ثقافة المقال

لم ولمن نكتب…؟ (2/2)

بقلم: منير مزليني

لمن نكتب…؟
اطلعت في الأيام القليلة السابقة على ملف ثقافي يجيب عن سؤال حول أزمة النقد؟ شارك فيه جملة من الكتاب والأساتذة الجامعيين من مختلف الجامعات، فرحت أقرأ المقال تلوى الاخر، فوجدت أحدهم يركض وراء المصطلحات والتراكيب الغريبة والمبهمة ناسيا الموضوع أو متناسيا، وفي الأخير لا تأخذ منه حقا ولا باطلا ! فيما راح البقية ينافسونه في ذلك الطرح على المنهاج نفسه والأسلوب ذاته، محاولين استظهار طاقات في غير موضعها ومهارات في غير سياقها! لأنتهي من ذلك كله بسؤال ملح يقول: هل نحن نعي لمن نكتب؟
فالمنبر المخاطب منه والمستكتب فيه هو منبر ثقافي عام، وهو بعيد عن مدرجات الجامعية والمداخلات الأكاديمية، والمتلقي فيه مفتوح على كل الاحتمالات والمستويات، ومراعاة هذا الأمر من الأهمية بمكان إذا ما أردنا لخطابنا وأفكارنا أن تصل وتؤدي دورها المعرفي التثقيفي التواصلي المنشود. ولست هنا لمحاكمة تلك الأعمال أو نقدها أو مناقشة مستواها ولكن ما يهمني في هذا السياق هو الإجابة عن سؤالنا: لمن نكتب…؟
وهذا ما يقودنا بالضرورة للحديث عن نظرية التلقي ولو بإيجاز، كونها المجال الوحيد الذي يعرفنا بالمتلقي ويبن خصوصياته وامكاناته ودوره في قراءة الخطاب وبعثه واحيائه وابداعه من جديد، وذلك بجملة من المرتكزات والعناصر الهامة التي يجب تبينها وملاحظتها.
نظرية التلقي:
حيث ظهرت نظرية التلقي في النصف الثاني من القرن العشرين، أي في ستينيات القرن الماضي على يد الباحثين الألمانيين (هانز ياوس) و(فولفغانغ ايزر) من جامعة (كونستانس) وهما اللذان وضعا الأسس والأطر المنهجية والعملية لهذه النظرية التي ظهرت على إثر المناهج السياقية ( المنهج الاجتماعي والتاريخي والنفسي ) والمناهج النسقية (البنيوية، وكل المناهج التي اهتمت النسق اللغوي الداخلي للنص)، أين ركزت الأولى على (الجانب الخارجي للنص) أي على المبدع ومحيطه، فيما اهتمت الثانية (بالجانب الداخلي) أي النص أو العمل الإبداعي، بينما اهتمت نظرية التلقي وركزت على المتلقي وبينت دوره في العملية الإبداعية، مع الإشارة إلى أن هناك ارهاصات وربما فرضيات سابقة لهذا النظرية، وقد نجد منها في الثقافة العربية لدى ابن العربي حينما تحدث عن علاقة المدرك ـ بفتح الراء ـ بالمدرك ـ بكسرها ـ ، ولكن ليس هذا مجالها الآن، لنعود إلى نظرية المتلقي كما وضعها صاحباها فوضعا لها أربع مرتكزات أو مصطلحات هي: ( أفق التوقعات ، المسافة الجمالية، ملء الفجوات ، القارئ الضمني)، أين يمكن تقديم شرح مختصر لها معتمدين في ذلك على ما تفضل به الأستاذ الناقد ( إبراهيم حجاج ) في تقديم هذه النظرية بتصرف. والتي يقصد بها ما يلي:
أـ أفق التوقعات: وهي مجموع المعارف والتجارب والخلفيات الأدبية والثقافية التي تشكل بدورها جملة من التوقعات لدى المتلقي ليستقبل بها النص أو العمل الفني ويستقرئه بها، حيث ينشأ حوار بين تلك التوقعات وبين ما يقدمه النص بالفعل (أفق النص)، وهنا إما أن يتوافق الأفقان أو يختلفان، فإن توافق أفق توقعات المتلقي مع أفق النص، يشعر المتلقي بالرضى ولكنه يعود سلبا في هذه الحالة على النص لكونه لم يقدم الجديد. أما في حالة الاختلاف، فهنا تكون الصدمة أو المفاجأة، وبالتالي يحدث الجذب والاعجاب أو النفور والاستهجان من قبل المتلقي. وهذا ما يقدونا إلى المفهوم أو المصلح الثاني.
ب ـ المسافة الجمالية: فحينها يحدث ذلك الاختلاف بين توقعات المتلقي وأفق النص أو العمل الفني تتحقق المسافة الجمالية، وبقدر حجم ذلك الاختلاف يزداد حجم المسافة الجمالية. ويمكن أن نضرب مثالا هنا لتقريب المعنى أكثر، حين أصدر الشاعر العربي الكبير نزار قباني ديوانه الثاني ” ثورة نهد ” سنة 1948 أحدث صدمة في العالم العربي وفجر ثورة شعرية وثقافية على كافة الأصعدة سواء على مستوى الشكل والبناء أو على مستوى جرأة الطرح واللغة التي تناولته، ابتداء من العنوان وصولا إلى آخر كلمة فيه. فخالف إذاك الشاعر أو النص كل توقعات القارئ العربي والذي مازال متمسكا بالقصيدة العمودية والشكل الكلاسيكي للشعر لكن نزار صدمه بالطابع التفعيلي الحر، واللغة اليومية السلسة والمعاصرة مع الجرأة الصريحة والمباشرة. لكنها كانت صدمة جميلة ونجحت في أن تجذب القارئ العربي إلى تلك التجربة، وجعلته يستمتع بتلك اللغة الجديدة والسلاسة في البوح.. وهذا ما قدمه الباحث (هانز ياوس) من مصطلحات، أما الناقد والباحث (فولفغانغ إيزر) فقد قدم كل من المصطلحين الأخرين مرتكزا في ذلك على خلفيات (الفلسفة الظاهرتية) القائمة على مبدأ ” لا وجود للظاهرة خارج الذات المدركة ” والتي سبق وأن أشرنا بذكر بن العربي الذي سبقهم إلى هذه الفكرة قبل قرون عديدة بقوله ” لا وجود للمدرَك بدون المدرِك ” ـ وهذا للتذكير فقط ومن باب إعطاء كل ذي حق حقه ـ أما المصطلحين الذين قدمهما (إيزر) فهما:
ج ـ ملء الفجوات: وتعني بكل بساطة أن كل عمل فني أو أدبي يترك به صاحبه (فجوات مقصودة) أو (مناطق غموض) يضطر القارئ إلى ملئها معتمدا في ذلك على ثقافته ومكتسباته المعرفية وخبراته الابداعية وبذلك يكون حق حقق التفاعل الحقيقي والإبداعي بينه وبين النص أو العمل الإبداعي. فمثلا ” نجمة ” للكاتب الجزائري (كاتب ياسين) تمثل “فجوة” أو “منطقة غموض” في الرواية تستوجب ملئها وهي تحمل المتلقي للتساؤل حولها، هل يقصد ب ” نجمة” امرأة بذاتها أو الجزائر أو الحرية أو ماذا؟ كذلك في مسرحية (في انتظار غودو) للكاتب المسرحي الكبير (صامويل بيكيت) فشخصية “غودو” تشكل نقطة غموض وفجوة في النص كان على القارئ ملؤها، فذهب كل قارئ فيها مذهبه وكل بحسب ثقافته ومعتقده وتجاربه، وهذا ما يقذونا إلى المصطلح الرابع لنظرية التلقي.
ـ القارئ الضمني: ويقصد به أن كل مبدع وهو يكتب أو ينجز عملا فنيا يضع نصب عينيه أو في ذهنه قارئا معين يتوجه له بهذا الخطاب أو الابداع ويسميه إيزر بـ”القارئ الضمني”، والذي يقابله في الواقع “القارئ الفعلي” وهذا الأخير هو الذي يهمنا في هذه النظرية وليس القارئ الضمني الذي يتخيله المبدع أو الكاتب، فهذا القارئ الفعلي أو الحقيقي هو الذي سوف يتلقى النص ويقرأه انطلاقا أو بمساعدة خبراته وثقافته وتجاربه الأدبية والفنية والفكرية وكذلك استعداداته الفطرية من خيال وقدرات على التحليل والاستقراء والاستنباط. وهذا الأمر يأخذنا بدوره إلى موضوع مستويات التلقي والقراءة أين يقسمها الباحث إلى مستويين: (مستوى الادراك المباشر) و (مستوى الاستذهان)، وهنا يطول الشرح ونكون قد بعدنا كثيرا عن سياقنا ومجالنا المسموح به في هذا الفضاء المحدود، ولكن الأسئلة لا تنتهي حول سؤالنا، لمن نكتب؟ وما طبيعة هذا المتلقي؟ وكيف يتلقى إبداعنا؟ وما أهميته ودره في العملية الإبداعية؟ وهل يمكن أن نكتب أو نبدع للفراغ أو لغير المتلقي؟

المتلقي في العملية الإبداعية:
يرى الناقد السوري خلدون الشمعة أن العملية الإبداعية تلعب بين اثنين، الملقي واللاقط أي بين المبدع والمتلقي، ولا يمكن أن تلعب بصفة منفردة. كما يرى أصحاب نظرية التلقي أنه لا وجود للظاهرة دون وجود المدرك لها. وبالتالي يخدع نفسه من يعتقد أنه في غنا عن المتلقي أو أن القارئ لا يعنيه، فمثل هذا القول يعني واحد من اثنين: إما أنه كاتب فشل في انتاج عمل إبداعي حقيقي أو أنه ينتقم من المتلقي الذي فشل في استقطابه.
لأنه من يعتقد بأن المتلقي هو كائن بسيط أو سطحي أو جاهل فهو الجاهل بحقيقة الأمر، ولأن المتلقي على مستويات متعددة وأنواع كثيرة، فهناك من هو أقل منك وهناك من يساويك وهناك من يفوقك، وفي كل المجالات أو القدرات التي نقصدها. فالمبدع أو الكاتب في حدّ ذاته هو قبل أن يكون مبدعا فهو متلقي وما كتاباته أو إبداعاته إلا قراءة أو إعادة قراءة لنصوص أخرى تناص معها أو احتك بها أو حاكاها في وقت من الأوقات، بل إن المبدع هو قارئ لنفسه ومتلق لأعماله في أول مرة فهو يعيد قراءة أحاسيسه ومشاعره وأفكاره التي استقاها أو تأثر بها من خلال المحيط الخارجي أو الآخر، ثم يترجمها إلى إبداع معتقدا أنه أصيل عنه ومتأصله فيه. فالإنسان بطبعة كائن اجتماعي تواصلي والابداع نوع من التواصل الفني الخاص والراقي الذي يتميز به عن بقية الكائنات الأخرى من حيوانات ونباتات وغيرها، والتي هي الأخرى يمكن أن تتواصل وتعبر ولكن في حدود طبيعتها الفطرية، في حين أن الانسان يتجاوزها إلى القصدية العقلية والتنويعات الفكرية الحرة. لكنه يشترك مع تلك الكائنات في ظاهرة التواصل مع الأخر، وإذا كان الحيوان أو النبات يتواصل مع نظيره لأجل الفعل الطبيعي البيولوجي الفطري فإن الانسان يتجاوزه إلى الغاية الجمالية القصدية الحرة والمتعة الفكرية المحضة. وهنا يجب أن نفرق بين فكرة الرقابة وفكرة التواصل، إذ يمكن للمبدع أن يتجاوز المتلقي رقابيا وألا يفكر فيما يريده القارئ أو ما يتوقعه منه بأن يفاجئه دوما ويختلف مع توقعاته لكون حر في تفكيره وإبداعه وأسلوبه إلى أبعد حدّ يستطيعه، لكنه لا يستطيع أن يتخلى أو يتخلص من حاجته إلى التواصل والتعبير لأنها حاجة فطرية وطبيعية وإنسانية لا يمكن الخروج عنها أو الخلاص منها. فحينما قال الكاتب والمفكر الكبير (عباس محمود العقاد) مقولته الشهيرة:” أنا لا أريد أن أكون مروحة للكسالى النائمين ” أكيد هو لا يقصد التعالي على المتلقي بل هو يحثه على الاستيقاظ والنهوض بدوره كما يجب أن يكون عليه، وهو ما يسمى في مصطلح نظرية التلقي بـ (القارئ المبدع) أو (القارئ العليم) والذي يرتقي إلى (مستوى الاستذهان) الذي يتطلع إليه الباحث (إيزر) في نظرية التلقي.

الخميس في: 23/09/2021

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق