قراءات ودراسات

إئتلاف المكان والزمان مع الشخوص في رواية ضجيج الضفادع

للكاتب المصري السيد نجم

بقلم: أمل رفعت

فيما مضى حينما نوقشت هذه الرواية في مكتبة الإسكندرية منذ عامين أو أكثر لم أكن على علم بأنني سأعود إلى قراءة هذا العمل مرة أخرى؛ بالرغم من أنني لم أنسَه لأنه ببساطة ترك أثرًا وهذا يدل على حسن صياغته وعلى أهمية موضوعه ولكن الدراسة والرواية بصيغة ال pdf قد ضاعتا من اللاب توب أثر فيرس أصابه، ووجدت الآن أن هذا العمل مواكبًا للأحداث من حيث أهمية العنصر الرئيسي فيه ألا وهو نهر النيل وهذا النوع من الروايات التي ستظل شاهدة على تاريخ النيل وخلوده.
فلننظر أولًا إلى العنوان وهو له صوت يتمثل في الضجيج ولون يتمثل في الأخضر بدرجاته وهو لو الضفادع ويتمثل في مكان وهو ما تعيش فيه الضفادع وهو غالبا مستنقع أو مكان طيني به طمي كشاطئيّ نهر النيل وهو العنصر النابض في الحياة كما جاء به السرد، كما أن هناك عنصرًا خفيًا في العنوان وهو حركة الصوت من ارتفاع وانخفاض فنقيق الضفادع في علوه وانخفاضه يعطي إحساسًا بالحركة، وكلمة ضفدع قد تكون سبة او سخرية إذا أطلقت على شخص ما، فقد تشير الضفادع في العنوان إلى شرذمة من البشر… ربما، وربما قد تشير إلى المستضعفين في الأرض… ربما، لذا مع حيرة العنوان يأتي الأنجذاب، لأن به مشهدية متخيلة وواقعية مأولة.
أذا نظرنا إلى الإهداء الذي شدني بجاذبيته، فهل يشكك المؤلف في صدق صنف أو فن الرواية؟ بالتأكيد لا؛ لكنها حنكة المؤلف للإيهام بأن الرواية لا توحي بحقائق وأنها من وحي الخيال، وبالتأكيد قد ثبت صدق الرواية الآن في زمن النهضة المعادية للنيل، إنه صدق (ضجيج الضفادع) وللعودة إلى الغلاف الخارجي؛ يا ترى ماذا يحكي لنا؟..
إنه لفتاة لها نظرة ثاقبة طيبة متسائلة، بها تمرد وعناد ولوم، ماذا تريد أن تحكي لنا؟
للإجابة على التساؤلات؛ يجب الولوج إلى الفصل الأول ولنتخطى عنوان الرواية لأنه لن يشرح شيئا فمهمته أن يجذبنا إلى الداخل، وفصل بعنوان أصل الحكاية، فها هو سيفك لنا الألغاز، أقصد لغز العنوان والغلاف.
أصل الحكاية
ها هو المؤلف يطلب منا نحن القراء أن لا نعتبر موضوعه رواية لأنه لا يجيد فن صياغتها؛ بالتأكيد هذا مدخلا جيدًا للبداية، وأرى أنه بهذه البداية الراقية قد صنع جوًا اندهاشيًا؛ يجعل المتلقي يتعجب متسائلًا: إذًا لماذا يكتب لنا طالما أنه لا يجيد فن الرواية ولماذا يكتب على الغلاف روايه؟” بالتأكيد كل متلقي متأهب لمعرفة الموضوع الهام الذي يعرضه المؤلف الذي لا يجيد الرواية، وأنا أجهز نفسي للدخول على شئ هام للغاية..
_جميلة هي البطلة الثانية بعد المؤلف وهو الراوي (البطل الأول), ويدخل هذا الراوي في حكايته مع النيل كما يخبرنا، لكنه مراوغ منذ البداية بدعوته لنا نحن السادة القراء أن نعذره إذا جنح إلى موضوعات متفرعة، ها هو يقص حكايته مع بحر النيل وهو من المهندسين الزراعيين القدامى، ويذكرنا في ذات الوقت عن محمد علي باشا مؤسس مدرسة المهندس خان ودوره في رعاية نهر النيل، وقد اختصر جميع قراءه إلى شخص واحد فقط يروي له قصته، ثم يتذكر أننا أكثر من واحد ويكلمنا كجموع المتفرجين، وهنا أشعر كقارئ بأنه سيكون لي دورًا كبيرًا في هذه الرواية والتي ليست رواية من وجهة نظر المؤلف.. ومن حيث الرواة سيختلط علينا الأمر بين الراوي العليم وبين عبد الوارث ذلك المهندس الزراعي العالم بخفايا بيته وأهله والقرى المحيطة بالبيت والتي منها المنصورية، ولا يهم تعدد الرواة طالما هم من شخصيات العمل وقادرين على التعبير عن أنفسهم.
والبداية الحقيقية في وضع المعلومات العلمية وسط النص كأهمية القناطر مثلا في وقت الجفاف، وهذا التوضيح ليس من باب التقرير ولكن يضع المؤلف مفتاحًا في كل فقرة عن البطل الرئيسي في النص لأن المؤلف هو الذي اختاره بطلًا ولم يعطِ لنفسه دور البطولة بل احتفظ بدور الراوي، ومن هو البطل الرئيسي؟ أه إنه النيل بالطبع من وجهة نظري، وذلك بالرغم ن تعدد الأبطال.
المشهدية هنا تطغى على حالة الوصف، فأنت كقارئ تتعايش مع المشاهدات، وأنت لست في مختبر بل أنت تشاهد مقاطع من الحياة بالرغم من عدم ظهور أي حدث كبداية رئيسية، فالحركة كلها يقوم بها البطل الأول وهي بداية لأنسنة الأشياء كنهر النيل والقناطر وكل مايخصه حتى الطبيعة كالفيضانات وربما الضفادع التي تحوم حوله!
وصف المكانية المحيطة بالدلتا ونهر النيل وذكر تاريخها، لم يكن في نظري إسهابًا أو حشوًا بل هو تمهيد لما هو آت، ولا يشعر القارئ أنه يقرأ رواية ولا كتاب علمي ولا حتى سيرة ذاتية، فالمؤلف متعمد منذ البداية على تشتيت القارئ المسكين وصرفه عن أنه يقرأ رواية، ولكنه ذكر منذ البداية على إهداء هذا القارئ شيئًا جميلًا، وهو كذلك؛ فلا ملل في الموضع، أنا شخصيا أشعر أنني أقرأ شيئًا جديدًا، إلى الآن بالرغم من أن هذه هي القراءة الثانية، لكنها الأولى في زمني الحالي.
بعد محاورة القارئ وإشراكه في الحكي يأتي في جزء(همس ليلة نيلية 1) ومن هنا تبدأ بداية جديدة مختلفة كل الاختلاف عن تيمة البداية الأول
_حكاية البنت حفيظة مع السارد وربطها بعروس النيل معادلًا موضوعيًا مناسبا وربط الأحداث متسلسل وغير مقحم كما بدا لنا أحيانًا في الفصل الأول، ولكن السارد ذكي؛ فهو كان يحاكي القارئ، وكان واجبًا عليه مده بالمعلومات اللازمة عن نهر النيل كبداية أولى حتى يندمج القارئ بعد ذلك في الرواية ويعمل على ملاحقة أحداثها أما في جزء(2المنصورية ليست وطني) ونلاحظ أن صوت السارد تغير؛ إنها جميلة، لماذا كان صوتها في هذا الجزء؟
_ تستمر جميلة في الحكي؛ لتروي بداية دخولها ومعيشتها مع عائلة عبد الوارث، وحكايتها مع النيل منذ أن غرق والديها في فيضانه حتى عيشها في بيت المنصورة، وبلمحة فنية تحكي عن القوى الثلاثة التي تعيش في بيت عبد الوارث بالإشارة إلى أولاده الثلاثة وعملهم، الجنرال وسلطة الشرطة، وعلام وسلطة الأعلام، والثالث في كلية الحقوق ويعطي هذا إشارة إلى القضاء.
_ في فصل رامز الجن نجري وراء شخصية رامز الجنرال ويتضح من الأحداث أن الأب غائب عن شقاوة ابنه الصغير، فالجنرال صبيًا والأب في مهمة ومؤتمر للحفاظ على حصة مصر من النيل، وهنا يؤكد المؤلف أن الرواية رواية شخوص والبطل لا يزال هو نهر النيل حتى هذا الفصل، وسوف يظل إلا مالا نهاية بطل الرواية بل بطل مصر الذي يجب المحافظة عليه فمحاولات حرمان مصر منه قديمة الأزل، ولا يزال رامز ممثل السلطة المرعبة يبين كراماته منذ حداثته على صبية القرية، وهو إسقاط هام لاستخدام السلطة والاستعداد النفسي منذ الطفولة ويتجلى ذلك في صورة لعبة العسكر والحرمية والتي يمارس فيها رامز صورة العسكر بكل مظاهرها الظاهرة والخفية.


_ الشخوص تعني العديد من الإسقاطات مثل الجد وعلاقته بالكرامات ولا تنفصل أي شخصية عن السياسة الواقعية سواء كانت تاريخية أو حديثة وسياسة النيل كشخص معنوي ممتدة عبر الأزمنة، كما أن الإسقاطات التي يمثلها الشخوص يتلاعب بها المؤلف بمهارة خاصة الشخصية الممثلة للإعلام ودورها في توجيه العقل المتلقي.
_ جميلة ربما توحي لنا الحكاية بأنها الشخصية المعطاءة وانها إسقاطا على مصر، ولذلك جعل لها حوارًا لا ينقطع سواء كان مسموعًا أو صامتًا، وجعلها راويًا في كثير من الأحيان، ولم لا وهي رمز للحنان والأمان حتى للسلطات الثلاثة المتمثلين في أولاد عبد الوارث.
_ يجب النظر إلى العمل الأدبي ككتلة واحدة حتى وأن كان مقسمًا إلى قسمين أو إلى عدة أقسام، وهذه الأقسام قد يرى المؤلف أنها تسهل على القارئ، لكن القارئ ذكي ويربط الأحداث والزمان والمكان والشخوص مع بعضها البعض ويخلطها معًا.
_ أهم راوٍ هو عبد الوارث المصري لأنه ببساطة يروي عن حياة أبدية تختلف عن حياة من يعيشون على جانبي صاحب تلك الحياة ألا وهو نهر النيل الخالد.
_ ثورة 25 يناير حدث هام بدون الدخول في التفاصيل وذلك بالأشارة إللى ميدان التحرير ورؤية الجنرال باللبس المدني، كذلك الإسقاط لما بعد الأحداث حيث عادث السلطات إلى أماكنها ويقصد بها الإعلام والشرطة.
_ لم تغب بعض الومضات الصوفية؛ فهناك لمحات من الصوفية بذكر مولانا الفولي وكراماته، وتكرار الحديث عن تجلياته بطول العمل.
_إن اعتبرنا الرواية رواية شخصيات فالمؤلف يحلل تلك الشخصيات ولا يعرضها بل يتولى عرض ظروفها النفسية والإجتماعية والسبب في وصولها إلى ما وصلت إليه، والتصرفات الإنفعالية وثوابتها وذلك من وجهة نظر الكاتب ومن وجهة نظر كل شخصية على حدة.
_ كل الشخصيات في النص تقاوم، فهانم تقاوم المرض وتحاول النزول إلى الشارع والتلاحم مع الناس وهذا له معنى وإسقاط سياسي كذلك الجنرال في حالة تمرد تام على كل ما يخالف سلطته، وكذلك الإعلامي وشخصية عصام المحامي، أما جميلة فحالة الصمت المنعكسة عليها كما وصفها المؤلف كجزء منها منافية للتمرد على أي شيء فهى كممثلة لمصر معطاءة على الدوام وكذلك عبد الوارث الذي يهجره أولاده ولا يحتاجوه إلا حينما يحلوا لهم فهو يمثل نهر النيل ويشتكي لجميلة مما يحدث حول ذلك النهر القريب والبعيد ويلوح لجميلة بأخبار ذلك السد وهو الخطر البعيد القريب جدًا إلى حد التلاحم، فإشارات عبد الوارث بذاك الخطر تزعجه وحتى جميلة اندمجت مع أخبار النهر المظلوم من أهله وبدا عليها الخوف عليه بعد أن كانت تخاف من الفيضان.
_ ضجيج الصمت؛ هو عنوان أحد الفصول في القسم الثاني كما قسم المؤلف العمل، فماذا يعني؟ يعني التناحر والتصارع الفكري بين شخوص النص والمفترض أنهم قد خرجوا من بيئة فكرية واحدة، لكنهم انقسموا شيعًا وأسباطًا، وهذا يعد إسقاطًا على الشعب بأكمله.
_ كانت النهاية كأنها دائرية بالعودة إلى النيل مرة أخرى والمخلوقات التي تعيش من حوله وعليه، وإجابة عل السؤال الذي قد يحمله العنوان، لماذا تصدر الضفادع النقيق، ولماذا يصبح صوتها ضجيجًا؟
_وها هي النهاية؛ فيسأل المؤلف القارئ عن مدى إعجابه بهذا العمل الذي هو ليس بالرواية كما أكد ولكنه نوع من الحكي التاريخي، ثم يمضي على أقواله أو اعترافاته بأن ما كان هو بقلم عبد الوارث المصري، أرى أنه لا يريد تسمية أو تصنيف للعمل فهو الراوي والبطل والأحداث وكل الشخوص والأمكنة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق