ثقافة المقال

النص الروائي الجزائــــــري في الجامعة ليس غــــــدا

الحبيب السائح*

غالبا ما يجد الروائيون الجزائريون أنفسهم، في المناسبات التي تجمعهم بجمهور الندوات والملتقيات الجامعية أحيانا أو تلك التي تنظمها بعض المؤسسات الثقافية الرسمية والجمعيات، يجيبون عن أسئلة تبدو لهم معادة مكررة وكأنها المستأثرة من دونها بموضوع قراءة الرواية: الجنس· الجسد· الإباحية· أو ما صار يعبَّر عنه بملوثات الرواية الجزائرية المعاصرة·

ذلك، على الرغم من أن نسبة معتبرة من الحضور، ومنها أولئك الذين يثيرون مثل تلك الأسئلة وربما أصدروا أحكاما قيمية، قد لا تكون قرأت أغلبية الأعمال التي تشكل المشهد الروائي الجزائري المعاصر· ولعل كثيرا منهم لم يقرأ أي عمل؛ لأسباب يعزى أبرزها إلى المسبقات التي رسّبتها النظرة الأخلاقية للكتابة الأدبية وللفن في داخل الجامعة الجزائرية نفسها؛ أقسامَها المعربة خاصة·

فهي نزعة لها حضورها في بعض القراءات والدراسات التي لا ترى في موضوع النص الروائي الجزائري سوى محاولة للتحرش بذوق القارئ وإرباك قناعاته الأخلاقية· وأمست تلقي بظلالها على تحاليل طلبة التدرج وما بعده وعلى استنتاجاتهم عند إعداد مذكرات تخرجهم عن الرواية الجزائرية· على عكس ما يحدث تماما مع طلبة معاهد اللغة الفرنسية واللغات الحية، بالنسبة إلى النص الروائي المكتوب بالفرنسية أو المترجم إليها· وتلك حقيقة لا تخفى·

إن دراسة إحصائية وصفية لتلك المذكرات ورسائل الماجستير وحتى بعض أطروحات دكتوراه الدولة لا بد أنها، إن أجريت، أثبتت شيئا من تلك الرؤية التي تأسست ـ والكلمة هنا ليست مبالغة ـ بفعل إسقاطات القناعات الدينية خاصة لدى بعض المدرسين والمؤطرين والمشرفين والمناقشين؛ كما كان ذلك حاصلا في السبعينيات بالنسبة إلى ”الالتزام” المرتبط بالنظرة الماركسية إلى العمل الأدبي بصفته مرآة عاكسة للواقع ووسيلة تَدخُّل في الصراع الطبقي·

لعل تلك القناعات، التي أقحمت ولا تزال في الجدال الأيديولوجي الذي خفّت وطأته، هي التي لا تزال، كما يبدو، تشكّل أحد العوامل التي تتدخل للحيلولة دون دخول النص الروائي الجزائري إلى الجامعة بصفة رسمية تُقرر تدريسَه؛ باعتباره منتوجا أدبيا لا ينبغي له أن يُخضَع لرقابة أخلاقية قبلية، كما هو حاصل الآن إلى درجة أن يبدو التعامل معه ليس غدا·

فباستثناء جهود هذا المجلس العملي أو ذاك أو مبادرات هؤلاء الأساتذة وأولئك، في برمجة هذا النص أو ذاك من مدونة الروائية جزائرية لتناوله في المحاضرات وفي الأعمال التطبيقية وفي البحوث أيضا، تكاد معاهد الأدب وخلايا البحث فيها لا تلتفت إلى ما هو في الحقيقة من صلب اهتمامها·

إنه لا يمكن أن يحدث خلاف حول كون أبرز ظاهرة لغوية وأدبية واجتماعية مثيرة للدرس الجامعي في تلك المعاهد هو النص الروائي؛ على قبول ما يمكن أن يقال بخصوص تراكمه النوعي ونضجه وحضوره·

فما الذي، إذاً، لا يزال يُبقي على التردد تجاهه، إن لم يكن على التوجس والتخوف منه، بغض النظر عن تلك القناعات التي من الحكمة والنزاهة أن لا يتم توظيفها في ما تفرض الأخلاق الأكاديمية أن يُقدم بصفته معرفة؛ حتى ولو كان غير منسجم وَقَناعاتِنا وربما في تعارض معها؟

* (روائي)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق