حوارات المجلة

الشاعر الفلسطيني إبراهيم مالك للمجلة الثقافية الجزائرية:

القصيدة هي لوحة ومنحوتة، لكنها ولدَتْ بالقلم، العقل والفكر

مالك إبراهيم قامة إبداعية من طراز خاص، فهو كاتب عريق وشاعر ملهم وقارئ شغوف وُلِد عام 1942 في قرية “سمخ” الفلسطينية المُهَجَّرَة والمُدَمَّرة لأب جزائري وأمُّ تونسية وتأثر بثقافتين عربيَّتين، إسلامِيَّتيْن، مغاربيتين، شرقيَّتيْن، عاش في ألمانيا وتخرج من جامعاتها، واشتغل في العمل السياسي رافضاً الظلم والقهر والطغيان. ثم هجر السياسة وانحاز للقلم واختار القصيدة بعد غياب عنها لسنوات طويلة وكرسها للقضية الفلسطينية، وساهم في تطوير الحراك الثقافي الفلسطيني، منادياً بالتواصل والانفتاح وساعياً لنشر القيم الإنسانية العليا. ضيفنا يرأس تحرير مجلة (كِتابنا كُتابنا) للسنة السادسة على التوالي، وفي رصيده 11 مجموعة شعرية كتبها بين عامي 2002 و2015 بالإضافة لخمسة أعمال نثرية لاقت ترحيب النقاد وإعجاب القرّاء .. ومنجزه الإبداعي كما يقول: “وليد عقلٍ مُفَكِّرٍ ومُتَجَدّدٍ دوماِ وباحث عن التخيُّل الذي هو وليد واقعٍ حياتيٍّ أو حُلُمٍ أعيشه”. المجلة الثقافية الجزائرية حاورت هذا المبدع في تجربته الجميلة متمنيةً له دوام العطاء والعمر المديد:
حاورته: باسمة حامد

أخطأت كثيراً حين ابتعدت عن الشعر

 المجلة الثقافية الجزائرية: في مرحلة ما حدثت قطيعة بينك وبين الشعر، لكن بعد فراق طويل ثمة لحظة فارقة هيأت لمصالحة بينكما .. هل يمكنك أن تحدثنا عن تلك اللحظة؟
إبراهيم مالك: حَقًا ما تسألين، هذه القطيعة حدثت فِعْلًا، ذات يوم، خاصًّةً بْعد، مَرحلة الدراسة الثانوية. وهذا السؤال أشغلَ عقلي وتفكيره كثيراً .
تأملتُ طويلًا مسار حياتي وما فيه من خطأٍ وصَوابٍ ، قلقِ حَياةٍ وهواجسه وحُلُمٍ آملٍ بغدٍ آخرَ، إنساني الملامح. أذكُرُ كثيراً ودائمَاً أنَّني في سنوات المرحلة الدراسيَّة الابتدائيَّة الأخيرة، في الصَّفَّين السابع والثامن، وبدايَة الدِّراسَة الثانوية
أشغلني بألمٍ موجِعٍ هاجِسُ ما كان وحدث في سنوات طُفولتي الصَّغيرة وأسفر عن ترحيل عائلتي وناس شعبي الصَّغير، الشَّعْبِ الفِلِسطيني، من وطَني الصغير، فلسطين، الجزء الشرقي الجنوبي من الهلال الخصيب المُمتد من دِجلة والفرات وحتى النيل .
يومها تَذَّكَّرتُ ما حدثني أبي، ابن الأوراس، عن رحيل وترحيل عائلته وناس كثيرين من الجزائر وتونس والمغرب ـ وطني الأكبر والأوسع مدى ـ
فازددتُ قناعة يومها أنَّ الترحيل في فلسطين وغيرها من وطني الأكبر كان وليد غزو غربيِّ استعماري ، فابتَدَأتُ أقترب وأرتبط بالسياسة المناهِضة لهذا الغزو كما تَصَورتُ وتَأمَّلتُ في تلك المرحلة .
وأكثر ما أقلقَني وأوجعني حينَ تأملتُ طويلًا وضعَ ناسي في أيام الحكم العسكري السوداء التي فرضتها الحكومات الإسرائيليَّة طيلة العشرين سنة الأولى بعد غزو مجتمعاتنا ، بحجَجٍ أمنية ، وتأملتُ أكثر وبخوفٍ موجِعٍ ما كشفه وزير الدّاخِلِيَّة ذات يوم في تلك المرحلة أنَّ أكثر ما تبغيه الأوساط الحاكمة أنْ تحوِّلَنا إلى حَطّابين ورعاة نعمل في خدمة الغازين وفي أحراش كثيرة زرعوها في قرىً كثيرة مُهَجَّرٌ ناسها ومُدَمرة ومَضروب فيها ما كان من زراعات أهلها .
وكثيرًا ما كتبت قصائد عن وطني الأصغر فلسطين وما أصابَ ناسَهُ وكَشَفْت في هذه القصائد عن وجعي وما كانَ فِيَّ من حُلُمٍ إنسانِيٍّ وكثيراً ما كنتُ أراجِعُ هذه القصائد قِراءَةً وكتابَة، أنقحها لُغَةً وفِكْرًا .
” بعض هذه القصائد”
يا وَطَني!!
وأكثر ما بات يوجعني فهمي ورؤيتي لواقع بات يعيشه وطني، فكثيراً ما أنشدتُ صارخاً:
يا وطني!
كَمْ يُحْزِنُني ما كُنتَ هُو صِرْتَهُ
كُنتَ مَدىً ينفتِحُ على مَدى
مُفْتَرِشًا ثرى أمّي
بينَ ماءٍ وماء
بينَ شُطآنِ بحر وشِعابِ قِمَم
وبين طلة فَجْر وحلكة عتمة
وقدرا حال طّالِعونَ مِن رَحْمِ أسطورة
يطوونَ ثَراك كالحصيرة
فباتت مُعَلَّقَة في طَرَفِ زاوية
من حيطان ما كانَ غُرْفَتي
وبِتُّ مُضّيَّعَ الجُذور كتائهٍ في صَحْراء .
أللهُ يا وطني!
كَمْ يوجِعُني ما دُفِعْتَ إليه
فصرتَ سِجْنًا أصغرَ من قبضةِ يَد
أضيق من فسحة أمل
وكنتَ رحبَ الحوشِ أشبَهَ بِمَراحٍ
تُزَيِّنُهُ كَمْشاتُ نُجومٍ
بيادِرُ قَمْحٍ
كرومُ عنبٍ
كروم زيتونٍ فاتن الخُضْرَةِ
أحراشُبَلّوطٍ
وحواكيرُتين.
أللهُ يا وطني،
كَمْ تَمَنّيْت لَوْ أنَّكَ تنتَفِضُ على
ما فيكَ وحولك من رماد،
يؤذي البصَرً والبَصيرَة
وتُبْعِد عن جَسَدِ كَالْهَشِّ يا وطني
ما قد يَتَوَلَّدُ من عقارب
تطلعُ مني ومنذواتي
سُمُّها باتَ،
في ليلك الطويل، قاتِلاً حقًا
اللهُ كم تَمَنَّيْتُ!
أنَّكَ سَتُعاوِدُ التَّحليقَ طَلِقَ الجناح.

وبعدَ الدراسة الثانوية بأشهر قليلة صِرتُ عَضوا نَشِطًا في الحزب الشيوعي وسرعان ما اختارتني قيادة الحزب للعمل في تحرير مجلَة الغد الشهرية وأحدَ المسؤولين في قيادة حركة الشبيبة الشيوعية في المثلث والجليل خاصة وأحَدَ خُطَبائها ومُحاضريها ، بعد أنْ لاحظَنْ كفاءاتي اللغوية الثقافية والفكرية، وبعد 3 سنين اختارتني كَأوَّلٍ طالب للدراسة الجامعية في برلين الشرقية عاصمة جمهورية ألمانيا الديمقراطية .
قبل الدراسة الجامعية كنت كما في المرحلة الثانوية كثير الارتباط بشعراء ثلاثة :
محمود درويش، سالم جبران وسميح القاسم وكثير القراءة الأدبية والفكرية، فكنّا أصدقاءً وكُنّا أول من رفضوا أن يصيروا معلمين مرتَبطين بوزارة المعارف في (إسرائيل) وقررنا الارتباط بالحراك الأدبي في كلِّ مكان من العالم العربي الإسلامي والعالم الإنساني الواسع .
لكنَّ قيادة الحزب عملت دائمًا في تلك المرحلة على تشجيع الكتابات الشعرية لمحمود درويش وسميح القاسم وتشجيعي وسالم جبران على العمل السياسي الثقافي.
وحين كنتُ في الجامعة في برلين ازدادت معرفتي وقراءاتي لشعراء ألمان، خاصة غوتيه، شيلروبريشت وازدادت معارفي الموسيقية كموسيقى باخ، بيتهوفن، موتسارت والرسومات الفنية ومعرفة ثقافات قديمة وجديدة روسية ،إيطالية ، فرنسية وإنجليزية .
عندها ازداد عالمي الفكري الألماني بِدْءً من كانْتْ، هيغل ، إنجلز وماركس .
والحقيقة بعد عملي في براغ ـ 6 سنوات ـ وتجربة حياتي بدأتُ أفكِّرُ في مسار حياتي وبدأتُ أدرك أنني أخطأت كثيراً، حين قبلتُ بالابتعاد عن الكتابة الشعرية والأدبية وتورطت في العمل السياسي
وأزعجني كثيراً تصرف الكثيرين من قيادة الحزب معي، مَنْ ظَنَنْتُ واهِمًا أنهم أصدقاء حياة وعقل وبدأتُ أناقش نفسي كثيراً حول البديل الذي يجدر بي أن أختارَهُ، فقررتُ الابتعاد عن الحزب والسياسة الفاسِدة المُفسِدَة في جوهرها والعودة إلى ما كنته شابًا عاشقا للقراءة الأدبية الفكرية وللكتابة الشعرية والقصصية والفكرية والاستفادة مِمّا عَلَمَتني قراءاتي الثقافية الفكرية الواسعة .
ويُسعِدُني كثيرًا ما صرته وتوضحه كثيرَا أعمالي الأربعة التي هي خلاصة تجربتي وبدأتُ أعيد إصدارها، طباعتها ونشرها :
الشعرية الجزء الأوَّل
القصصية الجزء الثاني
الفكرية الجزء الثالث
والنثرية شبه الروائية الجزء الرابع.
فهذه الأعمال هي وليد عقلٍ مُفَكِّرٍ ومُتَجَدّدٍ دوماِ وباحث عن التخيُّل الذي هو وليد واقعٍ حياتيٍّ أو حُلُمٍ أعيشه .

الكتابة مُتْعَةً مُفْرِحِةً لا تقاوَمُ!

المجلة الثقافية الجزائرية: شعرك يبحث عن ماهية الشعر.. أخبرني كيف وجدت القصيدة بعد هذا الغياب: عبء ثقيل أم متعة لا تقاوم؟!
إبراهيم مالك: علَّمتني التجربة أنَّ الكتابة عامَّةً وليس الشعر فقط هو عبءٌ مُفرِحٌ وقد يطالُ سنوات وفَجْأةً يبدأ العقل واسع التخيل يبوح به في لحظات فتصيرَ الكتابة مُتْعَةً مُفْرِحِةً لا تقاوَمُ!. كَتَبْتُ ذات يوم في مجموعتي الشعرية الثالثةـ عِطْرُ فاطِمَةـ قصيدةً قَرأتها ذاتَ يَوْم وبقيتُ سنين طويلة آمَلُ أن أكتبها، وكنتُ قرأتُها قبل أكثر من خمسين سنة القصيدة وهي من 3 أبياتٍ لشاعر عاش في ألمانيا قبل أكثر من خمس مائة سنة ولا يعرف الكتاب الألمان اسمه!
قصيدتي:
تَعَمْشَقْتُ السِّياج
في أمْسِ تَجَوَّلْتُ في الوَعْرِ
الصَّخْرِيِّ المُحيطِ بحاكورتي
وكَعادتي في الصِغَرِ تَعَمْشَقْتُ السِّياجَ
في وَلْدَنَةِ مُراهِقٍ عاشِقٍ
وَتَحَسَّسْتُ بَراعِمَ زَهْرِ التُّفاح
واليَوْمَ يا مَعْشوقتي
أمْسَكْتُ بِأصابعِكِ النَّدِيَّة
وَفي حَنانِ مُحِب
أخَذْتُها بَيْنَ يَدَي فَتَذَكَّرْتُ
براعِمَ زَهْرِ التُّفّاح
وراوَدَني شُعورٌ مُلِحٌّ
يُذَكِّرُني بالشَّهْوَةِ البِدْئِيَّة فَخُيِّلَ لي
أنّي بَدَأتُ أتَسَلَّقُ السِّياجَ
وَالْتهِمُ بِشَرَهِ المُسِنُّ العاشِقُ
أصابِعَكِ الخَمْرِيَّة الرّاقِدَة
كَفَرْخِ عَروسِ التُّرْكُمان
بَيْنَ يَدَيَّ المُشْتَعِلَتَيْن
عِشْقًا وإعْجاباً
وَأغَيَّبُ مُسْكَرًا
بِأنْفاسِ كَرْمِ التُّفّاح
سألني صديق ذات زمن كان معلِّمي في المدرسة الثانوية، كما سألتموني، إن كنت أتْعِبُ نفسي عند كتابة القصيدة ؟. أجبته وكتَبْتُ مقالة مُطولة عن التعب في الكتابة، جاء فيه: حين أكتب لا أشعر بتعب، أنتهي سريعاً من كتابة القصيدة، فأشعر عندها بفرح مصحوب ببعض وجع التوتّر النفسي. لكن فكرة القصيدة تعيش في ذِهْني طويلاً. والشاعر يجمع الصور والأفكار والاستعارات الفنية وموسيقى القصيدة، وحين تكون هذه جاهزة تتدافع و تقفز في ذِهْنِهِ، فيعيش ولادتها، بكل فرح الولادة ومخاضها الموجع ، لكن الجميل .

فاطِمة نبضُ عقل وبوح عشق

المجلة الثقافية الجزائرية: فاطمة) أخذت حيزاً وافراً في مسيرتك الشعرية وجعلتني أتساءل عن دورها في حياتك. كيف المرأة أسهمت في تشكيلك إنسانياً وإبداعياً؟
إبراهيم مالك: عِشْتُ طويلًا وأنا أتمَنّى عودتي للكتابة الشعرية المُمَيزَة لا المُكَرِّرَة، فالشعر كما فهمتُهُ دائِمُ التَّجَدِّدِ، فَهْوَ وليدُ بيئة اجتماعية مُحّدَّدَة زَمَنًا ومَكاناً. وَتَمَنَّيْتُ كثيراً قبل كتابة الشعر من جديد أنْ أجِدَ لي رمزًا مُتَخَيلًا ولكن شديد الوُضوح وسهل الفهم ومُرْتَبِطٌ بِتَجَلِّياتٍ طبيعيَّة وَواقعٍ حَياتِيٍّ اجتماعي. وقد تَذكَّرتُ كثيراً روعَةَ ما كَتبَ شاعرنا القديم امرؤُ القيس عن فاطمة :
أفاطِمَ مَهْلًا بَعْضَ هذا التَّدَلُلِ وَ إنْ كُنْتِ أزْمَعْتِ هَجْري فأجمِلي
أغَرَّكِ مِنّي أنَّ حُبَّكِ قاتلي وَأنَّكِ مَهْما تأمُري القلبَ يَفْعَلِ
وعن الحركة الجدلية في التجلِّياتِ الطَّبيعيَّة، قرأتُ باندهاش مُعجَبٍ ما كتبه عاشق فاطمة امرؤ القيس في تلك القصيدة العربية القديمة:
مِكَرٍ مِفَرِ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا كَجُلمود صخرٍ حَطَّهُ السيلُ من عَلِ
حينَ قرأتُ هذه القصيدة كثيراً بَدأتُ أفَكِّرُ أنَّ فاطِمة يمكن أن أبدِعَها كرمزٍ ليس فقط للمرأة المَعْشوقة، إنما رمزٌ مُتَخَيَّلٌ، ليس وهمًا بل نبضُ عقل وبوح عشق. وكثيرًا ما سألَتُ نفسي مثلك: يا فاطِمة مَنْ تَكونين؟ وكان جوابي مع الوقت شِعْرًا وفكرًا في عَدَدٍ من قصائدي، آمل بنشر اثنَتَيْنِ منها في هذا الحوار ولكم جزيل شكري وصادِقُ احترامي.
يا فاطمة! مَنْ أنْتِ يَسْألون؟
لا ضَيْرَ في السّؤال! يا فاطِمة!
أنْتِ أنا؟
أم وَطَني الْمَسْبِيُّ في جَدائِلِ الْبَحْثِ عَنِ الْخَلاص
يا رَوْعَة الخَلاص
لَوْلا دَمي الْمَسْفوكُ في غَزارَةٍ
هذا الذي يَظْهَرُ لِلْعَيانِ قاتِلاً
وفي حَقيقَةِ الأمْرِ هُوَ الْقَتيل .
أمْ أنْتِ يا فَريدَتي
جُمانةُ الْغَواصِ في بَحْثِهِ الدّائِمِ والْمديد
عَنْكِ أيا فِرْدَوْسَه الْمَنْشود
في الصَّدَفِ الْبَحْرِيِّ في الْخُلْجان في الأعماق
في أسْفَل الْبِحار
يا أجْمَلَ الْمَحار .
لؤلؤتي الْمَحْزونَةُ السَّوْداءُ أنْتِ يا تُرى؟
يا سُدَّةَ الْحُلْمِ الذي كُنْتُ أجيْ ذاتَ يَوْم
في رَشاقة المُهورِ في الْبَراري
أمْ أنتِ يا فريدَتي زُهَيْرَةُ الصّبّارِ؟
هذي التي تَطْلعُ في عوالِمٍ
كُلِّيَّةِ الْجَفافِ كالصَّحاري!
أمْ رَعْشَةُ العِشْقِ التي تَحْضُرُنا
أوّلَ مَرَّةٍ وَلا تَعود
أمْ كُلُّ شيءٍ طَيِّبٍ في عالَمِ الْوُجود
أفتَقِدُ
وأنْشِدُ!
يا فاطِمة!
هلْ أنتِ وَجْهُ أمِّيَ الضَّحوكُ كالشَّقاء في حياتنا
أأنْتِ وَجْهُها الْمُشِعُّ حُزْنًا
في سَماءِ بَحْرَةِ الْجَليل
أمْ دَمْعُها الذي استَحالَ
بَحْرَةً تَفيضُ كُلَّ عام
هلْ أنْتِ وَجْهُ والِدي الْمُطِلُّ
مِنْ عُيونِ صَقْرٍ طاعنٍ جليل
أوْرَثَني الشَّقاءَ مَوْروثًا
وَعِشْقَ سِحْرِكِ الجَميل
يا فاطِمَة !
أأنْتِ طِفْلَةٌ لَقيتُ صُدْفَةً ذاتَ مَسا
وَحَرَّكَتْ جُنونِيَ الْقَديم
أأنْتِ طِفلَةٌ وَمِنْ لَحْمٍ ودَمْ
أمْ ظَبْيَةٌ تَشْرُدُ في بَرِّيَّتي
شَهِيَّةٌ كالْخُبْزِ ساخِنًا
تَتْرُكُني أعيشُ حُلْم
يا فاطِمة!
يا غِنْوَةً حُروفُها نَبْضُ دمي
هَلْ كُنْتِ مُنْذُ الْبِدْءِ
هَلْ كْنْتِ حقًّا أوَّلَ الأشْياءِ
وآخِرَ الأشياء
يا كُلَّ شَيءٍ في وجودي ، كُلُّ شَيْء!

نَشيدُ حبِّكِ يا فاطِمَة
مُمْتَطِياً صَهْوَة ذِهْنٍ باتَ أشْبَهَ بجَناحَيْ
ريحٍ دائمَةِ القلقِ وَمُؤَلَّهَة الْعِشْقِ
عَلّي أطلُّ عَلى عوالِمَ
لَمْ يَطْرقْها عقلٌ عاشِقٌ وسارِحٌ مِنْ قَبْلُ
فأصْغي إلى هَمَساتِها التي تشُدُّني أكثرَ
مِنْ أيِّ نَغَمٍ سابحٍ في تِلْكَ العوالِم
وألَمْلِمُ بَعْضَ وَشْوشاتِ هَمَساتِها
وَهْي تَتَحَدَّثُ عَنْ عشْقٍ مُؤَلَّهٍ ،
فأسْتَعيرُها لتكونَ نَغَما لِنَشيدِ
حُبِّكِ يا فاطِمة .
وفيما أنا أتأمَّل مُروجَ وجودِنا
الملَوَّنة كَأبْهى ما تكون لوحة الوُجود
بحثا عن إيقاعات نَغَمِ حياة
تَتَراقَصُ معَ نَبَضاتِ عَقلي
لأعزفها في ليلِ عِشْقي
وأنا أمَوْسِقُ نَشيدَ حُبِّكِ يا فاطِمة
شَدَّ انْتِباهَ ذُهْني زقزقة عَصافيرَ غَرِدة
تنطَلِقُ مُغرِّدَة في جَوْقةِ غِناءٍ
هِيَ أصفى ما سَمِعَتْ أذني مِنْ سِمْفونِيّاتِ حياة
وكان أجملُ ما فيها
أنَّ لكلِّ طَيْرٍ نَغَمُهُ الغَرِدُ .
يا مَعْشوقتي
لا أجْمَل مِنْ هذا الشعور الذي
يسكنني لحظة أجدُني في غيْبوبَةٍ واعٍيَة
وقد رُحْتُ في حُلُمٍ نَهارِيٍّ يَقِظٍ أصغي
في صمْتٍ فرِحٍ وانْدِهاشٍ ثَمِلٍ
إلى نبَضاتِ عقلي
وهي تبُثَّ موسيقاها
لحْظَتها راحَ يَتَخَلَّلُ عَتمة أحاسيسي
الْمُتحَفِّزَة القلِقة شُعورٌ راجِفٌ
فأراني أتنقّل خفيفَ الْوَطْء
بَيْنَ عوالِمَ راقِصَةٍ استعارت
موسيقاها من سقسقةِ حصى الوِدْيانِ
الْمُنْدَفِعَة في وَلَهٍ إلى عِناقِ مَوْجِ الْبَحْرِ
وقد راحَ هذِا يَتأوَّهُ مَحْزوناً كَصَريعِ
عِشْقٍ مُنْطَرِحاً عِنْدَ قَدَمَيْ صَخْرِ خُلْجانِهِ ،
واستعارتها مِنْ بَحّاتِ ربابَةٍ
جليليةٍ برَّحَها جُنونُ عِشْق
مِنْ الْوَمْضِ الْمُشِعِّ ، بَرْداً وَسَلاماً ،
الْمُنْبَعِثِ مِن زُنّارِ فاطِمَة
مِن غُنْجِ أعْوادِ رُمّان تُداعِبُها
أصابِعُ نَسائمَ نيسانية العبق
مِنَ اهْتِزازاتِ أجنِحَةِ الْفراشِ
وَهْوَ يُغازِلُ رَحيقَ الزُّهورِ المُلَوَّنة
وَمِنْ عَصْفِ ريح خريفِيَّةِ الهُبوبِ
وَهْيَ تَدُقُّ أكْثَرَ مِنْ بابٍ لِينْفَتِحَ .
لَحْظتها كَبُرَ فيَّ شُعورٌ لا أجْمَلَ مِنْه
أحْسَسْتُ أن تلك الموسيقى
هِيَ بَعْضُ إيقاعاتِ حياة
وَهْيَ بَعْضُ نبْضِ عقلي
وَمِنْ إيقاعاتها
سَيَكونُ نَشيدُ حُبِّكِ يا فاطِمة

الوضع الثقافي باتَ هزيلًا وموجِعًا

 المجلة الثقافية الجزائرية: ما نلاحظه في مشروعك الشّعري أنه يعكس حمولة معرفية وفلسفية عميقة ويجسد تفاعلاً مميزاً بين الماضي والحاضر دون استعراض.. كمثقف موسوعي هل ترى أن الإبداع الجيّد مشروط بدرجة ثقافة المبدع؟
إبراهيم مالك: هذا ما كَتَبْتُ عنه كثيراً. وفي مقالٍ لي عن الشِّعْرِ والفن كما أفهَمُهُما، أكَّدتُ احتِرامي لِما تَوَصَّلْتُ إليه من فكرٍ فلسفي انعكس في كثيرٍ من قصائدي، إلّا أنَّني كَتَبْتَ أنَّ الشعرَ أقربَ للفن وكتبت كثيراً أن القصيدة هي لوحة ومنحوتة، لكنها ولدَتْ بالقلم، العقل والفكر، لكن النحات والرسام يظلان في حوار صراعٍ إنساني المَلامِح بالإزميل مع صخرهما وباللون مع اللَّوحة .

 المجلة الثقافية الجزائرية: تعتبر أحد أعلام القصيدة الفلسطينية لكن لماذا ظل اسمك بعيداً عن الشهرة التي حظي بها شعراء آخرون من أبناء جيلك كمحمود درويش وسميح القاسم؟ هل الأمر متعلّق بالنقاد؟ أم بمأساة الكتابة الجادّة التي يعاني منها المبدعون العرب عموماً؟
إبراهيم مالك: شكرا لك على سؤالك القيم!
كثيرون من الأساتذة ذوو الألقاب المختلفة من ظّنّوا أنفسهم كُتّابًا وكانوا مرتبِطين بالوزارة الثقافية العنصرية تلقَّوْا تحذيراتٍ من الاقتراب مني وكان يزعجهم أنني لا أرى فيهم كُتّاباً، بل كتبة! وكان كتبة كثيرون من الدّاخل الفلسطيني ومن الضَّفَّة الغربية المحتلة مرتبطين كثيرًا مع الوزارتين الفلسطينية والإسرائيلية، فلا يقتربون مني!
وكان كتبة آخرون مرتبطين بِمؤسَّساتٍ حزبية وطائفية، لا أسمح لنفسي بالتواصل معهم . وبقيتُ كُلَّ عمري أرفض التواصل مع كُتّابٍ عربٍ لا أرى فيهم نُقادًا ولا مفكرين وكنتُ مرتبطًا كَثيراً من حيث القراءة مع كتابٍ وشعراءٍ في العراق وسوريا والبحرين وعمان والكويت والسعودية واليمن الجنوبي والسودان ومصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب .
وما يوجِعُني اليوم أن الوضع الثقافي باتَ هزيلًا وموجِعًا. وكُنتُ واحدًا من الشعراء والكُتاب القليلين اللذين خافت الشرائح المهيمنة كتاباتهم وكان أولئك الكتاب والشعراء يرفضون التواصل الثقافي مع تلك الشرائح، فلا يشتركون في منتَدَياتها ولا يقبلون جوائزها المالية .

القضيَّةَ الفِلِسطينِيَّة ليسَتْ مَسألة سياسِيَّة، بل إنسانية

المجلة الثقافية الجزائرية: الحريّة شرط أساسي لكلّ إبداع.. فكيف يكتب إبراهيم مالك قصائده المفعمة بالأمل والحب والفرح ضمن الواقع الفلسطيني المثقل بالاحتلال والحصار والانقسام؟!
إبراهيم مالك: عَلَّمتني تجربة الحياة أنَ القضيَّةَ الفِلِسطينِيَّة ليسَتْ مَسألة سياسِيَّة، بل إنسانية، وأنا منذ شبابي الواعي بَدَأت أدرك أنَّ الحلول السياسِيَّة كانتْ تفرَضُ مِنَ الطرفِ الأقوى عسكريًا والأشد عنفا وَجَشَعَ بَطنٍ وجيب وصاحب عقليَّة عُنْصُرِيَّة وأنَّ هذه الحلول لا تكون وليدة حوارٍ إنسانِيٍّ وتواصل باحث عن الخلاص الدّائمِ والحقيقي الخلاص من أعمال سفك الدَّمِ. أذكُرُ قَرأتُ يومًا قصيدة لبريشت الشاعر الألماني، يذكُرُ فيها فكرة التَّناقض التي تحَدَّث ماركس عنها: المُنْتَصِرون اليوم مهزومون غداً ( كما كتب بريشت )
كتبتُ قصيدة إعجاب بهذه القصيدة وبعد سنين قرأتُ كتاباً للكاتب الهُنغاري لوكاش بَدَأتُ بعده أرفض فِكرَةَ التناقض الاجتماعي وأدعو للتَّواصلِ الإنساني كبديل لواقع الصراعات التي هي صِراعات سياسية لا دينية، وهِيَ وليدة بيئة اجتماعية سياسية وكتبت هامِساً صارِخًا أن النصر الحقيقي لن يكون ما بقي هناك:
سفك دمٍ
أحاوِلُ أصغي إلى ما اعتدتَ قولَهُ
“المنتصِرُ اليوْمَ هُوَ المَهزومُ ذات غَدٍ”
وقَدْ عَلَّمَتني الحياة
أنَّ دوامَ حالٍ مِنَ الْمُحال
وأنْ نصرًا حَقيقيًّا في نِزاعٍ لا يَتَحَقَّق
طالَما فيهِ يُسْفَكُ دمُ
فالنَّصْرُ يكونُ
حينَ يَسودُ سِلْمٌ دائِمٌ هذِهِ العامِرَة
وَيَنْتَعِشُ حِوارٌ دافئ
كَنَسيمِ الْجَنوب بَيْنَ هذا وذاك
فَتَتَفَتَّحُ بَتَلاتُ زَهْرَةِ
فِكْرٍ دائِمَةُ التَّجَدُّدِ والْحَياة

هذا التفكير وهذه الكتابة الشعرِيَّة والقِصَصِيَّة، شعرتُ بعد طول حياة، أبعدتْ الضُّغوطَ الحياتية السياسية والعنيفة عَنّي، لكنَّ المؤسسات الرسمية، المعارف وغير المعارف اليهودية والعربية ـ بذلَتْ جهودًا دائمة لفرض الابْتِعادِ عن كتاباتي وعنّي شخصياً .

المجلة الثقافية الجزائرية: الشبكة العنكبوتية –كما تعلم- بات ساحة مفتوحة أمام (الشعراء الافتراضين) الذين ينتجون نصوصاً ضعيفة في مواضيعها وصورها وركيكة في لغتها وتعابيرها.. برأيك: هل عجز المبدعون الحقيقيون عن استيعاب مقومات الحداثة والانتماء إلى الزمن الراهن؟
إبراهيم مالك: ما تقولُينه هو الصحيح . أشكرُك كثيراً .

 المجلة الثقافية الجزائرية: اللافت أن مشروعك الإبداعي يهتم بالإنسان بغض النظر عن انتماءاته الدينية والسياسية، كيف تكتب عن الإنسان ضمن مناخ استهلاكي عام فقد الكثير من قيمه الإنسانية والأخلاقية العليا؟
إبراهيم مالك: هذا صحيحٌ أيضًا ، لكِنَّني في عيشي أرفض أن أكون واحدًا من هذه المناخات، فأكْتُبُ نبضَ عقلي وهَمْسَ حُلُمي وآمالي الإنسانية. وعَلَّمتني تجرِبَة الحياة أن أحترم كثيراً الحكم الحياتية والتفكير الديني وبَدَأتُ أتحدَّثُ عن التواصل الفكري والحياتي بَيْن الدينين المَسيحي القديم والناشئ في العراق وسوريا وليس في القدس وفي فلسطين وبين الدين الإسلامي الحديث نِسْبِيًّا ورأيتُ فيه قِمَّة الفكر الديني والحكم الإنسانِيَّة الحياتية .

المجلة الثقافية الجزائرية: ضمن هذا المناخ -وفي ظل ما تشهده المجتمعات العربية من تجاذبات فكرية حادّة- كيف يستطيع المبدع تخطي مطبّات الدين والسياسة والأعراف الاجتماعية لأداء دوره التنويري والأخلاقي؟
إبراهيم مالك: الكاتب المبدِعُ الحَقيقي لا يصيرُ كاتبا مُبدِعًا حَقيقِيًّا، إلّا إذا ابْتَدَأ يُطوِّرُ موهبته بالقراءة، أوَّلًا، وبالكِتابَة لاحقًا ويَبْقى دائم التَّجَدُّدِ القرائي والكتابي والتَّعَلُّمِ مِمّن كانوا من قبل رموزَ الحضارات والثقافاتِ الإنسانِيَّة .

 المجلة الثقافية الجزائرية: كيف تريد أن نختم الحوار؟
إبراهيم مالك: لك عزيزتي ولرئيس التَّحْرير ولموقع المجلة الثقافية الجزائرية كل الاحترام والتقدير الصادق .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق