ثقافة السرد

قصةُ ولادةِ “معجمٍ الاستشهادات”

أو القبض على عصفور السعادة

بقلم: الدكتور علي القاسمي

​في عام 1987 كنتُ مديرا لإدارة التربية في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسبسكو) التي تتخذ من العاصمة المغربية، الرباط، مقراً لها. وكنتُ أعمل في المنظمة منذ إنشائها عام 1982، وكان عدد العاملين فيها آنذاك محدوداً وعلينا أن نثبت مصداقية المنظمة ونبرهن على فائدتها العملية للدول الأعضاء، خاصَّةً أنَّها تحمل اسماً مشابهاً لمنظمتين أُخريين هما اليونسكو والألكسو، فكنا نواصل العمل ليلاً ونهاراً.

​وكان مديرنا العام حينذاك المفكِّرَ العربيَ رجلَ الدولة المغربي عبد الهادي بوطالب، الذي كان يثق بي ويشملني بعطفه ويعاملني معاملة الأخ الأصغر أو الابن، ما جعلني أضاعف من جهودي لأظلّ عند حسن ظنه. وكانت لي الحرِّية شبه الكاملة في اختيار البرامج، ووضع خطوطها الرئيسة، وتحديد خطوات تنفيذها، واختيار الدول الأعضاء الآسيوية أو الأفريقية التي تستفيد منها، وتعيين الخبراء الميدانيين، وغير ذلك من الإجراءات التي يتطلَّبها تنفيذ البرامج.

وكثيراً ما كنتُ أسافر بنفسي إلى الدولة المستفيدة، إمّا لوضع ترتيبات التنفيذ أو الإشراف على العمل وتوجيهه، أو لتقييم النتائج المحصَّل عليها، إضافة إلى كتابة كثير من المواد التعليمية التي تحتاج إليها بعض البرامج مثل تأليفي كتاب ” التقنيات التربوية في تعليم العربية للناطقين باللغات الأخرى” الذي كنا نستخدمه في الدورات التدريبية التي تعقدها المنظمة لفائدة مشرفي وأساتذة اللغة العربية في الدول الأعضاء غير الناطقة بالعربية. وهكذا كنتُ في عملٍ متواصلٍ، وحركةٍ دائبة، وحلٍّ وترحال. فكنت أجد نفسي في ماليزيا شرقا والسنغال غربا في شهر واحد.

في مثل هذا الوضع، قد يُصبِح المرءُ معرَّضا لجميع الاحتمالات والأخطار ما خلا شيئاً واحدا. إنَّ رجلا في مثل وضعي ذاك قد يتعرض للنجاح أو الفشل، أو لحادث سفر أثناء ترحاله، أو قد يمسي هدفاً لغَيْرةِ الآخرين وحسدِهم أثناء ممارسته وظيفتَه، أو لأيِّ شيءٍ آخر. ولكن لا يخطر على بالِ أحد أبداً، ولم يخطر على بالي شخصياً، أنَّ رجلاً يقوم بمثل تلك الوظيفة المليئة بالنشاط والحركة والعمل والاتصال الدائم بالآخرين، يُصاب بشيء اسمه السأم أو الضجر أو الملل. فالقاعدة المعتمدة هي أن النشاط والضجر على طرفي نقيض، فهما لا يجتمعان أبدا. ومع ذلك فقد أُصِبت بشيءٍ من ذاك. ترى، هل كانت حالتي هي الاستثناء الذي يؤكِّد القاعدة، كما يقول الفرنسيون؟

لا أدري كيف حلّ برَبعي هذا الضيف الثقيل الذي يسمونه السأم! فأنا لم أعرفه فيما مضى من حياتي، ولم أكن أتوقع ملاقاته فيما يُقبل من حياتي. وليس في ماضيِّ ما يشجعه على القدوم، ولا في فضائي النفسيّ ما يغريه بولوج عالمي.

في بداية الأزمة أخذتُ أُحسّ بأنَّ ما أفعله ليس بالشيء الجديد، لا إبداعَ فيه، ولا قيمةَ له، ولا فائدةَ تُرجى من ورائه، على الرغم من أنني كنتُ أحرص كلَّ الحرص على تطوير أعمالي لتتسم بالجدَّة، والابتكار، والفاعلية، فكنتُ أُخضعها خطوةً خطوةً للأهداف الإجرائية التي كنت أحدِّدها بعد مسحٍ للحاجاتِ الفعلية، في ضوء ما تعلَّمتُه في أمريكا من دروسِ التخطيط وحلِّ المشكلات.

ثمَّ أخذ هذا الشعور القاسي المؤلم يمدُّ أذرعه مثل أخطبوط كريه إلى كياني وذاتي. راح يسيطر على عقلي وتفكيري، ويصيب حواسي بنوع من المرض لا ينفع معه دواء، فأَضحت الأشياء تبدو قاتمة لعينيّ، لا رواء فيها ولا بهاء، وأمست أذناي تسمعان الغناء نواحاً وأنيناً، لا موسيقى فيه ولا إيقاع، وفقدَ الطعامُ مذاقَه في فمي تماماً، لا ملوحة فيه ولا حموضة ولا حلاوة. شيءٌ لا طعم له ألوكه بصورةٍ آليةٍ ممجوجةٍ بين فكَيَّ وأزدرده مُكرَهاً، مثل دواءٍ مُرٍّ تعافه نفسي. حتى الماء، في عزّ الصيف فقدَ عذوبتَه فكرهتُه. أمسى كلُّ شيءٍ في حياتي باهتاً لا لون له، وماسخاً لا طعم له، وقبيحاً لا جمال فيه، حتّى أنَّني كدتُ أصرخُ كما صرخَ نجيب محفوظ في إحدى رواياته: ” أينَ محطةُ الموت لأغادر مركبةَ الحياةِ المُملَّة؟!”

غدوتُ أخشى من أنني مصابٌ بنوع من الكآبة كذلك الذي أودى بحرية الكاتبة اللبنانية الفلسطينية المصرية، مي زيادة، وألقى بها في غياهب مستشفى المجانين. كنت أتوجَّس فقدان عقلي، وأخشى اقتراب نهايتي، وأنا في زهرة العمر.

ما الذي يجب أن أفعله لأنقذ نفسي من مخالب هذا السأم الساخط المفترس؟ لم تنفع صلاتي ودعائي وتضرعي إلى الله أن يخلّصني من شرور النفس، من هذا الوسواس الخناس، من هذا الشيطان اللعين الذي حلّ في الزوايا المظلمة من روحي، وتحصَّن في المخابئ الدفينة من ذاكرتي، وتمترس في أطلال ذاتي. نعم أطلال ذاتي، لأنني كنت أحس أن نفسي أصيبت بشرخ كبير وأنها كانت تتشظَّى مثل مرآة مهشمة، ولا أستطيع تجميع شظاياها حتى لو أمضيت العمرَّ كله، أو ما تبقى منه، في محاولة بائسة يائسة.

وذات مرَّة، خلوتُ بنفسي في المساء. أحسستُ أنَّ دمعةً ساخنةً تكاد تنساب من عيني اليسرى. أهبت بنفسي أن يؤول بي الحال إلى البكاء، كما تبكي النساء، كما يبكي الوليد. زجرتُ نفسي عن فعلٍ لا يليق بالرجل الذي ينبغي أن يتحلّى بالصبر، ويتَّصف بالبأس والشجاعة، ويتسلَّح بالإباء والكبرياء. أمّا إذا استسلم للبكاء، فإنَّه يُؤاخَذُ، يُلامُ، يُعذَلُ، يُعابُ. فبكاءُ الرجلِ نوعٌ من الإثم، شيءٌ شبيه بالغي. فزجرتُ نفسي زجراً شديداً. ولكن حدث عكسُ ما توخّيتُ، فقد سال الدمعُ من كلتا عينيّ. وتذكّرت قول الشاعر:

بكتْ عيني اليسرى فلمّا زجرتُها … عن الغيِّ، أسبلتَا معا

تُرى هل كان هذا السأم أو الملل في الحياة نتيجة شعوري أنَّني حقَّقت جميعَ طموحاتي المتواضعة، فملكتُ ما أردتُ امتلاكه من شهاداتٍ ووظائفَ ومتاعٍ متواضع. هل كانت طموحاتي محدودة وغايتي قريبة، فلما بلغتها انتهى الشوط بالنسبة إليّ، ولم يعُد ما يدعوني لمواصلة الجري؟ عقدتُ العزم على أن أفعلَ شيئاً لأنقذ حياتي، أو بالأحرى ما تبقّى من حياتي. ولملمتُ وريقات نفسي التي بعثرتْها ريحُ الأزمة الهوجاء، وجمَّعتُ ما بقي من أوشال عزيمتي، وفتشتُ في الركام عمّا ظلَّ من إرادتي، وأعملتُ الفكر، وأجهدتُ الذهن، لأجد الحلّ.

وفي تلك الفوضى العارمة، حينما كان كلُّ شيء ضبابياً لا يَبينُ جوهرُهُ ولا تتضح ماهيتُهُ، رأيتُ، أو ظننتُ أنَّني رأيتُ، أنَّ أفضلَ شيءٍ أفعلُه هو أنْ أتركَ كلَّ شيءٍ، أن أتخلى عن جميع ما أملك، أن أرمي شهاداتي في القمامة، شهادات علوم لم تنفعني عند الحاجة ، أن أغادر مكاني، وأبدّل عاداتي، وأغيّر هواياتي، وأتنازل عن وظيفتي وحقوقي وواجباتي، وأودّع معارفي وأصدقائي، وأهجر أحبائي، وأنجو بنفسي إلى أبعد نقطةٍ أعرفها أو لا أعرفها، هناك هناك قد أعثر على بصيصِ أمل، بعيداً عن ظلامِ الضجر، هناك قد أجد شعاعَ دفءٍ يذيب جليدَ الجمود وثلوجَ السأم. لا بدّ أن أبدأ من جديد تماماً، كما ولدتني أمّي أوَّل مرَّة، عاريا من ماضيّ، خالعاً عني أرديتي الرثة، واضعاً على كاهلي رداء جديداً بلون جديد، ومقاسات جديدة، وزخرفة لا عهد لملابسي البالية بها.

قلتُ في نفسي لأدرس من جديد تخصَّصاً لم أمارسه سابقاً، في جامعة لم تطأها قدماي من قبل، لأدرس العلوم القانونية، أي لأواصل الدراسات العليا في العلوم القانونية التي كنتُ قد نلت شهادة الليسانس فيها، ولأتخصَّص، مثلاً، في القانون الدولي، لأضيعَ في متاهة علاقاتٍ غير متكافئة بين ذئاب شرسة، وأًحْمال مستضعفة لا قدرة لها على الدفاع عن نفسها.

وتقدَّمت بطلبِ قبولٍ إلى جامعة هارفرد في الولايات المتحدة، وحصلتُ على قبولٍ ومنحةٍ لدراسة الدكتوراه في القانون الدولي. وفرحتُ بالقبول، وظننتُ أنني وجدتُها، وتوهَّمتُ أنني أتيتُ بما لم تستطِعْهُ الأوائلُ. ولم يبقَ عليّ إلا أن أذهب إلى المدير العام واقدِّم استقالتي وينتهي كلُّ شيء ويبدأ كلُّ شيء.

واستأذنتُ في الدخول على المدير العام. وكان يعرف أنَّ من عادتي أن لا أراه إلا لأمر هامّ جداً، لأنه خوَّلني باتخاذ جميع القرارات اللازمة لعملي، ولأنه رجلٌ مشغولٌ جداً فهو المدير العام لمنظمة ناشئة، وفي الوقت نفسه مستشار الراحل الملك الحسن الثاني، عاهل المغرب آنذاك، ومنسق البرنامج الدراسي الجامعي لولي العهد حينذاك الأمير سيدي محمد (الذي أصبح الملك محمد السادس)، وأستاذُ القانون الدستوري والقانون الدولي في كلية العلوم القانونية والاقتصادية بالرباط، وكاتبٌ تُنشَر مقالاته الأسبوعية في ثلاث صحفٍ عربية، ومؤلِّفٌ، ورجلُ أعمال، وهذا غيض من فيض.

سلّمتُ على الرجل وأنا واقف أمامه وبادرته بالقول:

ـ معالي الأستاذ، أتيتُ لأقدم استقالتي.

ـ لماذا؟

ـ لأعود إلى مقاعد الدراسة.

ـ لماذا؟

ـ لأبدأ حياة جديدة

​ـ لماذا؟

​ـ لأنني لستُ سعيدا حالياً.

وهنا أشار إلى كرسي، فجلستُ. صمتَ قليلا، فرأيتُ في السكون الذي يحيط به، الهيبةَ التي ترتسم على وجهه، والنظرة النافذةَ التي تلمع في عينيْه، والحزم الظاهر على شفتيْه المطبقتين. رأيت في جميع ذلك علمه الغزير وخبرته الطويلة، رأيت كل ذلك يطلّ من نافذتَي عينيْه. فهذا الرجل كان زعيماً في أحد الأحزاب التي ناضلت لتحرير المغرب من الاستعمار الفرنسي. وبعد الاستقلال، أصبح وزيراً في الحكومات المغربية إحدى عشرة مرَّة، وتقلّب في وزارات متعددة: الأشغال، العدل، التربية، الخارجية، الإعلام، إلخ. وصار رئيساً للبرلمان، وسفيراً لبلاده في أمريكا والمكسيك وسورية.. وبكل خبراته الطويلة وجَّه إليّ سؤالاً بسيطا عجزتُ عن الإجابة عليه، بل عجبتُ لأنَّ هذا السؤال لم يطرأ على بالي عندما كنتُ أقلّب جميع الاحتمالات لشهور عديدة. لم يرد هذا السؤال في خلدي، ولا في خضم التفاصيل العديدة التي درستُها استعداداً لسفري. كان سؤاله ببساطة:

​ـ هل تظنُّ أنَّكَ ستجد السعادة في مكانٍ آخر؟

​فاجأني السؤال، وعَييتُ في الكلام، وعجزتُ عن الجواب. ولكن حتى لو كنتُ قد فكّرت في هذا السؤال من قبل فليسَ من جوابٍ لدي عليه، لأنه لا شيء يضمن أنني سأكون سعيداً في أمريكا، أو مسروراً بدراساتي الجديدة. لا شيء يؤكّد ذلك البتة، حسب علمي. وهل هنالك شيء مؤكَّد في العِلم نفسه؟ بل هل ثمَّةَ شيءٌ ثابت في الوجود كلِّه، ما دامت حياةُ الإنسان ذاته مجرَّدَ وجود مؤقت زائل؟ بلى، إنَّ الشيءَ المؤكَّد الوحيد أنْ لا شيء مؤكَّداً على الإطلاق في عالمنا الفاني.

​(أكتب هذه السطور وأنا أسافر في طائرة من نوع إيرباص 320 تحلق على ارتفاع 11.800 متر وتسير بسرعة أرضية مقدارها 980 كيلومترا في الساعة. وعلى المسند أمامي فنجان قهوة، وفجأةً أخذت القهوة تترجرج وتتموج في الفنجان، وأخذ المسند يهتز بقوة تحت قلمي فراح يتخبَّط، وأخذت الحروف التي أخطُّها تنبعج ويختلط بعضها ببعض. وهنا أعلنت المضيّفة أنَّ الطائرة تمرُّ في منطقة اضطرابات جوية، وطلبتْ من المسافرين أن يشدّوا أحزمة الأمان. وعند ذاك تساءلتُ في نفسي، ما إذا كنتُ قبل خمسة عشر عاماً أمرّ، أنا الآخر، في مرحلة اضطرابات نفسية بحيث اختلطت عليّ الأمور ولم أتبينْ موطئ قدمي، ولا اتجاه الريح، فحلّقتُ بعيداً عن السرب، دون أن أشدَّ حزام الأمان في الوقت المناسب وقبل فوات الأوان؟)

وفكرتُ في الإجابة على سؤال المدير العام:

ـ وهل تظنُّ أنكَ ستجد السعادة في مكان آخر؟

​وبحثتُ عن جواب فلم أجد، وكلّ من يبحث عن اللاموجود، في اللامحدود، يعود بلا مردود. وأطرقت برأسي أمامه ولم أَفُه بكلمة. ويبدو أن الرجل عطف عليّ، ورحم حيرتي، فزودني بالدليل. وَهَبني شمعةً لأبحث عن الجواب الصحيح في الظلمة التي خيّمت على روحي، فقد قال:

ـ ابحث عن السعادة في نفسك ذاتها.

وتعاظم صمتي. فقد طلب مني أن أفعل شيئاً قد أعجز عنه. طوال خمس سنوات من العمل كنتُ أنفِّذ تعليماته فوراً، أبادر إلى العمل حالما أتلقى توجيهاته. أما الآن فأنّا جامد في مكاني لا أتحرَّك. فكيف أجيبه إلى ما طلب في الحال؟ كيف أعثر في لحظة واحدة على سعادة فقدتها في خضمٍ لُجيٍّ واسعٍ متلاطمِ الأمواج منذ شهور طويلة، إن لم تكُن سنوات عديدة. ولا شكَّ في أن العجز قد ظهر على ملامح وجهي المرهقة، إذ رأيت المدير العام يعتدل في جلسته، وكأنه على وشك أن يتخذ قراراً، فرجل الدولة يصنع القرار في حين يحوم حوله الآخرون ويعجزون عن الاقتراب منه أو الإمساك به. ها هو يقرِّر نيابة عني:

ـ تمتع بعطلة مدتها ثلاثة أسابيع. اجلس في دارتك على شاطئ البحر. وفكّر في كيفية تحقيق السعادة لنفسكَ، بل حتّى لغيركَ إنْ استطعت.

بوذا فعل الشيء نفسه ولكنَّه أمضى عدَّة سنوات في التأمل قبل أن يضع قواعده العشر لبلوغ السعادة. ولكن المنظَّمة لا تستطيع الاستغناء عن عملي أكثر من ثلاثة أسابيع. ستتراكم الأعمال، وسيتوقَّف تنفيذ البرامج إنْ طالت عطلتي.

ثمَّ وقف المدير العام، ومدّ يده مودعاً.

​إذن انتهت المقابلة. الكرة في ملعبي، كما يقول هواة كرة القدم. لماذا أعطاني عطلة ثلاثة أسابيع دون أن أطلبها؟ هل أنا في حاجة إلى الراحة؟ هل يبدو الإرهاق على ملامح وجهي؟ هل كنتُ أنغمس في العمل بلا حساب وبلا فترات استراحة؟ هل ذلك الإجهاد هو سبب الاكتئاب الذي أصابني؟ هل أخطأتُ في تشخيص حالتي فسمَّيتُ الاكتئابَ ضجراً أو مللاً؟ كانت تلك الأسئلة تطنُّ في رأسي وتدور، كما لو كانت خلية نحل مذعورة، كورة زنابير هائجة، تلسعني في كلِّ بقعة من دماغي. يا إلهي!

​وخرجت لأمتطي سيّارتي، وأنا أردد: أنا متعب، أنا مُجهد، أنا مرهق، إنني في حاجة إلى الراحة. وتوجَّهت إلى دارتي في شاطئ الهرهورة. وهناك، جلستُ وحيداً في الشرفة. لا أحد معي، لا شيء يستدعي انتباهي، لا مذياع ولا تلفزيون ولا تلفون. ولأوَّل مرَّة منذ سنوات لا أذكر عددها، أضربتُ عن القراءة والكتابة اللتين كانتا ديدني منذ طفولتي. لا شيء سوى الراحة التامة، عملاً بنصيحة رئيسي الحكيم. كان الاستلقاء على فراش وثير من رمال على شاطئ البحر، دون أن أفعل شيئاً، أمراً صعباً في الأيام الأولى من العطلة. كنت أنهض بلا إرادة مني، بحكم العادة، وأتوجه إلى مكتبي في مسكني لأفعل شيئاً، لأقرأ أو أكتب. ولكنني وأنا في طريقي إلى المكتب، سرعان ما أُذكّر نفسي بشعاري الجديد: ” الراحة التامة ! الراحة المطلقة!”

​ولمدَّة عشرة أيام، كنتُ مستلقياً باسترخاءٍ على الشاطئ، والأمواج تغسل قدمي، وجسمي يستحمُّ بنور الشمس، ومساماته تستنشق نسيمَ البحر المنعش، فأحس بدبيبها على جلدي الذي ازداد قدرة على التجاوب مع محيطه الجديد، مع الطبيعةِ، عاريةَ طبيعية دون أن تفسدها يدُ العمران والصناعة.

​وفي اليوم الحادي عشر وجدتني أقبل على الطعام بشهية أكبر. أخذت أشعر أن جسمي استوفى ساعاتٍ كافيةً من النوم والراحة، وأنَّني مستعدٌ لأفعل أي شيء، لأذهب إلى المنظمة، لأستأنف العمل، العمل الرسالة. ولكن المدير العام منحني ثلاثة أسابيع وليس أسبوعين فقط. إذن سأبقى أسبوعا آخر على الأقل هنا على شاطئ البحر. ولا بُدَّ أن أفعل ما طلبه منّي.

​كان الأستاذ قد طلب مني أن أبحث عن السعادة. فأين تراني أجدها؟ هل أبحث عنها بين رمال الشاطئ، كدرَّةٍ ألقت بها الأمواج في نوبة من نوبات الكرم البحري، أم أفتش عن كينونتها في أجنحة الريح؟ أتراني أمشط خيوط أشعة الشمس لأعثر عليها، أم أتوجَّه إلى غابة الهرهورة القريبة لأبحث عنها في أغصان الأشجار وأعشاش العصافير؟

​تذكرتُ أنَّه قال لي:” ابحث عن السعادة في نفسك!” إذن يتوجب عليّ أن أغوص في أغوار عقلي، أو أبحر بين مرافئ قلبي، لعلّي أخلد إلى مرفأ تخمد عنده العواصف وتضمحل فيه النيران وتنطفي.

​وفي الهزيع الأخير من التفكير، وجدتني أفتح بابا للحوار مع عقلي، وأعقد صفقة مساءلة مع قلبي:

ـ ما السبب في هذا الملل أو السأم أو الضجر أو الاكتئاب أو سمّه ما شئت؟

ـ ما الذي ينقصني لكي أكون سعيداً حيثما أكون؟

ـ ألم يبرأني الخالق على أحسن صورة، ووهبني نعم البصر والسمع والذوق وسلامة الأعضاء وصحة العقل والجسم؟ ألم يهدني إلى الإقامة في بلد جميل ذي حضارة عريقة ويتسم أهله بالكرم وحسن المعشر بعد أن ذقت مرارة الغربة؟ ألم يرزقني رزقا وفيراً؟ ما الذي أريده بعد ذلك كله؟ وهل يبتغي الإنسان أكثر من الصحة والأمان والرزق؟ هذه الثلاثة هي مقومات السعادة لكل إنسان وهو أمر متفق عليه في كل مكان وزمان.

ـ إذن، لماذا تفرُّ السعادة من بين أصابعي مثل عصفورٍ صغير تمكّنتُ من القبض عليه، ثمَّ في غفلة مني طارَ بعيداً عني ؟

​وبعد تفكير طويل، خلصت إلى نتيجة مفادها أنَّ الله وهبني كلّ شيء ولكنّني أهملتُ كلّ شيء. وبعبارة أخرى، إنني لم أقبل الهبة ولم استفد من العطية، وكأنني لم أحصل على شيء. وهبني الله تعالى نعمة البصر، ولكنني أنظر ولا أرى، وأحدّق فيما حولي ولا أبصر شيئاً. أتوجه كلّ صباح إلى مكتبي فأسلك طريقاً بين الغابة والبحر، ولكنني لا أرى ما يحيط بي من بهاء وجلال وجمال. لا أرى البحر يعانق زرقة السماء، ولا أرى الأمواج ترتمي في أحضان الشاطئ، ولا أرى خضرة الغابة تلوّن الشفق، ولا أرى قوس قزح يملأ الأفق، ويرسم ألوانه المشعة الزاهية على الأرض والسماء والماء.

​ومنحني الخالقُ نعمة السمع، ولكنَّني أسير في هذه الطريق كلّ صباح ولا أسمع شيئاً. تزخر الغابة بأنواع الطيور المغرّدة، عنادل تغني، وعصافير تزقزق، وحمام يناجي بعضه بعضا، وأنا لا أسمع ، صوتا، كما لو كانت أذناي قد أُغلقتا بغطاءٍ حديديٍّ ثقيلٍ مثل قبر فرعوني، وكما لو كان دماغي قد حُنِّطَ فلم يعُد يستجيب للحن الحياة الراقص الذي يُعزَف بلطفٍ وإلحافٍ على باب ذلك القبر.
​لقد اعتدتُ على المرور في هذه الطريق حتى أماتت العادة باصرتي ومحت بصيرتي. والعادة تلغي شهقةَ الجدَّة، ولذَّةَ الصدمة الأولى.

​ولكي أكون جزءاً من جمال الكون، وامتداداً لهذا الوجود الذي يؤطِّرني، لا بُدَّ من أن أفتح نوافذ ذاتي لينفذ النور والهواء والصوت والصدى والصداح إلى أعماقي. لا بُدَّ أن أفتح كوَّتَي نظري وأبصر هذا الكون الزاخر بالحُسن والملاحة والروعة والجمال. لا مندوحة عن إزاحةِ هذا الغطاء الثقيل الذي يطبق على مسمعي، وأنصت. لا مهرب من فتح أشرعة قلبي ليبحر في هذا الكون الرائع الرائق الرائد الفريد

​ولكن، أيكفي أن أقول لأذنَيَّ: اسمعا موسيقى الأصوات، وأقول لعينيّ: ابصرا جمال الأكوان، ليتمكَّن قلبي من الإحساس بجمال الوجود وروعة موسيقاه؟ لا أظنَّ الأمر بهذه البساطة. إذن ينبغي عليّ أن أدرّب حواسي على تلقّي الإشارات الإلهية الصادرة من الموجودات والوجود، وأدرب نفسي على تذوُّق الجمال حولي، والإحساس بقيمة النِعم التي لا تُحصى لدي، حتى يُصبح تذوّق الجمال عادةً تقضي على عادات اللامبالاة والعماء. إذن، فلأبدأ بهذا التدريب، وهو ككل تدريب يستغرق وقتاً، ويتطلَّب إرادةً وعزماً، ويقوم على معرفةٍ ودرايةٍ، ويستلزم تكراراً وفعلاً، حتّى يصبح بدوره عادةً من العادات المفيدة.

​وهكذا كان. فقد شرعتُ على الفور بملاحظة الأمواج التي كانت تصل إلى قدميّ فتغسلهما وأنا مستلقً على رمال الشاطئ. ومددتُ بصري إلى نهاية الأفق البعيد على البحر، فرأيتُ الأمواج متهادية من بعيد يدفع بعضها بعضا حتّى تصل إلى الصخور القريبة من الشاطئ فتتكسر عليها وتتطاير ذراتها، ويستحيل لونها أبيضَ ناصعاً بعد أن كان أخضرَ داكناً، ثمَّ تعبر الصخور لتنساب بهدوء وترمي نفسها بحنان ولطفٍ على رمال الشاطئ. يا لروعة الكون ويا لجمال الطبيعة ويا لعظم الحظِّ الذي واتاني!.

​أخذت عيني ترى لأوَّل مرَّةٍ كيف أنَّ النسيم يداعب الأغصان ويهدهدها في الغابة فتتمايل في رقصةٍ جذلى، وتتحوَّل إلى أرجوحة للأطيارِ المنتشية بشذى الأزهار وعبق الورود وخرير المياه في السواقي والجداول المترقرقة تحتها. يا إلهي، ما أروع الوجود وما أعظم الخلق!

​أخذتُ، وأنا أقود سيّارتي، أشعر لأوَّل مرَّةٍ باللذة التي استمدها بتمهلٍ من هذه الرياضة الممتعة، بعد أن كانت قيادةُ السيّارة عبئاً ثقيلاً ينحى على أعصابي بالإرهاق والنَّصَب. أية متعة يهبنا العِلم، وأية عظمة يمتاز بها العقل؟!

​إذن، لقد نجحتُ نسبيّاً في إيقاظ حواسي التي كانت تغطّ في سبات طويل، وبعثها إلى الحياة، وإعادة استخدامها فيما خُلِقت له. وأمتعتُ نفسي بها، وأدخلتُ السرور والرضا على قلبي بواسطتها. بيدَ أن هذه المتعة الحسِّية لا تكفي، فقد علمني أبي في صغري، من بين ما علمني ونسيت، أنَّ الإنسان يتكوَّن من جسم وروح وعقل، ولكي يستكمل الإنسان إنسانيته، لا مفرّ له من تنمية جوانب إنسانيته الثلاثة بصورةٍ متوازنة، لئلا يكون له جسم فيل وعقل عصفور.

​إذن، لا بد من أن أغذي عقلي كذلك بمعطياتٍ تتوافر فيها المتعة والمعرفة في آن واحد، وتنطوي على تحدٍّ جديدٍ لذيذ يضيف بعضَ التشويق إلى حياتي. ولماذا لا أعيد دراسة التراث الفكري العربي قديمه وحديثه، وأستخلص جواهره أو جوهره؟ وهذا مشروع يستغرق العمر كلَّه ولا نهاية له، وسأظلُّ أجري وراءَه طوال حياتي، فلا يعود للسأم منفذٌ إلى نفسي، ولا للضجر موطئ قدم في رَبعي.

​وعزمتُ على أن يكون هذا المشروع ذا معالم واضحة وغايات نافعة، ليس لي فحسب، بل لغيري كذلك، لأنًّ المعرفة بلا نفع كشجرة بلا ثمر. ولهذا فكّرتُ في جمع خلاصات الفكر العربي، ومكنون حكمته، وروائع نثره وشعره، ثمّ ترتيبها في كتاب بشكل ييسر الوصول إليها والاطلاع عليها. ولكن ما هي خصائص هذه الجواهر وما سماتها وألوانها كيما ألتقطها من بين ملايين الكلمات التي تزخر بها المكتبة العربية؟ لم يطُل بي التفكير لأهتدي إلى أن الاستشهادات هي جوهر الأفكار، لأن المثقَّفين يَكتبون أروع ما يقرأون، ويحفظون أبدع ما يكتبون، ويستشهدون بأجمل ما يحفظون. ويشيع بين الناس أرقى ما يُستشهَد به فيذهب مثلاً سائرا أو حكمة مشهورة، فيتمثل به الداني والقاصي.

​وتفاقمتْ حماستي للمشروع عندما تنبّهت إلى أنَّ المكتبة العربية، على الرغم من ثروتها المعجمية الضخمة تخلو من معجمٍ للاستشهادات. وازددتُ رغبة في الأمر عندما وقفت على إحصائية تشير إلى أنَّ اللغة الإنجليزية تتوفر على 320 معجماً مختلفاً للاستشهادات، وأن المكتبة الفرنسية تضمَّ أكثر من 80 معجماً للاستشهادات، على حين أنَّ المكتبة العربية لا تعرف معاجم الاستشهادات، فهي تعرف معاجم الأمثال لا غير.

​وشرعتُ في إعادة قراءة أُمّهات التراث العربي وروائع الكتب الحديثة الصادرة في مختلف الأقطار العربية، لأضمن لمدوَّنتي المعجمية التمثيل الزماني والتوزيع المكاني اللازمَيْن. وكلّما استشهدَ مؤلِّف بشاهدٍ من الشواهد دوَّنتُه على جذاذة ووضعتُها في المجذَّة. ولم أَبتُّ آنذاك في طريقة ترتيب المعجم، لأنَّني كنتُ أدرك أنَّ عمليةَ الجمع تلك ستستغرق سنواتٍ طويلة.

​وبعد أربع سنوات من العمل على تلك الصورة، وصلتني دعوةٌ من الجمعية المعجمية الأوربية لتقديم بحثٍ إلى المؤتمر العالمي الخامس للمعجمية الذي كان سيعقد في جامعة تمبرة في فنلندة بعد سنة من تاريخ الدعوة. فعزمت على أن أَكتب في موضوع معجم الاستشهادات ومشكلات تصنيفه، لكي أغتنم فرصة المؤتمر للتداول مع المشاركين فيه حول الحلول الممكنة لتلك المشكلات. قُبِلت الدراسة التي قدّمتُها ونُشِرت في كتاب أعمال المؤتمر الذي صدر قبل انعقاد المؤتمر لإتاحة الفرصة للمشاركين لدراسة البحوث فيه قبل حضورهم إلى مكان الاجتماع بحيث يكون المؤتمر لقاء للتدارس والتحاور.

​كان عدد المشاركين يناهز 250 معجمياً، وكانوا يتوزَّعون باختيارهم على 5 جلسات متوازية تٌعقد كلَّ يوم في محاور مختلفة. وعندما حان دوري، وجدت أن عدد المشاركين في تلك الجلسة يفوق 40 معجميّاً كنت على معرفة شخصية ببعضهم، وودتُ أن أتعرَّف على بعضهم الآخر، فتبين لي أن جلّ المشاركين في الجلسة كانوا من مصنّفي معاجم الاستشهادات في أوربا. وكان بينهم أستاذي البرفسور داغ غندرسون، الذي كان قد درّسني في إحدى الدورات الصيفية في جامعة أوسلو في النرويج، والذي ألَّف معجم الاستشهادات النرويجي وعَنْونه بـ ” الكلمات المجنّحة”2،

​وبدلا من أن أُلقي ملخص دراستي في تلك الجلسة، طرحت على المشاركين فيها عدداً من الأسئلة والمشكلات لمناقشتها والاستفادة من خبرتهم وآرائهم. وقد سرّوا لتلك الطريقة لأنهم كانوا يبحثون كذلك عن كيفية تحسين معاجمهم. فمعاجم الاستشهادات في أوربا تصدر في طبعات متلاحقة لما تحظى به من إقبال، ويقوم مصنفوها بإدخال تعديلات مستمرة عليها، فيغيرون بنيتها، أو يعيدون طريقة ترتيبها، أو يحذفون منها بعض الاستشهادات التي لم تعد شائعة لسبب أو لآخر، أو يضيفون إليها ما استجد من استشهادات، وما إلى ذلك.

​كانت مسألة ترتيب الاستشهادات في المعجم من المشكلات التي واجهتني وتدارستُها مع المشاركين في تلك الجلسة. فمعاجم الاستشهادات قد تتخذ واحداً من أنواع ترتيب الاستشادات التالية:

ـ الترتيب حسب المؤلِّف: وتُرتب فيه المداخل طبقا لأسماء الأعلام الذين يُستشهد بأقوالهم. وتحت اسم كل كاتب، تُرتب أقواله ألفبائياً أو زمنياً أو بحسب الكتاب الذي وردت فيه.

ـ الترتيب حسب الموضوعات: وتُصنَّف فيه الاستشهادات طبقاً للموضوع الذي تتعلّق به، ثم تُرتَّب الموضوعات ألفبائياً أو بحسب الجذر تحت كلِّ موضوع.

ـ الترتيب بحسب التاريخ: وتُصنَّف فيه الاستشهادات بحسب الحقب التاريخية وتحت كل حقبة تُرتب الاستشهادات بحسب مؤلفيها أو موضوعاتها أو أوائلها.

ولكل ترتيب حسناته وسيئاته. وقد وقع اختياري على الترتيب الموضوعي لمبررات ذكرتها في مقدمة “معجم الاستشهادات”.

بعد خمس سنوات من العمل توقفتُ عن إضافة الاستشهادات الجديدة للمجذَّة، لأنَّ العثور على استشهادات جديدة عملية لا تنتهي فهي مرتبطة بالقراءة، وطلاب المعرفة لا يتوقّفون عن القراءة والكتابة، فهم كما قال الإمام أحمد بن حنبل ” مع المحبرة إلى المقبرة “. ّ

وبدأت عملية الطباعة. فطبعت مسودات الكتاب في الرباط في مطبعة كانت تستخدم حاسوباً من نوع ماكنتوش. واستغرق تصحيح المسودات الطباعية أكثر من سنتين كان يساعدني فيها ثلاثة من الأصدقاء، وهي عملية شاقّة مؤلمة، يعرفها كلُّ من جرّبها. وزاد من صعوبتها في هذا المعجم أننا أضفنا الشكل للآيات القرآنية والأحاديث النبوية ولكثير من مفردات الأبيات الشعرية ليستقيم الوزن، ولجميع الألفاظ الأخرى التي تستدعي الشكل لرفع الالتباس المتوقع.

وعندما تمَّ الاتفاق مع (مكتبة لبنان ناشرون) في بيروت لنشر المعجم، لم يستطِع مطبعيّوها من تحويل نظام ماكنتوش للنظام الذي يستعملونه والذي يحقّق لهم اقتصاداً في حجم المعجم. فأعلموني بأنّهم سيعيدون تصفيفه، أي طباعته. فوافقت على شرط ألّا يطلبوا مني تصحيح المسودات الطباعية، لأجنب نفسي المشقّة التي عانيتُها سابقاً. ولكن عندما صدر المعجم وألقيتُ نظرة هنا وهناك على محتوياته ووقفتُ على بعض الأخطاء، شقّ عليّ ذلك أكثر مما كان سيؤلمني التصحيح. إنَّ نقطة زائدة، مثلا، في أحد الاستشهادات قلبت المعنى رأساً على عقب وأفسدته:

​يا بيتَ عاتكةَ الذي أتغـزّلُ

حذرَ العِدى، وبهِ الفؤادُ موكـَّلُ

​إنّي لأمنحُكَ الصدودَ وإنَّني

ـ قسماًـ إليكَ معَ الصدودِ لأميَلُ

فالشاعر الأحوص الأنصاري كان يبتعد عن دار عاتكة ويتعزّله، مخافة أن يدرك الأعداء غرامه بعاتكة. فهو لا يتغزّل به، كما أخطأ مصحِّح المطبعة.

وعلى الرغم من تلك الأخطاء المطبعية الطفيفة، والهفوات الخفيفة التي وقعتُ فيها خلال التأليف​، فقد فرحت بإخراج ” معجم الاستشهادات”، لأنه أوَّل معجم من نوعه، ويحمل في مقدِّمته التي تقع في خمسين صفحة تقريباً، دراسةً مفصلةً عن كيفيةِ تأليف معاجم الاستشهادات بأنواعها المختلفة، ومنهجياتها المتباينة ، وأغراضها المتعدِّدة. ولهذا قلتُ في مقدِّمة الكتاب مفتخراً:

” منذ أربع سنوات ونَيِّف، وأنا أطوف في حقول الفكر العربي، وأتجوَّل في بساتين آدابه، وأتنزّه في حدائقِ أشعاره، وأُمعِن النظر في منثورِ أزهاره؛ ثمَّ أقطفُ أروعَها منظراً، وأزكاها أريجاً؛ فأجمع الورودَ التي فاح عبيرُها حتى تناقلته النسيماتُ العليلة إلى الوديان المجاورة والسهول المتاخمة، ليُسرَّ به الأصحاب، ويرتاحَ له الخُلان؛ والتقطُ الزنابقَ النادرة الألوان التي يبحث عنها أهلُ الفنِّ السامي وذوو الذوق الرفيع، ويتباهى في مضاهاتها عباقرةُ المصوِّرين، ويتنافس في رسمها جهابذةُ الرسّامين.

منذ سنين طويلة، وأنا أغوصُ في بحار الأدب العربي، شعره ونثره، أجتبي اللآلئَ الثمينةَ النادرة التي تتمنّاها أترفُ الحسناوات، وأنتقي الدُّررَ الفريدةَ النادرةَ التي تشتهيها أغنى الجميلات، واقتلعُ المرجان الذي ينشده أمهرُ الصيادين ويبحثُ عنه هواةُ الجواهر النادرة.

وبعد هذا وذاك، أنظم تلك الأزاهير، وأرتِّب تلك الجواهر في معجمٍ فريدٍ من نوعه، رائدٍ في ميدانه يقوم على الاستشهاد والتمثيل والاقتباس ، لأضعه بكلِّ عناية وأناة، وبكلِّ فخر واعتزاز على رفوف مكتبتنا العربية الزاهرة، هدية محبّة ورمز ولاء للغتنا الجميلة.”

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق