ثقافة السرد

ابنة الراعي

قصة وليم سارويان  ترجمة محمد عبد الكريم يوسف

خاص بالمجلة الثقافية الجزائرية: في رأي جدتي، أطال الله عمرها ، الرجال يجب أن يعملوا ، قالت لي ونحن جالسون على الطاولة منذ لحظات خلت : “عليك أن تتعلم عملا مفيدا، صناعة شيء مفيد للإنسان ، من الصلصال ، من الخشب ، من الحديد أو من القماش . يليق بالرجال الشباب أن يتعلموا حرفة شريفة . أيمكنك صناعة شيء ما ؟ هل تستطيع صناعة طاولة بسيطة من الخشب أو كرسي أو طبقا بسيطا أو سجادة أو قدر قهوة ؟ إذا كان هناك شيئا يمكنك فعله” ثم نظرت إلي بغضب شديد وقالت:” أنا أعرف . يفترض بك أن تصير كاتبا وأنت كاتب على ما أعتقد . بالتأكيد أنت تدخن كثيرا وهذا لن يساعدك لتصير شيئا ما على الإطلاق . لقد ملأت الغرفة بالدخان . عليك أن تتعلم صناعة الأشياء الملموسة ، الأشياء التي يمكن أن تستعمل ويمكن أن تلمس باليد.”

قالت جدتي كان هناك ملك فارسي لديه ولد وقع في حب ابنة راعي . ذهب الولد إلى أبيه وقال: ” سيدي الملك ! أحب ابنة الراعي وأتمنى أن تصير زوجتي. ” أجابه الملك قائلا: ” أنا الملك وأنت ابني وستصبح ملكا بعد وفاتي . هل يصح أن تتزوج ابنة راع؟ ” قال الولد :” يا مولاي . لا أعلم . لكنني أعرف أنني أحب هذه الفتاة وأود أن تصير ملكتي . ”

رأى الملك أن حب ابنه للفتاة كان هبة من الله . فقال لابنه : ” سأرسل لها رسالة .” ثم طلب الملك رسولا وقال له : ” اذهب إلى ابنة الراعي وقل لها إن ابني يحبها ويريد أن يتخذها زوجا له . ” ذهب الرسول إلى الفتاة وقال لها : ” ابن الملك يحبك ويريدك زوجا له .” أجابته الفتاة : ” وماذا يعمل ؟ ” قال الرسول: ” لماذا؟ إنه ابن الملك . لا يعمل أي شيء قط.”أجابت الفتاة : “عليه أن يتعلم عملا ما. ” عاد الرسول إلى الملك وأخبره بما قالته ابنة الراعي .

قال الملك لابنه :” ابنة الراعي ترغب إليك أن تتعلم حرفة ما . أما زلت تريدها زوجة لك ؟ ” أجابه الولد: ” نعم يا مولاي . سأتعلم صناعة الحصر من القش .” ثم تعلم الولد حياكة الحصر من القش وتعلم أيضا زخرفة النقوش والألوان وتصاميم التزيين وفي نهاية الأيام الثلاثة تعلم الشاب صناعة حصر القش . عاد الرسول إلى ابنة الراعي وقال: ” هذه الحصر من عمل ابن الملك. ” ذهبت الفتاة مع الرسول إلى قصر الملك وصارت زوجة ولده.
تابعت جدتي الحكاية قائلة : ” وفي يوم من الأيام ، كان ابن الملك يمشي في شوارع بغداد فصادف مطعما نظيفا وباردا فدخل وجلس على الطاولة .”

وتابعت جدتي تقول : ” كان المكان مقرا للصوص والمجرمين . أخذوا ابن الملك ووضعوه زنزانة حصينة احتجز فيها الكثير من رجال المدينة الكبار ، وكان اللصوص والمجرمون يقتلون أسمن الرجال بينهم ويطعموا لحمه لأنحف الرجال. وكانوا يتسلون بهذا الفعل .كان ابن الملك الأكثر نحافة بين الرجال ولم يكن أحد يعلم أنه ابن ملك الفرس وهذا ما أنقذ حياته. قال للصوص والمجرمين ، أنا أصنع حصرا فاخرة من القش غالية الثمن . لذلك أحضروا له القش وطلبوا منه أن يصنع الحصر لهم. وخلال ثلاثة أيام صنع ثلاثة حصر. ثم قال لهم : احملوا هذه الحصر إلى قصر ملك الفرس ومقابل كل حصير سيعطيكم مائة قطعة ذهبية .

حمل اللصوص الحصر إلى قصر الملك ، وعندما رآها الملك عرف أنها من صنع ابنه. أخذها إلى ابنة الراعي وقال لها : جُلبت هذه الحصر إلى القصر إنها من صناعة ابني المفقود. فرشت ابنة الراعي كل حصير على حدة ، ونظرت إليها مليا وداخل التصاميم والزخارف كان هناك لغة مكتوبة بالفارسية لزوجها . وروت الحكاية للملك . ”

ثم تابعت جدتي قائلة : ” ثم أرسل الملك الكثير من الجنود إلى مقر اللصوص والمجرمين وأنقذوا الأسرى وقتلوا اللصوص والمجرمين وعاد ابن الملك بأمان إلى قصر والده ورفقة زوجته ابنة الراعي الصغيرة . وعندما ذهب الولد للقصر ورأى زوجته ثانية شعر بالمهانة أمامها فركع وقبل قدميها وقال : يا حبيبتي ! لولاك ما كنت أنا على قيد الحياة وسرّ الملك كثيرا من ابنة الراعي. ”

أكملت جدتي قائلة : ” أترى الآن لماذا يجب أن يتعلم كل إنسان حرفة شريفة ؟ ”
أجبتها :” أرى ذلك بوضوح يا جدتي . حالما أكسب ما يكفي من مال سأشتري منشارا ومطرقة ولوح خشب ، وسأصير أفضل من يصنع كرسيا بسيطا أو رف كتب.”

 

الحواشي:

(1)عرفت بهذه القصة عندما كنت في الصف الأول الابتدائي. يومها كنا في مدرسة الصف الوحيد. وكانت المعلمة تشرح معانيها. أحببتها جدا ودخلت وجداني وعندما صرت في الصف السادس فقدتها لأن المناهج المدرسية تغيرت وشعرت أنني فقدت شيئا غاليا للأبد. لم يعلق اسمها بذاكرتي. لكن قصتها صقلت شخصيتي وغيرت مجريات حياتي المستقبلية .علمتني القصة أن العمل نوع من العبادة .منذ عدة سنوات صرت ابحث عنها على الانترنت بما تيسر لي من تسلسل أحداث حتى عثرت عليها أخيرا . ورأيت أن اقدمها للقارئ فقد يستفيد من التجربة .
(2)- يلاحظ القارئ الكريم أن ابنة الراعي هي قصة داخل قصة وهي تقنية أدخلها سارويان على الحبكة القصصية مستفيدا من مسرحية هاملت التي احتوت مسرحية داخل مسرحية
(2)وليم سارويان:
(3)محمد عبد الكريم يوسف(1965-) مواليد قرفيص/ سورية . مدرب ومترجم وأكاديمي و محاضر في الجامعات السورية / رئيس قسم الترجمة سابقا في الشركة السورية لنقل النفط / رئيس دائرة العقود والمشتريات الخارجية سابقا في الشركة السورية لنقل النفط / حاليا رئيس دائرة التنمية الإدارية في الشركة السورية لنقل النفط. يكتب في الصحف العربية والأمريكية .مؤلف ” معجم مصطلحات وقوانين الشحن البري البحري الجوي” و ” قاموس المنتجات الصناعية ” وكتاب ” الصياغة القانونية للعقود التجارية في القطاع العام والخاص والمشترك باللغتين العربية والانكليزية ” .
(4) المصدر والعنوان الأصلي :
The Shepherd’s Daughter , William Saroyan ,New York : 1934

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق