ثقافة المقال

جُزُرُ الأدب وجُدُرُ الحريّة، كافكا يقرأ كنفاني..

عبد القادر رابحي

..كان كافكا يستطيع التفريق منذ البداية، ورغم صغر سنّه، وربما بإحساسه بقصر عمره كذلك، بين الجُزُر التي بإمكان المبدعين أن يخلقوها لأنفسهم من أجل ممارسة حريتهم المفقودة خارج جغرافيا الوجود الشاسعة التي يضطرهم التاريخ إلى الهروب منها، وبين الجُدُر التي يبنونها بوعيّ إبداعي وعرفي واضح..
-1-
لم يكن فرانز كافكا (1883-1924)، وهو يحاول أن يبني لنفسه بغير قصد ظاهر، ومن خلال الاستغراق الحاد في الكتابة، مجدا أدبيا سيُحسد عليه إلى الأبد، غير ذلك الفتى الذي لم تسعفه الظروف القاسية في النظر إلى العالم بمنظار أوسع ممّا كانت تحمله بواطنه عن الذات وانتمائها إلى عالم لم يكن يحس أنه خُلق من أجل العيش فيه، وعن هوية كان يحملها جرحا نازفا ممزوجا بروح مستشرفةٍ لمأساة ما سيحدث من تدمير للعالم في الحرب العالمية الثانية. ربما لهذا السبب، وربما لغيره، كان كافكا يستطيع التفريق منذ البداية، ورغم صغر سنّه، وربما بإحساسه بقصر عمره كذلك، بين الجُزُر التي بإمكان المبدعين أن يخلقوها لأنفسهم من أجل ممارسة حريتهم المفقودة خارج جغرافيا الوجود الشاسعة التي يضطرهم التاريخ إلى الهروب منها، وبين الجُدُر التي يبنونها بوعيّ إبداعي وعرفي واضح، ويضعون أبطال رواياتهم داخلها من أجل حماية الذات من أي خطر داهم استشعر كافكا بشاعته في واقعه المرير، وفي مرضه الخطير آنذاك، فلم يكن يرى، بناء على ذلك، حريته في أكثر ممّا سيحدث في مستقبل الأيام لمدينة برلين، التي عاش فيها، من تسييجها بجدار لم يكن يحمل في رمزيته العميقة غير ما يحمله مفهوم الحرية من مرادفات يعجز عن تفسيرها اللسان وتحار في انزياحاتها الدلالة.
-2-
هل يمكننا أن نتصور استحالة تحقيق مفهوم الحرية إلا إذا أُحيط بجُدُرٍ لا تتجاوز مساحتها مقدار مساحة الغرفة التي اكتشف فيها (غريغور سامسا)، بطل قصة (التحوّل)، أنه تحوّل فعلا إلى حشرة مُرعِبة ذات صباح بارد وهو يهم للالتحاق بعمله؟ وهل يمكننا ألاّ نتصور مفهوم الحرية إلا بأسْرِه في جزيرة متخيّلة كما هو حال النظرة التي حملها كافكا نفسُه عن نفسه، أو في جزيرة واقعية، لا يحيط بها الماء، كما هو الحال بالنسبة لـ(لتحوّل) الذي حدث لبرلين بعد الحرب؟ وهل تحمل كلمة الحرية مفهوما أوسع من مساحة التحرك التي تسمح بها المسارات المؤدية إلى الشاطئ والجدار؟ أم أن الحرية، بمعناها ومبناها، لا تعدو أن تكون مجرد بلاغة لا طائل منها، محصورة في جدارية جزيرة معزولة، لشدّة قربها من العالم الجديد، ولشدة ابتعادها عنه، إلى درجة تصبح بموجبها هذه الأخيرةُ موسومةً بجزيرة الحرية؟
شيءٌ من العبث العالق في حلق المعنى كما تعْلق التركيبة الكيميائية الطبيعية للكافيار في ملابس الصيادين المولعين حدّ الهوس برؤية مالكي القوارب أكثر ترددا منهم في الدخول إلى بطن الحوت، وبرؤية الجنود الأمريكيين وهم يقودون السجناء البرتقاليين إلى زنزاناتهم المضيئة على مرمى من جُملةٍ تشيغيفارية لا زال صداها يتردّد في قلب العاصمة هافانا..
ربما لا زال صدى الكاريزما التشيغيفارية يتردد على مسامع من يموت حُبّا في سواحل الجنوب الأمريكي. غير أن ما كان يجب أن يتعلمه (سانتياغو)، في (الشيخ والبحر)، من رحلته البحرية الطويلة هو أنه لا يمكن له بأية حال من الأحوال أن يكون أكثر مهارة في الصيد من سمك القرش.. وإلا فما معنى أن يعود صيّادٌ ماهرٌ مثله إلى الشاطئ بهيكل عظميًّ ناصعٍ بعد رحلة سندبادية مضنية في عمق البحر الوجودي المتلاطم الذي يلف جزيرة همنجواي، السابق كعادته في مشاكسته للمركزيات المغلقة كما كانت تتجلّى في مُغلّفات المنتوج الثقافي الأميركي، والمجبول كعادته -أعني همنغواي- على تسجيل فارق المسافة بينه وبين مثقفي جيله من المبدعين الأمريكيين المصطفّين في طابور الماكّارتية القاتل كما يصطف نسل الإوز الملقح ضد الزكام الاشتراكي، والذاهب إلى تناول نصيبه اليوميّ من لقاح المعنى في مزرعة ليست أكبر من جزيرة الحرية، ولكنّها ليست أصغر منها كذلك، وهي في الحالتين تشبه إلى حدّ بعيد (مزرعة الحيوانات) كما خرجت من مخيّلة جورج أورويل، مع حفظ الأسماء والألقاب طبعا.
شيءٌ من العبث الجميل، ولكنه عبث مقرون بكثير من العتمة التي مؤداها أن للحرية جزيرة. فإذا كان للحرية جزيرة فعلا، فهذا يعني أن ثمة أَسْراً مُطْبقا على من يحاول الخروج منها، وعلى من يحاول الدخول إليها. وهذا يتناقض مع المفهوم الذي يحمله الوصف أساسا. وربما لذلك، يبقى في نَفْسِ أمريكا المُعتدّة بنفسها شيء من عقدة الانتقام من كلّ من تُسوّل له نفسه استعمال الأسلحة (ما فوق القاتلة) من المتقدمين العرب ومن المتأخرين، لأن ذلك كان ولا زال وسيبقى من اختصاصها هي دون غيرها، وما جدار هيروشيما المشيّد بصورة لا مرئية، ولكنها أبدية، إلا مثل ليس ببعيد.
ثم هل يمكننا أن نتصور أنه بإمكان الجزيرة (بكل معانيها حتى الفضائية منها) أن تكون حريّة، أو أن نتصوّر أنه بإمكان الحرية (بكلّ معانيها حتّى الأرضية منها) أن تكون جزيرة. ذلك أن الجزيرة، في التصور العام، لا يمكن أن تخرج عمّا يمكن أن يخبئه التاريخ من مفاجآت أسطورية للقارئ المندهش أمام عبقريةٍ كالتي يمثلها شكسبير- ناهيك عن الآلاف من الأدباء ممن كتبوا عن الجزر وغرابتها عبر التاريخ- في طيّات مسرحياته للقارئ الإنجليزي المبهور بما يمكن أن تنتهي إليه (العاصفة) من سماحة إنسانية لبطل خيّرٍكـ(بروسبيرو)، رمز الحاكم المنشغل عن الحُكمِ بسيمياء الوجود، ومقلوب عليه، بسبب كثرة غيابه عن سدّة الحكم، من طرف أخيه الجائع إلى تحقيق طموح فجائي بالوصول إلى الحكم من باب الأخوّة الغادرة، لولا أن عبقرية شكسبير (العربية ربما؟؟) تذرو كثيرا من الملح التخييلي على مسار العرض المسرحي، فتفتح له إمكانية إضافة ما تتركه (الساحرة الجزائرية) التي كانت تسكن الجزيرة ثم غادرتها، من عُقَدٍ سحرية ستساعده لا محالة في الدفع بالعمل المسرحي إلى ما تخبئه العقدة من أسرار ستكشف في النهاية عن حلّ أفضى إلى تسليم السلطة إلى الجيل الثاني من العائلة الحاكمة من خلال تزويج ابنة كذا من ابن كذا، كما هو الحال في كل الزيجات المبنية على المصلحة الجالبة للقوّة، والطّاردة لكل نحس بإمكانه أن يستغلّ ما تركته (الساحرة الجزائرية) في كلّ جزيرة خاوية إلا من أحلام من يصلون إليها على مراكب مصنوعة من جلد ماعز عربيٍّ خالص كما هو الحال بالنسبة لـ (لومبيدوزا) الحالمة بليلة لا تصل فيها أفواج المهجّرين اقتصاديا إلى شاطئها الممتلئ بالرؤوس السود كما تمتلئ الرأس السوداء بالشيب الأبيض مع مرور الوقت.
-3-
هل كان في نية كافكا، وهو يقترب من حتفه، ولمّا يبتعد عن الأربعين، بسبب المرض المركب، و بسبب اليأس المطلق من الشرط الوجودي للحياة الغربية التي وضعته قبالة جدارٍ مُربّعٍ ضيّقٍ لا تسمح فيه الذات لنفسها بالتنفس، فحوّل مخياله السردي كلّه إلى حشرة مرعبة رعب الفكرة التي أوجدتها الحضارة الغربية عن نفسها، أن يحرق أعماله -كل أعماله الأدبية- بما فيها الرسائل الموزعة على الأصدقاء الموزعين هم كذلك على برودة براغ، وعلى ضباب برلين، وعلى (بوهيميا) ما تبقى من المجد النمسو-هنغاري؟ وهل كان يريد فعلا حرق كل أعماله؟ وهل من المعقول أن نوصي صديقا بحرق أعمالنا؟ وماذا لو أن (التحوّل) وغيرها من أعماله قد أُحرقت فعلا ولم يصلنا منها أثر؟ هل كانت درجة الإعجاب حدّ العمى من طرف الكثير من المثقفين العرب المنبهرين بالدرس الكافكاوي ستتحوّل إلى رواية (رجال في الشمس) لغسان كنفاني؟
ربما كانت عبقرية كافكا في كونه استطاع أن يرسم صادقا حالة الغرب الآيل إلى عمق البئر الوجودية التي وضع نفسه فيها وسط زحام غريب سيأتي على مجمل الإنجازات التي طالما كان يعتقد أنه حققها للإنسانية جمعاء. كافكا اليائس حدّ النخاع، والميئوس من حالته الصحية المتدهورة بسبب برد برلين القاتل، وبسبب بؤس أفكار المرحلة، وبسبب الجوّ الممتلئ حدّ الاختناق بالأطروحات النازية التي لم يكن ليقابلها إلا بالمزاج اليهوديّ السّاخر الذي استطاع أن يوظفه بطريقة فنية ذكية في قصصه وفي رواياته، هو نفسه كافكا المهتم بالتعاليم التلمودية، والمقتنع بالأطروحات الصهيونية، والراغب في الهجرة إلى فلسطين، والمدافع عن ليبرالية إنسانية ربما وجد فيها ضالته التي لم يجدها في مُغلقات اللحظة المحفوفة بالليبرالية المتوحشة، وبالمخاطر النازية، والمتوجهة رأسا إلى معركة ما كان له أن يحضرها وهو على هذه الحال من المرض واليأس والوحدة. كافكا المحبوب حدّ التبجيل، نظرا لما قدمه من صورة دقيقة للذات المستلبة، وللهوية الممزقة وللوجود البائس، إلى درجة توصيف هذا المزيج المنذر بالكاوس الوجودي من طرف النقاد بـ(الحالة الكافكاوية)، لم يكن يعرف تماما الشعب الفلسطيني، ولم يكن يفكر تماما في ما سيحدث له من حالة كافكاوية لا زال يدفع ثمنها إلى اليوم.
-4-
ماذا لو أن العمر أمهل كافكا فتمكّن من الهجرة إلى فلسطين مثلما كان يرغب في حياته؟ وماذا لو أنه عرف غسان كنفاني، أو التقاه، أو قاسمه معنى أن يعيش غريبا في وطنه؟ ماذا لو أنه قرأ (رجال في الشمس)، وأحس بحالة الغربة التي يعيشها (أبو القيس) وهو يغادر الأرض والأهل وأشجار الزيتون للموت داخل حاوية الوجود الشبيهة بغرفة (سامسا)، وبما يفعله (أبو الخيزران) بالجسد الفلسطيني المتروك للعراء؟ هل كان سيضطر إلى سحب (المحاكمة) من التداول، أو إلى إعادة كتابتها وفقا لما ستقترحه مساحة التحوّل المرعب الذي حدث للإنسان الفلسطيني جراء التحويل المنهجي لطبيعة العلاقة التي ربطت الإنسان اليهودي مع الغرب الراسخ بمركزيته المتعالية، وبفظاعة ما أنتجه من قيم معرفية حوّلت (سامسا) إلى حشرة مُرعبة، إلى مأساة يعيشها الإنسان الفلسطيني المُهجّر من أرضه ومن وطنه؟ وماذا لو أن كافكا أحسّ لحظة واحدة بحجم المأساة التي كان يشعر بها (أسعد) و(مروان) و(أبو القيس) وهم يتحولون إلى وديعة مأساوية تفوق التحوّل الذي أصاب (سامسا) فظاعةً، داخل حاويةِ مركبةٍ تنقلهم من غربة التهجير إلى صحراء التيه؟ هل كان سيشعر برعشة البرد التي كان يشعر بها في برلين؟ وهل كان سيوافق على تحويل الجدُر التي سجنت برلين طيلة نصف قرن من الحرب الباردة إلى فلسطين، لأجل إعادة زرعها في الأرض الفلسطينية بطريقة هي أشبه بالأخطبوط السرطاني الملفوف على جسد شعب يُسجن بكامله في ما يشبه غرفة (سامسا)، أو في حاوية عابرة لصحراء التيه العربي؟ كأنْ لا خيار ثالث للإنسان الفلسطيني في وطن بحث عنه كافكا في الغرب ولم يجده إلا في فلسطين.
المغفّلون وحدهم هم من يؤمنون بما قال كافكا: “أن نكتب يعني أن نهجر معسكر القتلة”. كان عليه أن يقولها لأذنيه أولا..أن تكتب يعني أن تواجه معسكر القتلة… أن تكتب يعني ألا تهجر معسكر الخيام المغروسة في خاصرة الأرض نحو وطن افتراضيٍّ كاذب.. أن تكتب يعني أن تدافع عن بيتك في غزّة.. أن تكتب يعنى أن تموت كل لحظة من أجل الدفاع عن شجرة الزيتون في (بلعين)، وعن حي المغاربة في الحرم القدسي، وعن مسكنك المبرمج للبيع القسري وللهدم الحتمي في أعالي بيت المقدس، وعلى الطريق الرابط بين بيتك الشبيه بالقبر في (رفح) وقبرك الشبيه بالوطن العالق في معبر الروح. أن تكتب يعني ألا تعيش الهجرة القسرية إلى الغربة في مواطن التيه في الوقت الذي تُسْتَبْدَلُ فيه بِرَجُلٍ متورم الرِّجل، ثاوٍ على عصا منخورةٍ، قاطعٍ المسافات من أجل الوصول إلى هيكل وهميٍّ تماما كما (سانتياغو) يحمل هيكله العظمي للتدليل على بقايا مجد مضى، وتماما كما كافكا لم يجد من درس يتركه للإنسانية غير العودة إلى الذات بوصفها كينونة مُنقذة للوجود ولو على حساب المحق المنهجي للذات الفلسطينية من خلال تحويل كينونتها من الوجود إلى العدم.
المُغفّلُون وحدهم همُ الذين يريدون أن يتعلموا درسا ما من كافكا وهو يحوّل العالم إلى كائن ممسوخ يقدم لبني جلدته وحدهم العبرة اللازمة لتخطي صعوبة اللحظة التاريخية التي أنجبته في مرحلة عصيبة من التاريخ الأوروبي، وفي كل المراحل العصيبة من التاريخ، تاريخهم..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق