ثقافة السرد

لون لحزن الكون

بشير عمري*

لست مجنونا حتى أعود إلى غرفة الكلام في دماغي، لأفتش في أعماقه عن كل حرف قلته لها مذ كلمتها أول مرة قبل ثلاثة أشهر، فلا أحد بطاقة الارتجاع الكلي والدقيق لسابق الكلام، لكني مع هذا أواصل البحث عن ذلك الشيء الذي قالت إنه ألهمها كثيرا، ولم أصدق يوما وأنا الناضب من الأحلام الملونة والمأخوذ دوما مع مجروفات الأوهام بالليل والنهار، أن أغدو هكذا فجأة ملهما ولمن، لرسامة تجوب الأصقاع وتستدير مع الأرض، تبحث عن أجمل تعبير بالألوان لحزن يعتري الكون..

“حزن الكون”!

وكم أخافني عنوان مشروع لوحة شمس تلك، سألت نفسي إن كانت تعتقد بالقيامة، فالحزن محطة قبيل مفرقين في الآفاق، أنا شخصيا شطبت تفريعة السعادة، رغم أني لم أنصب يوما تليسكوبا على السطوح الخشبية للبيت القديم، لأرى جروح السماء تدمي في الأزون، في الليل تتوشح السماء بالسواد مغلقة كل مفاتنها الزرقاء، هكذا وصفها لي أحدهم عبر النت.

طاقة الكلام لا تمكنني من اللحاق بشمس الرقيقة الحاملة معها لأحلام وذكريات أقل من وزنها الخفيف في رحلتها الاستكشافية، قناعة ترسخت لدي فأنا عادة ما أنسى الكلام بسرعة سواء الذي ألقيه عني أو أتلقاه من غيري، ليس لضعف في الذاكرة، ولكنها فوضى الخزانة، أجل الفوضى مستديمة، ما جعلني أغض الطرف عن الكلام وأتحول إلى الأشياء، عسى أن أقبض على مَلهمتي لشمس، لكن صراحة حتى أشيائي ضعيفة ليست بالتي ترقى إلى إلهامي أنا شخصيا، الجائع دوما من الماضي المتخم بالواقع، أما المستقبل فلا أجده في محددات زماني، فأنى لأشيائي تلك أن تلهم رسامة من حجم شمس تتحدث عنها الصحف تبرق الأضواء على ألوان خيالها المزركش، فازت بجوائز عديدة، استطاعت أن تعلق باريس في لوحة خالية من برج إيفل حولتها إلى أنثى غجرية ساحرة لكل العصور، والمصيبة أن تفضي إلى حدث كوني عظيم، أي شيء امتلكته أنا حقا رفعَ شمس عن أطراف الأطلسي جبالا وبحارا إلى علياء العالمية، وأبقاني أنا في قاع الحواري والأزقة بالأحياء الشعبية أستمع في مقاهيها للزيادة المرتقبة في الأسعار، تحت نغم الشرق القديم؟

“عجيبة هي العلاقات” هكذا دوى الكلام في قعر نفسي، لكني أنصفت حالي وقلت يا ولد ربما كنت واديا تحدى سراب الماء، وصفير رياح الربيع على العطش الصخر والطين، كل البحار، وقد وجدت فيك شمس ما لم تجده في البحر الذي يهيج ويلطم جدران بيتها بالدار البيضاء، ليست كل الأسرار سابحة بكل البحار، وليس البحر مملكة الألوان، وشمس لا تستمع قط للهدير الصاخب أيا كان مصدره، نعم هي قالت لي ذلك، بل تستمع وتستمتع بشكل خاص لهدير الصمت، وحين لاحظت علامة التعجب الصامتة تعلق بوجهي، سألتني عن حقيقة الصمت من وجهة نظري!

أنا يا صديقتي لم أشعر يوما بالرغبة في فهم ظاهر الظواهر والأشياء، فالصمت فراغ احتاجه لأضطجع عليه وأمد روحي مثلما احتاج لفراغ المكان فأمد قدمي وكامل قدي الطويل، صاخبة هي أيامي حتى في الهدوء الذي لا يُرى لأحد، طنين قابع في أذني لم يفهمه الأطباء، إلى درجة أن قال لي كبيرهم “هكذا ربما خُلقت” بجرس أبدي يدوي بداخلك، لا نعلم من أي خطر! ضحكت شمس من هذا الكلام ولم أشأ سؤالها عما المضحك في كلامي، ولكنها بحسها وسمعها الرهيب الذي لا ترصده أذنها بل عضو آخر غير مرئي التقطت احتجاجي من ضحكتها وقالت لي:

أعجبني شكل الصمت عندك!

ليس شكلا في الحقيقة بل أشكال، خاصة بأشكال أشيائي التي ألهم أحدها شمس ودقت به العالمية، أو تكاد، أفتش أنا بكامل قواي العقلية والجمالية التي لم تتجاوز طاقتها مجتمعة حد مساعدتي على البقاء حيا في الأحياء الشعبية الجزائرية، وكم يحزنني حين أتحسس وقود الحياة الذي تبقى في مخزوني، الطريق إلى الأمام المجهول سار نسقه متسارعا، فلو أخبرتني شمس فقط عما لدي يصنع العالمية، لبعتها نفسي ولتفعل بي ما يفعله الأميركان بالأرضي الغنية التي يجثم عليها العرب منذ فجر التاريخ، أن تأخذ كل ينابيع العالمية، وتعطيني مقدار ما يبقيني على صراط البقاء!

وحين طلبتني للحديث عبر السكايب مؤخرا كانت مرتي الوحيدة التي رجوتها فيها التأجيل، لكن من دون أن أفوه بذلك، لأني زعمت أني جمعت كل الأشياء التي أمتلك، وتجلت لي أسماؤها الواحد تلو الآخر، فصرت أدونها في ورقة بيضاء صغيرة، خيل لوالدتي كأن خللا ما قد أصاب عقلي، بينما أخي صغير حسب أنه الإرث الذي سأوصي به من بعدي، لكنه حين رآني أرفع بعض تلكم الأشياء وألقي بها على بلاط البيت ثم أتحسس موسيقى صوتها التحق بركب أمي، قبل أن يضحك ملء الفيه وأن أسأله آخر “شيء” منحته أو أعرته إياه قبل لحظة إلهام شمس، عساه كان هو محل الإلهام، فقال لي:

أنت لا تملك ما تمنحه يا أخي سوى صوت الصمت!

بقدر ما آلمني رده بقدر ما سحرني وأعادني إلى كلام شمس وأشكال الصمت التي تجعلني أغنى الناس، لم آبه بأحد وواصلت التفتيش عن العالمية الضالة بغرفتي عن الجميع إلا شمس، فرحت أغير ملابسي وأقف أمام المرآة أستدير ذات اليمين وذات الشمال، أقبل على مستطيل المرآة ثم أدبر، أجلس وأقوم، لم أجرؤ على سؤالها أين الاكتشاف الذي ألهمتها إياه ونقلها إلى العالمية وحين لم تتجاوب عكس المرات السابقة مع صمتي الحائر والسائل، حولت ناظري باتجاه كل أشيائي ثم جمعتها كركام بعد حرب للتو وضعت أوزارها، ثم قمت لأجلس على عرش أشيائي تلك لساعتين بعد أن سلطت عليها ضوء المصباح البرتقالي الفاتر، المتعب، فانعكس منه لون شاذ لم أجد له سميا في قواميس الألسن الأخرى.

بعدها دق جرس حسابي الإلكتروني، وحين فتحته كانت لوحة شمس قد بلغت نهايتها واستوت على ألوانها، هكذا قالت لي في عنوان الرسالة، انتظرت إلى أن اكتمل مسار تنزيل صورة اللوحة البطيء بفعل ثقل تدفق النت، لأرى الأحمر يخرج متعاليًا كدخان من فوهة الإبريق السحري من الرماد والأبيض لا يكاد يموت ولا يحيا أمام سيل الأسود.

ومن غير أن أستوعب الأمر هنأت بالسكوت المتلبس شمس عن الاكتشاف وهي تبتسم من شكل صمتي، فكتبت تشكرني على أن بقيت لساعتين طيع ريشتها أمام كاميرا السكايب بغرفتي من دون أن أدري وبالمرة سألتني:

ألست تتفق مع الجميع أنه هو ذا اللون العجيب الذي لم يُوجد حتى في قيعان البحار العميقة وهو بغرفتك الطوبية ببيتكم العتيق؟

*قاص جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق