الجمعة , ديسمبر 15 2017
الرئيسية | الموقع | الأناشيد الوطنية.. حقائق وأسرار غريبة!

الأناشيد الوطنية.. حقائق وأسرار غريبة!

رشيد فيلالي

كلّ نشيد وطني لأي بلد هو في الأصل قصيدة حماسية تعبّر عن انتماء وهوية قومية. ووظيفة النّشيد الوطني قبل كلّ شيء هي تمثيل الأوطان في المناسبات الرّسمية، المحلية منها والدولية. ولكل نشيد في الواقع قصّة تحكي ميلاده والظّروف السياسية والتّاريخية التي كتب فيها، كما نجد أغلب الدّول تقرن نشيدها الوطني بشعار وراية رسميتين ترمزان لهويتها وأصالتها.

النّشيد الهولندي.. الأقدم في العالم

تاريخيًا فإن النّشيد الوطني بمفهومه الحديث الشّائع الآن، أصله ديني محض، فقد وُلد في الكنائس قبل أن يأخذ طابعه المدني الرّاهن رغم وجود استثناءات قليلة، على غرار النشيد الوطني المجري الذي نظرًا لطابعه الدّيني دفع الاتحاد السوفياتي سابقا إلى إلغائه.

ويعتبر النّشيد الوطني الهولندي الذي وُلد مع الإصلاح البروتستانتي ضد المذهب الكاثوليكي، من أقدم الأناشيد الوطنية في العالم، حيث تمّ تأليفه ما بين 1568 و1572 ويسمى«Het Wilhelmus». غير أن الغريب في الأمر أنه لم يصبح رسميا إلا سنة 1932.

أما أحدث نشيد وطني في العالم فهو نشيد دولة جنوب السودان الفتية، حيث تم اعتماده رسميا عام 2011 ويحمل عنوان “يحيا جنوب السودان”!.

وفي الواقع عرفت الأناشيد الوطنية لعدة بلدان مسارات مختلفة في تاريخها، إذ على سبيل المثال نجد النشيد الوطني الياباني “ملكتكم، Kimi ga yo”، الذي كتبه شخص مجهول يعتبر قديما جدًا هو الآخر، فقد كتب حوالي القرن الثالث عشر وتم تلحينه عام 1880 لكنه لم يصبح رسميا إلا في سنة 1999. وهو أقصر نشيد وطني على الإطلاق، حيث يحتوي على خمسة مقاطع شعرية فقط!

القدس.. نشيد وطني لبريطانيا!

والنشيد الوطني الإيطالي لم يصبح رسميا هو الآخر إلا سنة 2005 رغم اعتماده شكليا عام 1946. والطّريف أن أغلب ألحان الأناشيد الوطنية في أمريكا اللاتينية مقتبسة من موسيقى الأوبرا الإيطالية، والنشيد الوطني البريطاني(المفترض) – ونقول مفترض لأن بريطانيا ليس لها نشيد وطني “رسمي !” – كُتب من طرف مجهول عام 1770 لكنه لم يعزف “رسميا” إلا بعد مضي خمس سنوات. مع التذكير أنه يطلق عليه اسمين “ليحفظ الرب الملكة” و”ليحفظ الرب الملك”!

كما يوجد في هذا البلد الأوروبي نشيد وطني آخر مفترض ومفضل من طرف 55 في المائة من البريطانيين – حسب استفتاء البي. بي. سي – وهو “أرض الأمل والانتصار” الذي يعزف أحيانا في المناسبات الوطنية ومن طرف بعض فرق الروغبي، كما يوجد نشيد وطني ثالث لبريطانيا يحمل عنوانا ملفتا للغاية ويقصدون به بريطانيا وهو.. القدس!

وبالنسبة للنشيد الوطني الفرنسي “لامارساييز” فقد كُتب عام 1792 من طرف “روجي دو ليل”، ولم يتم اعتماده رسميا إلا في عام 1795. وقد اتهم ملحنه بأنه ارتجله وعليه فهو في نظر النّقاد فنان غير محترف! أما النشيد الوطني الصيني فقد اعتمد مؤقتا عام 1949 قبل أن يأخذ طابعا رسميا عام 1982.

ويبقى الغريب في الأمر أن بعض الأناشيد الوطنية لم تكتب باللغة الرسمية للبلد الذي تمثله، بل بلغات أخرى مختلفة وبعضها ميت، كما هو الحال مع النشيد الوطني للفاتيكان الذي كتب باللغة اللاتينية!

ومن أطرف الأمثلة في هذا الموضوع نذكر النشيد الوطني الباكستاني الذي كتب باللغة الفارسية، رغم أن اللغة الرسمية لهذا البلد هي الأوردو، والنشيد الوطني لأنغولا كتب باللغة البرتغالية والنشيد الوطني لموزمبيق وغينيا الاستوائية كتب باللغة الإسبانية، والنشيد الوطني لمالي والكاميرون باللغة الفرنسية، ونشيد ناميبيا كتب باللغة الإنجليزية مثله مثل النشيد الوطني لدولة جنوب السودان الذي ألفه مجموعة من الطلبة، والنشيد الوطني لسنغافورة كتب بلغة مالاوي (سنغافورة لها أربع لغات رسمية) والنشيد الوطني الهندي كتب بالسنسكريتية القديمة.

كما أن هناك من الأناشيد الذي كتب باللغات الرسمية للبلد مجتمعة، على غرار سويسرا المكتوب نشيدها الوطني بالألمانية والفرنسية والإيطالية والرومانشية، والنشيد الوطني البلجيكي المكتوب بثلاث لغات هي الرسمية لهذا البلد، والنشيد الوطني لجنوب إفريقيا الذي يعتبر بحقّ أغرب نشيد وطني في العالم، كونه مكتوبا بخمس لغات من بين الإحدى عشرة لغة رسمية للبلاد!

وإذا كان النشيد الوطني لأي بلد من المفروض منطقيًا أن يكتبه شاعر كبير أو معروف فإن عدة أناشيد وطنية دونت بأقلام رؤساء، على غرار ليوبولد سنغور الذي كتب نشيد السينغال، والبوركيني كتبه الرئيس توماس سانكارا ونشيد إفريقيا الوسطى كتبه الوزير الأول بارتيليمي بوغاندا، ونشيد الغابون كتبه رئيس البرلمان أليكا داما..

لحن النشيد الإسرائيلي.. مسروق!

لكن هناك بلدان نشيدها الوطني عبارة عن معزوفة موسيقية بدون كلمات، على غرار النشيد الوطني للبوسنة، الذي أعتمد رسميا عام 1998 والنشيد الوطني الإسباني(رغم وجود أربع لغات رسمية في هذا البلد) ونشيد سان مارينو وكوسوفو، والنشيد الوطني المغربي، الذي لم تدوّن كلماته إلا سنة 1969.

ولا بأس في هذا السياق الإشارة إلى أن لحن النشيد الوطني الإسرائيلي (كتب كلماته شاب مجري سنه 22 عاما!) الذي يحمل عنوان “الأمل Hatikva” والموضوع من طرف صمويل كوهين هو في الأصل مسروق من لحن مولدافي(نسبة إلى مولدافيا)!

ومن الأناشيد الوطنية التي تخلوا أيضا من الكلمات، نجد النشيد الوطني للاتحاد الأوروبي، الذي اعتمد عام 1970 وهو في الحقيقة السيمفونية التاسعة لبيتهوفن التي تحمل عنوان “نشيد الفرح” ولم تكتب كلمات هذا النشيد طبعا تفاديا للحساسية الشديدة والحرب الخفية بين اللغات الأوروبية..

“دي. دي”.. نشيد وطني جزائري!

وإذا كان النشيد الوطني السينغالي ودولة إفريقيا الوسطى لحنهما فرنسي فإن النشيد الوطني التونسي لحنه سوري، والنشيد الوطني الجزائري “قسما”(في الأصل كان عنوانه “فاشهدوا”) والذي كتب كلماته الشاعر مفدي زكريا – الذي مات في المنفى بتونس إثر سكتة قلبية(عام 1970) بتاريخ 25 أفريل من عام1955(اعتمد رسميا عام 1963) – بدمه على جدران الغرفة 69 في سجن برباروس، بطلب من عبان رمضان والمتكوّن من خمسة مقاطع تمثل الولايات الخمس التاريخية (قبل إضافة الولاية السادسة في مؤتمر الصومام وهي منطقة الصحراء). هذا النشيد لحنه في الأصل جزائري هو محمد توري ثم التونسي محمد التريكي ثم المصري محمد فوزي، والأخير هو المعتمد الآن رسميا(أتساءل شخصيا عن الصلة بين لحن قسما الافتتاحي والحركة الأولى للحن السيمفونية الخامسة لبيتهوفن المعنونة “ضربات القدر”!). علما بأن الفنان محمد فوزي سجل حقوق هذا العمل في فرنسا، وهو ما يعني أن النشيد الوطني الجزائري هو الوحيد في العالم أجمع الذي تملك حقوقه دولة أجنبية تعتبر عدوة بالأمس!

وحسب سبر للآراء أجري عام 2016 في الدنمارك فإن 80 بالمائة من الذين مسّهم السبر(حوالي 2000 شخص) أكدوا أن “وان. تو. ثري فيفا لالجيري” هو النشيد الوطني الجزائري، و8 في المائة أجابوا بأن “دي. دي” أغنية الشاب خالد هي النشيد الوطني الجزائري!

النشيد الوطني الفرنسي متّهم بالعنصرية!

وقد قيل الكثير حول المقطع الثّالث من النشيد الوطني الذي يعاتب فرنسا ويذكرها بالحساب على ما اقترفته من جرائم غير إنسانية في حقّ الشعب الجزائري، وفي الحقيقة النشيد الوطني البرتغالي كان هو الآخر يتوعد المستعمر البريطاني بالقول ضد البريطانيين “Contra os bretões” قبل أن يغير المقطع إلى ضدّ المدافع “Contra os canhões“، ولكن لماذا لا ننتقد المقطع العنصري في النشيد الوطني الفرنسي “لامارساييز” الذي يصف الآخرين بأن دمهم نجس وغير نقي مثل دمّ الفرنسيين النبلاء: “‘Qu’un sang impur abreuve nos sillons’؟

وحسب المختصين فإن النشيد الوطني للاتحاد السوفياتي سابقا يعتبر من أجمل الأناشيد الوطنية وأكثرها فخامة وسحرا فنيًا، وقد كتب كلماته ألكسندر ألكسندروف عام 1944 واستمر إلى غاية سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1991، ثم استبدل بآخر كتبه ميخائيل غلينكا، غير أن فلاديمير بوتين أعاد عام 2000 استعمال النّشيد القديم، لكن بكلمات جديدة رغم المعارضة الشدّيدة من الروس خارج الوطن.

وبالنسبة للولايات المتحدة الند التقليدي للروس، فإن نشيدها الوطني الذي يعرف بـ”راية النجوم” قد تم اعتماده رسميا من طرف الكونغرس عام 1931 وهو أصلا قصيدة شعرية كتبها فرانسيس سكوت كي عام 1814.

وبالعودة إلى سيمفونية بتهوفن التاسعة” نشيد الفرح” التي اتخذها الاتحاد الأوروبي نشيدا رسميا له، نشير إلى أن هناك أناشيد وطنية لبعض الدول تعتبر من دون مبالغة استثنائية ومثيرة فعلا من ناحية مضمون عناوينها، مثلا نشيد سلوفينيا المسمّى “المُعالج”! ونشيد مولدافيا الذي يحمل عنوان “لغتنا” ونشيد جمهورية التشيك الذي يحمل عنوان “أين وطني؟” ونشيد السينغال بعنوان “الأسد الأحمر”!.

أناشيد بدون عنوان!

وهناك أناشيد وطنية.. بدون عنوان أصلا! كما أن هناك بلدان لها نشيدان وطنيان في وقت واحد، مثلما هو حال الدنمارك والنّرويج والسّويد وتايلاندا وزيلاندا الجديدة، وهناك دول تشترك في نشيد وطني واحد مثل اليونان وقبرص، ولا ننس بأن هناك أناشيد وطنية وضعت لتظاهرات رياضية وسياسية وثقافية وغيرها أشهرها في نظري الألعاب الأولمبية، ونشيد دول الاتحاد الإفريقي المعتمد رسميا عام 1999 ومنظمة الفرانكفونية، وحتى بعض المقاطعات على غرار بروتانيا ومنطقة القبائل في الجزائر، والكيباك لها نشيدها الوطني هي الأخرى، والتي كانت على وشك الانفصال من كندا في استفتاء نظم عام 1995 ولم ينجح بفارق ضئيل جدا قدره 0.5 بالمائة من الأصوات فقط.. فتأمل.

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

حياتنا وجودنا تراثنا جميعها قصص

صالح الطائي* بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية في 18 ك1 في كل ثقافة إنسانية لابد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *