قراءات ودراسات

حوارية التاريخ والإيديولوجيا في النصوص الروائية

بقلم: د/ عبدالباسط طلحة

تمهيد:
يمكن القول أنّ الإيديولوجيا طريقة أو اتجاه يطرح بعض الأفكار والمواقف أو القناعات، وعادة ما تندرج الإيديولوجيا تحت مجموعة من الأغطية، ولعل أقرب إطار لها هو الأدب، فهو “يستوعب الواقع الاجتماعي في شموليته وينفذ إلى الجوهر فيه، ولا يمكن أن يكون مُنْحَطاً من الناحية الجمالية (…)، والرواية – بوصفها أكثر الأنواع الأدبية التصاقا بالواقع- ليست مجرد إفراز للتحولات الاجتماعية ولا يمكن اختزالها إلى صرخة إيديولوجية، إنما هي قبل كل شيء صياغة جمالية، قد تتجاوز الذات المبدعة لتفصح عن صوت آخر، قد يتعارض مع هذه الذات نفسها ” ، من خلال الحوارية التي تقيمها مع باقي الخطابات الاجتماعية الأخرى، والتاريخ دون شك يعبِّر ويحمل ويختزل ظروف وملابسات ثقافة أي مجتمع، فهو يرصد جميع الحركات والمواقف التي مرّ بها المجتمع فتأتي الرواية لتعبر أو تضمّن هذا المواقف، التي قد تتعارض مع توجهات المبدع أو تتوافق معها.
1. الرواية حاضنة لحوار الخطابات:
وتتجلى بصفة أكبر قدرة الرواية في إقامة منطقة حرة للتجاذبات الفكرية والتاريخية لكونها “فضاء لنقل كلام الآخرين ومحاورته، إنّه إنصات ذكي ومبدع لصوت الحياة الاجتماعية الزاخرة في تقلُّباتها واستقرارها في ثرثرتها وإشاعاتها إنّ أبوابنا مشرّعة على الآخرين، نعارضهم ونتفق معهم، نتقبل أقوالهم ونصارعها، نؤكد مواقفهم وننكرها، ومن ثمة يأخذ كلام الغير بُعدا أكثر عمقا وجدية حينما يتعلق الأمر بالصيرورة الإيديولوجية للإنسان أي حينما يكف هذا الكلام عن أن يكون مجرد خبر، ويسعى بخلاف ذلك إلى أن يحدد الأسس نفسها لسلوكنا ولمواقفنا من العالم ويتقدم إلينا كأنه كلام آمر، وكأنه كلام مُقنَّع داخليا ” ، هذه الحياة الاجتماعية المتقلبة هي نتيجة حتمية لمجموعة من الأفكار والمواقف التاريخية وحتى الثقافية، فكل مجموعة تسعى إلى فرض ما تؤمن به، والرواية بمثابة آلة تسجيل تحاول جمع المتناقضات التي لا تتحقق إلا عبر المتخيل، وتعطي مساحة أكبر وأوسع لكل فكرة أو حدث تاريخي حتى يبرز ويؤسس موقفه ويفرض سطوته.
فَكُلَّمَا كان هناك صراع في المرجع الذي تتكئ عليه الرواية، كان هناك صراع في الفضاء الروائي “فالدّمار الذي يعيشه الواقع يطول أيضا الثقافي، يمحو معانيه، ويدمّر قيّمه ويهدم بناءه، وبذلك تعيش الكتابة جذريا صراعا للقيم التي تشمل الفكر والفن والسياسة والابداع، وتبدو مشكلة الكتابة ( الإبداع ) مشكلة شائكة، لأنها قائمة في لحظة مفارقة حادة بين المرجعي( الواقع ) والأدبي( المتخيل )، ولئن كانت المفارقة هي قانون العلاقة بين الكلمات والأشياء، فإن هذه المفارقة تُطرح على الكتابة في زمن تغيرات التاريخ الكبرى، ضرورة انتشال ذاتها بما يعادل ولادة جديدة لها، ولادة قادرة على استنطاق التاريخ وحقيقته في لحظة دماره وتمزقه واحتمال تحول هذه الحقيقة في أكثر من اتجاه ” ، فالصراعات التي تقع على أرض الواقع هي بالأساس صراعات فكرية ناتجة عن اختلاف المرجعيات، مما يُحدث صراعا على مستوى البنيات الثقافية، والرواية تحاول قدر الإمكان جمع هذه التناقضات داخل كون متخيل، وبخاصة إذا عالجت الرواية زمن التحولات التاريخية الكبرى لمجتمع معين أو مجموعة من المجتمعات، فتسعى جاهدة إلى استنطاق التاريخ ومجموع الأفكار والقناعات وإدخالها في قالب لعبة جمالية تقوم على ثنائية الهدم والبناء، وتتمحور حول قدرة كل طرف في التأثير والتأثر، فالنص الروائي هو عبارة عن تجاذبات أو حوارات أو صراعات طبقية وفكرية، وإعادة كتابة وإنتاج لمجموعة من الرؤى التاريخية والمعرفية.
وإن غلب موقف ما على الآخر، فإن للتاريخ سطوته في غالب الأمر، ذلك ناتج من خلال أنّ “الاعتراف بالتاريخ هو الشرط الذي لا غنى عنه من أجل الاعتراف بالأشكال الفكرية التي تولد فيه، وتموت أيضا” ، فأي مرجعية أو فكرة هي مُحَصِّلَةٌ لمجموعة من التراكمات التاريخية السابقة، وإن حاولت فكرة أو إيديولوجية جديدة إهمال الإيديولوجية السابقة عليها، فهي تضع نصب أعينها إلغاء تاريخ سابق أو محاولة محوه، مما يجعلها في تعارض مع بقايا تلك الحقبة، هذا التعارض الذي لا يمكن عزله عن خصوصية الجانب الجمالي في أي نص روائي، والمغزى المراد من هذا التوظيف.
2. صراع التاريخ والإيديولوجيا:
ما تعكسه القضايا الاجتماعية في فترة ما داخل رواية تحقّب لمجتمع معين تجعل كلُاًّ من الإيديولوجيا والتاريخ في طرفين مختلفين، يحاول كل طرف ممارسة نوع من الهيمنة على الآخر من خلال صعود طبقة اجتماعية معينة، وهيمنتها ارتباطا عضويا بهيمنة ثقافية وفكرية تهيّئ لذلك الصعود وتسعى لفرضه ، فكلما صعدت طبقة حاولت إلباس الثقافة صيغة أو حلّة جديدة تتماشى مع فكرها، وتنظر إلى الآخر على سبيل نوع من الرفض، أو أنه تاريخ مضى وانقضى وجب إنهاؤه، ملثما حدث في الصين الشعبية بعد نجاح ثورة أكتوبر 1949م، أو في روسيا بعد نجاح الشيوعية عام 1917م، وحتى في الوطن العربي بعد فشل حرب 1973م، فيكفي العودة إلى المدونات الروائية في تلك الفترة للوقوف على محاولات المحو والهدم الذي طال التاريخ في تلك الفترة، فالمبدع له رؤية جماعية تحمل “المعنى المعاش والانعكاس الممارس لمختلف العلاقات التي يقيمها الإنسان مع سائر الناس ومع الطبيعة فكل سلوك ونشاط لبني البشر يحمل تصورا للعالم ويتجسّد في قيم ومعايير وسلوكيات ومواقف بشأن الحياة والمجتمع والوجود، فهو يؤطر وينتج ويفرز كلية الممارسات التاريخية للبشر سواء كانت في الأشكال الأدبية أو ما يعرضه عن مختلف الأشكال القانونية أو السياسية أو الاقتصادية ” ، ذلك أنّ المبدع عندما يكتب يحاول أن يجمع بين كل المتناقضات الممكنة باعتبار إبداعه وهو محصلة نهائية لطرفين غائبين في المرجع ( الواقع) وحاضرين في المتخيل ( الأدب بكل أجناسه) هما الشروط التاريخية والإيديولوجيا المعبرة عن روح أو زمن تلك اللحظة المجسدة إبداعيا، فنحن نعيش في زمن يحتمل مجموعة من النزاعات والتصادمات الفكرية، ونحاول الدفاع والبقاء في غياهب المرحلة أو الخروج منها ونبذ القيم السابقة، لكننا لا نستطيع أن نرى وندرك كُنه ما يحدث، فتأتي رواية ما لتجسد هذا الطرح، فنستطيع أن ندرك ما يدور بدقة، فهي منظار لرؤية تجاذبات الحياة بشكل أوسع وأفضل، ممّا هو معاش أو حاصلٌ أمامنا، لأنّ الممارسة “الأدبية تسمح بنهوض علاقة معرفية بين الواقع المعاش والأدب، لأنّ الأدب لا يستوي في هذه العلاقة إلا عبر بحثه المستمر من أجل التملُّك الجمالي للواقع، وعندها تنتقل الكتابة الأدبية من طور التأمل الواهم إلى طور البحث ” .
ويتحقق هذا الأمر من خلال استنطاق الجنس الأدبي لمتوالية من الظروف والسياقات الخارجية، وتقديمها للقارئ حتى يعيد طرح الأسئلة والقضايا العالقة، ومحاولة تفسيرها، من منظور الذات التي تشكل جوهر العمل الإبداعي، والتي تندرج في نص “يحمل خطابا وتحمل هي تاريخا وواقعا، فواقع التاريخ هو الماضي المنجز المفضي إلى اللحظة الراهنة، وحلم الذات بهذا التاريخ؛ هو تفسير الحاضر بسيرورته والمستقبل بضبابيته ” ؛ أي أنّ التاريخ والإيديولوجيا داخل أي نص هما عبارة عن بنية دلالية تنتجها ذات ضمن بنية نصية، مُنْتَجَةٍ في إطار بنية سوسيو- نصية تتأسس على بناء معرفي وتقود إلى غاية محددة ، فلا يمكن عزل الإيديولوجيا والتاريخ عن دور الذات المبدعة أو المتضمنة داخل أي عمل، فهي لا تستقيم ولا تستطيع أن تعيش جملة التجارب والخبرات إلا في إطارهما معا.
3. هل تُلغي الإيديولوجيا التاريخ
لا تحاول الإيديولوجيا إلغاء التاريخ، بل تسعى جاهدة إلى جعله تابعا تحت مظلتها عن طريق مسايرته لكل التحولات التي تعبّر عن فكر حر، ومبادئ تهدف إلى تقديم رؤية معينة حول جميع القضايا والأحداث التي تشغل المجتمع، لتجمع الرواية شتى التمثيلات والآراء المتنافرة “حيث يلتقط الكاتب الإيديولوجيا ويصوغها وفق منطق النص الأدبي، الذي يمنحها دلالات جديدة، تختلف عن دلالاتها في الواقع ويلبسها ثوبا فنيا، تظهر فيه مقنعة تحت العلامة اللغوية، متميزة بهذا القناع الجمالي عن الإيديولوجيا في الواقع، لكنها لا تتنكر للواقع الذي أنتجها وإنما تدخل عالم الأدب لتمثل عناصر الواقع بكل تناقضاتها ” ، هذه الجماليات الروائية عبارة عن مضمرات نسقية تتقنع تحت غطاء اللغة لتفسر في ضوئها تلك الصراعات التي يحاول كل طرف إبرازها على حساب الآخر، فنطالع عالما مفترضا يجسد أفكارا مغايرة لما كنا نعرفه أو كنا نسلم به.
إنّ فكرة الصدام داخل النص الأدبي بين مجموعة من المرجعيات هو نتيجة حتمية للتصادم الناجم عن صراع الإيديولوجيا المهيمنة مع الرأي الآخر، ولا يستطيع القارئ معرفة إيديولوجيا الرواية إلا من خلال معرفة الصراع الداخلي بين الأيديولوجيات المتناقضة ومعرفة نتائج هذا الصراع في الواقع ، فالعودة إلى المرجع أو الواقع الذي تم عليه بناء الأعمال الأدبية كفيل لتفسير أي ظاهرة أو قضية يطرحها العمل، لأنَّ الكاتب يعبّر بالكلمة عن موقفه، فهو وسيط مهم لفهم طبيعة العلاقات السائدة.
يرتبط الصدام أو الحوار الداعي إلى فرض رأي على حساب الآخر، بهدف محدد لكل اتجاه، فهو يسعى إلى “تحقيق الأهداف والقيم والمصالح الرئيسية للجماعة وهذا ما يؤدي إلى التكامل، ومن الناحية الأخرى قد يقوم على قيم متنافسة ومتنافرة حيث لا يتفق طَرَفَا الصراع على مجموعة من القيم التي تقوم على شرعية النسق، وهنا بإمكانه أن يهدّدَ البناء الاجتماعي وتماسكه إذا لم يستطع هذا البناء أن يتحمل هذا الصراع ” .
وتكفي العودة إلى الروايات -المختارة لهذا البحث-؛ إذ عالجت القضايا الكبرى، كالانفتاح الاقتصادي والسياسي والديني، لنعثر على نماذج كثيرة حول هذا الموضوع، وكيف كاد المجتمع أن ينهار بسبب حدة الصراعات الفكرية.
يتأسس الوعي بالتاريخ في الرواية باعتباره مقابلا لرصد جملة من المرجعيات أو الأحداث لأنّ “احتضار المرجعيات الأساسية، احتضارٌ للواقع العقلاني الذي ينفتح على عصر الاصطناع، وبينما عاش الكثير من الأجيال، وخصوصا الجيل الأخير في فوران التاريخ على أمل النشوة أو الكارثة بالثورة، فإنّنا نشعر اليوم أنَّ التاريخ قد انكفأ تاركا خلفه سديما خَلَيًّا تخترقه حالات المد والجزر لكنه خال من مرجعياته، في هذا الفراغ عينه ترتد استيهامات تاريخ مضى وانقضى وجملة الحوادث والإيديولوجيات والنماذج الماضوية الأخرى” ، فالتاريخ الذي يُمَثِّلُ في الغالب سطوة وانتصار الأقوياء، يمكنه أن يتصرف في المرجعيات بالصيغة التي يريد، فقد يُزَيّفْ الحقائق أو يبث مجموعة المغالطات، فتسعى أي فكرة جديدة لمصارعته ومعارضته، واعتباره مع من يمثله مجرد عدو أو خصم وجب التخلص من سيطرته.
لأنّه يعبر عن جهة واحدة منبثقة “من الصراع السياسي أي أنّ الجماعات الحاكمة تستطيع أن تصبح من خلال تفكيرها شديدة الارتباط المصلحي بموقف بحيث لا تعود –ببساطة- قادرة على إدراك حقائق بعينها قد تُقوّض معنى الهيمنة لديها ” ، من خلال الجهات السلطوية الحاكمة التي تغفل في كتابة تاريخها الرسمي كثيرا من المواقف والقناعات التي عملت على معارضتها.
4. سلطة المُتخيّل:
من هذا المنظور تطرح الأعمال الأدبية بواسطة التخييل جميع الجوانب المتعلقة بخلفية الصراعات التاريخية والفكرية لدى أي عينة اجتماعية، وذلك من خلال إعادة “كتابة التواريخ المنسية، وتشخيص الأصوات المقموعة في مقابل سرد السلطة الذي يبسط تاريخيا أحاديا للحدث بوصفه التاريخ الحقيقي ” ، فهذه الأصوات التي قمعها التاريخ الرسمي، تتكئ على مجموعة من المعارف والإيديولوجيات، والتي كانت عرضة للانتهاك والتخريب والإغفال ومطوية في دفاتر منسية.
ما يمكن أن يستفاد من خلال هذا العنصر أنّ الحوارية بين التاريخ والإيديولوجيا عبارة عن إعادة فتح نقاش حاد بين منظومة القيم التي تحملها ذاكرة أي مجتمع، فكل تيار يرى في الآخر خطرا عليه، فالتاريخ الذي يمثل أحداث الماضي يكون له دور كبير في التصرف أثناء تجسيد الوقائع وفق الاتجاه أو النسق الذي يخدمه، فقد يميل إلى تثمين إيديولوجيا على حساب أخرى، وإذا ما تمكنت الإيديولوجيا المقموعة من السيطرة، فإنّها تنظر إلى سابقتها بنوع من الرفض، ذلك أن الإيديولوجيا السابقة كانت تمثل أداة طيعة للهيمنة وبالتالي تحاول مسح تاريخها من الوجود وإلغائه، ويصبح كل من يمثلها هو داعم واضح للتاريخ الذي جسّد الظلم والقهر والعدوان، هذه التجاذبات لا يمكن أن تتجسد إلا داخل كون متخيل، تكون الرواية فضاءه الأوسع والرحب، فالصراع بين الماضي والحاضر أو بين مجموعة الأفكار ينعكس في قالب فني جمالي يطرح مجموعة من الأسئلة، ويقدّم قراءات مختلفة لما يشغل بال الأفراد حول القضايا الراهنة.
من خلال الولوج إلى الروايات المختارة لهذه الدراسة تنبثق جملة من القضايا الفكرية والإيديولوجية والتاريخية، التي شغلت الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية الجزائرية، في فترات وحقب مختلفة، وسيأتي عليها الذكر في الفصل الثّاني من هذا البحث.
الهوامش والإحالات:

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق