتاريّة.” أُدخل فيها منذ سنّ السادسة، وهرب حين كان في السادسة عشرة. أكانت المدرسة هي المكانَ الذي فَهم فيه للمرّة الأولى أنّ العالمَ مُجحف؟ “بل أدركتُ هذا في وقتٍ أبكر،” يجيب، “في الخامسة تقريبًا.” ثم يصمت، وأنتظرُ، كَمَنْ يراقب صيّادًا يسحب الخيطَ: “كانت أمّي ــــ من أجل تأمين المال لإرسالي إلى المدرسة ــــ تخبز البسكويتَ والحلوياتِ والشوكولا وتبيعها. لم أكن أراها كثيرًا لأنّها كانت في المطبخ دومًا، تعمل. ولكنْ كنتُ في المطبخ مرّةً، فجاء شابٌّ على درّاجة وطلب لوحَيْ شوكولا. حمَلَتْهما، وأخبرتْه السعرَ، فقال: “أوه، سامحيني. لا أملكُ هذا المبلغ، إنّهما باهظتان جدًّا بالنسبة إليّ،” وخرج من دون شوكولا. صدمتْني تلك الحادثة كثيرًا. لم أُطلق أحكامًا. لم أُطلق حكمًا على أمّي، ولم أُطلق حُكمًا عليه لعدم امتلاكه المالَ الكافي.” يصمت بيرجر قليلًا، “كنتُ أنتظر كارل ماركس فحسب،” ويضحك.

في مقالة بعنوان “وقاحة” (في مُسامرات)، يصف بيرجر المربّية النيوزلنديّة (في روضة الأطفال) التي اعتادت أن تُرسله إلى ما كانت تسمّيه “خزانة البكاء” كلّما بكى. أحيانًا كانت أمُّه تصعد إلى الطابق العلويّ لتطمئنّ إليه وتُشجّعَه، جالبةً علبةً من حلوى فَدْج الشوكولا التي تُعدّها. “المدرسة، بدلًا من أن تواجهني بشيءٍ ما، أكّدتْ لي أمرًا كنتُ قد أحسستُ به من قبل، منذ سنٍّ مبكّرةٍ جدًّا، إذ كان لديّ ذلك الإحساسُ بالقسوة والحاجةِ إلى الجَلَد.”

في العام 1944، التحق بيرجر بالجيش، ورفض تأديةَ مهمّةٍ مع سلاح المشاة الخفيف، التابعِ لأوسكفوردشاير وبكنغهامشاير، ليصبح وكيلَ عريف في معسكر تدريب. فقد فضَّلَ مرافقةَ المُجنَّدين العمّال، الذين أصبح كاتبَهم الخاصَّ، يكتب رسائلَهم إلى عائلاتهم. وبمعنًى ما، فإنّه قد واصلَ القيامَ بهذا الأمر طوال حياته: روايةَ قصص الآخرين كيْ لا تتلاشى [من الذاكرة]. في مقابلةٍ مع سوزن سونتاغ، قال: “القصة مهمّةُ إنقاذٍ دومًا.” كما قال أيضًا (في الفصول في كوينسي): “إنْ كنتُ حكواتيًّا فذلك لأنّني أُنصِت. بالنسبة إليّ، الحكواتيّ أشبه بـ passeur يتسلّم سلعًا مهرَّبةً عبر الحدود.”(2)

في كتابه رجلٌ سابع، الصادر في العام 1975، ويتناول موضوعَ الهجرة، كان حافزُ الإنقاذ واضحًا. يكتب بيرجر في التصدير: “تقديمُ موجز عن تجربة العامل المهاجر وربطُ ذلك بما يحيط به ــــ ماديًّا وتاريخيًّا على السواء ــــ يعنيان فهمًا أدقَّ للواقع السياسيّ في العالم في هذه اللحظة. الموضوع أوروبيّ، [ولكنّ] معناه عالميّ. ثيمتُه هي اللاحرّيّة.” وحين يتأمّل أزمةَ اللاجئين اليوم ــــ التي لم تعد محصورةً بأوروبا ــــ فهل يرى أنّ العالم الأول يعاني إخفاقًا في الخيال؟ برهةُ صمتٍ أخرى، أشبهُ بمنحدرٍ قد يسقط المرءُ فيه، ثم يجيب: “ما هو مُشتَركٌ بين شخصين مختلفين سيبقى دومًا، في جميع الحالات، أكبرَ ممّا يُمايزُهما. ومع ذلك، ولعشرات الأسباب المختلفة، فإنّ الظروف تُعمي الناسَ عن رؤية ذلك.”

وما رأيُه بالبريكست؟ يُرجع ظهرَه إلى الصوفا (وقد انتقلنا الآن من المكتب بتدفئته المفرطة إلى ردهةٍ ألطفَ حرارةً، هي بالأحرى صوفا مُلتفّة) ويعترف أنّه لطالما كان من المهمّ بالنسبة إليه اعتبارُ نفسه أوروبيًّا. ثم يحاول أن يصف لي ما يعتبره الصورةَ الأكبر: “يبدو لي أنّ علينا استعادةَ، أو تلخيصَ، ما كانت تعنيه العولمة، لأنّها كانت تعني أنّ الرأسماليّة، المنظّمات الماليّةَ العالميّة، باتت نظريّةً ولم تعد إنتاجيّةً في المقام الأول، كما أنّ السياسيّين فقدوا كلَّ سلطتهم في اتّخاذ القرارات السياسيّة تقريبًا ــــ أعني السياسيّين بالمعنى التقليديّ. ولم تعد الأمم ما كانت عليه من قبل.” في مقالته “في هذه الأثناء” (وهي المقالة الأخيرة في مناظر)، يشير إلى أنّ كلمة “أفق” تلاشت من الخطاب السياسيّ. ويضيف، بالعودة إلى الكلام على البريكست، أنّه قد “اقترع بقدميْه” منذ زمنٍ طويل، حين انتقل للعيش في فرنسا.

نتحدّث عمّا يعنيه أن يعتنق أحدٌ بلدًا أجنبيًّا ليكونَ له وطنًا، وكيف يمكن أن يحبّ منظرًا كما يحبّ وجهًا مألوفًا. بالنسبة إلى بيرجر، ذلك الوجه هو أوت ــــ ساڨوا. “هذا هو المنظر الذي عشتُ فيه عقودًا [لم يغادر إلّا بعد وفاة بيڨرلي؛ ولا يزال ابنُه إيڤ يعيش هناك مع عائلته]. إنّه يعنيني لأنّني، طوال هذا الوقت، عملتُ هناك مثلَ فلّاح. أوكي، فَلْنَدَعِ المبالغة جانبًا. لم أبذلْ جهدًا كما بذلوا في عملهم، ولكنّني عملتُ بجدّ، وقمتُ بالأعمال ذاتها شأن الفلّاحين، وعملتُ معهم. كان هذا المنظر جزءًا من طاقتي، جسدي، من رضاي وانزعاجي. لم أحببه لأنّه كان مشهدًا، بل لأنّني شاركتُ فيه.”

يفسّر: “عادةً ما تُنسى الصّلةُ بين الوضع البشريّ والعمل، وهي كانت دومًا شديدةَ الأهميّة بالنسبة إليّ. في سنّ السادسة عشرة، ذهبتُ إلى منجم فحمٍ في ديربيشاير وقضيتُ نهارًا عند نهاية نفق المنجم، مكتفيًا بمراقبة العمّال. كان للأمر تأثيرٌ هائل.” بمَ أشعركَ ذلك؟ “بالاحترام،” ردّ بهدوء. “الاحترام فحسب. ثمّة نوعان. احترامٌ متعلّقٌ بالمراسم، وهو ما يحدث حين تزورين مجلسَ اللوردات؛ واحترامٌ مختلفٌ تمامًا مرتبطٌ بالخطر.” يقول: “ليست هذه وصفةً للآخرين، ولكنْ حين أستعيدُ حياتي أظنّ أنّ من الأهميّة بمكان أنّني لم أدرس في جامعة على الإطلاق. لقد رفضتُ الذهاب إلى هناك. كثيرون ألحّوا عليّ بالذهاب ولكنّني قلت لهم، ´لا. لا أريد ذلك`، لأنّ تلك السنوات في الجامعة تصوغ طريقةَ تفكيرٍ بأسْرها.” وهل تشعر أنّك متحرّر من ذلك؟ “نعم،” يجيب.

بيرجر ــــ وعلى نحوٍ ملائم إنْ أخذْنا عملَه مع الفلّاحين في الاعتبار ــــ يعني “الراعي” بالفرنسيّة (بيرجيه). هل يعتبره الفرنسيّون فرنسيًّا مثلهم؟ “لم يكن لكتابتي في فرنسا تأثيرٌ كبير. البلدان التي أحظى فيها بقراءة أوسع هي إسبانيا، وأميركا اللاتينيّة، ومؤخّرًا ــــ ويا للغرابة ــــ تركيا … وإيطاليا.” كما أنّه لم يتطابق مع كنيته، باستثناء “أنّني أحيانًا آخذ شاةً مهتاجةً في صندوق سيّارتي السيتروين 2CV لتلتقيَ كبشًا.” أقول إنّنا لا نسمّي هذا رعْيًا، بل ندعوه باسمٍ آخر. يضحك. إنّه رجلُ أفعال: كان إلى ما قبل شهورٍ خلت (وهو الثمانينيّ الجسور) ما يزال يركب درّاجةً ناريّةً. تخبرني نيلا أنّهما يأملان أن لا يطول الأمرُ قبل أن يعود إلى الدرّاجة… والسباحة. فبيرجر سبّاحٌ مواظب، وهو يتحدّث، في مُسامرات، على نحوٍ رائع، عن ديمقراطيّة السباحة: عن أناس خلعوا زوائدَهم الدالّة، وراحوا يقطعون المسافات. “حين تسبحين،” يقول، “تصبحين عديمةَ الوزن تقريبًا. ولانعدام الوزن هذا سمةٌ يشترك فيها مع الفكر.” وثمّة وصفٌ رائعٌ آخر في دفتر رسم بنتو ، لصداقةٍ تجمعه بامرأةٍ كمبوديّةٍ، وكانا يرتادان المسبح الباريسيَّ ذاته. فلقد أعطته لوحةً لطائر، ويؤكّد أنّها علّمتْه شيئًا عن معنى ألّا يكون لك وطن.

مع اقتراب بيرجر من التسعين، يحسّ أنّ طريقة رؤيته إلى الأمور ــــ ويا للمفاجأة ــــ لم تتغيّرْ إلّا قليلًا، مع أنّ التكنولوجيا، كما يشير، قد غيّرت الطريقةَ التي تكتشف الأجيالُ الشابةُ الفنَّ من خلالها. ويعترف، عندئذٍ، بولعه بالرسائل النصّيّة: “كنتُ معجبًا بها لفترة طويلة لأنّها تشبه الهمسات، ومعها نجد الحميميّةَ والتكتّمَ والهزلَ …” ولكنْ ليس ثمة ما هو ثابتٌ في طريقة رؤيته للأشياء؛ فهو يؤمن أنّ المرء لا يرى الصورةَ ذاتَها مرّتين: “المرّة الثانية التي رأيتُ فيها لوحةَ مذبح إيزنهايمر لـ[ماتياس] غرونيڨالت كانت بعد هجومٍ إرهابيّ؛ كانت اللوحةَ ذاتَها ولكنّني رأيتها على نحوٍ مختلف.” وقد تغيّرتْ أهميّةُ فنّانين بعينهم أيضًا؛ فقد بات يُجلّ [أميديو] موديغلياني أقلّ، ويُعجب بـ[دييغو] بيلاثكيث أكثر: “حين يكون المرءُ شابًّا، فإنّه يحبّ الدراما، الإثارةَ، الزهوَ ــــ وليس لدى بيلاثكيث أيٌّ منها.”

ككاتب، لطالما كانت لدى بيرجر موهبةُ جعل الغيابات حاضرةً. أبإمكانه أن يستعيد، في ذهنه، الناسَ الذين فقدهم؟ “نعم، نعم، نعم … إنّهم حاضرون جدًّا.” أُخبرُه عن مدى تأثّري بمقالته “كاركوف” (في مناظر)، حيث يتذكّر معلّمًا نيوزلنديًّا، اسمُه كِنْ، كان صاحبَ تأثيرٍ هائلٍ عليه. تغرق عينا بيرجر بالدموع تأثّرًا أثناء كلامي. كان كِنْ هو مَن أخبره أنّ عليه، كلّما عجز عن النوم، أن “يتخيّل أنّه يخلط دستةً من أوراق اللعب” ــــ وهذه نصيحة ما يزال بيرجر يتّبعها. كما علّمه كِنْ حيلةً (لم تعد مفيدةً الآن) للدخول إلى حانةٍ والحصول على مشروبٍ إنْ كان تحت السنّ القانونيّة: “لا تنظرْ إلى الخلف … لا تتشكّك ولو للحظة. فقط كن أكثر ثقةً بنفسك منهم.” ونصحه كِن أيضًا بألّا يشفق على ذاته: “كلّما أوشكتُ على الغرق في الشفقة على الذات، أحوّلُ هذا الإحساس إلى غضبٍ هائج. حتى في سنّي المتقدّمة هذه، لا أزال قادرًا على الغضب الشديد.”

ولكنّ أكبرَ نقطة قوّة لبيرجر في شيخوخته هي قدرتُه على العيش في الحاضر. “لقد صقلتُ هذا منذ وقتٍ مبكّر ــــ وهذه هي المفارقة، لأنّها كانت تملُّصًا من الوصفات والنبوءات والعواقب والمسبِّبات.” اللحظة الحاليّة هي مفتاحٌ لتفكيره أيضًا. في طُرق الرؤية، يقترح أنّ اللوحات تجسِّد الحاضرَ الذي رُسمتْ فيه. ويُعرّف سرَّ القراءة بصوتٍ عالٍ بالقول إنّه “رَفْضُ النّظر قُدُمًا، بل أن تكون داخل اللحظة.” ويقول إنّ القصة تضع المُنصِتَ إليها “في حاضرٍ أبديّ.” كما كتب أيضًا عن دائريّة الزمن. أيظنّ أنّ هذا ينطبق على حياةِ الفرد؟ أهناك، في الشيخوخة، طريقةٌ يمكن أن يعانق فيها المرءُ ذاتَه الأصغرَ سنًّا؟

“الزمن دائريّ. وفي ما يخص پورتريه مالينا تلك، فذلك ما أحسُّ به بالضبط.” يقترح عليّ التقاطَ صورةٍ للوحة، فنحملها إلى حيث ضوء الشمس، ونسندها إلى ظهر كرسيّ. أقول إنّ الأوبزرڨر ستحتاج إلى صورةٍ تُنشَر مع المقابلة، فيسألني بعبثٍ صبيانيٍّ: “ألا يمكننا استخدامُ صورتها بدلًا من صورتي؟”

حين بلغتُ منزلي، وحينها فقط، أدركتُ أنّني نسيتُ أن أسأله كيف سيقضي عيدَ ميلاده. أرسلتُ إليه رسالةً نصّيّةً فاتّصل بي مباشرةً. “اسمعي،” يقول، “أحسُّ بامتنان ٍشديدٍ لأنني بلغتُ التسعين ــــ يا له من رقم! ــــ ولأصدقائي بسبب رغبتهم في الاحتفال [بي]، ولكنّي أخبرتهم أنّ ما علينا فعلُه في ذلك اليوم هو الصمت. عيدُ ميلادي ينبغي أن يكونَ مثل أيّ يومٍ آخر.”

*كيت كيلاوَيْ (Kate Kellaway): صحافيّة وناقدة أدبيّة إنكليزيّة، تنقّلتْ بين عددٍ من الدوريّات الأدبيّة البريطانيّة، قبل أن تستقرّ حاليًّا في صحيفة أوبزرڨر، محرِّرةً مساعدةً في النقد المسرحيّ. نُشرت المقابلة في 30 اكتوبر 2016 في صحيفة الغارديان: https://www.theguardian.com/books/2016/oct/30/john-berger-at-90-intervie…

1- بالفرنسيّة في الأصل، وتعني “مراقب الرحلة” أو “مراقب البرج.” [المترجم]

2- بالفرنسيّة في الأصل، وتعني “مهرّب” أو “مراكبيّ.” [المترجم]

جون بيرجر (1926-2017)

ولد بيرجر في لندن عام 1926.خدم في الجيش البريطانيّ بين العامين 1944 و1946، قبل أن يدخل مدرسة تشلسي للفنون ومدرسة الفنون المركزيّة في لندن، ويصبح رسّامًا، ثم ناقدًا فنيًا في مجلة نيو ستيتسمن. جاهر بماركسيّته منذ شبابه حتى آخر لحظة في حياته، وكان الفنّ إحدى وسائل نضاله، من دون أن يتخلّى عن رسالته الجماليّة. ومن بين عشرات الروايات والمسرحيّات والكتب الأخرى، كان كتاب طرقُ الرؤية (1972) أشهرها ربما، إذ لا يزال أحدَ أهمّ الكتب في العالم، ويحظى بمقروئيّة وحضورٍ واسعَيْن بعد ما يقارب نصف قرنٍ على كتابته. كما كان بيرجر أحد أقوى المُناصرين لحملة مقاطعة إسرائيل وفرض العقوبات عليها وسحب الاستثمارات منها (BDS).

| الآداب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق