ثقافة المقال

لماذا لم يعد الروائي ينظر إلى السماء؟

محمود عبد الغني

هناك أشياء كثيرة في السماء: الله، الغيوم، الطيور، الأمطار، الشمس، الأقمار، الثلوج والرياح. وحسب رواية “بالثزار وسرُّ العميل مولر” لكريسوف شافادران (ستصدر عن “كلمة” بترجمتي) توجد في السماء مشاغل وهموم العلماء الباحثين عن الصخور والحشرات والجراثيم التي هي دليل على وجود حياة أخرى هناك. وإن الأديب لمنتظر أبدي لخيرات كثيرة تنزل من السماء، ليس أقلّها الوحي والأبيات، أو الأفكار، الهبة كما كان يسمّيها بول إيلوار.

المقصود، في هذا المقام، الروائي الذي ظلّ ينظر إلى السماء منذ القرن التاسع عشر إلى حدود الثمانينيات من القرن الماضي، ثم قرّر أن يغادر بنظره ذلك العلو الميتافيزقي الشاهق، نحو الأرض، ثم نحو نفسية شخصياته، وفي اتجاه تأطير أسئلة استرجاعية، تاريخية، عن الماضي الذي أتى منه البشر، وعن الأحداث التي تحكمت في حاضره، وبقي رجع صداها يتردّد كأنها حدثت بالأمس، بقدر ما إن المقصود هو تخليه عن تقنيات وصف حالة الطقس، وحركة الرياح، ومشية الغيوم البطيئة، وإنزالها على الورق ليراها ويراقبها قارئ من مجتمعه ولغته وزمنه، أو قارئ آخر من لغة مختلفة، في حالة الترجمة، ومن قرن آخر بعيد عنه كل البعد.

لم يعد الروائي المعاصر يصف السماء والمناخ ودورة الفصول. وقد أكد الكاتب والصحافي الفرنسي جاك لورون (1919-2000) أن ظهور أحوال الطقس في الأدب الروائي يعود إلى المدرسة الطبيعية، وهو يقول: “إن دخول المعطيات المناخية بدأ مع إيركمان شاتريان، ألفونس دوديه وباقي الكُتّاب الطبيعيين، الذين قرّروا بشكل كامل الاهتمام بالوجود، دون إهمال أي حقيقة من الحقائق…”. وقد ذكر هذا الكاتب عدة جمل وفقرات من قبيل: “صبيحات الضباب” أو “الضوء الهادئ في ظهيرة شهر يونيو (حزيران)”.

واختار صاحب كتاب “رواية الرواية” Roman du roman من بين العديد من الأمثلة التوقف عند نموذج جورج سيمنون حيث الطقس ليس فقط عنصرًا مُدمجًا، بل يساعد على الاندماج. يعيش المفتش “ميغري” أيامًا حيث التقلبات الجوية تؤثر على دعابته وفاعليته.

وخصّص الكاتب والناقد الفرنسي إيف ستالوني فقرة هامة لمصطلح “طقس” ضمن معجمه Dictionnaire du roman، وهي فقرة خاصة تناول فيها قضايا المناخ والطقس في الأدب الروائي الأوروبي والأميركي. وهذا فعلاً أمر يثير الدهشة حقًّا، فليس من المنتظر إدخال مصطلح “طقس” في معجم يتناول مصطلحات الرواية.

من النماذج التي يمكن ذكرها رواية “عناقيد الغضب” لجون شتاينبك (1939)، “الغريب” لألبير كامي (1942) حيث شمس الجزائر الساطعة، الثلج في رواية “ملك بدون تسلية” لجان جيونو (1947)، المطر الغزير في الصفحات الأولى من “ميادين الشرف” لجان روو (1990). إضافة إلى العواصف في روايات أخرى مثل “الأعاصير” لجوزيف كونراد (1903)، أو “الشيخ والبحر” لهمنغواي، أو “الياطر” و”الشمس في يوم غائم” لحنا مينه..

إن المرجع الواقعي اتخذ صفة أخرى، وهي خاطفة، نمثّل لها بروايات عربية معدودة، مثل رواية الطيب صالح “مريود”: “ملأ صدره بالهواء، وترك وجهه يغتسل بنسيم الفجر، لكن روحه لم تنتعش”، وبرواية رضوى عاشور “ثلاثية غرناطة”: “ورغم البرد القارس وصفير رياح تعصف بأشجار الجوز المغروسة على جانبي الطريق، بقي أبو جعفر واقفًا بباب حانوته حتى أرست الشمس خيوطًا صفراء واهية حدّدت معالم الشارع”. هذا فقط على سبيل التمثيل وليس الحصر.

تُرى لماذا قلّ الاهتمام بالطقس في الرواية؟ هل لأن الروائي الحديث، شرقًا وغربًا، لم يعد له نفس حماس الروائي الطبيعي في خلق وهم المرجع الواقعي؟ فانتقل هذا المرجع إلى أشياء أخرى توجد في المجتمع والمدن والبوادي. هل مرّ الاهتمام من رفع الرأس نحو السماء إلى التفكير في الزمن الذي أصبح يجابهه الإنسان بشراسة؟ إن الزمن يمرُّ دون حاجة إلى الوقوف على تغيُّراته.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق