ثقافة المقال

الكتابة الإبداعية وميزان النقد

بقلم / خديجة مسروق

النقد عملية تشريحية للنصوص الإبداعية , وتشريح النص الأدبي ليس بالأمر الهين. يستدعي حكيما لا يخضع للتخذير, ينصف نصا و يقصي نصا آخر. كما ان النقد ليس فضاء لتصفية الحسابات أو إثارة للأحقاد والنزاعات الشخصية .
وإذا كان فضاء الرواية اليوم قد تحول إلى حقل اغرائي, يفد إليه كل من نازعته فكرة الكتابة, دون وازع أدبي, فإن الساحة النقدية اليوم هي الأخرى تعج بأسراب كبيرة ممن يدعون النقد, أخطأوا الوجهة فضيعوا الطريق.
وشرع الناقد في توظيف أدوات نقدية, كما تمليها عليه نوازعه الذاتية, وسار يجر قاطرة النقد والأدب “معا” إلى حافة الهاوية سهوا أو عمدا ..
فلماذا وصل النقد العربي (الجزائري ) إلى هذا المستوى من الإنحطاط؟
ولماذا يغيب الضمير النقدي اليوم خلال الممارسة النقدية؟
وماهو سبب تدني مستوى الكتابة الإبداعية العربية (الجزائرية)؟ وهل للناقد إسهام في ذلك ؟
النقد حالة انطباعية تتملك الذات الناقدة, التي من مهامها تحليل الظواهر الأدبية و تقييمها, والحكم عليها بموضوعية. وممارسة العملية النقدية تستلزم حضور الضمير والوعي في التعامل مع النص منعزلا عن مؤلفه .
و على الناقد أن يُرخي حبال يراعه في تشخيصه للظاهرة الأدبية بكل صرامة. وإذا كان فضاء الكتابة الإبداعية يتسع للجميع, وأي شخص له الحق في محاولة الكتابة ( الروائية ), فليس لأي كان الحق في النشر, مالم يلتزم بمعايير الكتابة, وإلا تحول فضاء الإبداع الروائي إلى مسرح يجول فيه كل من تسول له نفسه للكتابة , دون شرط أو قيد .
يعرف المشهد الأدبي (الروائي) اليوم سيلا جارفا من الإنتاج (يصنفه اصحابه جنسا روائيا) أغرق حقل الكتابة الروائية, حيث أصبح الفضاء الروائي يستهوي اكثر عدد من الجمهور , و فئة الشباب “خاصة” الذي يعاني أغلبهم من مشكلات الحياة (الفراغ الروحي الناجم عن البطالة وغيرها) , فيلجأ للتعبير عن معاناته من خلال الكتابة .
فهل كل ما يُكتب, هو صالح للنشر؟
ليس كل مايكتب يصلح للنشر , وليس كل ما ينشر قابل للقراءة و التحليل .إنه بات الضروري إقصاء كل النصوص ( الروائية ) الرديئة وإبعادها عن أيدي القاريء (البسيط خاصة) بطريقة أو بأخرى , حتى لا تُلوث أنفاسه بما تنفثه أرواح العابثين بالكتابة الإبداعية , كما على الناقد أن لا يستنزف وقته في مطالعة النصوص, التي تثبت فشلها من الصفحات الأولى . وفي كثير من الأحيان نجد بعض نقادنا يستشهدون بهذه النصوص, كنماذج رديئة تحسب على الرواية . و كان الناقد م الامين بحري قد حمل على عاتقه , مهمة قراءة كل ما يقع في يده من النصوص الروائية الفاشلة للكتاب المبتدئين , و تحليلها و عرضها للعامة على صفحته الفايسبوكية , التي يتابعها بنهم العشرات من هواة الرواية . على اختلاف مستوياتهم الثقافية , سهوا منه أو نسيانا أن هذه العروض للمحاولات السردية , هي في حد ذاتها عملية ترويجية لنصوص فاشلة ,بإمكانها أن تخدش الذائقة الأدبية للمتلقي , و تساهم في اتساع رقعة الرداءة التي يشهدها الفضاء الروائي ( الجزائري ) اليوم .
إن الأبواق التي يعتلي دخانها اليوم سماء الأدب , من المؤكد انها تشوه معالمه التي خطها, ووضع أسسها افذاذ عملوا طيلة وجودهم على نقاء و طهر الفضاء الأدبي.
لقد أصبح من المستلزم أن تتكاثف جهود الكتاب و النقاد ( الشرفاء ) , لصياغة رؤية نقدية لمواجهة موجة الرداءة , و الخروج باتفاق محكم يخدم الإبداع و النقد معا , و أيضا الوقوف في وجه المخططات الإستفزازية , التي يحيكها أدعياء الكتابة و أشباه النقاد .و التي قد تقضي على عرش الأدب بأكمله .
غير أنه يبدو أن العرب لم يتفقوا إلا مرة واحدة , بأن لا يتفقوا أبدا . لقد صار الحقل النقدي حلبة مصارعة , و اختلف المنتمون اليه و انقسموا الى جماعات و فرادى (و اصبح كل واحد يغني بغناه ) و حصلت القطيعة بينهم , و راح كل واحد يضع لنفسه المعايير التي تتوافق و رؤيته النقدية , و لو على حساب النقد .
إن النقد مسؤولية و أخلاق , و القاريء ( البسيط ) على قدر كبير من الثقة في ذوق الناقد , و الناقد مسؤول عما يقدمه من قراءات أدبية للنصوص على اختلافها , و مهمته في ذلك تعرية هذه النصوص و تجريدها من من ثوبها الزخرفي , بالغوص في ثناياها و تقويمها بأداة النقد الصارمة . و لا يتأتي ذلك إلا بتخلص الناقد من نزعاته الذاتية و احكامه الشخصية . و إلالافقد صفة الناقد الشريف .
إن ميثاق النقد غليظ الوثاق , و على الناقد الإلتزام به . و التدفق الذي يعرفه الإنتاج الروائي ( الجزائري ) اليوم ليس بالأمر الطبيعي, فقد صار كل من يجيد حمل القلم يتوجه للإبحار في يم الكتابة الروائية , غير آبه بشروط الكتابة الإبداعية , و تقنيات السرد و قواعد اللغة . و ان الأمر لفظيع لو استمرت التهويلات و التهليلات,من طرف بعض المثقفين , في احتضانهم للنصوص الروائية الرديئة و تبنيهم لها .
فمن يدعي أن كل نص من النصوص الروائية ( الفتية ) هو مشروع رواية , تحتاج فقط للدعم المعنوي فهو مخطيء . فليس كل نص وجد على رفوف المكتبات, و كتب على غلافه ( كلمة رواية ) جدير بالدراسة و التحليل . فلا وجود لنص مقدس كما يزعم البعض إلا النص القرآني .
ما يصدر هذه الأيام من طرف بعض الاساتذة الأكادميين الذين اعتنقوا مذهب الترويج لكل النصوص الفتية ( جيدها و رديئها ) لأمر خطيرجدا و طاعن حد الوريد . الاستاذ لحسن عزوز اكاديمي سخر حسابه الفايسبوكي, لاستقبال كل المحاولات السردية , للكتاب المبتدئين و تقديهما للمتلقين على أنها نصوص ناجحةأ و في طريقها للنجاح و الانتشار , و شعاره في ذلك لا وجود لمحاولة ” كتابة ” فاشلة .
و هذه سارة سليم التي عودت المتابع لصفحتها عبر الفايسبوك , بقراءاتها لنصوص روائية عظيمة لكتاب كبار , أثبتوا جدارتهم في حقل الإبداع , تفاجيء القاريء او المتتبع لدراساتها الروائية بمقال عريض في قراءة حول( المكناسية ), التي أقل ما يقال عنها انها محاولة سردية . يبدو انها هي الأخرى اختلط عليها الأمر هذه المرة في التمييز بين النصوص الجيدة من الرديئة .
الإنحدار الذي وصل إليه الإبداع الأدبي ( الجزائري) اليوم مرده لعوامل كثيرة . و لايوجد من هو بريء من التهمة ,بدءا بالكاتب إلى الناقد و صولا إلى دور النشر , التي تسهم بشكل كبير في انتشار ظاهرة الفساد الثقافي . و لعل من الشواهد التي أثارت سجالا كبيرا الأيام الفائتة في الساحة النقدية , الكتاب المشترك الذي اصدرته دار ومضة و الموسوم بـ ( الرواية النسوية الجزائرية المعاصرة في الجزائر ) تحت اشراف الاستاذة ربيحة حدور , العنوان الذي كان صادما مخيبا لأمال عشرات المتلقين, الذين كانوا ينتظرون ذلك المولود المعرفي , الذي يفترض انه اضافة علمية في حقل الأدب .
إن الكاتب ليس منزها ,قد صيب و قد يخطيء , و قد يسهو و يغفل , لذلك يحتاج نصه بعد الكتابة إلى مراجعة و تدقيق لغوي , و هي مهمة لا يحمل أوزارها ( الكاتب ) وحده , بل على الناشر أن يشكل لجان لمراقبة النصوص المعروضة عليه قبل نشرها , حتى يقدم نصا يسهم في الإرتقاء بالذائقة الأدبية لدى القاريء , و يدفع بعجلة الإبداع إلى التطور, بدلا من صناعة نصوص فاشلة تؤدي إلى تراجع المنظومة الثقافية و تقهقرها .
لذلك اصبح من الضروري على اصحاب الضمائر الحية ممن يهمهم الأمر, من النخب المثقفة التدخل السريع , للتحذير عما يحدث في حقلي الأدب و النقد من تجاوزات خطيرة . و ذلك أضعف الإيمان .
تيقى العديد من الأسئلة مطروحة تنتظر جوابا :
لماذا يرفض كثير من الكتاب امتثال نصوصهم للمشرحة النقدية ؟
لماذا لا تخضع تلك النصوص إلى ميزان الناقد( الأمين ) لتقويمها و تصويبها , قبل نشرها ؟
و لماذا يرفض أغلب النقاد التصريح بعناوين النصوص الإبداعية التي تأكد فشلها أدبيا , و التحرج من ذكر أصحابها ؟
و لماذا يتحرج الناقد من ذكر اسماء اساءت للنقد و الأدب عموما ؟
و لماذا هذا السجال الذي بقع بين النقاد , إذا كان الهدف واحدا وهو خدمة الأدب وتطوير الإبداع ؟
و لماذا النقاد العرب لحد الآن ـ و العالم على اعتاب ( ما بعد البعد )ــ لم يؤسسوا ارضية نقدية تصاغ فيها معايير تقرأ على ضوئها النصوص الأدبية ( العربية )؟

(الجزائر)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق