قراءات ودراسات

الجائحة والسرديات الثقافية الجديدة

دراسة سوسيوثقافية

الملخص: الكلمات المفاتيح: الجائحة – التباعد – السرديات الثقافية – الذات – الإنسانية
The pandemic- soial distancing- cultural narratives – self- humanity
 
 
مصطفى البحري:  
 

نقف اليوم على تشكل جديد للفضاء الاجتماعي تكفل باحتواء تعبيرات ثقافية جديدة متصلة بالجائحة، غير خاضعة للمعايير الاجتماعية والثقافية المتعارف عليها، لكن مع ذلك استطاعت أن تؤسس لسرديات ثقافية جديدة خاضعة للاكرهات الصحية حيث العودة إلى عالم الضرورة الذي اعتقدنا أننا تجاوزناه، أو أننا نتحكم فيه بصفة مطلقة. فقد مست هذه الجائحة حياتنا البومية وأجبرتنا على أن نكيف علاقاتنا وصلاتنا الاجتماعية مع هذا الوضع الجديد، كما كشفت عن ارتباط الآثار الصحية بالاجتماعية وأعادت تشكيل العلاقات الاجتماعية من خلال ممارسات ثقافية جديدة كالتباعد وغيرها، من أجل حفظ الذات وحتى المقربين ولكن أيضا لحفظ النوع البشري. هذا التغيير الإنساني الجديد خلق ممارسات وتمثلات ثقافية جديدة وجب الانتباه إليها والتذكير بجدارتها في تأسيس بناء تصور اجتماعي جديد متصل بسلامة المجتمعات البشرية وبأحقيتها في الوجود الاجتماعي.

فالأسئلة المركزية التي توجه تحليلنا هي:

ماهي تأثيرات الجائحة على البناء الاجتماعي والثقافي الراهن؟ وكيف يمكن ان تتحول الممارسات الصحية الجديدة المرتبطة بالوضع الوبائي إلى سرديات ثقافية تكشف تأزم الواقع الصحي والاجتماعي وتعبّر عن قدرة الانسان على التكيف مع الوضع الجديد؟ والاهم، هل يمثل هذا التحول الثقافي حالة إنسانية عابرة أم انه تصور مستقبلي جديد سيبني رؤيتنا للعالم من جديد؟

شكرا على رحابة صدركم

Summary :
Pandemic and new cultural narratives
Sociocultural study
Mustapha Bahri
Sociology researcher
Today we are on a new social space architecture that will ensure that new cultural expressions related to the pandemic are contained. Not subject to customary social and cultural norms, But yet it was able to establish new cultural narratives that were subject to health, where we went back to the world of necessity that we thought we were past. Or we have absolute control over it. This pandemic has affected our lives and forced us to adapt our relationships and social connections to this new situation, It also revealed the Association of health effects with social and reshaped social relationships through new cultural practices such as distancing and so on, In order to save the self and even the close ones but also to save the human species. This human change. This new human change has created new cultural practices and representations, to which attention must be paid and their worth recalled in establishing a new social vision related to the integrity and social viability of human societies.
The central questions guiding our analysis are:
What are the effects of the pandemic on the current social and cultural structure? How can new health practices associated with the epidemiological situation be transformed into cultural narratives that reveal the crisis of Health and social reality and reflect the human capacity to adapt to the new situation?
More importantly, is this cultural transformation a transitory human condition or is it a new futuristic vision that will build our worldview anew?
My thanks and appreciation.

 

مقدمة:

نقف اليوم على تشكل مغاير للفضاء الاجتماعي تكفل باحتواء تعبيرات ثقافية جديدة متصلة بالجائحة، غير خاضعة للمعايير الاجتماعية والثقافية المتعارف عليها، لكن مع ذلك استطاعت أن تؤسس لسرديات ثقافية جديدة خاضعة للاكرهات الصحية حيث العودة إلى عالم الضرورة الذي اعتقدنا أننا تجاوزناه، أو أننا نتحكم فيه بصفة مطلقة. فقد مست هذه الجائحة حياتنا اليومية وأجبرتنا على أن نكيف علاقاتنا وصلاتنا الاجتماعية مع هذا الوضع الجديد، كما كشفت عن ارتباط الآثار الصحية بالاجتماعية وأعادت تشكيل العلاقات الاجتماعية من خلال ممارسات ثقافية جديدة كالتباعد وغيرها، من أجل حفظ الذات وحتى المقربين ولكن أيضا لحفظ النوع البشري. هذا التغيير الإنساني الجديد خلق ممارسات وتمثلات ثقافية مختلفة وجب الانتباه إليها والتذكير بجدارتها في تأسيس بناء تصور اجتماعي جديد متصل بسلامة المجتمعات البشرية وبأحقيتها في الوجود الاجتماعي.

مجملا، هذا البحث سيسعى نحو تناول جائحة كورونا من النظرة الاجتماعية والثقافية على اعتبار أننا أمام تشكل اجتماعي غريب يحمل معاني ودلالات مكثفة تتعزز رمزيتها من الممارسات والتمثلات المصاحبة لهذا الوباء، من خلال دراسة حالة المجتمع التونسي ومدى تفاعله مع هذه الظاهرة الصحية الجديدة.

ونلاحظ ان أدبيات الوباء في الفكر الغربي اتجهت نحو الجانب التاريخي للوباء وليس معطى اجتماعيا يؤثر في بناء المجتمع، وفي علاقاته وصلاته الاجتماعية. ومن هنا كان الاهتمام بهذا الموضوع وما يتعلق به من تصورات ثقافية تتأكد من خلال الأفعال والصور الذهنية المصاحبة لظاهرة الوباء. ولذا فإن هذه الدراسة ستسعى للإجابة عن السوسيو ثقافي في علاقته بجائحة كورونا.

فالأسئلة المركزية التي توجه تحليلنا هي:

ماهي تأثيرات الجائحة على البناء الاجتماعي والثقافي الراهن؟ وكيف يمكن ان تتحول الممارسات الصحية الجديدة المرتبطة بالوضع الوبائي إلى سرديات ثقافية تكشف تأزم الواقع الصحي والاجتماعي وتعبّر عن قدرة الانسان على التكيف مع الوضع الجديد؟ والاهم، هل يمثل هذا التحول الصحي حالة إنسانية عابرة أم انه تصور مستقبلي جديد سيبني رؤيتنا للعالم من جديد؟

I-الجائحة وتأثيراتها على البناء الاجتماعي والثقافي :

نعترف ان العلاقات الاجتماعية في ظل جائحة الكورونا تغيرت نتيجة التباعد الاجتماعي الذي خلّف خسارة رمزية كبرى في دورة الحياة حيث تكسرت كل المحطات الإنسانية التي يمر بها الانسان منذ ولادته حتى وفاته كالاحتفال بأعياد الميلاد ومناسبات الزواج أو الختان على اعتبار ان الاهتمام بهذه الأمور يمثل تحديا لجبروت الوباء، فالتمثلات الراهنة استبطنت مضامين الحجر الصحي ونزعت نحو خوض تجربة المقاومة وتحدي جائحة كورونا من خلال عزل كل العادات والتقاليد السائدة وتغييرها بأنماط ثقافية واجتماعية جديدة تتلاءم والوضعية الصحية المستجدة حيث خضوع الانسان للعزلة والانفراد وتأسيس عوالم مختلفة ذات حركية محدودة كالانزياح نحو الفضاء الافتراضي الذي يحيل إلى الفضاءات التواصليّة الجديدة المرتبطة بشبكة الأنترنات كالفايسبوك والتوتير واليوتيوب وغيرها، حيث ينخرط الإنسان في زمن تواصليّ جديد يتّسم بالانسياب والحيوية ويخلق ” تفاعلات ثقافيّة واجتماعية وسياسية واقتصادية تُعود بتأثيرات في المجالات الاعتقاديّة والمفاهيمية والمسلكية والمعنويّة في واقع المجتمعات والأفراد”، فالإنسان غادر بوتقة الشاغل والمعيش اليومي وطرد من ذهنه كل ما هو اعتيادي وانغمس في عالم اللذة اللامحسوس أين السفر الفردي إلى الفضاء الخائلي واكتشاف الصفحات الافتراضية أو المجموعات الشبكيّة أو المجتمعات المحليّة الافتراضيّة بما يمنح إطلالة متنوعة على جماهير وثقافات مختلفة، فالعلاقات الاجتماعية الحسية تكسرت وفقدت جاذبيتها واستعمالاتها التواصلية على اعتبار أن التباعد الاجتماعي صار حقيقة اجتماعية وسلوكا إلزاميا ينسحب على جميع الافراد إذ الوجدان الاجتماعي في بعده المباشر لم يعد ينسكن في النسيج الاجتماعي وفقد رمزيته الثقافية وحضوره التقليدي حيث كانت تقاس العلاقات الحميمية بالتفاعلات الجسدية .

فالافتراضي يعزز عزلة الجسد وبعمق فقدانه لحاسة اللمس التي تلعب دورا أساسيا في تقوية الروابط الاجتماعية وتنقية البناء المعماري الوجداني للأقراد على اعتباران ” أنّ جسم الانسان بنى جميع نماذجه بناء على اللمس الذي تلقاه من مقدمي الرعاية “، فالطفل والحبيب والصديق وكذلك الوالدين والاقربين في حاجة إلى شحنة حسية حتى تحفز العلاقات الاجتماعية وتقوى الحميمية، فنحن نحتاج للسلام باليد والقبلة ولمس الجسد من أجل تأكيد تجذر الصلات الاجتماعية. فالذات، في غياب التقارب الجسدي، فقدت جرعة حسية فاعلة ومكملة لتنقية البناء الوجداني والاجتماعي، وبالتالي انخرطت في سياقات تواصلية جديدة قائمة على تمجيد التباعد الاجتماعي حيث الانحناء لمقولة الفردية وإجبار الذات على عدم الاختلاط ومعاشرة الاخر. هذه الحالة الثقافية الجديدة قطعت مع التعبيرات الوجدانية التقليدية وأسست مشروعية تواصلية جديدة قائمة على التباعد الاجتماعي ورفض التقارب أو التلامس الجسدي.

ما يهمنا ان الفضاء العمومي بوصفه “فضاء مفتوح، ويُحيل على كل من المساحات الخضراء والساحات والشوارع وكل مواقع الترفيه والتسلية وغيرها من الفضاءات التجارية والخدماتية والتي تلعب دورا وظيفيا وتنشيطيا، فقد جاذبيته ولم يعد مستنيرا ” يحتوي على أفراد خصوصيين يستعملون عقولهم استعمالا برهانيا”، معنى ذلك ان الخطاب العمومي تملّص من بعده التفاعلي والتداولي التفاوضي وانطلق نحو الفضاء الخاص من أجل حماية الذات والمقربين. يشير مفهوم الفضاء الخاص إلى المسكن أو باللهجة التونسية إلى ” الحرمة، ” العتبة”، “قبر الحياة”، و”الملك” وغيرها من التسميات التي تضفي قداسة على هذا الكيان الاجتماعي المحصّن، على نحو يضمن فيه الإنسان ممارسة حياته اليومية وطقوسه الخاصة في جوّ من الطمأنينة والراحة، كما أنّه مجال للحميميّة والترابط العميق الذي ينشأ بين أفراد الأسرة ويتطور بصفة دائمة ومستمرّة.

والحق ان هذه السكينة والراحة التي يتمتع بها الفضاء الخاص تؤهله بأن يحتضن الفرد ويحميه من مخاطر الوباء حيث الاستفراد بالذات والعائلة وتعهد الروابط الاسرية التي كانت ممزقة بفعل الشاغل اليومي وأعباء الحياة، فالجائحة حسّنت علاقة الانا بنفسها وعززت الوجود الاسري من خلال إحياء البنى العاطفية والوجدانية وترميمها بفضل الحضور العائلي المكثف وتجمّعها المتكرر، فالجائحة فرصة للملمة التشتت العائلي وتوطيد علاقات افراد الاسرة من الجديد على النحو الذي ينتج فيه المجتمع ديناميكية ثقافية جديدة تقوم على التقارب الاسري والتباعد الاجتماعي، هذا التحول في النمط الثقافي والاجتماعي خلف سلوكيات وتصورت جديدة تستمد مشروعتها من الاكراهات الصحية الراهنة حيث الاستسلام للعادات والتقاليد الجديدة والانصياع لجبروت الجائحة وما تفرضه من صرامة صحية وتقيد بالبروتوكول الصحي الذي خلق ممارسات إيجابية كالتعلم عن بعد وعقلنة السلوك الإنساني في بعض جوانبه الاستهلاكية حيث التخفيف من تكلفة الغذاء والمواد الأساسية .

وهكذا، فان الفضاء العمومي بسبب هذه الجائحة، لم يعد مجالا للنقاش العام أو موضوعا للحركية الفكرية بحيث يغيب الفعل التواصلي وتتهاوى المنظومة القيمية والاجتماعية السائدة مما يسمح بعرض سرديات ثقافية جديدة قائمة على احترام البروتوكول الصحي وما يتصل به من تمثلات وممارسات كالتباعد واستعمال الكمامة والحرص المكثف على التعقيم والنظافة إذ الذات تنتج صورا ذهنية وطقوسا حياتية في صلة مباشرة بالوضع الصحي الجديد.

II-الجائحة والسرديات الثقافية الجديدة :

تمثل جائحة كورونا وباء خطير يصيب البشرية، يهددهم في حياتهم وحياة أبنائهم حيث الموت يتربص بالإنسان في كل لحظة، كما تؤسس لمعاني ثقافية ومجتمعية جديدة تظهر تجلياتها من خلال حضور ممارسات وتمثلات جديدة في النسيج الاجتماعي وداخل الفضاء العام حيث الصراع من أجل البقاء والحفاظ على الذات البشرية. فنحن أمام مأسسة سياق انساني مغاير أفرز سلوكات وممارسات مختلفة نتيجة خضوع البشرية للحظر الصحي الذي يعتبره البعض غير مجد وهو ما يؤكده الباحث ماهر حنين إذ يقول ” أنّ جزء ممن يعيشون الهشاشة يخشون الجوع المحسوس أكثر من الفيروس اللاّمرئي لذلك لا تطابق في التمثلات بين شعار “شد دارك” ومبدأ “قوم اخدم مركي نهارك” كما يقول العديد منهم”. على هذا النحو من التمثلات يعود الإنسان إلى عالم الضّرورة الذي اعتقدنا أنّنا تجاوزناه، أو أننا نتحكّم فيه بصفة مطلقة، فكأننا أمام ممارسة طقوسية تحاول فرض الثبات وما يمكن أن يتولد عنه من شعور بالخوف الخنوع وتُدخلنا في حالة المقدّس والتعبئة الجماعية حيث تنشطُ المخيّلة وتنخرط في حالة ذهنية جماعية على نحو تنتقل فيه الذهنيّة من الوعي إلى اللاوعي العميق. معنى ذلك ان الفضاء العمومي، بسبب هذا الوباء، كرّس فكرة المساواة ووحّد قيمة المشترك حيث الانخراط في الوحدة الاجتماعية والانسجام في التعبئة الجماعية من أجل حماية الذات والاخرين. هذا التضامن الاضطراري كسّر الصراعات الاجتماعية وخلق نوع من النضج الاجتماعي الخلاق القائم على استرداد العدالة الاجتماعية وتعهد العلاقات الاجتماعية حيث القيم المشتركة والمرجعيات الثقافية المحفزة لفعل التعاون، والتي تتعزز بممارسات وتصورات مختلفة. فعبارة ” التباعد ” تكشف عن خطورة الوضعية الصحية الجديدة التي يفرضها الوباء خاصة أننا لا نمتلك الاستعدادات ولا المعدات اللاّزمة للتعامل مع هذه الأزمة ولا تصوّرا واضحا لفهم ما يمكن أن يحدُث لنا. وهنا نستحضر مقولة فريدريك كيك الذي يرى في كتابه “عالم مزكوم” أن “الزكام هو مرض العولمة ” وأن بناء الأمن الاجتماعي تم ّعلى مبدأ الوقاية وليس على مبدأ الاستعداد مؤكدا أنّ هذا الاستعداد سيبني رؤيتنا للعالم من جديد، ولعل أبرز الاستعدادات المؤهلة للقيام بهذا الدور السرديات الثقافية بمختلف تجلياتها. وهكذا فإنّ هذه الجائحة مسّت حياتنا اليوميّة وأجبرتنا على أن نكيّف علاقاتنا وصلاتنا الاجتماعية مع هذا الوضع الجديد، كما كشفت عن عمق العلاقة بين ما هو صحي وما هو اجتماعي وأعادت تشكيل العلاقات الاجتماعية بين الناس حيث أصبح التباعد الاجتماعي أس من أسس حفظ الذات وحتى من المقربين ولكن أيضا لحفظ النوع البشري مما يجرّنا إلى القول إننا أمام تغيير إنساني مستقبلي حقيقي يتشكّل من خلاله مصير البشرّيّة وواقعها الاجتماعي الجديد.

فسردية الوباء جعلت من الوضع الصحي الجديد وكأنه حدث عابر لا يحدث غرابة وحيرة اجتماعية وخوف جماعي خاصة وان فكرة الموت فقدت هالتها ورمزيتها الاجتماعية والثقافية وانخرطت في سياق المعيش اليومي والاعتيادي.

ما يهمنا ان مقولة ” التباعد ” باعتبارها سردية مشتركة بين جل أفراد المجتمع، والتي اقترنت بجائحة الكورونا حيث يسعى الافراد إلى عدم الاقتراب من بعضهم البعض، وإلى إرتداء الكمامة في الأماكن العامة والخاصة نتيجة خضوعهم لهذا الوباء الخطير. فالتقارب الجسدي وصم اجتماعي مرتبط أساسا بعدم احترام قواعد العيش المشترك وبالخروج عن القانون، فمقولة التقارب انحرفت عن سياقها الدلالي والتاريخي وانخرطت في توظيفات جديدة فتحولت إلى فعل مذموم وممارسة اجتماعية غير اعتيادية تهدد السلم الاجتماعي وتؤثر في استمرارية المؤسسات الاجتماعية. فهذه الخلفية الثقافية تؤسس لمشروعية ثقافية جديدة تسبطن إكراهات الوباء وتصبغه مقبولية اجتماعية حيث المجال الصحي في خدمة النمط الثقافي السائد المؤثر في الوجود البشري.

والأكيد ان أ، مقولة ” احمي روحك ” تعزز فكرة ” التباعد الاجتماعي ” حيث الصورة النمطية للصلات الاجتماعية تندرج ضمن الوصم الاجتماعي. فالفرد مطالب بالقطع مع الأنماط الثقفية السائدة، وهو ما يعكس حقيقة الشعور الكامن الذي يتلبس بالذهنية المعاصرة التي تخشى الموت وتتشب بالحياة. ففكرة التباعد تضمن استمرارية الجنس البشري وتكرس أحقية الفعل الصحي على الفعل الأخلاقي في المجتمع حيث البناء الفكري الجديد المحفز على التمرد على الشاغل والاعتيادي والانغماس في صيرورة المفاهيم الجديدة المرتبطة بجائحة كورونا.

والحق ان هذه السرديات الثقافية الجائحة المرتبطة بهذا الوباء تسللت إلى الفضاء العمومي من خلال ما يكتب على الجدران من تحفيز على حفظ الذات وعدم الخروج والبقاء في البيت، ولعل هذه الصورة القرافيتية الموجودة في إحدى الشوارع التونسية تؤكد خطورة هذا الوباء وتأثيراته السلبية على صحة الانسان.

اللوحة عدد 1 توجد هذه الجداريّة في إحدى الشوارع التونسية المصدر: العمل الميداني بتاريخ 02 – 05 -2020

هنا الصورة سلسة في تمثلّها على اعتبار راهنتيها واتصالها الوثيق بالمعيش اليومي، تأخذ صبغة اللاّاطمئنان عند المتلقي حيث العلامة اللونيّة المكثفة بالسّواد والمضمون التحذيري الذي يوحي بخطورة المجهول، فعبارة ” شد دارك ” بتلك الكثافة والشحنة اللونيّة السوداء تكشف عن خطورة الوضعية الصحية الجديدة التي يفرضها الوباء الذي خلق إتيقا تواصلية جديدة وأعاد بناء الصّور المشكّلة للمجتمع، كما أنه استطاع أن ينتتج سلوكات وممارسات جديدة نتيجة خضوع الافراد للحظر الصحي إذ الفرد مطالب بأن يكيف سلوكه وعلاقاته وصلاته الاجتماعية مع هذا الوضع الجديد، فالفضاء العمومي تخلص من فكرة التواصل العقلي والنقاشات العمومية، كما كشفت سردية الوباء عن الترابط بين الصحي والاجتماعي وأعادت هيكلة العلاقات الاجتماعية بين الناس حيث أصبح التباعد الاجتماعي أس من أسس حفظ الذات وحتى من المقربين ولكن أيضا لحفظ النوع البشري مما يجرّنا إلى القول إننا أمام تغيير إنساني مستقبلي حقيقي يتشكّل من خلاله مصير البشرّيّة وواقعها الاجتماعي الجديد.

يتخير الافراد لغة ثقافية جديدة يستخدمونها لدعم أوضاعهم الصحية، لذلك تميز ماري دوجلاس بين “اللغة المقيدة واللغة التي تدع الناس يفعلون ما يشاؤون”، فالمفردات والصيغ الصحية الجديدة غير مقيدة تهدد الطبيعة المترابطة لنظم التقاليد والمعتقدات، فإذا قبل الفرد هذه التفضيلات الثقافية المتحيزة للسجل الوبائي فإنه سيجد نفسه منصهرا ضمن مشهدية ثقافية ترفض التقارب الجسدي والاجتماعي وتنزع نحو الفردانية والعزلة والعلاقات المحدودة عبر الخضوع التام لاستحقاقات الحجر الصحي. وعلى الرغم من ذلك فقد استبطن الفرد عالم الضرورة وتشبث بقواعده الرسمية من خلال تملك شرعية ثقافية وحضورا دلاليا مرتبط بالسياق الصحي المستجد الذي أنتجته هذه الجائحة. ويبدو ان تحرر الانسان من السائد والاعتيادي قد ساهم في تعزيز السرديات الثقافية الجديدة المرتبطة بالجائحة وسريانها في الفضاء الاجتماعي بسرعة.

III- الجائحة بين الحالة الثقافية المؤقتة والبناء الإنساني الجديد :

إنّ المشهد الثقافي الجديد المتصل بجائحة الكورونا يجب استيعابه وفهم الذهنية التي انتجته وتشبثت بمشروعيته نتيجة علاقته بالوجود الإنساني. معنى ذلك أن هذه الصورة الثقافية الجديدة لا بد من دمجها في الثقافة الكونية على اعتبار انها تمثل تصورا جديدا للعالم والاشياء والغيرية. وفي الحقيقة فان البشرية استوعبت صدمة الجائحة واقتنعت بفروضها الصحية والاجتماعية مما أسهم في خلق عدالة ثقافية بين كل المجتمعات حيث تساوى الهامشي والمترف وتبددت مقولة الصراع الاجتماعي على اعتبار اننا امام حالة ثقافية موحدة تخترق السائد وتناضل من أجل الحفاظ على الجنس البشري ، لذلك نتحدث هنا عن انسان خاضع لعالم الضرورة، منغمس في تفاصيل الجائحة و غير مهتم بما يدور حوله وغير عابئ بالتغيرات الثقافية والاجتماعية مما ينتج لنا شخصية منهكة بحالتها الصحية وخائفة من المجهول على اعتبار انها امام تحول انساني كبير غير واضح المعالم حيث الغرابة والحيرة تسكن الذات البشرية.

نعترف ان مجتمع المعرفة والاعلام والذكاء الاصطناعي ظهر بقوة في زمن الجائحة وصار الجميع يعول على هذه الوسائل لفهم ما يحدث حوله، فالإنسان في سباق ضد السرعة من أجل استيعاب وباء الخوف الذي انحسرت بسببه الحدود وتراجعت قيم العولمة حيث الاستفراد بالذات وخوض تجربة العزلة والغوص في زمن الفردانية والتواصل الافتراضي. هذا الوضع الاجتماعي الجديد تعزز بجرعات تضامنية مما جعل المجتمع يحقق مناعة ذاتية تستمد عتوها من القيم الأخلاقية والعادات والتقاليد المحلية حيث العودة إلى اللحظات المؤسسة والفاعلة في الصيرورة القيمية، بمعنى استحضار وتعهد السلوكيات والتصورات القديمة والاحتفاء بالرجوع إلى قمر الذات واكتشاف جماليتها المخبأة على اعتبار ان الانسان المعاصر سكن قلب العمومي واهتم بالشاغل وتغافل عن أغوار ذاته. فالجائحة فرصة حقيقية لاكتشاف الذات واسترجاع وجودها المخبأ، كما أنها لحظة إنسانية فارقة تتوحد فيها البشرية من أجل إنقاذ الانا والاخرية من خلال التفاعل والتضامن التلقائي. فعلى سبيل المثال في تونس تكثفت الحملات التضامنية في زمن الجائحة من خلال تعدد الأنظمة التضامنية التي تقودها الافراد والجماعات، والتي تجسدت في المساعدات المادية والمعنوية لكافة افراد الشعب حيث العناية التطوعية بمرضى الكورونا وتوفير كل الظروف الصحبة والنفسية والمادية، إلى جانب الاعتناء بالفقراء والمساكين وتوفير الحاجيات الأساسية للساكنة، خاصة المرضى منهم والذين يعانون ظروف مادية حرجة.

ما يهمنا ان جائحة الكورونا حفزت التضامن الإنساني وأعادت بناء علاقات الدول بمواطنيها من خلال السياسات الصحية العادلة التي شملت مجتمع الجائحة حيث تركز الاهتمام على الرعاية الصحية والنفسية للأفراد وتوفير الحاجيات الأساسية، كما سعت الدول إلى تكريس مبدا الاندماج والتضامن الاجتماعي من خلال الحقوق وعدالة السياسات الصحية التي تنتهجها والتي تساهم في تكثيف الاندماج الاجتماعي الوطني حيث تكافل كل المؤسسات الرسمية والغير رسمية من أجل مواجهة هذا الوباء وتجاوز مخاطره على اعتبار اننا نحن والاخرية في حرب ضروس ضد هذا الغول القاتل الذي يهلك الإنسانية ويطحن وجودها، لذلك حاول الانسان التكيف مع هذه الظاهرة الصحية والخضوع لتقنية التباعد الاجتماعي من أجل حماية الذات والاخرين، ولكن أيضا من اجل حفظ النوع البشري . فالجائحة استوطنت قلب النسيج الاجتماعي وأجيرت الافراد على إعادة تمثللاتهم وممارساتهم وصلاتهم الاجتماعية مما يضعنا أمام تحول صحي متشعب تكسرت معه رمزية الحميمية والتقارب الاجتماعي، وانطلقنا نحو “إيتيقا تواصلية جديدة ” قائمة على أولوية ” الأهم الآن ” كما يقول محمد الخضراوي الذي يعتبران “اتضامن الإنساني في مواجهة الكورونا مسؤولية تاريخية “على اعتبار اننا امام ازمة مشتركة يجب ان تتوحد فيها الإنسانية جمعاء من أجل الحفاظ على الجنس البشري من خلال تكريس مبدا التضامن والاندماج الاجتماعي من أجل مقاومة ” وباء الخوف ” والعودة إلى الحياة في وضعها الطبيعي حيث التقارب والبناء الاجتماعي والاقتصادي المعهود .

نؤكد ان الذات الإنسانية مزقتها الجائحة وتطاولت على عرشها من خلال انتشار ثقافة الخوف من العدوى حيث الصورة القاتمة للإنسانية والقيم الكونية، والأكيد ان الجسد بوصفه رمز ثقافي فقد هيبته وتخلى عن عرشه من خلال تصدع المشترك، إذ الذات تحطمت واستسلمت لنطاق الجسد الذي اخترقه الوباء ومزق عذريته وقيمته الرمزية، فالموت يداهم الانسان في كل لحظة ويسترق جمالية الحياة بطريقة ناعمة على اعتبار انه ضمن مقبولية سلسة وكأنه ضرب من الحياة. فالجائحة توقّع نهاية الإنسانية وتلتهم مضمونها الروحي وتنتج بذلك تصور جديد لعلاقة الذات بالجسد قائم على أولوية الحسي والملموس مما يضعنا امام نقاشات عمومية حول عنف الجائحة التي فرضت مشهدية ثقافية جديدة تستمد عتوها من اللاتواصل حيث فكرة الحجر الذاتي الصحي أو ملازمة المنزل صار ممارسة ثقافية معممة وفعل انساني محمود. معنى ذلك ان الجائحة غيرت رؤيتنا للعالم الذي فقد أي إمكانية للفعل العقلاني واستسلم للنظام العالمي ما بعد الازمة البيولوجية المعولمة، والذي تعزز بفضل الاعلام الجماهيري ووسائل التواصل الاجتماعي التي نجحت في ترسيخ ثقافة الرعب خاصة من خلال لغة الأرقام والاستبيانات حول مرضى ومتوفي الجائحة.

الخاتمة:

تبقى مقاربة السرديات الثقافية المتعلقة بالجائحة من زاوية التحليل الاجتماعي مرتبطة أساسا بالشروط الصحية والنفسية وتتمظهر في شكل تمثلات وممارسات و النزوع نحو حفظ الذات والاقربين والاقتناع بسرديات الوباء وتقبل مضامينه حيث الخطاب الثقافي المعزز لفكرة الموت وكانه الحياة وتحفيز عملية التباعد واللاتواصل مما يجعلنا نستوعب الرعب عبر الية الوباء وننشئ حقولا تداولية ورموز ثقافية من اجل ترسيخ عنف الجائحة على النحو الذي يصبح فيه الموت فيه موضوعا عموميا ومسارا ثقافيا مستبطنا ومتلبسا على كينونات الانا والاخرية ، فالجائحة تأخذنا إلى عالم الرعب وتحلق بنا عاليا إلى السرديات الحزينة حيث الفناء والنهايات . وضمن هذا السياق يقول جلال الدريدي
“االوباء إذن عنوان موت شيء ما، لكن حين ينتشر الموت قد يأتي على الإنسان نفسه. لذلك يحتاج الموت إلى ستار يؤمّن مروره السلمي حتّى يصير مقبولاً من الجميع كضرب من الحياة. وإذا كان ستاره وصلاً خادعاً بين معاني الحياة والموت، وبين منتجات الإنسان وعطايا الطبيعة. فإنّ الوعي بالموت بما هو موت قد لا يكون ممكناً إلاّ عبر استيعاب سردية الوباء في علاقتها بالعولمة كأحد تجليّات فكرة الحداثة، بل وانعكاساتها الّتي غيّرت مقومّات المشترك الإنساني والمصير المشترك للبشر، ليتماهى مع سيرورة العولمة في مراحلها المتتالية” ، إذ يمكن ان يستثمر الافراد سردية الوباء من اجل التقرب من النمط الثقافي المدمر للوجود الإنساني و الخداع والتوظيف الخبيث للجائحة، فهذا التخفي وراء الجائحة من اجل تبرير الموت يقوي مقبولية الوباء ومشروعيته في ذهن المتلقي.

في النهاية، نجزم بوجود أزمة انطولوجية كتومة تلبست بالذات في علاقتها بسردية الوباء حيث محاولة تمثل الرعب وإعادة التموقع الاجتماعي بمعايير جديدة خلقتها الكورونا، إذ الذاتي والمحلي والكوني ينصهر في بوتقة غامضة ويضعنا أمام تساؤل حول الخصوصية الثقافية وجاهزيتها لتقبل الوافد الوبائي الجديد.

قائمة المراجع والمصادر:
– أحمد زكي بدوي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية: إنجليزي فرنسي عربي، الطبعة الأولى، مكتبة لبنان، بيروت.
– محمد الترسالي، التغير الاجتماعي بين النظرية والواقع، مقاربات للنشر والصناعات الثقافية، المغرب 2017.
– خميّس طعم الله، مناهج البحث وأدواته في العلوم الاجتماعي، مركز النشر الجامعي، الطبعة الأولى، تونس 2004.
– زيجمونتبامونت، الأزمنة السائلة: العيش في عصر اللايقين، ترجمة حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للبحث والنشر، بيروت 2017.
– ستيفان تونيلا، سوسيولوجيا الفضاءات الحضرية العامة، ترجمة إدريس الغزوانوي، المجلة العربية لعلم الاجتماع: إضافات، الجمعية العربية لعلم الاجتماع، العدد 46، بيروت 2019.
– عبد الباقي الهرماسي، الشباب والثقافة والتحولات الاجتماعية، منشورات تبر الزمان، تونس 2005.
– فتحي التريكي ورشيدة التريكي، فلسفة الحداثة، إنتاج ومنشورات مركز الإنماء القومي، بيروت 1998.
– كمل بومنير، النظرية النقدية لمدرسة فرانفورت من ماكس هوركهايمر إلى أكسال هونيث، الدار العربية للعلوم، الطبعة الأولى، بيروت 2010.
– ماهر حنين، سوسيولوجيا الهامش في زمن الكورونا: الخوف – الهشاشة-الانتظارات، المنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، تونس 2020.
– مجموعة من الكتاّب، نظرية الثقافة، ترجمة علي السيد الصاوي، مراجعة الفاروق زكي يونس، سلسلة عالم المعرفة، العدد 223، الكويت 1978.

قائمة المراجع والمصادر باللغة الفرنسية:
– Beck Ulrich, la société du risque, 1ère édition 1989, traduit de l’allemande par Laure Bernardi, Paris, Flammarion, 2001.
– Blanc(N)et autre, le concept de la représentation psychologie, PUF, Paris 2006.
– ClaudLevi-strauss, la pensée sauvage, Plon, Paris, 1962.
– Fichier G.N (2005), les concepts fondamentaux de la psychologie sociale, 3éme Edition Paris, Dunod
– Frédéric Keck, Un monde grippé, Paris, Flammarion 2010
– GAY, R, Talcot Persons et la sociologie américaine, PUF, Paris, 1978.
– Georges Balandier, anthropo- logiques, librairie générale Française, Paris 1985.
– Pierre Bourdieu, la distinction, critique sociale du jugement, Ed Minuit, Paris1979.
– Pierre Bourdieu, questions de sociologie,Cérés Editions, Tunis 1993.
قائمة المواقع الرقميّة:
– https://alyaoum24.com/1391831.html
– https://www.febrayer.com/733408.html
– https://pillarcenter.org/2020/05/06/

باحث تونسي في علم الاجتماع

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق