الموقع

الخيال جذر الحياة العلمية والفنية

بقلم: السيد نجم *

“الخيال” لفظة تبدو قريبة إلينا ومبهمة، له دوره في حياتنا اليومية، وعند العلماء وأهل الفكر والفن.. قال المفكر “جون ديوى”: “الخيال أكثر من أي قدرة أخرى، قادر على اختراق حالة القصور الذاتي التي تميز العادات السلوكية”، انه إذن قاطرة نشطة، لولاها لفقدنا كل الأشياء الجميلة والنافعة التي من حولنا، بل وما هي داخل أنفسنا”.

للخيال القدرة على تنشيط العقل إذن، وطرح البدائل حين مناقشة مشكلة ما أو قضية أو فكرة جديدة أو بديلة.. إذا كانت الصقور تحدد موضع الفأر على بعد خمسين ياردة، والقطط ترى بدقة في الظلام، والنحلة تدرك الأشعة فوق الحمراء.. والعجائب فى كل الكائنات من حولنا لا تحصى، إلا أن الإنسان وحده يملك الخيال، وبفضله تمكن من غزو العالم الداخلي لجسمه ونفسه، والعالم الخارجي واستكشافه وفهمه.

فطر الكائن البشرى على الخيال، منذ أن حفر تلك الرسومات الموجودة بكهوف الإنسان البدائي- في استراليا وأسبانيا وزامبيا وغيرها- قبل الثقافة الشفهية، وتبادل المعارف، تعامل الإنسان الفرد مع خياله.. ثم كانت الأساطير التي أبدعها من اللاشيء، من عناصر الطبيعة من حوله، ثم شكلها الخيال.. تلك الأساطير السابقة على اللغة الكتابية. وظل الخيال مرافقا للمسيرة الإنسانية ومنجزاتها، من واقع الطبيعة والكهف، حتى واقع المنجز الالكتروني (الكمبيوتر) الافتراضي الآن. والواقع الافتراضي (مصطلح صاغه “جاردون لانير”)، وصفا للطريقة التي يشعر بها مستخدمو الكمبيوتر أو الحاسوب، حيث يمتزج فيها الصورة والصوت والأنظمة الحسية، بحيث يشعر الإنسان كما لو أن الإنسان يندمج داخل هذا العالم (وهو عالم افتراضي).

*معنى ألخيال..

سعت القرائح منذ قديم الزمان، للبحث عن معنى الخيال وأحواله. وخلال تلك الرحلة الطويلة، قدم البعض تعريفات متنوعة ومختلفة للخيال. قال “بارسيلسس” طبيب أوروبي في عصر النهضة، وهو رائد العلاج بالعقاقير في تلك الفترة، والطب الذي يعتمد على علاج الأعراض، وفصل الروح (التي هي وسيلة الساحر).. لأن الإنسان له براعة مرئية هي (الجسد) وغير مرئية هي (الخيال).. وانتهى إلى أن “الخيال” أداة “الروح” في تشكيل “الجسد”. والخيال في اللغة العربية له معان متعددة: الظن، الظل، السحابة التي توشك أن تمطر.. وغيرها. قدم “الجاحظ” في كتابه “الحيوان” ما معناه، أن الإنسان في وحشته، يفكر، فيرى ويسمع ما لا وجود له، وهنا دلائل تولد الخيال في الفرد. وان كان “ابن سينا” قال ب”الوهم” عوضا عن “الخيال” أو تعريفا للخيال، ويرى أن الخيال مرتبط بالخبرات الذاتية. أما “التخيل”، فهو القدرة على إعمال الخيال، وهو عند المبدع والمتلقي مع اختلاف درجته في كل منهما.. عند الأول لإنتاج العمل الأدبي، بينما عند الثاني لاستقبال العمل وفهمه.

والتخيل في قاموس “أكسفورد” للغة الانجليزية: “هو حلم يقظة ينبعث نتيجة للرغبات أو الاتجاهات الشعورية أو اللاشعورية، أنها العملية أو الملكة الخاصة بتكوين التمثيلات العقلية للأشياء التي ر تكون موجودة فعلا”.

*أنواع الخيال..

استقرت بدايات البحث فى أنواع الخيال إلى ثمانية أنواع: “الخيال التشكيلي”، “خيال التجريدات الانفعالية”، “الخيال العددي”، “الخيال الأسطوري أو الصوفي”، “الخيال العلمي”، “الخيال الميكانيكي أو العملي”، “الخيال التجاري”، “الخيال الاجتماعي والأخلاقي”..  في العقدين الأخيرين انتهت البحوث إلى صياغة أخرى للخيال وأنواعه:

“الخيال الاجتماعي”: وهو نوعية من العقل والتفكير تساعد الناس على استخدام المعلومات والتفسيرات لفهم ما يدور في العالم الخارجي.. “المتخيل الثقافي”: هو الخيال المرتكز على رمز ثقافية معينة، أو هي المتخيل المركزي في كل ثقافة.أو هو الطريقة التي ترى من خلالها ثقافة ما العالم، وترى نفسها أيضا داخل العالم.. “الخيال السياسي”: هي قدرة القادة والمعارضة والفئات العاملة في المجتمعات على إيجاد الحلول أو البدائل لظروف طارئة ما.. “الخيال الجغرافي”: وهو يشير إلى وسائل تبتكر من خلالها المجتمعات استراتيجيات تصورية جديدة لفهم ذاتها وفهم الآخر. وهو ما بدا فاعلا في علم الجغرافيا.. “الخيال التاريخي”: وهو الذي يعمل به المؤرخ، بعد أن يلجأ إلى الوثائق والمستندات التاريخية، فيضع نفسه موضع القادة أو الحكام أو حتى المتابعين من الشعوب.. “الخيال الاقتصادي”: وهو المتمثل في القدرة على طرح نظم ومشروعات وأفكار جديدة في مجال التجارة والصناعة والاقتصاد. كما يوجد، “الخيال البدني الرياضي”: يلاحظ بعض اللاعبين قبل البدء في اللعاب إغماض العين، ويعلل الخبراء ذلك، بقيام اللاعب بتخيل الخطوات والعمليات البدنية التي سينفذها.. وأن هذا التمهيد العقلي هام جدا للانجاز بنجاح.. “الخيال الأدبي”: وهو أكثر الأنواع شيوعا، وهو تخيل الصور الأدبية والاستعارية والمجاز.. وغيرها.. “الخيال التشكيلي”: وهو أقرب لتصور الخيال الادبى باستخدام الصورة.. في الفنون التصويرية.. “الخيال الموسيقى”: قال “اينشتين” عن “موتسارت” “كأنه يقطف الألحان من الهواء”.. وآخرون قالوا بحالة أن ترد الجمل الموسيقية مغلفة باللحن إلى رأس الموسيقى.. وهو بفضل الخيال الموسيقى.. “الخيال الانفعالي”: أو هو الخيال العاطفي الذي الأساس في الإبداع الأدبي والفني.

بالإضافة إلى “خيال التفاصيل”: وهو الولع بالعمق، والتحليل للأبعاد البعيدة، وهو ما جعل “آلان روب جرييه” يرفض فكرة البعدية، أو الوجود غير المرئي.. “الخيال الفلسفي”: وهو التأمل، وإمعان التفكير، كلها معا وبها يتشكل الخيال الفلسفي.. ثم “الخيال التطبيقي” الذي وصف الخيال بأنه في جوهره تطبيقي، يقوم بالتجريب والتدريب والتفكير والتقييم دون خوف.. كما أن “الخيال التجريبي” هو ما يمهد الطريق لتجريب الأفكار وتحليها بداية.. ثم الخيال التجريدي، الذي يجرد الخبرات إلى أفكار. وبالتالي فان “الخيال العلمي” هو مزيج فاعل من عدة “خيالات”..”التفصيلي، التأملي، التطبيقي،والتجريبي التجريدي معا”.

*الخيال العلمي..

فى القرن السادس عشر الميلادي كانت دعوة فيلسوف الثورة الصناعية “فرانسيس بيكون”، بضرورة أن يسعى الإنسان للسيطرة على الطبيعة، ومنذ ذلك التاريخ والإنسان يسعى نحو تحقيق الحلم فى مجالي الطبيعة الخارجية وأغوار الطبيعة البشرية. فكان مولد “الخيال العلمي” المنهجي فى العلوم: علوم الطبيعية التجريبية (كيمياء وفيزياء..) والعلوم الإنسانية المتخصصة (علم النفس- علم الاجتماع- المناهج الفلسفية الحديثة..). وكان ميلاد “أدب الخيال العلمي” خلال العصر الحديث تعبيرا إنسانيا ولو من باب الخيال المحض حول الطبيعة وتجاوز معوقاتها. فولد ذلك النمط الجديد للتعبير عن محاولة الإنسان استلهام العلم ومحاولة تجاوز الواقع لاستشراف المستقبل.. وان بدت جذوره في التراث العربي والغربي. (تحدث “الفارابي” عن المدينة الفاضلة, كذا قدم “المسعودي” في كتابه “مروج الذهب ومعادن الجوهر”, وقص عن “الاسكندر” الذي سعى إلى اكتشاف قاع البحر، وهذا “القزوينى” يتحدث عن “عوج بن عنفق” الذي جاء من كوكب آخر وشرح قضية الحياة على الكواكب الأخرى.. بينما تناول “دانتى” معالم الجنة والنار وأوصافها).. بينما قال الفيلسوف “هيدجر” بدور الخيال فى التفكير العلمي، وروجت الفلسفة الوجودية باستباق “الهوية” عن “الوجود”، مثل النجار الذي يصنع “المقعد” و(يتخيله) قبل أن يهم بتصنيعه بما يعنى استباق الخيال لصنع المقعد قبل وجوده.. ثم اعتماد المنهج التجريبي التحليلي على الاستقراء والاستنباط (بما يشير إلى دور الخيال حتى مع ممارسة التجارب المعملية المحضة).  مما يعنى بروز دور “الخيال” الفاعل والضروري، فى كل خطوات المنجز العلمي الطبيعي والانسانى.. التجريبي والتنظيرى.

شاع مصطلح الخيال العلمي خلال القرن الماضي (القرن العشرين)، وعرف له روادا فى الأدب. يعد الكاتب الانجليزي السير “آرثر كلارك” أهم كتاب قص الخيال العلمي فى القرن الماضي (16 ديسمبر1917-2009م) شاركه لفترة من حياته “إسحاق أسيموف” و”روبرت آنسون هاينلاين“. من رواد هذا الفن: “جول فيرن” و”هربرت.ج.ويلز”، يعد “ليوناردوفينشى” قبل الجميع (تناول الكثير من الأفكار الخيالية التي تحققت بالعلم، وان لم يكتبها فى قصص.. بل رسمها).. كلهم يعدون من ركائز طرح الخيال العلمي، مجالا للإبداع.                     لعل “ليونارد دوفنشى” تحديدا من أشهر هؤلاء العلماء الفنانين، الذي لعب “الخيال” على جانبيه العلمي والابداعى الفني. عرف عنه أنه تخيل الآلات الحربية التي بدت غامضة فى زمنه مثل الغواصة والدبابة، وفكرة الطيران باستخدام التيارات الهوائية وتوظيفها.. تما مثلما بدا خياله فاعلا فى روائعه الفنية.

أهم ملامح الخيال العلمي، هو طرح الأفكار الطازجة غير الشائعة، التي تتميز بعمق التخيل، وتعتمد على حقيقة أو معلومة علمية مطروحة. وهو ما يمكن رصده مع البحث فى تاريخ أي اختراع علمي أو إبداع يتميز بالملمح العلمي. وهو ما يميز قصص الخيال العلمي، عن “الفانتازيا” كونه قائم على نبؤه خياليه لها جذر علمي.. وكذا تعتمد على حقيقة علمية. وبينما تحدث العالم الأمريكي “ريتشارد فينمان” منذ حوالي خمسين سنة فى محاضرة له، ينبئ عن إمكانية تغيير خواص أي مادة وتعظيم سماتها، عن طريق إعادة ترتيب ذراتها. وهو ما أصبح النداء الأول لتكنولوجيا “النانو” المعاصرة والتي لعبت وتلعب دورا فاعلا فى الطب والكيمياء والهندسة وغيره.. معتمدا على بعض الملامح لنتائج تجارب مجردة، معتمد على الخيال وتوظيفه مع العلم، فكان العلم الجديد “النانو”.

تنبأ الأديب “جون فيرن” بالصعود إلى القمر وارتياد الفضاء، فى روايته “من الأرض إلى القمر”.. وهو ما تحقق بالفعل. فيما تنبأ “ويلز” بحرب الكواكب فى روايته “حرب الكواكب”، وهو ما عاشته البشرية خلال فترة الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي السابق، من خلال تطوير أسلحة فائقة التقنية تتصارع فى الطبقات العليا من سماء الأرض. وغير هذان الروائيان، عدد كبير من الأدباء فى أغلب أقطار العالم الآن، على الرغم من حداثة هذا اللون من الكتابة مقارنة بغيرة.. وما زال الخيال العلمي فاعلا فى الأدب.

وفى الستينيات من القرن الماضي، كان لأدب الخيال العلمي سمة العمدية ووعى الكاتب به، ومنهم من تخصص فى هذا اللون وحده (نهاد شريف). أغلب الأفكار التي تناولها كتاب الخيال العلمي في العربية: الأطباق الطائرة وتأثيرها, علاج بعض الإمراض الاجتماعية, فكرة التناسخ, نقد تأثير النظم السياسية على الأفراد, تطور الهندسة الوراثية, فكرة الخلود, فكرة الحياة الأفضل أو يوتوبيا المدينة الفاضلة, الحلم بحضارة مختلفة. مع بعض الأعمال التي تتناول فكرة “السلام” والحلم بمجتمع عالمي آمن.. أو هي فكرة “السلام المطلق”. وضحت في رواية “سكان العالم الثاني ” ل “نهاد شريف”. وفيها يشير الكاتب إلى السلام المرهون بالقوة, وأنه يرى عدم إمكانية تحقيق السلام إلا بالقوة, وليس برغبة الأفراد والشعوب فقط, ولا حتى الحكام.. وغيرها. كما عرف النقد العربي مصطلح “طيف الخيال” قديما وهو من الموضوعات التراثية المألوفة، وهو الذي يعنى برصد الشعر/النثر الذي يتناول طيف الحبيبة على الشعراء، وبالتالي يتم جمع القصائد/المقطوعات النثرية التي تعالج الموضوع وتتناوله.

وعرف التراث العربي هذا اللون من الكتب التي تقوم على جمع الأعمال الإبداعية التي تتناول موضوع محدد- وتنوعت أشكاله، منهم من جمع الاختيارات الشعرية التي يرى جامعوها أنها ترقى إلى مستوى فني مرتفع، مثل “المعلقات” و”الحماسات” و”الصمعيات”.. وغيرها. ومنهم من جمع للمحدثين فقط دون القدماء (فى الجاهلية أو العصر الاسلامى). ومنهم من ضمن النثر إلى جوار الشعر، مثل كتاب “ديوان المعاني” للشاعر “أبو هلال العسكري”، الذي جعل كل فصل يعالج موضوعا: الموت، الشيب، الخضاب..الخ. بينما قدم البعض الكتب التي تتضمن موضوعا واحدا مثل “شمس الدين محمد ابن الحسن” فى كتابه “تأهيل الغريب” حول الغزل فقط.

*التخيل والثقافة العلمية..

ما أحوجنا نحن العرب، أن تصبح ملكة “التخيل” على أفضل قدراتها، ليس لكتابة الشعر والإبداع الفني بعامة، بل باعتبار البحوث العلمية “الإبداع” وضرورة إنسانية، من أجل ممارسة الحياة اليومية باستقرار ورفاهية تناسب المعضلات الجديدة، مع بداية العصر الرقمي والثورات التكنولوجية فى الاتصال والنقل والإعلام. فيما يعد “الطفل” هو الباب السحري على العالم الجديد، بتوظيف الخيال وبتزكية الثقافة العلمية.

قال العالم الفلكي الأمريكي “كارل ساجان”:

“يبدأ كل إنسان منا حياته وكأنه واحد من العلماء، فتكمن في داخل كل طفل مشاعر وأحاسيس العالم التي تجعله يتعجب ويندهش، إزاء الأشياء من حوله في الطبيعة”

وهو ما يعنى أن “الدهشة” هي من فطرة الطفل ومن طباع العلماء، ولا عجب أن تكون الثقافة العلمية، مع توظيف الخيال، مدخلا لأدب جيد للطفل. وهو ما يتلاءم أكيد مع معطيات العصر، وانجازاته العلمية.

وعلى من يتصدى للكاتبة للطفل عليه أن يعي هدفه.. أن يتسلح بالمعلومة العلمية، ويتخير موضوعه والقارئ الذي سيتوجه إليه. ليس المطلوب أن يصبح الطفل عالما، بل المطلوب أن يتعرف على: “عالم الطبيعة من حوله”.. “استيعاب وفهم جوهر العلم على اعتبار أنه طريقة في التفكير”.. “فهم أن كل العلوم على اتصال وتواصل، فلم يعد عالم الكيمياء بعيدا عن عالم الطب والهندسة مثلا”.. و”أن العلوم على صور متطورة دوما”.

لعل توصيل فكرة أن في العلم ما هو قابل للخطأ، وما هو قابل للصواب مع مزيد من البحث، تمثل دعما وتزكية لمبدأ “التفكير العلمي وإعمال الخيال” الواجب فهمها، وبها يمكن وضع بذرة ملمح “التطور” من حيث أهميته وضرورته في العلوم نفسها، وحتى في حوارات الحياة التقليدية.

أما موضوع أخلاقيات العلم فهو من الموضوعات القادرة على إنتاج أعمال أدبية شيقة وجذابة، (ولعل توظيف الخيال فيها أعلى).. وهو عادة ما يمتزج بإبراز دور العلم في الحياة اليومية، وكيف أن العلم ليس شيئا مجردا.. وبالتالي يمكن القول بقدرة العلم مع الخيال على خلق الأفراد الجيدين والمجتمعات المتقدمة.

*كاتب مصري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق