ثقافة السرد

ضائعٌ بين أقرانه (2)

رشيد مصباح (فوزي)

(2)
بتُّ أكثر حذر من ذي قبل؛ وقرّرتُ عدم العودة لأولئك”البلْدية” الذين سخروا منّي ومن لهجتي. بدأتُ أشعر بالنّقص تجاههم نتيجة هذا الاختلاف الواضح، ليس في الكلام فقط، بل في المكر والدّهاء، والاستهزاء بالآخرين. لم تعجبهم ألفاظي، لساني الشّاوي “الشّعراوي” لا يشبه ألسنتهم الأعجمية المتمدّنة. سلوكي الثّقيل لا يتلاءم مع شطارتهم.
بقيتُ وحيدا أُترقّب لعلّني أعثر على نزيل جديد، أمضي معه تجربة جديدة. أتجوّل بين الأسرّة وليس هناك سوى هميس رجال لايكترثون لحالي، أو تنازُع شيوخ أنهكهم المرض. وجدتُ سلوتي في عمّي(مسعود)؛ رئيس المصلحة، صاحب الشّاربين الأسودين المبرومين، سريع الكلام، خفيف الحركة، الرّشيق، النّشط، كثير السّخط على من حوله من المرضى والعمّال. يأتي كلّ صباح في الموعد المحدّد، كأنّما يشير إلى ضبط الوقت، لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلاّ وقد أجرى عليها مسحا ببصره الثّاقب. عمي( مسعود) شخص فريد من نوعه. لكن في ناصيته الخير فلا يلبث أن يأتي العامل بعده يجرّ عربة ينقل فيها “قازال” إناء الحليب الكبير وحزمة الخبز. وعلى كلّ من يرغب في تناول فطوره أن يلزم مكانه. كنتُ سبّاقا إلى سريري قبل وصول صاحب العربة، لأكون جاهزا كالعادة. كنتُ قبل مجيئي إلى المستشفى أعبّ الحليب عبَّ قبل أن أخرج مسرعا أطلب اللّهو في الخارج. لكن في هذا المكان بالذّات ليس هناك مجال للعبّ ولا للهو واللّعب؛ كل شيء هنا بمقدار، وكل شيء هنا يخضع لنظام. لك الحقّ في مقدار من الخبز والحليب، فليس بمقدورك الحصول على المزيد. ولك الحقّ أيضا في مساحة محدودة، فليس بإمكانك تجاوزها. لكن حين كانت العلاقة حسنة مع أقراني “البلْدية” كنتُ أتجوّل برفقتهم داخل وخارج البناية الكبيرة، وأتسلّل أحيانا معهم إلى أفنيتها الفسيحة دون أن يعترض سبيلنا أحد من العمّال والمراقبين.
وما هي إلاّ لحظات حتى يحين موعد العلاج، ويقتحم الممرّض الصّالة الكبيرة بعربته المسطّحة ومن فوقها أصناف الأدوية والحقن على اختلاف ألوانها وأحجامها، فيهرع كل واحد منّا إلى سريره كبير وصغير. كنتُ أتألّم مرّتين؛ من الانتظار، وعند رؤيتي له وهو يشحن حقنة، تفوق كل أحجام الحقن التي فوق الطّاولة، بماء البحر؟، ويبعجني بها(في البطن). ثم يعود في المساء، قبل أن تهدأ الحركة ويعمّ السكون.
مكثتُ في المستشفى شهرا كاملا تقريبا، ثم جاء أبي ذات صباح يطلب منّي الاستعداد للخروج قبل أن يتوجّه إلى بعض المرضى فيودّعهم متمنيّا لهم الشّفاء العاجل، وكم فرحتُ بهذا الخبر، وتبعتُ والدي مسرعا، أستشفّ ما في الخارج، أتلهّف لرؤية والدتي وليس لي من غيرها سوى أختٌ رضيعة أقبّلها على جبينها.
في طريقنا إلى البلْدة، كنتُ أحاول تارة تقليد مشية أبي الذي “كأنّما أُنشِط من عِقال”، وتارة أنظر في وجهه المتهلّل، وقد خيّم الصّمتُ لفترة وكرهتُ ذلك، وكنا قد انتصفنا الطريق المعبّد المؤدّي إلى وسط المدينة، بعد قطعنا مئات الأمتار منه.
فتنبّه لي، وارتأى له أن يبادرني إلى الحديث، فقال لي بصوت متموّج يخفي من ورائه مشاعر جيّاشة والابتسامة لا تكاد تفارق مُحيّاه: ” هل تستطيع الرجوع وحدك لو طلبتُ منك ذلك؟”.
يقصد أن أعود إلى المستشفى عبر نفس الطّريق دون مساعدة رفيق ؟
فأجبتُه دون تردّد؛ إجابة الواثق من نفسه الذي كبُر وبلغ سن الرّشد ولم يعد في حاجة إلى مساعدة من أحد: “أسهل مايكون يا أبي”.
فيردّ بابتسامة عريضة تحمل في طيّاتها كثيرا من الإعجاب والرّضا.
عدتُ إلى البيت فرحا مسرورا، كل شيء على حاله لم يتغيّر؛ البيت العتيق، غرفة النوم حيث يوجد المذياع معلّق بأحد جدرانها، المطبخ الصغير، غرفة جدّتي المسكينة التي تعاني من الرّعاش، أرضية الفناء الحدباء تتوسّطها دالية العنب . ثم هذا الذي يسمّونه “الكوري”، بمعنى الاسطبل ولم يُربض به ذو ظلف أو ضرع، ليس فيه سوى حصير حلفاء قديم أو مكان زاوية لقضاء الحاجة. أما خارجه فسكّة القطار التي نضع عليها الأشياء المعدنية الصلبة فنحصل على شفرات وأسلاك حادّة، و حين يمرّ القطار نرميه بالحجارة فيتوقّف أحيانا لتقييم الخسائر. وهناك على عشرات الأمتار الملعب البلدي الوحيد في القرية هو الآخر يأخذ نصيبه من الحجارة فتصيب بعض اللاّعبين وتتوقّف المقابلة. في النهاية لم يتغيّر شيء، وبقي كل شيء على حاله، كما تركته قبل ذهابي إلى المستشفى.
وانصرفت إلى اللهو من جديد، ولم أشعر بالصّيف قد مرّ مرور الكرام، وجاء موسم الخريف، موسم الجد والنّشاط، وثمّة أمر جلل كنتُ أتحيّنه، وقد بلغتُ من العمر الستّ سنوات. وها أنا أنظر إلى البدلة الجديدة التي انتظرتها أياما بلياليها لا أنام ولا يغمض لي جفن حتى أحضّنها كما يحضّن الطّائر بيضه.
وأرتديتُ المئزر الأسودَ فوق البذلة الجديدة، وأردفتُها بحذاء برّاق، والتحقتُ بالمدرسة. لا أتذكّر كيف ولا متى ولا مع من وصلتُ إلى المدرسة، غير أنّني حين سمعتُ أسمي وأنا في السّاحة سارعتُ إلى المعلّم، واصطففتُ أمام الفصل مع بقية التلاميذ.
وكان المعلّم ( سي الطيّب) -رحمه الله- فنّانًا بما تحمل الكلمة من معنى، يعشق كل أنواع الفن بما في ذلك الرّسم، وكم تفاجأتُ حين ولجتُ إلى القسم بتلك اللّوحات الجدارية المميّزة التي ازدانتْ بها جدرانه الأربعة.
انشغلتُ بالواجبات المدرسية عن اللّهو واللّعب في الخارج. لكن بقي هناك إشكال في اللّغة العربية التي وجدتُ صعوبة في التأقلم معها، سيّما وأن بعض الألفاظ “الشّاوية” التي حسبتني قد تخلّيتُ عنها بمجرّد احتكاكي بأقراني “البلْدية” بقيتْ عالقة بلساني. وكانتُ والدتي -طيّب الله ثراها- تشجّعني على المثابرة وتشاركني في تهجئة الكلمات. وجاء اليوم الذي طلبتْ منّي أن أُعرّف لها بعض الصور، وحين وصلتُ إلى صورة الهلال وبدلا أن أسميّه باسمه خانني لساني “الشّاوي” أو “الشّعراوي” وتلكّأ ثم انطلق ليقول: “يورٌ”، وهو اسم الهلال بالشّاوية. وعلى الرّغم من ذلك فقد كانت نتائجي في السنة الأولى ابتدائية طيّبة، وكنتُ أحصل على المراتب الأولى. ولم أشعر بالأيام وهي تمرّ عليّ كسحابة صيف ثم تأتي العطلة الأولى فالثانية، وجاء الصيف ومعه العطلة الأخيرة، وحلّ موسم اللّهو والافراح، وتخلّصتُ من المئزر الأسود ومن كل الواجبات المدرسية وكذلك المحفظة وما فيها من كتب وكرّاسات، واختليتُ بكرة الجوارب والقماشات القديمة، لكن لن أستطيع أن ألعب الغمّايضة مع أبناء العم هذه المرّة، لأن أبناء العمّ قد رحلوا وعادوا إلى ديارهم بالبادية.
يتبع …/…

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق