إصدارات

رسالة مفتوحة إلى السيد رئيس الجمهورية

بقلم : محمد جربوعة*

أنا شاعر عربي، لا أهتمّ كثيرا للمناوشات السياسية ، ولا للعهدات الرئاسية ، ولا لغير ذلك ، باعتبار أنّها من الأمور المتصلة بالشعب .وأنا من المؤمنين بأنّه لا أحد ينوب عن الشعب في التعبير عنه .. ما دام الشعب نفسه ، لا يملك رأيا موحدا ولا رؤية واضحة لما يريد..
لكن ، حين يتعلّق الأمر بثابت له علاقة بثقافة الأمة ، فإنّه من واجبي أن أكتب إليك .. لأنّي وإن لم أكن مسؤولا، فإنني رجل مهموم بثقافة أمتي ، وبمستقبل ثقافة ناشئيها .. وأنا في الأخير وليّ تلميذ ، يحزنني أن أستمع إليه وهو يردد كلاما عن وزارته ، سمعه في المدرسة،لا أجرؤ على ذكره هنا..
إنّ قضية البسملة ، ليست أمرا عظيما ، لو أنّ الناس كانوا يشعرون أنه مجرد حذف تقني .. لكنّ عموم الناس يدركون اليوم أنّ حذفها يندرج في إطار الاستفزاز ، والاستخفاف ، والتنكيل ، والفرض ..
كما إنّ عموم الناس يشعرون أنّ حذف البسملة إملاء من جهات أجنبية معادية ، وهذا ما نقرأه ونسمعه .. وآنذاك يصبح الأمر ليّا للأذرع وتكسيرا للعظام ..
إنّ خطورة الأمر تكمن في جعْل قطاع حسّاس ، يتعلق بتربية النشء ، مجالا للصراع الدائم ، والتجاذب الشديد ، بين الوزارة وعموم أولياء التلاميذ.. وهو ما يلقي بظلاله السيئة على هذا القطاع الذي شهد تخبطا كبيرا ، منذ سنوات .. ولو كان الصراع في غير هذا القطاع لهان ..
إنّ هناك حسّا شعبيا ومهنيا متناميا اليوم ، لإفشال مخطط الوزارة المدرسي، وهو ما سيكون على حساب تحصيل أبنائنا ..
السيد الرئيس ..
حين يقوم الناس بحملة مراسلات على مواقع التواصل تهدف إلى عدم شراء الكتب المدرسية التي حذفت منها البسملة .. أو حين يقوم الأولياء في البيت بتوعية أبنائهم بالسبب الذي من أجله حذفت البسملة ، وحين يدرك الطفل أنّ القضية قضية صراع أيديولوجي بينه وبين وزارته ، وحين ينطلق من كل ذلك الحس الانتقامي ليكتب البسملة بيده في كتاب ، له عقدة تجاهه منذ أول يوم .. فكيف ننتظر من تلاميذنا نتائج جيدة ، أو سلوكا جيدا ، وهم لا ثقة لهم لا في الكتاب ولا في الوزارة ..؟
الأمر ليس بسيطا .. وبعيدا عن المزايدات الفارغة ، والكلام غير المسؤول الذي تعج به مواقع التواصل ، فإنّ هذا هو الذي يجب أن يكون محلّ عرض ..وهذه هي الصورة .. إنها صورة صراع حول التعليم ، بين التلميذ ووليه ، وربما معلمه ، وبين الوزارة ..
إنّ هذا الحس المشكّك في المدرسة ومناهجها ، من شأنه أن يدفع الناس إلى إيجاد منظومة تربية موازية ، في البيوت وفي غيرها .. وآنذاك فلا أحد يضمن ما تأتي به هذه المنظومة الموازية .. وهنا أؤكد على أنّ هذا الاستفزاز من أسباب ظهور التطرف ..
السيد الرئيس ..
إنّ أوّل آية نزلت من القرآن الكريم هي ( اقرأ باسم ربّك ).. ونحن نلتمس من ذلك بركة لأبنائنا وما يحصلونه من علوم .. فلمَ يراد أن يقرأ أبناؤنا بغير اسم ربهم ؟
السيد الرئيس ..
و حين قرأت بلقيس كتاب سليمان عليه السلام ، قالت مثلما ذكر القرآن الكريم : ( يا أيّها الملأ إنّي ألقي إليّ كتاب كريم ، إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ) .. ولم يكن هذا الكتاب كريما ، إلا بكونه افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم ، فتلك كرامته .. فلمَ يراد للكتاب المدرسي أن لا يكون كريما ؟
و في صلح الحديبية رفض كفار قريش تصدير وثيقة الاتفاق بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم بـ ( بسم الله الرحمن الرحيم) ، لكنهم استبدلوها بـ (باسمك اللهم ).. فعلى الأقل ، إن كان هناك رفض لأن تكون البسملة على كتب أبنائنا بصيغتها الإسلامية ، فلتكن حتى بصيغتها العربية الجاهلية (باسمك اللهم) ..
السيّد الرئيس..
هل البسملة هي التي لا تليق بمقرراتنا المدرسية ، أم أنّ مقرراتنا هي التي لا تليق بالبسملة .. ومهما كان الجواب فإنّه بحاجة إلى إعادة نظر في مقررات لا تنسجم مع البسملة ..
السيّد الرئيس ..
إن كنا نحن لا نرى التوافق بين البسملة وبين الفيزياء والرياضيات ، في طرح علماني ، فإنّ الولايات المتحدة الأمريكية ، وهي الدولة العلمانية ، المشهود لها بعلو كعبها في الفيزياء والرياضيات ، ولجامعاتها بالصدارة ، لم تستطع أن تتخلى عما ورثته على عملتها ( الدولار) من لفظ البسملة .. ولا رأينا يوما من قرر إزالة البسملة من هذه العملة لأنها لا تتناسب مع الاقتصاد أو لعبة المال ..
أقول أخيرا : قيل :إذا أردتَ أن تطاع فسل ما يستطاع .. وقد ثبت أنّ التنطع والمصادمة يذهب هيبة الدولة ، رأينا ذلك في العطلة التي فرض فيها التلاميذ قرارهم ، وكان ما أرادوا ، وفي لقاح الحمى الألمانية ، حيث مني قرار الوزارة بهزيمة ، استغلها كثيرون في إظهار ضعف قوامة الدولة .. لقد تعلّم أبناؤنا الجرأة على الدولة وهم لم يجاوزوا المرحلة الابتدائية .. وعلموا من خلال قرار العطلة وقرار لقاح الحمى الألمانية ، أنّ الذي يقرر ليس الوزارة ، بل هم ..بل لقد تركت حادثة اللقاح من عدم الثقة في الدولة ما تتحمل الوزارة مسؤوليته .. حتى صار التلميذ يقول : ( الدولة تريد قتلنا)..
وأنا أسأل : ماذا لو أنّ كل تلاميذ الجزائر قرروا أن يضيفوا بخط أيديهم لفظ البسملة على الكتب .. مع ما يعنيه ذلك ، وهو كبير لا صغير .. ؟
فلماذا الاستمرار في التحدّي الذي يولّد تحدّيا أكبر عند التلاميذ ؟ ولمَ هذه العلاقة القائمة على التوتر وعدم الثقة ومغالبة الأذرع بين الوزارة والتلاميذ ومعهم أولياؤهم وربما حتى معلّموهم؟
السيد الرئيس ..
المنظومات الناجحة ، كالدولار ، لا تزري بها البسملة فيها ..والمنظومات الفاشلة كالعملة الضعيفة ، لا يرتفع سعرها ولو كتبنا عليها القرآن كاملا .. وإننا لنرجو أن تكون بداية عهدك بتدخلك لأجل هذا الأمر ، الذي سيكتب لك ..
إنّ البسملة لن تخسر شيئا .. وستبقى بعد أن نمضي نحن جميعا ، الوزير والتلميذ والرئيس والمرؤوس، لكنّ الذي سيدفع الثمن ، هو هذا الوطن حين يفقد فيه التلميذ الثقة بوزارته ، فيظنّ أنّها تريد قتله بإبرة اللقاح ، أو تريد إبعاده عن ثقافة والده وجدّه ، حين تحذف البسملة من كتابه.. فيضيفها متحديّا يضغط على أسنانه ، وتلك بداية العنف والتطرّف ضدّ مقررات الوزارة .. مقررات الدولة ..
وإنها لكارثة عند الذي يدرك خطرها ..
مع العلم .. أنّنا في زمن ، لا يمكن لأيّ جهة كانت أن تفرض فيه شيئا .. إلا بالإكراه الجسدي …أما دون ذلك فلا.. وأقل ما قد يقوله وليّ أمر : ( أنا حرّ في إيقاف أبنائي من مدرسة لا ثقة لي بها ) .. مع أنّ هذه الاستفزازات تأتي بنتائج عكسية ، فتزيد الناس إصرارا على الهوية والثقافة والمقدسات ، حتى إن لم يكونوا يهتمون بها بعد ذلك ..
لذلك ، فأوّل المطلوب الآن هو قرار شجاع ، ينسخ هذا القرار الذي يعرف الجميع أنه جاء لمجرد الاستفزاز ،لا غير، وأنه لا علاقة له لا بالبيداغوجيا ولا بمتطلبات التعلّم..
أخيرا ..
إن كانت التقارير التي تصل فخامتكم ، تقول غير الحقيقة ، وتؤكد أنّ الناس راضين .. فأنا أظنّ أنه سيكون من واجب التلاميذ لا الآباء آنذاك ، أن يقوموا بحملة ، بطريقة راقية ، لإيصال الحقيقة إليكم ..وهي أن يلتقط كل تلميذ صورة له ، تحمل اسمه ولقبه ومدرسته ، وعليها : بسم الله الرحمن الرحيم ..إلى السيد رئيس الجمهورية .. أنا لم أعد أحبّ كتبي لأنهم حذفوا منها البسملة..
محمد جربوعة

شاعر جزائري 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق