قراءات ودراسات

بنية النص في القصص الشعبي العربي (1)

داود سلمان الشويلي/ العراق

الثقافة الشعبية هي ثقافة انسانية، إذن هي ثقافة سلام، ومحبة. والقصص الشعبي ثقافة انسانية، إذن هي ثقافة سلام، ومحبة. حيث انه من ضمن وسائل التعبير الشعبية عند كل الشعوب، والمجتمعات، الأساطير، والنكتة الشعبية، والمثل الشعبي، واللغز الشعبي، والشعري الشعبي “وأغليه شعر عامي”، إلّا انه يأخذ مساحة واسعة في القول، أو الحكي، وكلها ثقافة سلام ومحبة بين الأمم، والشعرب، والمجتمعات، لهذا نجد الراوي، أو “القصة خون”(2) محاطا بالعشرات من المستمعين وبشتى الأعمار.
ولما كان القصص الشعبي هو واحد من وسائل التعبير الشعبي والذي من خلاله تروي الثقافة الجمعية بواسطة القاص الشعبي، أو “القصة الخون” ، فان هذا القصص يضم بين دفتيه الكثير من العناصر المكونة للحمته والتي من خلالها يكتمل البناء فيه، ومن ثم يعطي ثمره المؤثر في السامع أو القاريء. هذه العناصر يمكن أجمالها في:
– الاستهلال.
– التمهيد.
– الراوي.
– البناء الشكلي.
– الشخصيات.
– الزمان.
– المكان، أو الفضاء.
– الوصف.
***
* الاستهلال:
وهو عنصر مهم في القصص الشعبي، ولا يمكن لحكاية أن تمر على لسان أي راوٍ شعبي ما لم يذكر هذا العنصر، إذ يقوم بوظيفة الاعلان عن بداية الحكاية، ودفع السامعين، والقراء كذلك، إلى الانتباه لما سيأتي من أحداث في الحكاية.
يقول أرسطو: ((هو بدء الكلام ويناظره والشعر المطلع، وفي فن العزف على الناي: الافتتاحية، فتلك كلها بدايات)) (3).
وياتي الاستهلال لغة من الفعل (هلّ) و (هلْ) تعني من بين ما تعنيه البداية والابتداء يقال أهلّ الشهر أي ظهر هلاله. والهل (بكسر الهاء) تعني استهلال القمر(4).
((هو عنصر له خصوصيته التعبيرية باعتباره بدء الكلام، والبداية في المحرك الفاعل الأول لعجلة النص كله)) كما يقول الاستاذ ياسين النصير(5).
ومن الاستهلالات المذكورة في القصص الشعبي عبارات كثيرة منها: “كان يا ما كان في سابق العصر والأوان”، و”كان في قديم الزمان”، و”يحكى أن …”، و”كان يا ما كان وعلى الله التكلان وله الاذعان في كل زمان ومكان”(6)، وهذه الاستهلالات المتعارف عليها في الحكي تحمل في طيات كلماتها رؤية شعبية مخبئة في لا وعي الحاكي، الراوي، القصة خون، عما سيقوله من أحداث ووقائع حدثت في الزمن الماضي، أي أن ما يرويه هو ماضي، وماضي سحيق.
أما اذا كانت الحكاية المكتوبة خاصة لم تذكر فيها هذه الاستهلالات فانها في الأساس، وعند حكيها، تستعمل هذه الاستهلالات، لأن الذي يرويها يعرف انها حكاية قديمة ويجب أن يذكر ذلك، أو ينوه عنه.
***
* التمهيد:
للتمهيد وظيفة أساسية هي تقديم فرشة الحكاية وما تضمه هذه الفرشة من شخصيات رئيسية فاعلة فيها.
وهذه نماذج من التمهيد الشعبي:
– ((اختلف الشيطان والعجوز. كل واحد منهما يدعي انه بمقدوره أن يوقع الفتن بين الناس. فقررا فيما بينهما أن يقوم كل واحد منهما بعمل ما ليثبت صحة قدرته على ذلك. فأخذ الشيطان زمام المبادرة وبعد ذلك جربت العجوز حظها فكانت الأقدر في ذلك.))(7).
– ((يحكى أن أخوين يعيشان سوية، أحدهما له ولد يدعى “ميرزا بحمد”. والثاني له بنت تدعى “زره خاتون”، عقدوا قرانهما وزوجوهما. مرت الأيام فمات الأخوة وظل ميرزا بحمد وزوجته يعيشان سوية، لكنهما قررا ترك قصرهم الكبير، ومدينتهم، ليجدا لهم قصراً آخر في منطقة أخرى. وعند رحيلهما وجدا في منطقة صحراوية قصراً كبيراً، فسكنا فيه بعد أن قتل “ميرزا” الوحش الذي كان يحرسه، الذي يدعى “طمطمينة”.))(8).
– ((كان يا ما كان، في قديم الزمان، ملك عظيم الشان يحكم الأرض من مشرقها إلى مغربها، وكانت زوجته لم تنجب أي ذرية له، فقصد المعابد والكهان، ونذر النذور إلى الآلهة، وحين يستجيب لدعائه أن يجري نهرين أحدهما من عسل والآخر من دهن.
ومرت الأيام، واستجابت الآله لدعواته، فحملت زوجته، وولدت طفلاً جميلاً سماه”نور الزمان” وعندما شب وكبر أقام الملك النهرين واجتمعت الناس لتملأ الجرار منهما حتى نضبا. وبينما كان نور الزمان يسير بالقرب من أحد الأنهار في يوم ما شاهد عجوزاً تجمع ما تبقى من الدهن في قربة لها، فأراد أن يمازحها، فضرب بسهمه قربتها ومزقها، فألتفتت اليه وعندما رأته قالت: بماذا أدعو عليك ايها الأمير المغرور، اني أرجو من الله الذي يستجيب لدعاء المظلومين أن يوقعك في غرام الأميرة “فتيت الرمان”، وكانت العجوز هذه ساحرة، وهكذا اندفع الأمير بحب تلك الأميرة دون أن يراها.))(9).
هذه بعض عبارات التمهيد في القصص الشعبي، ولكل حكاية تمهيد، فضلا عن الاستهلال.
***
* الراوي:
الراوي هو شخص حقيقي، له كيان معروف، واسم معروف، ومكان معروف يجلس فيه أمام المستمعين. ووظيفته الابلاغ عن الحكاية للمستمعين، محاولا أن يكون حريصا كل الحرص على نقلها بأمانة لمستمعيه.
ان الصيغة التي يروي بها الحكاية هي صيغة استخدام ضمير الغائب، فيكون بذلك كالناقل لأحداث الحكاية، وبهذا يكون هذا الراوي مفارقا لمرويه.
يعرف الجاحظ الراوي فيقول: ((الرواية؛ هو الجمل نفسه، وهو حامل المزادة، فسميت المزادة باسم حامل المزادة، ولهذا المعنى سمّوا حامل الشعر والحديث راوية))(10) .
***
* البناء الشكلي للحكايات:
من مفيد القول ان بناء القصص الشعبي بكافة أنواعه، الخرافي، أو الشعبي، أو قصص الحيوان، أو القصص الفكاهية، أو غيرها، يبدأ من نقطة الصفر، وهي نقطة الاستقرار في كل شيء، وكما بيّنا ذلك في عنصر الاستهلال.
يبدأ البناء الشكلي للحكاية بعد عبارة الاستهلال مباشرة، وبعض الحكايات المكتوبة لا تضم هذه العبارة الاستهلالية بسبب نسيان المدون لها.
يتكون هذا العنصر من الأمور التالية:
– الاستقرار.
– اللااستقرار.
– عودة الاستقرار.
والاستقرار الأوّل هو ان الشخصية لا تشعر بأي نقص كان، كما في كل الحكايات العالمية، ومنها العربية.
أما اللااستقرار فهو كما مثل له فلاديمير بروب بوظيفة “النقص”، أو تغيّب أحد أفراد الأسرة، وهي الوظيفة ذات الرقم “1” وتفرعاتها (11). كما في حكاية “حكاية الأمير نور الزمان والأميرة فتيت الرمان”(12). وحتى الوظيفة “31”.
والاستقرار النهائي هو عودة الأمور الأولى إلى ما كانت عليه، أي زوال النقص الذي حدث في حالة اللااستقرار، أي عند بروب الوظيفة “31”. حيث يتزوج البطل، أو يتزوج ويعتلي العرش معا، كما في حكاية “حسن آكل قشور الباقلاء”، والحكايات الأخرى.
***
* الشخصيات:
تقوم نصوص القصص الشعبي على الشخصيات وإبراز أفعالها، وما تقوم به من أفعال، وأحداث، وما يعتورها من نقص حاصل لها، وسد هذا النقص.
وتنقسم الشخصيات التي تقدمها النصوص إلى(13):
1 – شخصية البطل:
ومثال على ذلك شخصية “حسن” في حكاية “حسن آكل قشور الباقلاء”. وشخصية ” الجندي الشجاع” في حكاية ” الجندي الشجاع”. وشخصية “الشواك” في الحكاية التي تحمل الاسم ذاته.
2 – الشخصية المساعدة(14):
في أكثر من حكاية عراقية، نجد ان الشخصية المساعدة تكون أما شيخاً كبيراً، أو حيواناً، مثل بنت السعلوة، حيث تساعد البطل دون علم منها بذلك كما في حكاية “حديدان”. أو طيراً، “إنسان بهيئة طائر”، أو سمكة، يقدمون المساعدة والنصيحة، أو يمنحونه الأداة السحرية. “انظر حكاية الأميرنور الزمان والأميرة فتيت الرمان”. أو الفتاة التي لا تتزوج شخصاً ما لم تختبره، كأن تقدم له لغزاً محيراً مثل حكاية “اللغز”. ورئيس العصابة كما في حكاية “خيانة العهود”.
3 – الشخصية المانحة(15):
الشخصية التي تمنح البطل الحكمة، أو الأداة السحرية، كما في حكاية “حسن آكل قشور الباقلاء”. أو انثى النسر كما في حكاية “الملك وأولاده الثلاثة”. أو التاجر كما في حكاية “صاحب الخيمة الزرقاء”.
4 – الشخصية الشريرة(16):
والشخصية الشريرة أما أن تكون انسانا، كالعجوز في حكاية “ميرزا بحمد”. أو حيوانا، مثل “الغولة” كما في “العصا السحرية”، و”السعلاة” في “حديدان”. أو جمادا، مثل “النهر” الذي غرق فيه الابن كما في حكاية “الشخ الكريم”.
5 – شخصيات حول البطل:
هم الأشخاص الذي يظهرون النقص في حياة البطل، مثل الملك ووزرائه في حكاية “حسن آكل قشور الباقلاء”، ((كان هناك شاب كسول، يدعى “حسن”، لا يحب العمل، يعيش في منزل مهجور “خرابة ” يعتاش على أكل قشور الباقلاء، حيث يجمعها بعد أن يرميها الناس خالية من اللب.
وفي تلك المدينة التي يعيش فيها “حسن” ملك عنده ثلاث بنات. وفي أحد الأيام جمع الملك رجال حاشيته وأخبرهم بأنه يريد اختبار بناته الثلاث بحضورهم.)). وشخصية الملك وحاشيته كما في حكاية “الأخوة الثلاثة”. وكذلك في حكاية “الأمير نور الدين والأميرة فتيت الرمان”: ((كان يا ما كان، في قديم الزمان، ملك عظيم الشان يحكم الأرض من مشرقها إلى مغربها، وكانت زوجته لم تنجب أي ذرية له، فقصد المعابد والكهان، ونذر النذور إلى الآلهة، وحين يستجيب لدعائه أن يجري نهرين أحدهما من عسل والآخر من دهن.)).
وفي حكاية “صاحب الخيمة الزرقاء”، كذلك يوجد أشخاص حول البطل ((كان في قديم الزمان، رجل يدعى “علياً” فقير الحال يعمل أجيراً عند أحد التجار وله زوجة وبنت، وكان رجلاً مؤمناً. وفي يوم ما قرر سيده مع بعض أصحابه التجار أن يعدوا العدة لأداء فريضة الحج. وعندما سمعهم يتحدثون بذلك أخذه هاجس كبير متمنياً أن يكون معهم، وظل صامتاً، فإنتبه اليه سيده وخاطبه: بماذا تفكر يا علي؟ فقال: سلامتك يا سيدي. فقال له: أعرف ما تفكر به، ستكون معنا عند ذهابنا لاداء فريضة الحج ان شاء الله.)).
وفي حكاية ” الشيخ الكريم” يوجد أشخاص حول الشيخ الكريم: ((شيخ كريم. في يوم ما يجد نفسه فقيراً معدم الحال بعد أن كان غنياً. وحياءً من الآخرين يذهب مع زوجته وأطفاله إلى مدينة أخرى يبيع فيها ما تبقى من آثاث البيت لسد رمق عائلته. وعندما يذهب إلى السوق، يأتي شخصان إلى زوجته ويسألانها عن حالها، فتخبرهما بقصة زوجها، بعد ذلك يعود لها أحد هذين الشخصين ويخبرها أن زوجها قد طلبها فتذهب معه فينضم إلى صديقه ويخطفانها.)).
***
* الزمان:
عندما نقول حكاية فهذا معناه اننا سنحكي أمورا حدثت في الماضي، إذن الحكاية، وهي السالفة(17)، تخبرنا بأحداث جرت في الماضي، إن كان هذا الماضي قريبا، أو بعيدا، أو سحيقا. إذ تقول الحكاية (كان يا ما كان في سالف العصر والزمان) وهذه اشارة واضحة على ان الزمن الخارجي للحكي هو الماضي.
هذا بالنسبة للزمن الخارجي الذي تخبرنا به الحكاية، وقلما يكون زمن الحكاية الخارجي قصيرا، لحظة، ساعة، يوم، ويكون عن الماضي. أما الزمن الداخلي لها فيتكون من صيغ الزمن الثلاثة، الماضي، والحاضر، والمستقبل، وكل هذه الصيغ يضمها الزمن الخارجي، أي الحكاية كما حدثت في الماضي.
فعندما نذكر حوارا تم في الزمن الماضي فهذا معناه قد تم في زمن ماضي الحكاية الخارجي ويسميه جيرار جينيت ” الاسترجاع”(18). فيما لو قدمنا زمن الحاضر فهذا معناه قد تم في حاضر زمن ماضي الحكاية، ولو قدمت الحكاية أحداثها بالزمن المستقبل، أي حاضر الزمن الماضي الخارجي للحكاية، فهذا ما كان يسميه جينيت “الاستباق”(19). إذن في مورفولوجية زمن الحكاية ثلاثة عناصر، هي: الاسترجاع، والتزامن(20)، والاسترجاع.
وهذه العناصر يقدمها القصص الشعبي في حكاياته. ومن أمثلة الاسترجاع:
– ((كان يا ما كان، في قديم الزمان، ملك عظيم الشان يحكم الأرض من مشرقها إلى مغربها، وكانت زوجته لم تنجب أي ذرية له، فقصد المعابد والكهان، ونذر النذور إلى الآلهة، وحين يستجيب لدعائه أن يجري نهرين أحدهما من عسل والآخر من دهن.)). حكاية”الأمير نور الدين والأميرة فتيت الرمان”.
ومثال الاستباق في الحكاية نفسها، هو: ((فقالت له السعلوة :ماذا تريد؟ فأخبرها الأمير بمراده. فقالت له: هاك هذا الخاتم وخذه إلى أخي “الغول” والذي ستجده في أحد القصور على بعد مسيرة شهر في الصحراء فانتظره في باب قصره حتى يخرج وسلمه الخاتم وأطلب منه ما تريد.)). حكاية”الأمير نور الدين والأميرة فتيت الرمان”.
ومثال حاضر الحكاية هو:
– ((وبعد هنيهة من الوقت سمعا صوتاً يزمجر كالرعد، وريحاً تعصف، فقالت له:”انهما والداي الغولان اللذان ربياني بعد أن سرقاني من والدي الأمير، فيجب أن أخبئك عنهما وإلا أكلاك، فسحرته إلى “مكنسة ” وعندما دخل الغولان قال أحدهما: أني أشم رائحة أنسي في القصر، فـ”إخرجيه حالاً.فأنكرت الفتاة ذلك، وقالت انها لا تستطيع الخروج من القصر، ولعل تلك الرائحة كان مبعثها ما أكلاه من الأنس، فسكت الغولان.)). حكاية”الأمير نور الدين والأميرة فتيت الرمان”.
ومن حكاية : “الملك وأولاه الثلاثة”، نرى التزامن واضحا فيها:
– ((وهناك استقبلها “أحمد” وأخوه “محمود” وجاءا بها إلى والدهما وأخبروه بوفاة أخيهم “محمد” وانهما قتل المارد وعليه يجب أن يتزوجها أحدهما فرفضت الفتاة طلبهم، وطلبت من السلطان أن يتركها تعيش وحيدة حتى تموت حزناً على أهلها، فوافق السلطان على طلبها.
أما “محمد” عندما هبط به الكبش الأسود إلى الطبقات السبع تركه هناك وحيداً، فسار دون أن يعرف إلى أين، وعندما تعب جلس تحت شجرة كبيرة، فسمع بعض الأصوات وعندما رفع رأسه إلى الأعلى رأى حية كبيرة تريد أكل فراخ النسرة فقام وقتلها ، ووزع لحمها على الفراخ…الخ)).
***
* المكان، أو الفضاء:
هو الحيزالمكاني الذي تجري فيه أحداث الحكاية. ومن المفيد أن نذكر ان الحكاية لا تصف دقائق المكان وانما تذكره بصورة عامة، كأن يكون غابة، أو قصر، أو كوخ، أو منزل، أو الفضاء، وكل هذه الأمكنه ترمز إلى شيء، فمثلا الغابة ترمز إلى وحدوية الشخص الذي يمشي فيها، أو تيهانه، والدخول في مغامرة. والقصر يرمز إلى خرافية الشخصية، كالغيلان والسعالي. والخرابة (21) ترمز إلى فقر الشخصية، والكوخ الذي يرمز إلى سكن العجوز التي أصلها سعلاة، أو سكن شيخ كبير يقدم المساعدة، وهكذا. وهذه أمثلة على ما ذكرنا:
– الغابة:
1 – المغامرة: ((وقد كان دخول الأخوة الصغار الغابة بحد ذاته مغامرة، حيث قاموا بمطاردة الطائر الجميل.)). حكاية” حديدان”.
2 – التوحد والتيه: ((كان في قديم الزمان راع عجوز يعيش مع ولديه – ولد وبنت – وقطيع من الاغنام.
وفي أحد الأيام، وبينما هم يرعون قطيعهم في الغابة طلب الطفلان من والدهما أن يسمح لهما باللعب داخل الغابة، فوافق على ذلك. وبينما هما يتجولان فيها، فإذا بهما أمام طائر صغير جميل المنظر يطير ويهبط، فظناه عاجزاً عن الطيران، ولحقا به، لكنه كان يطير حينما يقتربان منه، ويهبط حينما يبتعدان. وهكذا استمرت مطاردتهما ساعات حتى غابت الشمس، فلم يتمكنا من معرفة الطريق الذي يوصلهما إلى كوخ والدهما… الخ)). حكاية “العصا السحرية”.
– القصر:
– ((ثم أخذت أسير دون أن أجد “الشوك” فضللت طريقي، فلاح لي عن بعد قصر كبير وكان بابه موصداً وبينما أنا في حالة التعب والجوع والحيرة شعرت بهزة في السماء واذا بأربعين غمامة تبرق وترعد عن بعيد وهي متجهة اليّ وبعدما أمعنت فيها النظر وجدت كل غمامة غولاً مرعباً يطير في الجو وتقذف عيناه البروق فخفت وهرعت إلى أشجار من “الشوك” والتجأت اليها، وشاهدت الغيلان يخطون أمام باب القصر وسمعتهم يتساءلون عن رائحة انسان يشمونها.)). حكاية “الشواك”.
– الخرابة:
((كان هناك شاب كسول، يدعى “حسن”، لا يحب العمل، يعيش في منزل مهجور “خرابة” يعتاش على أكل قشور الباقلاء، حيث يجمعها بعد أن يرميها الناس خالية من اللب.)). حكاية “حسن آكل قشور الباقلاء”.
– الكوخ:
1 – تسكن فيه غول: ((وفي أحدى الليالي، سمع الولدان أن الباب تفتح. نهض الصبي بهدوء من فراشة، فرأى العجوز تخرج من الكوخ، وتتجه نحو أحد الوديان. فتبعها، وهناك رآها تخلع ملابسها فإذا بها غولة بشعة المنظر.)). حكاية “العصا السحرية”.
2 – يسكن فيه شيخ يقدم المساعدة: ((…فأنهكه التعب واذا به يلمح كوخاً من بعيد، وعندما اقترب منه رأى شيخاً وقوراً كبير السن، فرحب به الشيخ وبات عنده تلك الليلة، وفي الصباح سأل الشيخ الأمير عن مقصده، فأخبره بحكايته، فأراد الشيخ أن يثنيه عن عزمه لوجود الصعاب، فلم ينثن. عندها قال له الشيخ: سر في الطريق الشرقي ثلاثة أيام وهناك ستجد واحة… الخ)). حكاية “الأمير نور الدين والأميرة فتيت الرمان”.
***
* الوصف:
هذا العنصر قليل الحضور في القصص الشعبي، العراقي، والعربي، والاجنبي، كون القاص الشعبي، أو الراوي، أو القصة خون غير معني به عند رواية الحكاية.
والقصص الشعبي يختلف في استخدام هذا العنصر، فبينما الحكاية الخرافية ذات طريقة تجريدية في العرض، كما انها تسمو بالموضوع والصور إلى درجة المثالية، فيما الحكاية الشعبية حسية، تصور فيها العوالم الأخرى في دقة وتفصيل، كملابس الأقزام مثلاً، ومظهرهم، وأعمارهم، وأجناسهم، ويمتزج كل هذا بوصفها للطبيعة.
وتحاول الحكاية الشعبية أن تفرض خصائصها، وطبيعتها، حينما تتناول مخلوقات العالم الآخر فتتحدث عن ماضيهم، وعاداتهم اليومية، ولا تعرف الحكاية الخرافية مثل هذا، فهي تحكي عن العفاريت، والمردة، والجن، ولكنها لا تصفهم.
ومهما قدمت الحكاية وصفا لشيء ما فانها تكون بخيلة في ذلك الوصف ولا يخرج عن بضع كلمات كما في حكاية “الملك وأولاده الثلاثة” حيث يصف أبناء الملك بالأذكياء، والأقوياء فقط. ويصف شجرة الملك بـ (عظيمة، ثمارها أزهار نادرة الوجود).
وعندما تريد أن تصف الطريق على انه طويل تقول: “گاع تصدّه وگاع تردّه”، ومعنى ذلك أن الشخص ينتقل من مكان إلى آخر دون وعي منه. ودون الوصول إلى نتيجة، أو هدف. أي انها تختصر الوصف الطويل الذي ستصف به الطريق. كما في حكاية “الشيخ الكريم”.
فيما تقدم حكاية “الفرسان الثلاثة” وصفا لفرس، وملابس، وسيف الفارس الذي يأتي إلى قبر الرجل الفقير.
ويصف الراوي على لسان الشواك، الغيلان، فيقول: ((واذا بأربعين غمامة تبرق وترعد عن بعيد وهي متجهة اليّ وبعدما أمعنت فيها النظر وجدت كل غمامة غولاً مرعباً يطير في الجو وتقذف عيناه البروق فخفت)). كما في حكاية “الشواك”.
***
* الخاتمة:
كما ان راوي الحكاية يبدأها بالاستهلال والبداية، فانه يختمها بعبارة معروفة سلفا، هي عبارة: “عاشوا بثبات ونبات”. أو”عاشوا براحة ونعيم”، أو”طيب الله عيش السامعين”، أو”كنا عدكم وجينا، ولو بيتنا قريب ﭽان جبنالكم حمص وزبيب”، أو “وآني سلمت وهذي سالفتي… وهذي الجيتكم منها” (انظر حكاية حديدان). “وعاش بثبات ونبات وخلفوا صبيان وبنات وكنا عدهم وجينا ولو بيتنا قريب كان أجيبلكم حفني(حفنة) زبيب” (انظر حكاية الفرسان الثلاثة).
***
الهوامش:
1 – هذا لا يعني وجود اختلاف بين القصص الشعبي العالمي والقصص الشعبي العربي، إلّا اني اخترت العربي كوني اخترت النماذج العربية التي أمثل بها عما أقولة.
2 – كلمة فارسية معناها قاريء القصة، وهو الراوي الذي يجلس في المقاهي أو المنتديات ليروي الحكايات، أو السير الشعبية.
3 – الاستهلال فن البدايات في النص الأدبي – ياسين النصير – دار نينوى – 2009- ص17.
4 – المصدر السابق – ص15.
5 – المصدر السابق – ص17.
6 – راجع الحكايات التي ذكرتها في كتابي القصص الشعبي العربي – دراسات وتحليل – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد – 2020.
7 – حكاية العجوز والشيطان القصص الشعبي العربي – – ص212.
8 – حكاية ميرزا بحمد – القصص الشعبي العربي – ص181 .
9 – حكاية الأمير نور الدين والأميرة فتيت الرمان – القصص الشعبي العربي – ص191.
10 – الحيوان – الجاحظ – 1 : 333.
11 – راجع وظائف بروب في كتابي “القصص الشعبي العربي – دراسات وتحليل” – ص167.
12 – اذكر هذا النموذج كمثال على ما أقول وإلّا النماذج كثيرة.
13 – راجع كتابنا “القصص الشعبي العربي – درسات وتحليل – موضوع البطل في القصص الشعبي”.
14 – راجع كتابنا “السقوط والصعود في القصص الشعبي “منهج لدراسة القصص الشعبي” منشور على صفحات جريدة العراقية التي تصدر في استراليا متسلسلا.
15 – راجع المصدر السابق.
16 – راجع المصدر السابق.
17 – التي تتحدث عن السلف.
18 – والاسترجاع هو: ((الاسترجاع أو ما يسمى بـ “اللواحق” وهو كما يقول “جينات”: عملية سردية تمثل بالعكس في إيراد حدث سابق للنقطة الزمنية التي بلغها السرد)). (مدخل إلى نظرية القصة- سمير المرزوقي وجميل شاكر- دار الشؤون الثقافية العامة-1986 – بغداد- ص76).
19 – الاستباق هو كما يعرفه (جينات): ((عملية سردية تتمثل في إيراد حدث آت أو الإشارة إليه مسبقاً)). ((مدخل إلى نظرية القصة- سمير المرزوقي وجميل شاكر- دار الشؤون الثقافية العامة-1986 – بغداد- ص76).
20 – التزامن هو: ((وقوع حدثين في وقت واحد مما يدفع الراوي الشعبي إلى سرد كل حدث على حده من خلال استخدام لازمة لغوية محددة يلقيها على سامعيه)). (ألف ليلة وليلة وسحر السردية العربية – دمشق – اتحاد الكتاب العرب- 2000 – ص44)
21 – الخرابة تعني الخربة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق