ثقافة المقال

من أعراب لورانس إلى عرب أوباما

د / عبد العالي رزاقي

حدث أن تفكر بصوت مرتفع حين لا ينفع التفكير بصوت منخفض. ويحدث أن تتذكر الآية 96 من سورة التوبة “الأعراب أشد كفرا ونفاقا” أو الآية 97 “ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربّص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم”. وما  ينسب  إلى  ابن  خلدون  من  القول : ” إذا  عُرّبت  خُرّبت ” قد  يدخل  في  سياسة  ” الفكر  الأعرابيّ “.

لقد جاء الإسلام لينهي سلطة الأعراب وينقل السلطة المركزية إلى المدينة. كانت المئة سنة من حكم الأمويين بداية نقل السلطة الدينية من بني هاشم إلى “بني سفيان” الذين وجدوا في حديث محمد صلى الله عليه وسلم (من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن..) ممرّا لإبعاد “أهل البيت”، لكنهم لم يسهّلوا عملية استرجاع القبائل والأعراب سلطتهم التي فقدوها مع انتشار الإسلام في العالم، والمفارقة هي أنه بداية القرن العشرين حين قامت الخلافة العثمانية بدورها الريادي في بناء الدولة الإسلامية، وبدأت تعمل على ربط الوطن العربي والإسلامي بأوروبا عبر مشروع  السكة  الحديدية  الممتد  من  أوروبا  إلى  بغداد  بدعم  ألماني  ” استيقظ  الأعراب  من  سباتهم “.

بداية  ” الإرهاب ” بأيدي  ” أعراب  لورانس “

إذا كان الإرهاب الديني ارتبط بالكنيسة الإسبانية لاستئصال المسلمين الإسبان، فإن الإرهاب السياسي بدأ على يدي لورانس العرب عام 1915م، حين تنبهت أوروبا إلى خطر “التحالف الإسلامي الألماني”، وراحت مخابرها تبحث عن أفضل السبل لتفكيك هذا التحالف، والقضاء على الخلافة  الإسلامية  في  تركيا  وتعويضها  بتحالفات  إقليمية  على  أسس  ” قومية ” أو  عرقية،  وكان  لكمال  أتاتورك  دور  ريادي  لتفكيك  ” الدولة  الإسلامية ” وقيام  الدولة  القطرية . وعزف  لورانس  على  وتر  القبيلة  أو  الأعراب  منطلقا  من  تضليل  الرأي  العام  بالقول : إن  الإسلام  جاء  بلسان  عربيّ  والعرب  أحق  من  غيرهم  بقيادته .* وهي الفكرة التي زرعها لورانس في ذهن الشريف حسين باعتباره من البيت الهاشمي. ولما كانت العلاقة بين لورانس والشريف حسين تكاد تكون “حميمية” حسب المصادر التاريخية، وأن التواصل بينهما كاد أن يصل إلى غرف النوم، فقد استطاع لورانس أن يتغلغل بفكره داخل الأعراب. وكان  وراء  هذه  الفكرة  وزيرا  خارجيتي  بريطانيا  وفرنسا  وهما  ( سايكس  وبيكو ) ،  فتحركا  لدعم  الفكرة  بتشجيع  الأعراب  على  ضرب  السكة  الحديدية،  في  شكل  عصابات  بما يسمى  حاليا  بالمجموعات  الإرهابية  على  رأسها  أمراد .

إن  عجز  الخلافة  الأموية  في  تمكين  الأعراب  من  استرجاع  هيبة  زعمائهم  والقبائل  الأخرى  أدّى  إلى  التناحر  بين  المماليك . والسؤال الذي  بقيت  إجابته  معلقة  لدى  المؤرخين  هو : لماذا  لم  ينصب  الشريف  حسين،  باعتباره  من  سلالة  أهل  البيت  على  الحجاز  ونصب  على  الأردن؟ يحدث أن تفكر بصوت مختلف فنقول إن الإجابة لا تحتاج إلى البحث عنها في كتب المؤرخين، لأن الإجماع حول أهل البيت سيعيد مجد الخلافة الإسلامية ويضعها في مكانها الطبيعي، وهي بلاد الحجاز، وسيلتف العالم الإسلامي حول بني هاشم. وبالتالي فالخلافة الإسلامية العثمانية ستنقل سلطاتها من تركيا إلى الحجاز، وتصبح الدولة الإسلامية قادرة على مواجهة الدولة المسيحية الغربية. كان لا بد للغرب أن يعيد الدولة الإسلامية إلى ما قبل الإسلام لتمكين قيام كيان جديد وهو إسرائيل، في مواجهة كيانات “سايس بيكو”.

الحقيقة التي يتستر عليها الجميع هي أن السعودية بما تملك من مقدسات دينية وإمكانيات مادية ودعم خارجي لم تستطع أن تقود “الدولة العربية الإسلامية” رغم توافد الملايين من المسلمين عليها سنويا خلال الحج والعمرة، والعجز لا يكمن في طريقة تسيير السلطة أو إدارة المال العام وإنما في أصول السلطة. لقد وجدت بريطانيا وفرنسا في فكرة إحياء العنصر العربي منفذا لإسقاط الخلافة الإسلامية، وتفكيك الدولة العربية إلى دويلات، وقيام الدولة الصهيونية. فهل ستتحول إلى “دولة يهودية”؟

يبدو لي أن أمريكا وجدت فيما يسمى بدول الاعتدال ما يدعم فكر “أعراب لورانس” وهي البحث في المذاهب الإسلامية عما يسقط الدولة الإسلامية الإيرانية، فهل سيكون أوباما عرّاب “الأعراب” بإثارة النعرات المذهبية، بعد نجاحها في العراق في إسقاط الرئيس صدام حسين، وهل سيكون  المذهب  الوهّابي  بداية  المواجهة  بين  السنة  والشيعة  انطلاقا  من  مصر  والسعودية؟

يتبع ( 2 )

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق