حوارات المجلة

قَولُ الأكثر بالأقلّ!”..حوار مع إدواردو غاليانو

جوناه راسكين

أصدرَ إدواردو غاليانو (1940 – 2015) كُتباً كبيرة وسميكة، من ضمنها “أوردة أميركا اللاتينيّة المفتوحة” (1973)، الكتاب الذي قدّمه هوغو تشافيز لباراك أوباما في أيّار/ مايو (شْرح الصورة يشير إلى أنّ هذا حدث خلال انعقاد مؤتمر لدول الأميركيتين في ترينيداد بتاريخ 18 نيسان/ إبريل 2009. المترجم) آملاً أن يتعلّم منه التاريخ؛ إذ يتجاوز في معناه كونه كتابا يقع في 300 صفحة. وله أيضاً ثلاثيّة “ذاكرة النار: سِفْر التكوين، وجوه وأقنعة، وقَرْن الريح” الذي قارب ألف صفحة. كما نشر مؤخراً كتباً أصغر حجماً، مُجرِباً نوعاً من تفاعل الكلمة مع بيئتها الاجتماعيّة الثقافيّة. أما كتابه الأحدث في صدوره، فهو “مرايا”، المتضمن أكثر من مئة تدوينة أو مدخل قصير عن كلّ شيء تقريباً – من المِلْح إلى الخرائط والنقود، وعن كلّ شخص، من كليوباترا إلى ألكسندر هاملتون وتشي غيفارا. لا تتجاوز أيّ من التدوينات أو المداخل الصفحة الواحدة. إنَّ اتصاف إجابات غاليانو عن أسئلة هذا الحوار بالفصاحة، والشاعريّة، وروح الفكاهة، وأحياناً الالتواء بالقول غير المباشر؛ ليس بالأمر المفاجئ. “أنا أحارب تضخُّم الكلمات، السِمَة الأشدّ سوءاً من التضخُّم المالي في أميركا اللاتينيّة”، كما يقول، “أحاولُ قَوْل الأكثر بالأقلّ – لأنَّ الأقلّ هو الأكثر”.

وَصَفْتَ أميركا اللاتينيّة كامرأة تتكلّم داخل أذنك. أكانت هذه هي أُمك؟

* لا، لم يكن صوت أُمي ما سمعته، بل بالأحرى كانت الأسرار التي هُمِسَت إليَّ من قِبَل حبيبة.

ما الذي خسرته عبر مراحل حياتك؟

* حَسَنٌ، يمكنني القول بأني مجموع إخفاقاتي. حين كنت شاباً، أردتُ أن أصبحَ نجم كرة قدم، لكنني أمتلك قدمين خشبيتين. ثم أردتُ أن أصبحَ قِدّيساً، لكنني لم أستطع أن أكون كذلك للنزوعات والميول الآثمة التي كانت لديّ. بعد ذلك، حاولتُ أن أكون فنّاناً. إني أرسم الآن بالكلمات.

حين قرأتَ لأوّل مرّة تصريح الروائيّة ساندرا سيسنيروس Sandra Cisneros (روائيّة وقاصّة أميركيّة من شيكاغو) بأنكَ تكتب مثل امرأة، ماذا كانت ردّة فعلك؟

* لم أضحك أو أنخر. اعتبرتُ تصريحها ضرباً من الإطراء.

أهنالك ما يمكن وصفه بكتابة الرجل، أو الكتابة كأميركي لاتيني؟

* الأمر المهمّ الوحيد هو الكتابة بصدق. نحن نعرف بعضنا بعضاً عبر الكلمات التي نتكلمها. أنا الكلمات التي أتكلمها. وإذا ما منحتكَ كلمتي فإني أمنحكَ نفسي.

أهنالك روحُ عَصْر، روحُ العصر الذي نعيشه؟

* يمضي العالَم اليوم مثل شخص أعمى عَلِقَ وسط مرمى النيران.

أنا أميل إلى رؤية التاريخ كقصة صعود وسقوط إمبراطوريات. أثمّة رؤية يمكنك اقتراحها؟

* صادفَ أن كانت أفضل قصص التاريخ بلا نهايات مفرحة. بالطبع، إنَّ التاريخ كتاريخ لن ينتهي أبداً. إنه يبدأ متجدداً كلّ يوم، وحين نعتقد بأنه يقول لنا وداعاً، فإنّه في الحقيقة إنما يقول “نلتقي قريباً”.

كانت 1968 سنةً محوريّة بالنسبة لجيلي. أهنالك سنة محوريّة بالنسبة لك، أو أهنالك سنوات محوريّة ذات مضمون جميل نحكيها لأنفسنا؟

* الزمن يسخر من أولئكَ الذين يحاولون قياسه. لكن يبدو لي، أيضاً، بأنّ الزمن يتفهّم حاجتنا لضبط ذكرياتنا بواسطة تواريخ محددة كي لا تتلاشى مثل رمل يُذرى في الريح.

فنّانون وكُتّاب يقولون لي بأنّ “الواقعيّة السحريّة” ليست مجرد مدرسة أدبيّة أو أسلوب في الكتابة، لكنها وسيلة مكتملة للوجود في العالَم. كيف تراها أنت؟

* كلّ الواقع واقعٌ سِحريّ – في الجنوب وفي الشمال، في الشرق وفي الغرب، وفي كلّ الكرة الأرضيّة. ودائماً ما حفلَ الواقع بالمفاجآت والغموض، مع أننا غالباً ما نكون عمياناً لا نراه وصُمَّاً لا ننصت إليه. ربما تستطيع الكتابة المساعدة قليلاً في الإمساك به في كُلّيته المليئة.

اعتقدَ إدوارد سعيد، الناقد الأدبي ومؤلف كتابيْ “الاستشراق” و”الثقافة والإمبرياليّة”، بأنَّ عصرنا، أكثر من أي عصر في التاريخ، يمكن تحديده وتعريفه بأنه عصر المنفيين، واللاجئين، والأشخاص المشردين. ما رأيك؟

* تُعَلِّمُنا الثقافةُ المسيطرة على العالَم بأنّ “الآخر” يشكّل تهديداً، وأنَّ رفاقنا من البَشَر هم خَطَر. سنواصلُ كُلُّنا حالةَ أن نكون منفيين بصيغةٍ أو بأخرى ما دُمنا نواصلُ قبول الصيغة التي تعني أنّ العالَم مضمار سباق أو ساحة معركة. إني أعتقد بمقدرتنا على أن نكون أبناء بَلَدٍ واحد من شعوبٍ مختلفة كثيرة، حتّى وإنْ وُلِدنا بعيداً عن أرض بلادنا وفي أماكن أخرى وأزمان أخرى.

أهنالك مركزٌ للعالَم؟ أهنالك محيطٌ أو طَرَف؟

* كتبتُ كُتبي، وخاصّة الأخير “مرايا”، محاولاً البرهنة على أنْ لا مكان أكثر أهميّة من أيّ مكانٍ آخر، وأنْ لا شخص هو أكثر أهميّة من أيّ شخصٍ آخر. لقد تم تشويه ذاكرتنا الجمعيّة بواسطة المتحكمين بالعالَم، الذين يعملون طوال الوقت على تشويه واقعنا الحالي أيضاً. ينبغي على الدول المسيطرة أن تبدأ تتعلّم كيف تُحِلّ كلمةَ “صداقة friendship” محل كلمة “قيادة leadership”.

حين ننظرُ إلى تشي غيفارا في هذه اللحظة، بعد انتشار القمصان المطبوعة بصوره، والأفلام، والكم الهائل من الكتابات عن سيرته، إضافةً إلى المهابة والاحترام عند جميع شعوب أميركا اللاتينيّة حياله؛ كيف تراه الآن؟

* يواصلُ تشي غيفارا حَمْلَ خصائصه. رجلٌ عنيد محافظٌ على تمرده، ويرفض أن يموت. وهذا لأنه كان إنساناً استثنائيّاً. قامَ بما كان قد قال بأنه سيقوم بعمله، وقالَ ما كان يفكِّر به، وهذا أمرٌ غير عادي. الكلمات والأفعال في عالمنا نادراً ما يكونان على خَطٍّ واحد. وعندما يصبحان كذلك، فمن النادر أيضاً أن يلاحظا بعضهما أو يلقيا التحيّة على بعضهما.

بأي الطُرُق ساعدتكَ الماركسيّة، أو أعاقتكَ، ككاتبٍ للأدب؟

* كانت طفولتي كاثوليكيّة وشَبابي ماركسيّاً. ربما أكون واحداً من الأفراد الذين انصبُّوا على “رأس المال” والإنجيل معاً. ينبغي عَرضي داخل متحفٍ للإنثروبولوجيا. بالطبع، كِلا التأثيرَين ما زالا يعيشان داخلي، لكنهما لا يمتلكاني.

كثيرٌ من الكُتّاب المعاصرين قالوا بأنه من الأسهل قَوْل الحقيقة في الأدب من قوله في صنوف الكتابات الأخرى. هل توافق على هذا؟

* لستُ متأكداً. بإمكاني فقط أن أقول بأنَّ الحقيقة لها طبيعة البُوق العالي حين تجتمع معاً كلّ أصوات الشعراء المضادة للرعب، والجنون، لصالح الجمال.

هل صادفَ أنْ وجدتَ نفسك في مكانٍ حيث ينبغي أن تفكِّر: “هذه ثقافة نامية جداً”؟ هل هناك ثقافة أكثر تقدماً وثقافة أقلّ تقدماً؟

* جميع الثقافات تستحق أن تُعْرَف. جميع الأصوات تستحق أن تُسْمَع. لا أتفق مع القول الشهير لأصدقائي الأعزاء من جماعات اللاهوت التحرري القائل: “نريد أن نكون صوت مَن لا صوت لهم”. لا، لا، ولا ثالثة. جميعنا يملكُ صوتاً. جميعنا يملك شيئاً يقوله للآخرين ويستأهل الاحتفاء به، أو منحه العُذرَ على الأقلّ. ببساطة، صادفَ أن كانت أغلبيّة الإنسانيّة مُكممة، ومحرومة من الكلام.

ماذا تقول عن التكنولوجيا في حالتها الراهنة؟

* اللوم لا يقع على الآلات. لقد أصبحنا خَدَمَاً لآلاتنا. نحنُ آلاتُ آلاتنا. ولا شكّ أنّ أدوات الاتصال الحديثة يمكن أن تكون ذات فائدة كبيرة إذا ما كانت في خدمتنا – وليس العكس. السيارات تقودنا. أجهزة الكومبيوتر تُبَرْمجنا. مراكز التسوّق الكبرى تشترينا.

كنتَ رجل صحافة لمدة طويلة من حياتك. كيف ترى إلى زوال، كما يُقال، الصُحُف كمؤسسات ذات أعراف وتقاليد؟

* لقد تركَت الصحافة تأثيراً عميقاً عليَّ. أنا طفلُ الصحافة، مع أني الآن أخصص معظم وقتي لكتابة الكُتُب أكثر من المقالات. وعليَّ أن أعترف بأني جِئتُ من حقبة المطبعة والطباعة. إنه من المستحيل عليّ، تقريباً، قراءة مقالة أو كتاب عبر الشاشة. أُفَضِّلُ قراءة الورق الذي ألمسه ويلمسني.

وأنتَ تتقدّم في العُمْر، هل أحسستَ يوماً بأنّ البيولوجيا تلعب دوراً أكبر في حياة الإنسان ما كنتَ أحسستَ به عندما كنتَ شاباً؟

* قال آينشتاين بأنه يلزمنا عدة سنوات لنتعلّم كيف نكون شباباً. وهذا ما أعملُ على فعله الآن..

***

 

(*) جوناه راسكين Jonah Raskin مؤلف “ميثولوجيا الإمبرياليّة: نَقْدٌ ثوريٌّ للأدب والمجتمع البريطاني في العصر الحديث”. أما مترجم هذا الحوار، فهو آدم راسكين، مترجم محترف وطالب دارس لأدب أميركا اللاتينيّة لمدة طويلة – تماماً مثلما هو أخوه جوناه -.

المصدر

Monthly Review

1/10/2009

عنوان الحوار

Saying More with Less

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق