قراءات ودراسات

عدوان وسنوات الشعر السمان

(امس الجمعة صادفت ذكرى رحيله الثالثة)

بقلم: ناجي ظاهر

لمع نجمُه ابتداء من أواخر الستينيات حتى أواسط السبعينيات، وأنتج في هذه الفترة مجموعة من الشعر نشر معظمها في مجموعته اليتيمة” ملحمة الخلق”، وقد بشّرت هذه المجموعة بميلاد شاعر ذي حس ونفس مميزين، غير أنه انصرف بعدها لأسباب خاصة إلى حياته اليومية، فانشغل بكتابة الآرمات، ولم يعد إلى الشعر بعدها وإن كانت له محاولات متواضعة في قوله له. امس اليوم الاول من تشرين الاول صادفت ذكرى رحيله الثالثة، فقد رحل الصديق المتأدب الشاعر عدوان ماجد آغا عنبتاوي، من سكان مدينتي الناصرة، صبيحة يوم الاثنين، الاول من تشرين الاول 2018.
ولد المرحوم عدوان ماجد في الناصرة عام النكبة 1948، وفي العام ذاته استشهد والده ماجد عنبتاوي آغا، في معركة الشجرة الشهير، جنبًا إلى جنب مع صديقه وبلدياته الشاعر عبد الرحيم محمود، الامر الذي أثر على الطفل الابن عدوان اصعب تأثير، وصعّب عليه بالتالي الحياة اكثر فاكثر. طفولة عدوان كانت صعبة قاسية، ولم تكن تختلف عن حيوات الكثيرين من ابناء جيله كثيرًا وإن كانت فاقتها صعوبة وقسوة، لأسباب ليس هنا موقع ذكرها.
التقيت عدوان أول مرة في يفاعتي الاولى، فقد جمع بيننا حيٌّ واحد، هو الحي الشرقي من بلدتنا المشتركة الناصرة. كان عدوان طالبًا في جامعة القدس، وصادف أن التقى إبّان تلك الفترة قريبًا له يعيش في الشتات العربي، في قبرص، وما أن عاد إلى البلاد حتى القت السلطات الاسرائيلية القبض عليه بتهمة اللقاء مع عدو، وجاءت النتيجة المُريعة، اودعت هذه السلطات عدوان سجنها، ليقضى هناك شهورًا قاربت السنة.
في هذه الفترة جرت مراسلات بيني وبينه. تحدثت فيها عن الناصرة بلدتنا الحبيبة المشتركة، وتحدّث فيها بدوره عن السجن وأجوائه، واذكر أنه قرأ على اترابه السجناء احدى رسائلي اليه، فسألوه كما اخبرني في رسالة تالية، انه توجد لدى صديقك قدرة غير عادية على السرد.. لماذا لا يكتب القصص.. فأخبرهم أن صديقه. أنا. كاتب قصص طالع في حينها. لقد الح عدوان علي لإصدار هذه الرسائل ضمن كتاب.. إلا انني لم أوفق.. وقد افعل ذات يوم.
كان عدوان في تلك الفترة شعلةً متقدة من الحماس الادبي، وقد أصدر عدة نشرات أدبية، توّجها بكتاب ضمّنه مواد ادبية له ولأصدقائه من الكتاب والشعراء الجدد أطلق عليه اسم “مشاعل في طريق الادب”، ومما اتذكره من هذه الفترة، أنه عمل مدة قصيرة مُصحّحًا في صحيفة “الاتحاد” الحيفاوية. بعدها تعرّف إلى الصديق المشترك له ولي الاديب المرحوم عرفان أبو حمد، ومما اتذكره أن علاقات طيبة ربطته بأدباء وشعراء تلك الفترة أمثال نزيه خير ونواف عبد حسن، وكاتب هذه السطور، وطالما جلسنا في حديقة بيته في الحي الشرقي نتجاذب اطراف الحديث الادبي ونحن نشرب القهوة من صنع يدي والدته رحمها الله. أعترف أنني كنت في تلك الفترة مفتونًا بالمقدرة الابداعية لدى عدوان، فقد كان مُطلعًا على الشعر العربي الحديث خاصة، وكان يُكثر من ترداد العديد من اسماء شعراء تلك الفترة وما قبلها بقليل امثال بدر شاكر السياب. نازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي.


في أواسط السبعينيات شهدت حياة عدوان صخبًا غير مسبوق، فاضطر للإقامة في غرفة مستأجرة في خلفية بيت الصديق الراحل الشاعر ادمون شحادة طابت ذكراه، وقد اكتشف في هذه الفترة عالم كتابة الخط والآرمات فانكب يكتب الواحدة منها تلو الاخرى، ما وفّر له دخلًا وفيرًا، وقد أصدر في هذه الفترة مجموعته الشعرية الوحيدة تحت عنوان “ملحمة الخلق”، ولم يُصدر بعدها أية مجموعة ذات شان، باستثناء مجموعة شعرية كتبها باللغة العبرية واصدرها له فيما بعد صديقُنا المشترك الكاتب الشاعر المرحوم حسين فاعور، ابن قرية الحسينية، ضمن منشوراته الادبية “المل”.
أعود إلى المسيرة اليومية لحياة عدوان، فأرى أنها شهدت في أواسط السبعينيات تحولّا.. من كتابة الشعر إلى كتابة الآرمات، وهنا تفرّقت بنا السبل. هو ذهب إلى عالم كتابة الآرمات وأنا واصلت رحلتي مع الادب، وبقينا متباعدين كلٌّ يعيش حياته المختلفة عن حياة صنوه، إلى أن جمعنا عددٌ من المجالس بعد فراق، مثل مجلسي صحيفة “الاخبار” ومجلس “صالون نهى قعوار الادبي”، ورغم أن وضع عدوان المادي بعد كل تلك السنوات، كان أفضل من وضعي بما لا يقاس، فقد كان يمتدحني ويمتدح إصراري على المضي في طريق الادب الموحش.. مثله في هذا مثل طريق الحق.
في العقد الاخير ابتدأ المرض يُهاجم عدوان بين الفينة والاخرى.. إلى أن قضى عليه.. صبيحة ذلك اليوم الحزين.
عدوان الشاعر
تُعتبر المجموعة الشعرية اليتيمة “ملحمة الخلق”، لعدوان ماجد، مجموعة شعرية جيّدة.. وجيدة جدًا، وقد حفلت بنفس شعري مُثير، ومما قاله عدوان من شعر أذكر عن ظهر قلب، مقاطع منها، ما زلت أرددها حتى اليوم. مثل:
عندما كان احبائي عرايا
كنت ثوبًا مهملًا فوق الطريق
او مثل:
انني خنت جميع الخائنين
فاذا ما مت يومًا
فخذوا منهم بثأري..
وهناك مقطع شعري لعدوان يلخّص معاناته التاريخية الانسانية الملحمية هو:
احبيبتي
امضيت عمري والهروب هو الهروب
امضي فتخدعني الدروب
واتوه في برد غضوب..
يوم انصرف عدوان في فترة مبكرة من حياته، إلى عالم الاعمال وبعده التدريس، تاركًا الشعر وراءه ثوبًا مهملًا فوق الطريق، قلت إن الشعر خسر شاعرًا مُجيدًا.. وها انا اليوم، بعد رحيل عدوان، أجدني أردد نفس القول، مضيفًا إليه مطالبة بسيطة تحتمها اللحظة.. لحظة الفراق الاخير المر، مفادها سؤال بسيط هو: هل سيعيد ورثة عدوان طباعة مجموعته الشعرية ملحمة الخلق؟ اذا وجد هذا السؤال ردًا طيبًا.. اؤكد أنني على استعداد لمراجعة هذه المجموعة. ومتابعة طباعتها، من البداية حتى النهاية.. فهذا ابسط ما يمكن ان اقدمه لصديق احزنني قليلًا وافرحني كثيرًا..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق