ثقافة المقال

رأيت كنفاني في مخيّم الدهيشة

ميّ همّاش  

خلال طفولتنا المبكّرة في المخيّم، تساعدنا الجداريّات كما الكتب، على امتلاك مَلَكَة التهجئة وجمع الحروف لاستخراج كلمات ذات معنًى، فالكتابات على الجدران كانت بمنزلة التاريخ الّذي يُصْنَع مع كلّ ظرف مقاوم، وكلّ حدث عنيف، إنّه الأرشيف الّذي يُدَوَّن عليه اسم الشهيد والأسير، وتتزيّن عليه أسماء قرانا المهجّرة، وحضورها كما في مخيّلاتنا، كما أنّ هذه الجدران أدّت دورًا تعريفيًّا وصحافيًّا، ووسيلة ارتباط وتواصل بين سكّان المخيّم الأحياء، وبين الأحياء منّا والشهداء، وبيننا مع تاريخنا الّذي انْتُزِعْنا منه قسرًا.

كانت أوّل المعاني الّتي استطعنا استخراجها وصنعها خلال «انتفاضة القدس والأقصى» في أوائل الألفيّة الثانية؛ «لا تمت قبل أن تكون ندًّا»، وندّيّة كنفاني هي المقاومة من أجل امتلاك الحرّيّة غير المشروطة، والموت هو التأسيس لمرحلة جديدة من النضال في الحياة؛ فكنفاني مؤمن بأنّ الموت يقترب من الأجساد، ولا يمسّ أفكارهم ولا قضيّتهم، وبهذه الندّيّة الّتي انتفضت من كلّ بيت في المخيّم، أصبح للموت معنًى وجدوى.

كنّا نظنّ أنّ غسّان كنفاني يسكن في المخيّم؛ إذ ترى بصمته وتوقيعه في أسفل كلّ جداريّة مخطوطة له كما لو أنّه مَنْ خطّها، وحتّى أنّك تسمع صوته الممزوج بثورة توفيق زيّاد وغضب سميح القاسم في خطاباتهما ضدّ منظومة القمع والاستعمار، فكنفاني حيًّا يصرخ ويبتسم ويعانق عوائل الشهداء الّتي تُهْدَم منازلهم، ويشفي ألمهم، ويقول لهم: “الوطن هو ألّا يحدث ذلك كلّه”؛ إنّها إجابة لسؤال الجدوى والأمل، هذه الإجابة تدعو إلى استعادة الحبّ والثورة، وتتغلّب على إعدام الأمل، وتعيد نفخ الروح في الأولويّات الّتي تبعدنا عن الوطن، فالبيت/ الخيمة ما هو/ هي إلّا طقس عبور لا بدّ منه؛ فالبيت الّذي هُدِمَ أعاد انتكاسة النكبة، هو الألم الضروريّ للصحوة، فمنه نعود للوطن.

في بداية تأصيلنا المعرفيّ، تعاملنا مع فكر كنفاني، وتحديدًا رائعته «رجال في الشمس»؛ كنّا نعلم جميعًا أنّ ثمّة أصابع اتّهام تؤشّر علينا، كلٌّ على حدة، في كلّ سطر نقرؤه، نتساءل دائمًا: لماذا دخلوا إلى الخزّان أصلًا؟ أَهُم قرعوه في زوبعة من ضجيج فتلاشى الصوت، أم نحن ورثة لأشخاص لم يعلموا ما هو خارج الخزّان كما لم يقووا عليه؟ فمَنْ حاول منهم استراق النظر شهد مجزرة أو فقد عينيه! المؤكّد في الأمر أنّ هذا الخزّان، الّذي شكّل عقدة لدى كنفاني ولنا، هو أوّل إطار سياسيّ نشهده، وأوّل مكان نحاول كسره وتدميره؛ لأنّ ذاك الخزّان قد كبر وتوسّع، وأصبح نظام أبارتهايد كولونياليًّا يصهر الوطن، حتّى يصل به إلى المخيّم.

سؤال كنفاني لم يكن لوّامًا معاتبًا بقدر استشكاله للفعل في حدّ ذاته، وإن كان وعينا الطفوليّ جعلنا نتعامل مع هذا الفعل الانهزاميّ بشعور الملامة، لربّما لأنّنا كنّا في تلك المرحلة نعايش «انتفاضة القدس والأقصى»، وسمعنا فيها صراخًا قويًّا فيه طاقة تفجِّر أيّ خزّان كان، تلك الأصوات هي حقيقة مَشْكَلَة كنفاني لعمليّة دقّ جدران الخزّان بقوّة وشجاعة، وبندّيّة وحقّ، وهذا لا يسلب من أجدادنا فعلهم في النضال، ولا يجرّد المحتلّ من عنفه ومجازره، إنّما الخسارة الّتي خسرها الفلسطينيّ فعليًّا أكثر كثيرًا من المُتَخَيَّل لهم.

في أثناء سيرك في أحد أزقّة المخيّم، وعلى أحد جدرانها الآخذة بالتهالك، ينادي كنفاني فيقول: “إنّ الانتصار أن تتوقّع كلّ شيء… وألّا تجعل عدوّك يتوقّعك”، مع الوقت بدأت

هذه العبارة تتلاشى ألوانها، ولكن ما إن تعبر من ذاك الزقاق حتّى تكون قد ردّدت هذه العبارة، كما لو أنّك أصبحت أنت كنفاني، تبتسم وتتلفّت لمكانها راغبًا في إعادة خطّها، ولكن تدرك بعد لحظة أنّه لا يوجد ضرورة لذلك؛ فنحن أصبحنا كنفانيّين.

عودة إلى زقاقنا ولماذا اختاره كنفاني وجعلنا ندرك قيمته؛ ففي هذا الزقاق تحديدًا، وفي الليالي المقاومة داخل المخيّم حيث يستحلّ الجيش الصهيونيّ المكان بعد منتصف الليل، يحاصرون المكان بالجيبات العسكريّة، وأسلحتهم المطّاطيّة والناريّة، ورصاصهم الحيّ، لكن داخل المخيّم ثمّة مخيّم آخر يجهله المستعمِر، وفيه حرّاس المخيّم يتهامسون ويضحكون بخفّة، فهم لا يملكون إلّا جغرافيّة الأزقّة وحجارة.

فالثقل على الجغرافيا، الّتي لا يدري المستعمِر منها إلّا الحدود الّتي كانت تثقلنا بها الدبّابات أثناء مرورها من بين المنازل، وهذه مساحة توقّعنا لما يحمل الجيش من عتاد وأعداد، وهنا عجزه عن توقّع مكان الحرّاس وأعدادهم. إنّهم في معركة مع مجهول لا يُعْرَف عنه إلّا أنّه يرى الشهادة ركنًا من أركان المقاومة، فتارة يُرْمى حجر كبير على رأس جنديّ تاه عن قطيعه، وتارة يُحْرَق الجيب العسكريّ، وقد يحالفهم الحظّ بتحقيق هدف مباشر… نعم، قد يرتقي شهيدًا، وقد يعتقل مقاومًا، لكن من غير الممكن أن تخرج الجيبات العسكريّة إلّا ‘بِعَراضَة‘ تلاحقهم بالحجارة حتّى يختفي أثرهم عن سيادة المخيّم.

الانتصار الحقيقيّ الّذي يحقّقه الفلسطينيّ، وهنا ابن المخيّم؛ الرسالة: لماذا الرسالة؟ وما محتواها؟ إنّ الرسالة خير ورثة متبقّية «كوصيّة شهيد»، ما دامت هذه الكلمة تنطق والرسالة تُرْسَل، فهذا يعني أنّ الندّيّة ما زالت قائمة، وأنّ الأجساد ما زالت مقاوِمة، أمّا عن محتوى الرسالة فهو «ألّا تجعل عدوّك يتوقّعك»، هو ألّا يُسْمَح للألم المنقوش والقهر المتوارث بالسيطرة على أجسادنا، هو إعادة النضال بنفس المكان الّذي فقدت فيه بيتك، وصديق طفولتك، وفي المكان الّذي اسْتُلِبَتْ فيه ذكرياتك وطموحك، هو المعاهدة على السير والبناء عليه.

ومن الرسائل الّتي توجّهنا أيضًا؛ جداريّة «لن أموت قبل أن أزرع في الأرض جنّتي»، إنّها ليست جداريّة فقط، فهي ترفع وتشرع أيضًا في انطلاقات الفصائل، وفي استقبالات الأسرى وتشييع الشهداء، هي المعاهدة على المقاومة للعودة إلى فِلاحَتِنا الأولى، أساس هويّتنا ومقوّماتها، وهذه العودة هي الوطن.

إنّ فكرة الموت لدى كنفاني، باعتبار الموت في اصطلاحنا اللغويّ تَوَقُّف الجسد عن المقاومة والعيش، وبالضرورة في حالتنا الاستعماريّة تعني استمرار الآخر «الّذي لا يموت»؛ لأنّ موته الفرديّ لا يُعَدّ موتًا، فالآخر مجموعة ومنظّمة، وهو تحالف قوى تستمرّ بإنتاج أجساد/ آلات مستعمِرة، أمّا موتنا فهو إمّا أن يؤسّس لمشروع وطنيّ، وهذا شرط للموت الفلسطينيّ، وإمّا أن يكون جسدًا حاملًا للقمع وعابرًا به، يبقى ذكرى دون رسالة، لكنّ المقاومة والثورة والتحرّر تتطلّب جسدًا وإن كان ضعيفًا، لكنّه يقاوم، فإن كان الموت تحصيل حاصل للندّيّة والمقاومة، فلا بدّ من أن يكون جسدًا برسالة.

كاتبة وباحثة فلسطينيّة، درست بكالوريوس علم الاجتماع والصحافة في جامعة بيرزيت،  

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق