ثقافة المقال

الروهينغيا.. ورهبان بوذا المتوحشّون

د. جمال حضري
من في هذا العالم لم يهتزّ لمشاهد التنكيل والإبادة في أراكان؟ من لم يشعر بإهانة الضمير الإنساني في عصر العولمة القصوى والإعلام العابر للقارات والثقافات؟ من لم يثر ضد امتهان الكرامة البشرية حين يطرد شعب من أرضه ويحرم من حق المواطنة ويمنع من العودة إلى مساكنه إذا لجأ إلى غيرها فرارا بجلده؟ من لم تستفزه صور الجنود المدججين محيطين بالعزل نساء ورجالا وهم يلسعونهم بالبيادق والسكاكين؟
من لم تهزه بشاعة تلك الممارسات ليس إلا “أونغ سان سو تشي” -حليفة العسكر في ميانمار والحائزة على نوبل للسلام أيام كانت ضحية هؤلاء- أو “الدلاي لاما” كاهن بوذا الشهير الذي يجوب العالم في لباس الكهنة البرتقالي، عارضا قضية التبت في الصين.
​لقد عرف الكاهن البوذي “الدلاي لاما” بخطابه المسالم وحركته الاستقلالية الهادئة ومعارضته الناعمة للصين، رغم أن النظام الشيوعي في بكين لم يدخر جهدا في التصدي لحركات الكهنة البوذيين بالحديد والنار؛ ومن تلك المواجهة غير المتكافئة عرف الكاهن كيف يسوّق صورة المعارض المسالم والكاهن الروحي الذي ساهم في نشر التعبد الروحي في أوروبا وأمريكا الشمالية، حتى اختلط على الناس وضعه، أهو شخصية سياسية تكافح من أجل استقلال التبت عن الصين، أم مبشّر بوذي يذرع العالم لينشر تعاليم بوذا ورياضة النفس بالتأملات والتجرّد عن الماديات.
​علاقة هذا الاستطراد التاريخي هو ما يجري اليوم من تقتيل شعب ذنبه أنه مسلم، وعلى يد دولة تتبنى الديانة البوذية، والأخطر من ذلك أن الكهنة البوذيين باللباس البرتقالي الشهير “للدلاي لاما” هم من يبررّ سياستها، بل ويساهم في حملات التطهير العرقي ضد الروهينغيا؛ أهو الخلل في تعاليم بوذا القابلة للتوحّش، أم هو الخلل في تكوين الدولة ذاتها التي تأسست على نزعة عنصرية وعرقية، زادها تسلّط الجيش بربرية ودموية؟
أين هو إذن “الدلاي لاما” ليستنكر ما يحدث لشعب الروهينغيا، ويخطب في الناس بروحه المتأملة، ويحث أتباع دينه من البوذيين، الذين أظهروا من أساليب الهمجية ما شوّه بالكامل صورته هو بالذات كزعيم روحي مضاد للتعصب والانغلاق والحكم الشمولي، على النأي بأنفسهم عن سياسة الحكومة؟ إن ما هو مطلوب من الكاهن البوذي ليس موقفا سياسيا، بل موقف عقائدي، لأن أتباع بوذا من مجرمي ميانمار ليسوا عامة الناس بل كهنة المعابد وسدنتها الذي زادوا لهيب الاقتتال سعارا وأوارا..
أمّا السؤال الثاني الذي لا يقل إلحاحا، فهو مسلك الإعلام العالمي تجاه مأساة مسلمي الروهينغيا، حيث يرجعُ سببها إلى سياسات حكومة ميانمار العرقية التي حرمت هذا الشعب من التجنس والمواطنة، وتجاهلت تماما العامل الديني الذي أسلفنا الحديث عنه، حيث إن كهنة بوذا هم الذي يلهبون وقود المجازر ويحرّضون المكونات غير المسلمة على الإمعان في التهريب والقهر لحمل الروهينغيا على الفرار إلى بنغلاديش كوطن بديل؛ يتحاشى الإعلام العالمي والغربي خصوصا هذا الدور المشين للمتدينين والرهبان البوذيين، لشيء واحد هو نفوذ اللوبي البوذي في هذه الأوساط، إضافة إلى الوسط الثقافي والسياسي، حيث تحظى التعاليم البوذية بالمكانة التي لا تمسّ ولا تخدش.
لماذا لا تسمى الأسماء بمسمياتها؟ لماذا لا يسمى الإرهاب الممنهج ضد مسلمي أراكان على أنه إرهاب بوذي، تماما كما رُمي الإسلام بالإرهاب بسبب الدواعش والقواعد وغيرها؟ لماذا يحيّد بوذا ورهبانه وكهنته من تبعة المجازر في بورما، ويلحق بالإسلام حادث إطلاق نار في أي زقاق من أمريكا وأوروبا؟
ما الذي قام به هذا الإعلام ذاته يوم كان رهبان بوذا ضحية الجيش الصيني في التبت؟ ألم يصوّرهم على أنهم ملائكة الأرض الذين تقمعهم الشيوعية المتوحشة؟ ألم يُدفع “الدلاي لاما” إلى مقدمة المشهد العالمي بأسماله الكهنوتية ليبرز السّمت المسالم لتعاليم بوذا في وجه تعاليم الكتاب الأحمر “الماوي”؟ واليوم أين يقف بوذا وكهانه؟ أليس في صف القتلة والعرقيين والاستئصاليين بل في مقدمة صفوفهم؟
لماذا ينجح الإعلام العالمي في تحييد البوذية من الإرهاب والبربرية؟ ولا يضيّع فرصة في لصقها بالإسلام والمسلمين حتى أصبح عند دونالد ترمب “إرهابا إسلاميا” بالتمام والكمال، لنتذكر ما فعله الإعلام ذاته بعقول الناس في محنة “أزيديي” العراق، حين نهظ الغرب فزعين من مقتلة آخر جيوب المسيحية في العراق، وكيف جُهزت فرق عسكرية لتخليص العالقين بجبال سنجار من الإرهاب، بل إن التعاطف المنقطع النظير دفع بهم إلى إسقاط المؤونة جوا بعد أن تعذرت برا؛ هذا هو الغرب حين يتعلق الأمر بأقلية محظوظة، وهاهم الآن على الحقيقة مع أقلية “منبوذة”، يموت أطفالها ونساؤها في طبقات البحر البنغالي، أين سفن الغرب لنجدة هؤلاء؟
إن العالم مقسّم في دوائر الغرب دينيا وحضاريا، وهذه الجغرافيا الخفية هي ما يسيّر الأقلام والإعلام، وهي ما يحرّك الأيدي والأقدام، حتى إن مجلس الأمن لم يلتئم ولو لسماع تقرير واحد عن الوضع، وكأن أمرا ضمنيا صدر بالصمت التام عما يجري، وتواطأت في هذا الصمت الصين الشيوعية وروسيا الأرثوذكسية وأمريكا الترمبية وأوروبا البابوية والعرب العاربة والمستعربة.
فليهنأ بوذا وكهانه، وليرتح الدلاي لاما وأتباعه، فديانتهم في منعة من الاتهام، وسمعتهم محصنة من كل لمز، وليستمر عسكر ميانمار في مذابحهم، والكهان في الترنم على أشلاء ضحاياهم، لأن العالم لا يسمع أنين مضطهد إذا كان ديانته الإسلام…

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق