قراءات ودراسات

الايديولوجيا وهم تطور التاريخ الغائي

علي محمد اليوسف

عديدون الذين مرّوا باستخفاف امام مقولة هيجل(ميزة التاريخ اننا لا نتعلم منه شيئا).
غالبية النظريات وفلسفات التاريخ والمفاهيم الوضعية الحديثة وتفاسيرها في دراسة التاريخ البشري,تذهب الى ان مسار التاريخ التطوري تحكمه (غائية) أو غائيات مراحلية مصاحبة رافقته وقادته الى حتميات معدّة , مرسومة له سلفا سعى التاريخ الوصول لها.واكثر من ذلك عمد المؤرخون الى زرع محفزّات تطوّرية ذاتية في ثنايا المراحل التاريخية,تشكّل ارادة شغّالة تلهم ألتاريخ ألتقدم الى أمام على وفق حتميات متنوعة مرجوّة وغايات مطلوبة لاحقا. بمعنى مقارب اوضح أنه صار بمكنة المؤرخ كتابة تاريخ آخر مغاير للوقائع التاريخية أمامه قيد البحث والدراسة حسب إجتهاده.أو إستنباطه قوانين شغّالة تحكم سيرورة وتطور التاريخ البشري في تطويع حقائق التاريخ لمنهجه.
وهذه غيرها القوانين الطبيعية التي تحكم المادة والوجود الانساني في الطبيعة وتعالقهما كمعطى ازلي تعمل بمعزل عن ارادة الانسان . خلافا للقوانين والنظريات التي يضعها الانسان في دراسة التاريخ انثروبولوجيا , التي هي من صنعه ايضا(المناهج والنظريات والسرديات التاريخية).
الحتميات والغائيات التطورية المراحلية للتاريخ القريبة منها والبعيدة جدا,التي تم اقحامها كمصاحبات رافقت المسار الخطّي التأريخي,انما هي مغالطات واستنباطات لا تمتلك مقومات الصدق العقلاني ولا مشروعية التسليم بها في دراستها حركة التاريخ غير المنتظمة والعشوائيات والمصادفات غير المحسوبة النتائج التي لعبت دورا محوريا مركزيا في وقائع ومجريات التاريخ, هذه المصادفات الجوهرية كان بعضها سببا في سلسلة من التراجعات والكبوات, وبعضها الآخر جاء عوامل مساعدة في تحقيق طفرات نوعية في المسار التاريخي غير المنتظم, وتلك القفزات الكنغرية التاريخية حققت حلقات من التطور والتقدم الى امام ,نتيجة عاملي الصدفة العمياء غير المحسوبة بالضرورة , والعشوائية, مضافا لها ردود الافعال الانسانية في تصحيح مسار انحرافات ومحركات النوازع السلطوية الحمقاء للملك أو الحاكم أوالبطل أو الدكتاتور أو أية زمرة خارجية متحكمّة متطرفة وحشية,بعيدة عن منطق ونوازع الخير المتأصلة بالانسان.
ما كتبته واورثته لنا عشوائيات الوقائع و عفويات الاحداث التاريخية التي تحكمها الصدفة غير المتوقّعة المتوالية بأشكال لا حصر لها من الصدف غير المتوقعة التي تحرف التاريخ عن سكة مساره الخطي,كانت اكثر اهمية بكثير من محاولات تفسير وتحليل تلك الحوادث على ضوء حشر المحفزّات الذاتية المعتملة داخلها التي حسب اجتهاد المؤرخين قادت وتقود التاريخ في مسار غائي تصاعدي تطوري حتمي منتظم الى امام وتحقيق الافضل في الحياة ,بنوع من الفعالية الذاتية(روح التاريخ) حسب مصطلح هيجل الفكرة المطلقة التي يستبطنها باحشائه ذاتيا, كغائية تحفيزية مطلوبة متوخاة أوحتمية يبلغها التاريخ مرحليا ويتجاوزها الى مراحل متقدمة وهكذا.
اقطاب التفسيرالتطوري للتاريخ جاء في أهم جنبة منه على وفق النظرية الماركسية في المادية الجدلية الديالكتيكية للتاريخ, بإعتمادها مركزية العامل الاقتصادي كبؤرة تحكم جدلية التاريخ ومراحله التطورية.واصبحت هذه النظرية الماركسية اليوم رغم ما تحمله من رؤى علمية منهجية وقراءة فلسفية معمّقة لواقع البشرية على امتداد تاريخ العصور الطويلة,وما حملته من تفسيرمادي انثروبولوجي انسانوي متكامل , ثبت انها غيركافية لتفسير الانتقالات النوعية في المسار التاريخي من مرحلة الى أخرى متقدمة عليها ومتجاوزة لها.بدءا من مرحلة الصيد والالتقاط وانتهاءا بالمرحلة الشيوعية والتنبؤ بنهاية الدولة وانحلالها لاحقا على المدى البعيد وغير المنظور.علما أننا لا ننكر محاولة انجلز القول أن مركزية العامل الاقتصادي هي ليست وحدها تشكل العامل الانفرادي في خلق التقدم التاريخي وانما مجمل مناحي الحياة الاخرة وحتى البنى الفوقية المنفرزة عن الواقع المادي لها دور كبير في تقدم التاريخ وتطوره الى امام.
ثبت أن التفسيرالمادي الماركسي للتاريخ شأنه شأن المناهج والدراسات التاريخية المضادة له المثالية المقاطعة الرافضة للجدل التاريخي ,كالرأسمالية الديمقراطية واللبرالية وغيرها,ان الجميع يشترك في حقن تحفيزيات محركة ذاتية للوقائع والاحداث في تبرير انتقالات التاريخ النوعية أو ما يسمى الطفرات, في وصول التاريخ الى غائيات وحتميات سعى الى بلوغها في السيرورة التطورية المحكومة بأرادة التاريخ الذاتية ونزوعه لخير الانسانية, مع عدم اهمال الماركسية لعامل الانضاج الموضوعي(الاجتماعي الاقتصادي الثقافي) في الانتقالات والطفرات النوعية المراحلية عبر التاريخ.
كان هذا التفسير الجدلي الماركسي استقراءا واستنطاقا للتاريخ كماض إختط مساره , قبل اكتشاف قوانين المادية التاريخية وصياغة فلسفتها المعروفة,وتبلورها المتكامل في التطبيق الاشتراكي الشيوعي.على وفق ديناميكية تحفيزية ذاتية حملها التاريخ في مساره التطوري الطويل لآلاف السنين إو يزيد ,متجاوزة بذلك أية عشوائية أو سلسلة مصادفات أن يكون لها سببا أو تأثيرا سلبيا أو إيجابيا في مسارتطور التاريخ عبر العصور.
بمعنى أن التاريخ البشري كان محكوما-حسب الماركسية- بالتطور الذاتي والموضوعي الطبيعي قبل إهتداء الماركسية اكتشاف تلك القوانين المادية الجدلية.وأن هذه المراحل التطورية أخذت نصيبها في التطبيق المراحلي الانتقالي من مرحلة الى أخرى اكثر تطورا وتقدما في حياة الانسان ووجوده كحتميات يجب أن تحصل في التاريخ البشري عموما.
الملفت للملاحظة أن التفسير الماركسي (قفل) التطور التاريخي بمرحلة افتراضية في حتمية ووجوب إنحلال الراسمالية الامبريالية لتعقبها المرحلة الاشتراكية الشيوعية, وهكذا تتوقف دورة التطور التاريخي وهو ما لم يحدث.. بالمقابل نجد أن الرأسمالية (المعولمة) هي الاخرى (قفلت) التطور التاريخي بنهاية التاريخ عولميا من جانبهاعقب استفادتها التاريخية المجّانية من تمزّق الاتحاد السوفييتي وانهيار النظام الشيوعي دراماتيكيا ونادت بعدها أنه لا تاريخ بعد العولمة الرأسمالية وأن العولمة هي نهاية التاريخ وأفول نجم وعصر الايديولوجيات.
لم يكن واردا في الاستقراء التنبؤي الماركسي أن ينهار النظام الشيوعي قبل انهيار الرأسمالية الامبرالية,هكذا كان التفسير الاستقرائي الماركسي للتاريخ القائم على مركزية الفهم أن التطور البشري منذ العصور الاولى للبشرية, كان محكوما بغائيات وحتميات وقوانين طبيعية تقود التاريخ قسرا وبمعزل عن ارادة الانسان, قوانين ذاتية مصدرها الواقع المعيشي للبشر, ونضجهم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي موضوعيا.
نخلص بايجاز أن تطور التاريخ ماركسيا بنوع من الغائيات والحتميات,كان مرتكزه التحفيز الذاتي الديناميكي الشغّال فيه باستمرارهو تطور الواقع الاقتصادي والاجتماعي ومن ثم الثقافي أيضا,هذا التفسير تم دحضه تاريخيا في بروز وانبثاق عصر العولمة وعدم انحلال النظام الرأسمالي الامبريالي, رافقه انحلال النظام الاشتراكي الشيوعي في منظومة الاتحاد السوفييتي القديم, وبذا تنتفي الحاجة لدحض ما سبق وتم دحضه تاريخيا واقعيا على الارض, بالتنظير الايديولوجي أو الفلسفي في الفكر والايديولوجيا ماركسيا.
من جانب آخر تلتقي العولمة مع الماركسية في إعتمادهما الغائية والحتميات في التفسير التاريخي من جهة وفي اقفالهما التاريخ المراحلي كلا حسب احتياجاته السياسية من جهة اخرى,الماركسية اوقفت التاريخ على رأسه بدلا من قدميه حين إعتبرت الشيوعية آخر مراحل تطور التاريخ البشري .وكذا فعلت العولمة في إعتبار أنها تمثّل مرحلة نهاية التاريخ ونهاية عصر الايديولوجيات وأنه لم تعد هناك حاجة ولا ضرورة لمرحلة تاريخية تلي العولمة وتعقبها.
العولمة لا تمثل صيرورة تاريخية في وصولها لحتمية تاريخية أوجدتها ومهدّت في انبثاقها , كانت متوقعة ومحسوبة لا بد أن يصلها تطور التاريخ البشري,بل ولدت العولمة من صدفة عشوائية تطورية نوعية طارئة على الاستقراء التاريخي, ساهم بوجودها انهيار الشيوعية السوفييتية بشكل دراماتيكي غير متوقع. ولم تنبثق العولمة بعوامل تحفيز ذاتية إعتملت مع فاعلية الجدل الموضوعي بايجادها تاريخيا.اذ كان النظام الرأسمالي حينها يراوح بمشاكله, ولم تدب به الحركة الا بعد انهيار النظام الشيوعي,لتأخذ العولمة دورها المتفرد في الهيمنة في غياب الند والمنافس.
النظام العولمي الرأسمالي لن ينجو هو الآخر من التجاوز والمغادرة في تفسيره التاريخ على وفق المنطق الايديولوجي السياسي الليبرالي قصير النظر, ليلتقي بذلك مع الاخفاق الشيوعي في (اقفال) التاريخ مرحليا,حينما إعتبرت العولمة نفسها المحطة الاخيرة لوقوف قطار التاريخ البشري.وبذا فإن النظام الرأسمالي العولمي أدرك جيدا, بل أراد – خاصة الآن عولميا – أن لا يكون هناك غائيات وحتميات تطورية تعتمل داخل التاريخ تقوده الى مراحل متقدمة جديدة بعد العولمة تفقدها مبرر وجودها تاريخيا.
كما اوضحنا كلا النظامين الشيوعي والرأسمالي قفلا التطور التاريخي سياسيا كلا من جانبه على أساس من حتمية تاريخية أصبحت الآن (اكسباير) منتهية الصلاحية التداولية والاستعمال.
هذا الاقفال الافتعالي للتاريخ شيوعيا ورأسماليا في مرحلة تطورية من مراحله المستمرة ,نجد فيه النظرية تسبق الواقع ولا تأتي تفسيرا له,وتسبق المسار التاريخي ولا تهديه أو يهتدي هو بها,والنظرية تجرّ التاريخ وراءها وتتقدمه, لكن لم ولن تلبث هذه الدوغمائية الفجّة طويلا قبل الاصطدام بحقيقة أن التاريخ يصنع النظريات ويسحبها وراءه وليس العكس.وليس بمقدور النظريات والمناهج كتابة تاريخ يمشي ويعيش على الارض.
الحقيقة التي اثبتها التاريخ بمساره العشوائي اللاغائي وغير الحتمي في التطور أنه لا التفسيرالماركسي ولا التفسير العولمي قادر على غلق مسار التاريخ وايقاف قطاره في محطة نهائية واخيرة لا تاريخ بشري تطوري بعدها.هذا مناف لحيوية وديناميكية الوجود الانساني على الارض.
كما أن التاريخ لم يستقم سابقا ولن يستقم لاحقا في صناعة (الملك الحاكم) للتاريخ وكتابته او البطل الخارق أو أية سلطة دينية او سياسية له ,وسوف لن يستقيم وتلجم تطوره الى ما لانهاية المصالح السياسية والايديولوجية ايضا كما حاولت سابقا وفشلت. لأن التاريخ تحكمه العشوائية والصدف الطاردة للغائيات والحتميات, كما ان التاريخ هو متمرد وعسير ايضا في حركة تطوره المتلاحقة من السيطرة عليه ومصادرته من قبل الحكام والملوك والمتطرفين والابطال الخارقين.او من قبل اصحاب النظريات المسبّقة على حركة التاريخ ومحاولة سحبه وراءهم,ربما كان امكان حدوث ذلك في عصر او فترة زمنية.لكنها تبقى مرحلة مقطوعة و كسيحة في التعميم.
إن التاريخ في مجمل إخفاقاته وتراجعاته وقطوعاته وتقدمه ,هو سلسلة من المصادفات العشوائية التي يتخللها ويعتريها التقدم الى أمام بأرادة انسانية وليس بقوى ذاتية يدخرّا التاريخ داخله غير منظورة,الى جانب القطوعات والتراجعات غير المنتظمة التي أعاقت مسار التاريخ.
كما أن عشوائية التاريخ وتأثير المصادفات فيه جعلت من تطوره لا يحدّه انتظام المسار ولا تحكمه غائيات غير منظورة يسعى بلوغها.ووصول مرحلة تطورية مجاوزة لسابقتها بعد انضاج عاملي الذاتية والموضوعية اللذين مصدرهما الفعل الانساني المتحقق على الارض وليس ديناميكية ذاتية شغّالة غير منظورة ولا محسوسة تلهم التاريخ وتقوده الى مراتب التقدم الى امام.مثال ذلك الثورات الشعبية والتمردات والكفاح المسلح والحركات الاصلاحية في مختلف مشاربها وغيرها هي التي كانت تصنع مراحل تاريخية متقدمة وتبديل حال سيء الى افضل منه. وفي هذا يبرز الدورللارادة الانسانية الفاعل والجوهري في تقدم التاريخ الى امام .ومن هنا نجد الفروقات التاريخية بين شعب وآخر او أمة واخرى,وهذه الانجازات المتناثرة كجزرمعزولة ليس بمقدورها ومكنتها أن تحكم مسار التاريخ البشري بمجموعه بنوع من الغائيات المرحلية البعيدة المستقبلية.وصناعة تاريخ مرحلي في بلد أو عدة بلدان لا يعني ذلك تخليص التاريخ البشري من مساره العشوائي والاعتباطي. وعشوائية المسار التاريخي وتأثير المصادفات ونتائجها غير المحسوبة التي لا وصاية ولادخل مباشر لارادة الانسان بها, فهي باقية ولا تنتهي,صحيح جدا أن الوجود الانساني سابق على التاريخ, وهذا الوجود وحده كفيل بأعطاء التاريخ معنى وهدف, لكن في المحصلة الانسان وحده يعمل على تصحيح المسار العفوي الشاذ غير المنتظم للتاريخ, ولكنه لا ينهي بذلك تلك العشوائية في التاريخ التي تنتظمه على الدوام نهائيا. كما أنه لا معنى لتاريخ أوأي معطى انثروبولوجي أو معرفي أو وجودي من غير أسبقية فعالية الانسان عليه وتأثيره فيه و تعليل سبب وجوده وعلّة حصوله ايضا.
إن التاريخ البشري الماضي والحاضر والمستقبل هو ما كان فقط وليس صنع ما سيكون, وأي مسعى لأعطاء معنى قيمي هدفي تنبؤي للتاريخ في مساره العشوائي, هو نوع من دوغمائية الافكار والنظريات المتورّخة للمسار التاريخي, وهذا لا ينفي أبدا قدرة ورغبة وامكانيات الانسان من الوصول بالمسار المستقبلي للتاريخ الى(بعض) الاهداف المرسومة والمعدّة سلفا.وهذا يختلف عن دوغمائية الافكار التي تأتي لاحقا في دراسة التاريخ وتضع له اهدافا نظرية ومنهجيات عقب حدوث وقائعه,.دوغمائية الافكار في دراسة التاريخ هي محاولة الامساك بحركة التطور التاريخي وتجييره لحساب التنظيرات التي تسندها وترعاها أجندة سياسية, مسألة لا جدوى من الاعتداد والاخذ بها. وهذه الدوغمائية النظرية في تفسير التاريخ محكومة بالتضاد مع وقائع الاحداث الحية والسيرورة المتطورة للتاريخ ومع مساره العشوائي العفوي ايضا الذي تحكمه المصادفات التي تدخل على مساره انتظامه المتعثر باستمرار.
إن في الاستقراء السببي لوقائع التاريخ المدوّنة ومراحل سيرورتها التطورية, ومحاولة تطويع العشوائية والصدف المتتالية الى منهجية ايديولوجية تخدم السياسي, هي محولات تؤرخ لوضع نظريات واستنتاجات توفيقية – براجماتية قد تفيد توجهات سياسية – سلطوية أو تفيد البشرية في مباحث الانثروبولوجيا أو غيرها من المجالات البحثية.في دراسات انتقائية لعيّنات وإهتمامات معينة تربط التاريخ بالفلسفة,او التاريخ بالاجتماع او التاريخ بعلم النفس ,او التاريخ بحرب او حروب, او التاريخ ببطولة فردية, او التاريخ بقائد ونخبة ثورية أو فوضوية وهكذا,وتوظيف ذلك مع ما تحمله العشوائيات والمصادفات في الوصول الى ايجاد تبريرات اقناعية لعوامل ومسببات حدوث تلك الوقائع. وأهم انجاز لها انها تخلص الى نتيجة لماذا حصل هذا ولم يحصل ذاك؟
ميزة العشوائية في المسار التاريخي التطوري عبر العصور, هو تقاطعها مع النظريات والفلسفات والمناهج التي تريد دراسة تلك العشوائيات والمصادفات بيقين الغائيات و منهجيات الحتميات التي يقحمونها في دراسة السيرورة التاريخية في قطع المراحل.إن حرية المسار التاريخي المتطور على الدوام هي حرية (فوضوية) غير مشروطة أبدا وغير ملزمة.
كما أن التنوع الهوياّتي في عصر العولمة مثلا يسعى الاسهام بصنع تاريخ حضاري جامع وموحد لحاضر ومستقبل البشرية, على وفق مبدأ ورغبة توظيف هذا التنوع الهوياتي العالمي ايجابيا, وارادة الشعوب الخالصة في نشدان استحضار مشتركات وتكامل يساهم به الجميع لخلق حضارة مشتركة جامعة.لكن يبقى هذا المحرك الذاتي يعمل الى جانب اشتمالات العشوائية وتوالي المصادفات الصادمة غير المحسوبة ولا المتوقعة تاريخيا,التي تعمل بالتوازي مع هذا المسار وتتقاطع معه احيانا. وكذلك تتقاطع مع جبروت الطغاة ونوازع السياسة والايديولوجيات في شن الحروب لاشباع رغبة التسلط والهيمنة وقهر الضعيف وحرف المسار التاريخي عن كل قيمة اخلاقية وتغليب نوازع الشرعلى الخير,وهذه الوقائع التاريخية بمجملها تحركها الظروف الاجتماعية والدينية المتطرفة والثقافية ومنهجيات السياسة والايديولوجيات وغيرها التي تنعدم معها حركة التاريخ الانسانية الواعية والمدركة المراد حضورها كغايات مرسومة سلفا لتخدم مصالح البشر قاطبة. وعموما يأتي الاصلاح لهذه الانحرافات الشاذة تاريخيا بتقديم الكثير من التضحيات بغية الاصلاح وارساء قيم الخير والحرية والانسانية والمساواة من قبل الشعوب لا من قبل الايديولوجيات ولا من قبل المنهجيات النظرية او السلطات السياسية الحاكمة.
ان التاريخ من غير الجهد الانساني لا يمتلك ارادة ذاتية حيّة تقوده الى امام, مالم يتوفرفيه الوجود الانساني الفاعل الذي يحاول سحب التاريخ الى مواقع متقدمة,وما يصنع التاريخ المستقبلي هو ما يقوم الانسان بانجازه وما يستطيع تحقيقه او الفشل به حاضرا,فالتاريخ المتحقق وغير المتحقق هو اولا واخيرا يبقى كيان معنوي يحضر او لايحضر, على وفق قدرات الانسان وطموحاته. انه لمن الصعوبة ايجاد تعميمات واحكام عامة مطلقة تصلح ان تكون قوانين يعمل بمقتضاها التطور التاريخي ملزمة له.ومن هنا تعددت الرؤى والافكار في ربط التاريخ بالفلسفة اوبالدين او بالسياسة والايديولوجيا اوبالانثروبولوجيا او بالاقتصاد او بالبيئة والجغرافيا او بعلم النفس او بالاجتماع او بالبطل والحاكم وهكذا.
هذا التنوع التناولي- التداولي في دراسة التاريخ يجعلنا امام حقيقة أن حوادث التاريخ البشري لا ينتظمها مسار ذاتي خطي منتظم متطور واحد, كما لا توجد حتمية تاريخية يسعى التاريخ بلوغها بامكانات واستلهامات ذاتية محرّكة له بمعزل عن ارادة الانسان الواقعية في تغيير حوادث التاريخ نحو الافضل.
يوجد مسارات تاريخية متعددة شابها الكثير جدا من الكبوات والاخفاقات والفجائع الكارثية, ربما كانت خاصة بمجموعة بشرية أو عدة مجموعات في زمن معين ومكان محدد ,في قطر أو عدة اقطارربما كان يجمعها نوع أو اكثر من التجانس الاجتماعي والثقافي او الديني,وكل مسار من هذه المسارات التطورية له دوافعه واسبابه ومبرراته التطورية المعزولة كجزر متفرقة لا يجمعها رابط أو جامع ذاتي غائي تطوري يصلح للتعميم يقرر حاضر ومستقبل التاريخ البشري.
ولما كان التاريخ وقائع الماضي,أي بنية ماضوية بمعنى مقاربة تراثية ,تصبح حينها قيمته محدودة متراجعة في محاولة تسييرها الحاضر ورسمها المستقبل. واستنباط العبر والدروس من التاريخ , والمسكوت عنه وغير المفكّر به , ووقائعه واخفاقاته وانتصاراته لا تلغي عشوائية التاريخ ولا تقلل من اهمية المصادفات غير المتوقعة ولا المحسوبة في نتائجها وتأثيراتها.وفي اختطاط التاريخ مسارات بعيدة له عن الاماني الغيبية او الغائيات المسبقة او الحتميات المفترضة المرجوة والمطلوبة لكنها لا تتحقق في اعتمادها ذاتية التاريخ الشغّالة بمعزل عن ارادة وعمل الانسان على الارض.التاريخ لا يصنع نفسه بل تصنعه ارادة الانسان.
كما أن توظيف تعالق التاريخ بالدين او تعالقه بالسياسة والايديولوجيات القائدة و الخادمة له بمحاولات دوغمائية تضع الماضي في صورة المستقبل الجديد والزاهر المستمد من روحية الماضي محكومة بالفشل وسوء تقدير حركة التاريخ ومحاولة حصرها قسرا تحت هيمنة السياسي ورغائبه في كتابة التاريخ باجندة الحاكم السياسية وايديولوجيا السياسة.
بدأ التاريخ بالاساطيروالميثولوجيا وانتقل الى ثيولوجيا الدين ومرّ بسّير الملوك والحكام والابطال ليصل مرحلة الايديولوجيات السياسية ويصطدم اخيرا بالعلم التجريبي- العقلاني الذي وضع خطوطا حمراء امام كل توجهات السرديات الماضوية الكبرى والانساق الفكرية والمنظومات الثقافية, ان يكون لها دور حقيقي تستطيع ان تلعبه في ترسيم الحاضر او المستقبل.وان النظرة الاحيائية للتاريخ كماض لم تعد تعني المستقبل بشيء الذي يحكمه العلم والتكنولوجيا المتطورة باستمرار. التي جعلت من العلم والتاريخ مساران متوازيان لا يلتقيان.(ليس المقصود بهذا هنا العلوم الانسانية والتاريخ جزء منها).
ان تاريخ الدول والملوك والحكام وابطال الحروب الكارثية والتطرف والفتوحات والهيمنة الغاشمة التي سادت ثم بادت كانت عوامل اشتغالها وديناميكية محركاتها هي النزوات الفردية المنحرفة والانانية والوحشية والحماقات والرعونة في اختلاق المنازعات وسفك الدماء لا غير.وبهذا النوع من التاريخ ورثت البشرية الاوراق الساقطة التافهة, لما تم حجبه عن معاناة وكوارث ملايين البشر في الحياة التي لا تواسيها ولا تعطيها حقها كل هالات التعظيم والخلود.
ان تحقيق المؤرخ للمدونات واعادة تفسيرها ودراستها واختراع النظريات التحليلية ووضع المناهج لها ,وما يكتشفه من الخفي غير المعلن والمستور في حوادث التاريخ, لا يمنح التاريخ اية مصداقية على ان مساره ذاتي استلهامي تطوري في تغليب نوازع الخير والقيم والانسانية فيه على الدوام , وانما كانت جدوى التصحيحات تأتي من فاعلية اناس صححوا المسار المنحرف لمرحلة او مراحل من التاريخ,وقدموا تضحيات كبيرة لتحقيق هذا الهدف,ولم يكن للتاريخ اي قدرة ذاتية او امكانية ان يصحح مساره الخاطيء بقواه غير المنظورة وحده.
غالبية الموروث من التاريخ هو انحرافات الحاكم وحب الهيمنة والسيطرة والتوسع الامبراطوري, او بروز حركات وحشية همجية تتلذذ بسفك الدماء باسم امتلاكها الحقيقة الدينية او الحقيقة التاريخية,كل هذا وعلى شاكلته ورثت البشرية عامة تاريخا بائسا,تداخلت حوادثه مع المسار الاعتباطي والمصادفاتي للتاريخ. ويؤكد هذا ان التاريخ في جميع مراحله الماضية لم تكن تحكم مساره الغائيات والحتميات المرسومة الاهداف سلفا, للارتقاء بالانسانية في معارج التقدم والازدهار. والعلامات المضيئة المشرقة التي جاءت على طفرات نوعية مرحلية محدودة في منطقة دون اخرى بالعالم , كانت ردود افعال الانسان التصحيحية ورفع ظلم وجور وقائع تمت ازالتها بارادة وتضحيات قوى انسانية مغيبّة عن صناعة التاريخ الحقيقي على حساب تلميع صورة الحاكم المتنفذ.وما حصل في هذا التطور ليس من حكمة الحاكم ولا من حكمة التاريخ في ان غائية انسانية مثلى تعيش باحشاء التاريخ و تأخذ بمساره الانساني المتقدم.فالتاريخ بداية ومنتهى هو من صنع الانسان فقط في علاقاته وتطور وسائل عيشه (الانسان) اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا, وحبه لقيم الحرية والعدل والمساواة.
اقصى افادة لنا من التاريخ وحوادثه ووقائعه هو استذكار ومراجعة تفيدنا بالعظة والتحسّب في اجتناب تكرار الخطأ والاخطاء مرات عديدة.وما نظريات وفلسفات ومنهجيات التاريخ سوى فذلكات عابرة لاكاذيب سابقة لها في التجّني على التاريخ دينيا ولاهوتيا وايديولوجيا, سادت قرونا من عمر البشرية والتي ابهضت التاريخ بما لا يحتمل.
ان فلسفة الوجود الانساني هي فلسفة تاريخه (تاريخ الانسان) لا غير,وهي أسبق في توليدها علامات استفهام وتساؤلات بلا نهاية تحفيزية تغييرية تكون اجاباتها في التطبيق الواقعي في الحياة هو خلق تاريخية متطورة على الدوام.ولا يحق ولا بمقدور تجربة امة من الامم او شعب من الشعوب ان تسحب تجربتها على امم وشعوب اخرى تمتلك تمايزات جمّة واختلافات عديدة عنها,ومنهج دراسة تاريخ شعب له خصوصية ومرحلة تاريخية مميزة , تؤكد استحالة تعميم تلك التجربة على الآخر المختلف عنها.
والتاريخ من غير المفيد اخضاعه لقوانين طبيعية تعمل بمعزل عن ارادة الانسان وفاعليته في مصنع الحيوية البشرية, قوانين التاريخ الحقيقية هي القوانين الوضعية المستمدة من التحقيب الزماني والمكاني التي تنطلق من الوجود الانساني الفاعل وتنتهي به. وان التاريخ خلال مساره الطويل لم يكن يتقدم بحوافز غائية تخلع عليه من قبل المؤرخ او الدارس,كما ان التاريخ لا يهتدي بنظريات منظورة او غير منظورة تسحبه خلفها.ولا يوجد حتميات يصلها التاريخ من دون وعي وادراك ومسار يصنعه ويقوده الانسان, فالحتميات والاهداف نتيجة عاملي الارادة الذاتية وملائمة الظروف الموضوعية وهذا ما لا يتوفر عليه التاريخ ذاتيا في مساره العفوي قبل دخول الارادة الانسانية عليه. فحركة التاريخ حركة عشوائية ومصادفات غير محسوبة ,تتداخل بها ومعها ردود الافعال الانسانية ونفسيات الحاكم او القائد المتنفذ والدين والايديولوجيات والنزوات المريضة ونوازع الخير ويقظة الضمير وحب الانسانية وغير ذلك كثير.
( علي محمد اليوسف/الموصل)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق