قراءات ودراسات

السّرديات الثقافية؛ والرّواية ما بعد الكولونيالية:

بقلم: د/ عبدالباسط طلحة

لقد تبلور مفهوم السرديات بمعناه العام مع الحركة الشكلانية في روسيا وبخاصة جهودها في التفريق بين المبنى الحكائي والمتن الحكائي، ونذكر هنا بالأخص جهود كل من ” فيكتور شيكلوفيسكي” و” بوريس توما شوفيسكي “، غير أن هذه الجهود كانت تسعى للتأكيد على أن الفن هو تقنية ولم تكن تهتم بالدلالات الثقافية أو الأدبية المنجرة وراءه ، ثم تطور هذا المصطلح، وأصبح يعني ” الكيفية التي يتم بها بناء النص الأدبي وهو يختلف عن الحكاية التي تمثل المادة الخام الأولية، كما يختلف عن النص الذي يمثل الشكل النهائي والواقع المادي الناجم عن امتزاج الحكاية بالسرد ” ، وهذا التعريف لا يخرج كثيرا عن المفاهيم البنيوية والشكلانية للسرديات .
غير أن السرديات تحمل بعدا ثقافيا يكمن في أن منطلقها ومادتها الأساسية هي مختلف النواحي الإنسانية، وهذه النواحي تهتم بها الثقافة، ومن ثم فالسرديات “اتخذت منذ بدايتها منحى نسقيا يسعى إلى استقراء القوانين الكلية التي تنظم عمل كل الأنواع السردية بشكل عام” .
فالسرديات من بين الوسائل التي تعمل على ” نسج وإعادة تكييف الأحداث الواقعية والمتخيلة وتوزيعها في ثنايا النص الروائي وتمثيل المرجعيات الثقافية والتعبير عن الرؤى والمواقف الرمزية” .
وقد تحولت السرديات في مرحلة ما بعد الحداثة، فلم تعد ذلك النظام، بل أصبحت “بنية ثقافية متعددة المعارف، وبانوراما حقيقية تمدنا بحقول ابستمولوجية …معرفية في الاقتصاد والسياسة، والاجتماع والفلسفة والفن والمباح والمحرم …” .
إن هذا الانفتاح لا شك قد خلص السرديات من ارتباطها بالبنيوية وفتح المجال أمامها لاحتواء كل المظاهر والمواقف المتعلقة بطبيعة النشاط الإنساني، فهذه “الممارسة الاختزالية المعاينة لواقع السرد ستدفع بالنظرية الثقافية إلى البحث عن آفاق جديدة تتجاوز المستوى اللساني البنيوي لمفهوم السرد، فما يميز السرد ليس كونه صيغة للتلفظ، ولكن بالأساس طبيعته عبر اللسانية، إنه يمثل خطاب الذات إلى العالم، يقوم بوظيفة الوساطة الرمزية” .

فاقتراح مفهوم ثقافي للسرديات سيدفعها إلى لعب أدوار متعددة في مرحلة ما بعد الحداثة كما سيمكنها من فرض وجودها .
فالسرديات باعتبارها ظاهرة تتجاوز الوقوف عند الخطاب الأدبي، بل تصبح ذات طبيعة كلية ” تستدعي تقديم تصور معرفي يدرج السرد ضمن أنساق الثقافة والمتخيل والتاريخ ويكشف ترابطاته الجدلية ببنيات القوة والرغبة” .
وبهذه الكيفية يتحرر السرد من مجرد كونه ذلك التمظهر الخارجي للخطاب فيصبح “تشكيل عالم متماسك متخيل تحاك ضمنه صور الذات عن ماضيها، وتندغم فيه أهواء وتحيزات وافتراضات تكتسب طبيعة البديهيات، ونزوعات وتكوينات عقائدية يصوغها الحاضر بتعقيداته، بقدر ما يصوغها الماضي بتجلياته وخفاياه … كما يصوغها بقوة وفعالية خاصتين، فهم الحاضر للماضي وأنهاج تأويله له” .
فتصبح طبيعة السرد حينئذ ” أكثر من مجرد لعبة لغوية، إنه تمثيل تجربة وبناء استراتيجيات يتوسل وساطات إستيطيقية ” ، فهو مجموعة من التمثيلات والصور الثقافية دون إلغاء لطرف على حساب آخر .
ومن خصائص السرديات الثقافية ما يلي :
– أنها لا تقوم بإلغاء الخاصية الجمالية للسرد، ولا يفصلها عن سياقاتها الثقافية والرمزية والأيديولوجية، فهو ” علامة دينامية يتمفصل وفق نظام ترميز مزدوج أدبي – ثقافي يعكس رهانات الاستراتيجية السردية، حيث تستحضر سياقات الهوية والمتخيل والتاريخ وتجاذبات المعرفة والقوة” .
– تستخدم السرد “كاستراتيجية مضادة لمواجهة استراتيجيات الهيمنة والمركزية في سياق الاشتباك الإبستيمولوجي بين المركز والهامش، بين السيد والتابع” .
ويمكن اعتبار بعض الروايات العربية في مرحلة ما بعد الاستعمار خير دليل على هذا الأمر سواء تلك التي تناهض المركزية الغربية كرواية : «موسم الهجرة إلى الشمال » للطيب صالح أو تلك التي تعري فشل السلطة وتحولها لكبت الحرية كرواية « الكرنك » لـ : نجيب محفوظ
ومن هذه المنطلقات نخلص إلى أن السرديات الثقافية كمفهوم جاء ليقترح نفسه كمساعد للنقد الرّوائي ” لإنجاز دراسات مقارنة بين أنساق الفهم والتأويل في السرد العربي، وبين ما يناظرها في الخطاب الفكري والفلسفي والأيديولوجي ” .
لكون السردية المعاصرة أكبر من أن تختزل في مجرد بناء لغوي جميل مكتف بذاته وتأخذ السرديات الثقافية على عاتقها “تحليل الخطاب في سياق أوسع للسيطرة والمقاومة وفي إعادة كتابة التواريخ، من منظور نقدي يكشف المسكوت عنه في الذاكرة، وفي استنطاق سياسات التمثيل في صراع القوة والصور وفي تفكيك أوهام الأيديولوجيا وفي نقد الهويات القاتلة والتحليل الدقيق لاستراتيجيات السلطة ” .
فالسرديات الثقافية هي مكان واسع لتتشكل فيه كل هذه المعارف والأنماط الثقافية ولا بد لهذه التمثيلات من قراءة ثقافية شاملة حتى تتمكن من فك كوامنها وغوامضها والوقوف على أنساقها .
وباعتبار هذه السرديات الثقافية تحمل مختلف المظاهر الخاصة بالوجود الإنساني فهي دون شك لم تنطلق من فراغ، بل أفرزتها بعض المحاولات المنتشرة هنا وهناك مما أدى إلى ظهور السرديات البديلة.
 السرديات البديلة أو سرديات ما بعد الكولونيالية :
لقد سعت البلدان المستقلة حديثا إلى محاولة فرض وجودها أدبيا وفكريا، فالرواية كانت تمثل تلك النزعة الغربية التي تهيمن على الآخر، فسعت هذه البلدان إلى إثبات ذاتها من خلال إبداع أدب خاص بها ودراما خاصة وغيرها من الأمور الأخرى بعيدا عن نزعة التمركز الغربية .
فالأدب ما بعد الكولونيالي ” هو الأدب الذي كتبته الشعوب التي خضعت لتجربة الاستعمار في العصر الحديث، منذ مرحلة استعمارها حتى يومنا هذا، سواء ذلك الأدب الذي انسجم مع التأثير الاستعماري وثقافة المستعمر وصار هجينا، أم الأدب الذي رفض ثقافة المستعمر وحاربها ” ؛ وهذا النوع هو الذي يهم هذه الدراسة .
فقد سعت هذه البلدان إلى بلورة سرديات خاصة بها تختلف عن تلك السرديات التقليدية التي تجسد الثقافة الإمبريالية بل تحاول إيجاد سرديات مقاومة ومعارضة لذلك الفكر فقد أصبح المستعمر السابق الناطق بلغة الإمبراطورية، يوظف النظرية الغربية ضد الغرب، وفق سياسات مختلفة ورهانات جديدة ويخضع هذه اللغة لاستراتيجيات جديدة مضادة لتعديل وتغيير ما تم رفضه، فقد استفادت آداب ما بعد الكولونيالية من المفاهيم الكولونيالية، وقامت بتطويعها لفائدتها .
واستطاع الكثير من أبناء العالم الثالث فرض وجودهم داخل حقل السرديات الجديدة فـــ ” للمرة الأولى يصبح الأفارقة والآسيويون عربا وغير عرب، الذين كانوا دائما موضوعا لعلم الإنسان (الأنثروبولوجيا) الغربي، وللسرديات الغربية، والنظريات التاريخانية والتكهنات اللغوية الغربية، وكانوا في النصوص الثقافية الدليل السلبي على شتى أنواع الأفكار حول الشعوب غير الأوروبية الأقل تطورا التي ظلت جواهر ثابتة رغم التاريخ؛ خلاقين لآدابهم وتواريخهم الخاصة، كما يصبحون أيضا قراء ناقدين لسجل المحفوظات الغربي” .
وهذا طبعا لم يكن ليتأتى لولا الجهود الكبيرة التي أبداها جملة من المفكرين والأدباء كأمثال : ” إدوارد سعيد ” و ” هومي بابا ” و ” الطيب صالح ” وغيرهم .
وقد قام رواد ما بعد الكولونيالية بتعديل مسار النظرية، وفق ما يخدم قضيتهم والمتمثلة أساسا في إثبات وجودهم “حيث تم تكييف أو تطوير ممارسات ميترو بوليتانية وعلى سبيل المثال : أجناس أدبية مثل : الحكاية الشعرية أو : الرواية أو حتى الإبستيمولوجيات أو الأنساق الأيديولوجية ” .
وهذا كله بغرض التأصيل لنوع جديد من المقاومة للهيمنة الكولونيالية فـ”من خلال استيعاب للسلطة المستثمرة في الكتابة، يمكن أن يمسك هذا الخطاب بناصية التهميش المفروض عليه ويجعل من التهجين والتوفيقية مصدرا لإعادة التعريف الأدبي والثقافي ” ، ففي الهيمنة تتجلى أساليب المقاومة وينتقل الخطاب إلى مضاد يعبر عن روح المقاومة والرفض، هذا ما سعت إليه آداب ما بعد الكولونيالية وقامت بتجسيده على أرض الواقع .
هذا الواقع أفرز الإطاحة بقواعد الإمبريالية وسيفرض على المركز الغربي أن يستمع إلى شعوب الأطراف، وأن يواجه سردياتها البديلة، وهو الانتهاك الذي فرض اختراقا حقيقيا للسرد الإمبراطوري داخل الرواية ما بعد الكولونيالية فالغرب قد وجد نفسه مضطرا إلى النظر لتلك الأصوات .
وقد طرحت هذه الجهود أنساقا أخرى حيث ” فرض اليوم كتاب وباحثون من العالم الذي كان خاضعا للاستعمار تواريخهم المتباينة على النصوص المكنونة العظيمة لثقافة المركز، وقاموا برسم جغرافيتهم المحلية ومن هذه التفاعلات المتقاطعة، لكن المتعارضة مع ذلك تبدأ القراءات والمعارف الجديدة بالظهور” .
فأحدثوا نقلة نوعية في مفهوم الرواية والسرديات، وحتى الثقافة بصفة عامة .
وفي خضم هذه التحولات تأتي الرواية ما بعد الكولونيالية لبلورة مفهوم خاص بها حيث طورت “استراتيجيات مضادة في الكتابة، تفكك الصور النمطية المتحيزة إيديولوجيا للمركزية الغربية منطلقة من الوعي بأهمية امتلاك سلطة الكلمة والصوت في تمثيل الذات وقد تحقق ذلك على مستوى الخطاب السردي بتبني استراتيجية مزدوجة تنهض على استخدام أسلوب إعادة الكتابة الذي يوظف تقنيات الخطاب النقيض” .
فقد امتلكت هذه الرواية تقنيات استمدتها من الرواية الغربية ولعبت بها محاولة إعادة خلق رواية تستجيب لمرتكزات النظرية ما بعد الكولونيالية، وتوجيهها وجهة تعيد البريق لهذا الآخر المهمش .
لقد حاولت هذه السرديات تفكيك المنظور الغربي بإجراءات نوعية، وتحرر كلي من المنظور الغربي للآخر، فتجسدت سرديات خاصة بها، تجاوزت السرديات التقليدية من حيث الطرح والرؤية والتشخيص، فوظفت مرجعيات ثقافية مختلفة في الخطاب التحرري بل وسعت دائرتها لتمرير أساليب المقاومة لثقافة الآخر وكشف حيل الهيمنة والسيطرة .. وبهذا تمكنت من خلق تفرد على السرد الإمبراطوري ولم يعد ينظر للهامش كما كان بل أصبح ينظر إليه كظاهرة ثقافية متميزة.

 الهوامش والإحالات:

– ينظر: رامان سلدن: النظرية الأدبية المعاصرة ، تر: جابر عصفور، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة مصر، ط/ 1998، ص 32 .
2 – ناصر عبد الرزاق الموافي: القصة العربية – عصر الإبداع -، دار الوفاء للطباعة والنشر ، القاهرة، مصر، ط 2 1996 ص 19 .
– محمود بوعزة : فلسفة السرد -المنطلقات والمشاريع- ، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط1 ،2014 ، ص 23.
– عبد الله إبراهيم: السرد والتمثيل السردي في الرواية العربية المعاصرة، مجلة علامات،ع13،سبتمبر2000،ص3.
– فاطمة بدر: تحولات السرد في روايات ما بعد الحداثة، مجلة علامات، ع 16، ديسمبر 2001، ص90.
– محمد بوعزة : سرديات ثقافية – من سياسات الهوية إلى سياسات الاختلاف – ، منشورات الاختلاف، الجزائر ط1، 2014 ، ص 33.
– المرجع نفسه، ص34.
-إدوارد سعيد: الثقافة والإمبريالية ، تر: كمال أبو ديب، دار الآداب ، بيروت، لبنان ، ط 1 ، 2004 ، ص 16 .
– محمد بوعزة : سرديات ثقافية ، ص 34.
– المرجع نفسه، ص 35 .
– المرجع نفسه، ص 38 .
– المرجع نفسه، ص39.
– المرجع نفسه، ص 40.
– النجار مصلح وآخرون : الدراسات الثقافية ودراسات ما بعد الكولونيالية، ص 75.
-إدوارد سعيد : الثقافة والإمبريالية، ص 11.
– بيل آشكروفت وآخرون: الرد بالكتابة-النظرية والتطبيق في آداب المستعمرات القديمة- بيروت ، لبنان ط 1 2006 ، ص 139 .
– محمد بوعزة : سرديات ثقافية ، ص51 .
– إدوارد سعيد : الثقافة والإمبريالية ، ص 120 .
– محمد بوعزة : سرديات ثقافية ، ص 51 .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق