الأربعاء , نوفمبر 22 2017
الرئيسية | الموقع | قراءات ودراسات | صورة الآخر لدى ادوارد سعيد

صورة الآخر لدى ادوارد سعيد

(خاص بالمجلة) د. ماجدة حمود
الهوية العربية:

حين هاجم ادوارد سعيد مرض سرطان الدم كانت ردة الفعل الأولى عليه هي الدفاع عن جذوره العربية، وتوثيق نشأته فيها، فقد ألحت الذكريات عليه، خاصة تلك التي عاشها في فلسطين ومصر ولبنان أي داخل المكان، بعد أن اضطر ليعيش بعيدا عنه معظم أيام حياته، لهذا اختار عنوانا موحيا لسيرته الذاتية التي تتحدث عن تجربته الفريدة في الحياة “خارج المكان” أي خارج البيت العربي الذي نشأ به، وعرف فيه الأمان والانفتاح على الآخر، فظل يلاحقه إحساس بأنه يعيش غريبا عن ذلك البيت.
رغم ما حصّله ادوارد سعيد في الغرب من مكانة علمية واستقرار مادي، فقد ظل يلازمه بعض الندم لمغادرته المكان العربي، واستولى عليه إحساس أنه يعيش خارج المكان، فكتب سيرته الذاتية لتجسّد هذا الإحساس، وليحاول استرداد المكان الأصلي عبر الذاكرة، وقد صرّح قائلا: بأن “هذه المذكرات استعادة لتجربة المغادرة والفراق، إذ أشعر بوطأة الزمن يتسارع وينقضي، ولما كنت قد عشت في نيويورك بإحساس موقت على الرغم من إقامة دامت سبعة وثلاثين عاما، فقد فاقم من ضياعي المتراكم بدلا من مراكمة الفوائد.”(1)
عاش صراعا داخليا، سماه ادوارد سعيد “سوء التفاهم” بين بيئته لأصلية العربية وبين بيئته الطارئة التي نشأ عليها وعاش فيها معظم حياته، فكانت الهوة بينهما تزداد مع الزمن، لذلك حمّل نفسه مسؤولية ردم الهوة بين العالمين، رغم المحاولات الحثيثة التي بذلت لإقناعه ترك هويته العربية.
بعد نكسة حزيران (1967) عاد إلى عالمه العربي سياسيا، وسعى لاستعادة هويته العربية ، لذلك يقول “كان علي أن أعيد توجيه حياتي لتسلك حركة دائرية تعيدني إلى نقطة البداية مع أني كنت قد بلغت نهاية الثلاثين من عمري، اخترت أن أستعيد هويتي العربية.” وقد أتى إلى بيروت وأقام فيها ليتعلم اللغة العربية من جديد، ويشارك في المقاومة الفلسطينية.
وبذلك صار يعيش بوصفه عربيا بالاختيار، وحاول أن يعيد قراءة حياته التي نجدها تعني انعتاقا وتحررا من القوالب الجامدة أي من كل ما يقهر الإنسان ويكبل إرادته، إنها قراءة تحقق له ما كان يرغب فيه من تكيف أفضل وأكثر تناغما مع ذاته العربية وذاته الأميركي.

الآخر الغربي:
من المعروف أن التجارب التي يعيشها الإنسان طفلا هي التي تكوّن شخصيته وتسم وجدانه مدى الحياة، وقد تعرض ادوارد سعيد إلى الاضطهاد من قبل الاخر الغربي طفلا صغيرا رغم أنه كان يحمل الجنسية الأمريكية، ويتعلّم في مدارس إنكليزية وأمريكية، فقد وصفته معلمة الصف (مس كلارك) بمجموعة صفات سلبية “لم أعرف في حياتي كلها من هو مثلك فاقدا القدرة على التركيز، وعدم مراعاة الآخرين، وكسولا ومتقاعسا إلى هذا الحد…”(2)
تمطر المعلمة الغربية الطفل الحساس بوابل من الصفات التي تهينه، وتشعره أنه أقل شأنا من التلاميذ الآخرين وخاصة الأجانب، لذلك سيحفر إحساس القهر عميقا في ذاته، ومما عزّزه أنه تلقى أيضا عقابا قاسيا (الضرب بالسوط) من مدير مدرسته (مستر كيث بولين) فظل هذا المدير ساكنا ذاكرته لا ينمو ولا يتحول “مثل الغول في حكايا الأطفال”
وقد تكرر اضطهاد الطفل على يد مدرس آخر (هايندز) إذ رماه بممحاة السبورة فازرّق خده، وردا على ذلك الاضطهاد انضم إلى جماعة مدرسية مشاغبة، مما ضاعف التوتر بينه وبين الآخر المضطهد، فوجدناه يبيّن لنا بؤس العلاقة بينهما في سيرته الذاتية “قامت بيننا نحن التلاميذ وبينهم هم المعلمين هوة عميقة لا يمكن تجسيرها، يرى الطاقم التعليمي البريطاني المستورد أن تعليمنا مهنة كريهة كتب عليهم ممارستها، أو يروننا مجموعة من الجانحين يتوجب تكرار معاقبتهم.”
بالإضافة إلى العقاب الجسدي الذي تعرض له الطفل، نجده يتعرض إلى عقاب معنوي يمارس ضده وضد كل الطلاب العرب في المدرسة، إذ وزّع عليهم كراس صغير (هو دليل مدرسة (فكتوريا كولددج) تقول المادة الأولى فيه “الإنكليزية هي لغة المدرسة، كل من يقبض عليه متكلما لغات أخرى يتعرض لعقاب صارم.”
ضاعفت هذه المادة إحساس القهر لدى الطلاب، فكان رد فعلهم الأول هو التحدي ، فصاروا يستخدمونها، كما حدثنا سعيد، أكثر ، فولّد التحدي اللغوي تحديا لسيادة الآخر التي تبدّت في فرض لغته، أي فرض هيمنته، لذلك بدأ ادوارد سعيد مرحلة جديدة من التمرد، بات يفاخر بها، إذ بدأ يحس بذاته تتجلى باستخدامه لغته العربية لا لغة المستعمر، فاندفع في المغامرة دون خوف إلى حد استخدام العبارات العربية في الصف جوابا على سؤال علمي وهجوما على الأستاذ معا! فيتمرد على قانون الآخر ولغته ، ويحس بهويته التي يرفضها المستعمر.
لم يحقق مثل هذا الجو للتلميذ ادوارد سعيد الأمان، إذ شعر في معظم الأحيان، أن الحكم صدر على الطلاب العرب قبل الانتساب للمدرسة “وقضى أننا ناقصو الكفاءة وأننا مادة بشرية منحطة أساسا، فلا نحن من معشر الإنكليز ولا نحن ننتمي إلى صنف الجنتلمان تماما، ولسنا من ثمّ أهلا لتلقي العلم أصلا.”(3)
بدت لنا معاناة الطفل واحدة في القدس والقاهرة، فقد كان بحاجة إلى أذن مرور للذهاب إلى المدرسة حين كان في القدس، إذ كان الجنود البريطانيون يفتشون حقيبته المدرسية، ويدققون في إذن المرور بريبة، فيما أعينهم الأجنبية المعادية تتفحصني طولا وعرضا بصفتي مصدر شغب محتمل.”
إذاً اقترن الآخر في مخيلة الطفل بالمعاناة والظلم، سيرافق ذلك إحساس بالنفي يستولي عليه حين يمنع من التجوال في أرضه، فقد اقترب من نادي الجزيرة أثناء عودته من المدرسة، عندئذ اعترضه الحارس الإنكليزي قائلا: “ماذا تفعل هنا يا ولد …لا تجاوب يا ولد، غادر المكان فقط، غادره بسرعة، ممنوع على العرب ارتياد هذا المكان، وأنت عربي!.”(4)
إن زجر الآخر (المستعمر) للطفل لكونه عربيا، أشعره بالضعف وعدم الأهلية، فنجده يصف نفسه بأنه “كائن معطوب وفزع وضعيف الثقة بالنفس.”
سيطر على الطفل شعور بامتلاك هوية مزدوجة، أثارت الاضطراب في نفسه! فهو يمتلك هوية أميركية بسبب والده الذي يحمل الجنسية الأمريكية، لكنه في الوقت نفسه يمتلك هوية عربية بحكم النشأة وتأثير الأم والمربية والأصدقاء، لكنه يبطن هذه الهوية في أعماقه، رغم أنها لا تمدّ الطفل بأية قوة، بل تورثه الخجل والاضطراب أثناء تعامله مع الآخر!
وقد قوّى إحساسه بهويته العربية اضطهاد الآخر أحيانا، إذ لاحظ أنه لا يحق له ما يحق للأجانب، فزاد إحساسه بالقهر حتى إن حادثة الزجر والإبعاد عن نادي الجزيرة لازمته طيلة حياته، وكان أشد ما آلمه أنه لاحظ وجود ما يشبه العقد الاستسلامي بينه وبين أبيه إزاء تصرفات الآخر، اتفقا فيه على الانتماء بالضرورة “إلى مرتبة دنيا” وقد أخجله ألا يواجه ازدراء الآخر!
وحين ذهب ادوارد سعيد إلى أميركا ليكمل تعليمه، تعزّز شعوره بالغربة عن المكان، فقد كانت مدرسة (ماونت هرمون) للبيض، تضم عددا قليلا من التلاميذ السود، معظمهم رياضيون موهوبون، وكان الأساتذة جميعهم من البيض، لذلك تعرض إلى اضطهاد من نوع جديد، فقد عومل معاملة الملونين، إذ حرم من شرف إلقاء خطبة التخرج رغم تفوقه، وأسندت هذه المهمة إلى طالب أمريكي (فيشر) أقل أهلية منه، عندئذ أدرك أنه “حكم عليه أن يبقى لا منتميا مهما فعل” وقد عمّق هذا التصرف جروحه السابقة، وألزمه أن يرى نفسه “هامشيا ومنبوذا ومعيبا” لأنه ينتمي إلى عالم فوضوي ومتخلف، عالم غير أمريكي.
وهكذا اضطر الطالب المتفوق إلى ارتداء ملابس التخرج (القلنسوة والعباءة) تملؤه الغصة، ما تلبث أن تتحول إلى شعور بعدم المبالاة يصل “حد العداء”وبذلك سرق ظلم الآخر فرحة الطالب (ادوارد سعيد) بنجاحه، فقد أحس برغبة أساتذته الأمريكيين في نفيه عن عالمهم، لهذا أنكروا عليه تفوقه، ولم يمنحوه شرف إلقاء حفل التخرج، آلمه ألا يحاسب وفق معايير علمية موضوعية، فعادت مشاعر الظلم التي عاناها في المدارس الأجنبية في القاهرة تلاحقه في مدارس أمريكا، من أجل ذلك عاش يبحث عن طريقة لطرد الأشباح، على حد قوله، أي التحرر من شعور الإقصاء والنفي بسبب انتمائه القومي وأصله الحقيقي!
مع بداية الشباب يرغب المرء في تأكيد ذاته وهويته، لكنه حين يعيش في مجتمع ينفيه بسبب هويته يتوجب عليه أن يتأقلم، لذلك قرر ادوارد سعيد أن يعيش بطريقة بسيطة، دون أن يذكر اسم عائلته أو أصله، وحين يسأل كان يتعمد اختصار الإجابة، من هنا نجده يصرّح في مذكراته برغبته في أن يكون “مثل الآخرين، مجهولا قدر المستطاع.” وبذلك تعاظم التمزق في أعماقه كما في اسمه بين هويتين الأولى تنتمي إلى عالم غربي (ادوارد) والأخرى تنتمي إلى عالم عربي، يحمل دلالات نقيضة لاسمه (سعيد) فزاد الاضطراب بين شخصيتين: الأولى برانية تعيش حياة عمومية، والثانية شخصية جوانية تنتمي إلى عالم داخلي مضطرب، يستعصي على الضبط.
لذلك سيواجه الآخر في مرحلة النضج، لعله يثأر من ذلك الشعور بالاضطهاد، وسيكون نضاله من نوع غير مألوف في مجتمعنا العربي، إنه النضال المعرفي ونقد منطق الآخر وإبراز مجانبته للحقيقة العلمية! لذلك عمل في كتاباته على توضيح الظلم الثقافي الذي تعرض له، ومازال، التراث الإسلامي على يد كثير من المستشرقين!

الآخر العربي:
لاحظ أنه خلال الأربعينيات لم يعد المصريون ينادون المهاجرين من بلاد الشام (الذي ينتمي ادوارد سعيد إليهم) بـ(الشوام) بل صاروا يلقبونهم بـ(الخواجات) وهو لقب تبجيلي دال على الأجانب، ويلاحظ ادوارد سعيد أنه يحمل لسعة عداء عندما يستخدمه المسلمون المصريون، كان هذا اللقب يمضّه، ويشعره بالغربة، لذلك حدّثنا عن تجربته تلك قائلا “على الرغم أنني أتكلم اللهجة المصرية، ولي مظهر المصري الأصلي، فقد كان ثمة ما يشي بي، وكنت أستنكر التلميح إلى أنّي أجنبي نوعا ما، مع أني أدرك في العمق أنهم يعتبرونني أجنبيا، على الرغم من أنني عربي…”(5)
وجدناه يقارن بينه وبين قريبه (لوريس) الذي لم يجد غضاضة في لقب (خواجة) في حين كان هذا اللقب يقرّحه تقريحا، فقد رفض هذا اللقب بسبب نمو إحساسه بهويته الفلسطينية، بفضل عمته نبيهة، وبسبب وعيه بكونه إنسانا أكثر تعقيدا وأصالة من أن يختزل إلى مجرد نسخة مكروهة للشخصية الاستعمارية، فقد كان لديه إحساس بأنه أحد ضحاياها!
يمكننا أن نلاحظ دقة ادوارد سعيد في تقديم الآخر المصري ووصف إحساسه، فلأنه عانى من المستعمر، صار يحس نحو كل غريب بـ”لسعة عداء” وقد حملت لفظة (لسعة) دلالات آنية وسريعة، مما يؤكد عدم اكتساب صفة العداء للآخر لدى المصريين صفة الديمومة! لهذا لم تخلف لديه شعورا حادا ينغص عليه ذكرياته، ويشوّه أفكاره، والدليل دفاعه عن الإسلام، ومدحه الثقافة المنفتحة التي عايشها بنفسه في مصر.
من هنا نستطيع القول: إذا كان اضطهاد الآخر الغربي قد عزّز لدى ادوراد سعيد شعورا بالنفي والاضطهاد، فإن طفولته التي عاشها في بيئة عربية متنوعة الثقافة والأديان علّمته الانفتاح والتسامح مع الآخر، إذ كان أصدقاؤه في المدرسة ينتمون إلى الأديان الثلاثة (المسيحية واليهودية والإسلام) ومع ذلك لم يشعر بينهم بالغربة أو النفي، وهو يعبر عن دهشته قائلا: “ما أذهلني ولا يزال يبهجني بصدد تلك الجماعات (المتنوعة الثقافات والأديان) أن ما من واحدة منها كانت استئثارية أو محكمة الإغلاق، وهو ما أنتج متاهة من الشخصيات واللهجات والبيئات والديانات والقوميات كأنها في حالة من الرقص وتبادل الشركاء فيما بينهم.”
مثل هذه العلاقات المنفتحة على الآخر منذ طفولته حققت له توازنا نفسيا، بفضل معايشته التسامح بين الأصدقاء، يستطيع بواسطته مواجهة تعصب المدرسين الإنكليز! وسيتضح لنا هذا الانفتاح في دفاعه عن الثقافة الإسلامية في مواجهة اعتداءات المستشرقين والإعلام الغربي المتعصب.
لم ينتقد ادوارد سعيد تعصب الغربيين ضد الآخر المختلف، بل نجده ينتقد أقاربه المسيحيين في (ضهور الشوير) حين لمح لدى بعضهم، خلال الأجواء المرحة، إرهاصات مبكرة لمعاداة الإسلام فبدت له “تعبيرا عن حماس متزمت للمسيحية، وهو حماس غير عادي لن تلقاه حتى لدى الأتقياء والقديسين، ولأن اسمي (ادوارد سعيد) فقد اعتبروني مسيحيا في لبنان، مع أني إلى يومنا هذا، وبعد الاقتتال الأهلي، أعترف بعجزي عن الشعور بأي تماهٍ على الإطلاق مع الفكرة القائلة بأن المسيحية ديانة يهددها الإسلام.”
يبدو ادوارد سعيد قد عرف من خلال ثقافته ومن خلال معاشرته المسلمين في القاهرة حقيقة الدين الإسلامي، فهو دين منفتح على الآخر ولم يلغه، ولو كان غير ذلك لما بقي مسيحيون في بلاد الشام ومصر رغم الفتح الإسلامي لهما.
لذلك لم يخفه رفض بعض أقاربه للعروبة فقد لاحظ مدى تغلغلها في تفاصيل حياتهم اليومية والثقافية بصورة لا إرادية، فمثلا “حين أخذت ابنتا خال أمي وصديقتاها الحميمتان (إيفا وليلى) تشككان في العرب عموما وفي العروبة معتقدا، لم يحرني الأمر، لأن لغتهما وثقافتهما وتربيتهما وحبهما للموسيقى، وتمسكهما بالتقاليد العائلية، وطريقة تصرفهما، كانت كلها عربية قحة…”
لم يرفض هذه المشاعر العدوانية في بيئته اللبنانية وحده فقط، بل شاركه الكثير من أبناء هذا المحيط، فقد لاحظ أن ” تلك الأيديولوجية المسيحية العدوانية متفاوتة جدا ومرفوضة، لافتقاري، ومعي الجميع في محيطنا العائلي المباشر، إلى أي شعور بالعداء أساسا تجاه المسلمين.”(6)
لذلك استطاعت البيئة العربية أن تقدم نموذجا مشرقا لتعايش الأديان، وقبول المختلف، ولم نجد مظاهر العداء بين المسيحيين والمسلمين إلا حين تمتد يد أجنبية لتفرقهما.
وكما عانى ادوارد سعيد من بعض العرب في الشرق فإنه سيعاني منهم أيضا حين يعيش في الغرب، فقد التقى في بداية حياته في الغربة بأحد المتأمريكين (الكزندار) وهو مدرب التنس وأستاذ اللغة الإنكليزية، فرأى فيه صلته الوحيدة بالقاهرة ومشروع علاقة إنسانية تخفف وحدته، وتؤنسه في غربته، لكنه خيّب ظنه، إذ فوجئ بجفائه، ولم يقتصر الأمر عند هذا الحدّ ، بل ناصبه العداء ، إلى درجة أنه صنّفه في فريق الاحتياط لمنتخب المدرسة في التنس.
هناك عربي آخر قابله ببرود هو (فريدي معلوف) فاستغرب ذلك، وحاول أن يزيله بأن يتحدث معه باللغة العربية، ظانا أن لغتنا الأم قد تفتح سبيلا أرحب للتواصل بيننا، فإذا النتيجة عكسية، فقد قاطعني في منتصف عبارتي رافعا يده اليمنى “لا يا أخي (فكرت بيني وبين نفسي: هذه عبارة عربية صرفة، مع أنه نطق بها بالإنكليزية) لا تتكلم اللغة العربية هنا، لقد خلفت كل هذا ورائي، نحن هنا أميركيون (وهذا تعبير عربي آخر، بدلا من أن يقول: إننا في أميركا الآن) يتوجب علينا أن نتحدث وأن نتصرف مثل الأمريكيين.”(7)
وقد أكد سلوك (ألكزندر) و(معلوف) تحذير أبيه القائل بضرورة تحاشي العرب في الويلايات المتحدة، فهم لن يقدموا له أية خدمة أبدا، بل سوف يعملون دوما على شدّه للأسفل، فهم يشكلون عائقا له، لأنهم لم يحافظوا على الثقافة العربية، لهذا لا يبدون أي تضامن تجاه الآخر.

الهوية المزدوجة:
اتسعت آفاق ادوارد سعيد، لذلك استطاع أن ينتقد الطرفين اللذين انتما إليهما، العربي (بالنشأة) والغربي (بالثقافة) فقد عانى من ازدواجية الهوية، وقد أثرت هذه الازدواجية على ذوقه الأدبي والنقدي وخير دليل على ذلك دراسته حول للروائي (كونراد) الذي عانى من ازدواج الهوية مثله (البولونية، الإنكليزية) وبالتالي ازدواج اللغة، وقد وجدناه يقارن بين غربته وغربة (كونراد) فيرى أن كلا من بلد المنشأ (بولونيا) وبلد (الاستقرار) فيرى البون شاسعا بين الغربتين، إذ شتان بين غربة كونراد التي تعود في النهاية إلى منطقة واحدة (أوروبة) وبين غربته، إذ اتخذ الفارق في حالته بين الإنكليزية والعربية “شكل توتر حاد غير محسوم بين عالمين مختلفين كليا بل متعادين” إ
ثمة فرق بين العالم الذي انتمت إليه عائلته وتاريخه وبيئته وذاته الأولية الحميمة، وهي كلها عربية، وبين عالم تربى فيه ثقافيا (عالم كولونيالي) تكونت فيه أدواته المعرفية وحساسيته المكتسبة، ومجمل حياته المهنية معلما وكاتبا!
ومن هنا لن نستغرب أن يعاني صراعا داخليا بسبب ازدواج الهوية، مع أنه عاش في الغرب معظم حياته! وقد حدثنا عن معالم هذا الصراع بكل صراحة “لم يُعفني هذا النـزاع منه يوما واحدا، ولم أحظ بلحظة راحة واحدة من ضغط واحدة من هاتين اللغتين على الأخرى، ولا نعمت بشعور من التناغم بين ماهيتي على صعيد أول، وصيرورتي على صعيد آخر، وهكذا فالكتابة عندي فعل استذكار وهي أيضا فعل نسيان، أو هي عملية استبدال اللغة القديمة والكتابة بلغة جديدة.”(8)
من هنا كانت كتابة المذكرات “خارج المكان” محاولة للخلاص، واستعادة زمن مضى، ومكان لم يستطع أن ينعم بالعيش فيه! لهذا وصف فعل الكتابة بدلالات نقيضة (استذكار/ نسيان) تبرز مدى معاناته أثناء الكتابة.
المدهش أن إدوارد سعيد أخضع هذه الغربة المزدوجة للاختبار الداخلي فلاحظ أنه لم يتمكن من السيطرة على حياته العربية باستخدام اللغة الإنكليزية، كما أنه لا يمكن أن يحقق في اللغة العربية ما قد حققه في الإنكليزية، لهذا نجده ينتقد كتاباته التي طغى عليها “كم من الانزياحات والتغايرات والضياع والتشوّه،…” وذلك بسبب الصراع اللغوي الذي عاناه أثناء كتابة سيرته الذاتية، والذي هو نتيجة حتمية للصراع الذي عايشه بين الهويتين.
رغم ذلك كله قدّم سيرته الذاتية (خارج المكان) ليبرز العالمين المتناقضين اللذين عاشهما منذ طفولته في البيئة العربية، إذ اختلف ما تلقاه في البيت عن طريق أهله عما قرأه وتعلمه في المدرسة، وقد عانى الشيء نفسه في صباه وكهولته، فنشأت لديه رغبة في تأكيد هويته الثرية التي “تتكون من تيارات وحركات لا من عناصر جامدة.”
وإذا كان من العبث كما يرى ادوارد سعيد إنكار التباعد بين هذين العالم العربي والعالم الغربي، لكنه لم يجدهما منفصلين بشكل كامل، وإن أي فصل بينهما كأنه نتيجة لعملية بتر جراحية، ماداما قد تعايشا سنوات طويلة، رغم بعض الصراع، داخل شخص واحد، هو ادوارد سعيد، فالأحرى أن يكونا جسمين متوازيين، بل توأمين يتحسس واحدهما بفكره وروحه كل عنصر غريب لدى الآخر!
هنا نلمس هدفا آخر (بالإضافة إلى استعادة المكان الذي هو الهوية العربية) دفعه إلى تأليف هذه السيرة التي تجمع بين الذات وهموم الثقافة على نحو فريد، كي يقنع الآخرين بضرورة التلاقح الثقافي والانفتاح على الآخر وعدم وضعه في قالب واحد هو العدو، فالثقافة تجمع ولا تفرق، لذلك ينتقد في كتابه أولئك الذين يرون أن الانتماء العربي يقتضي إقامة علاقة متنافرة مع الغرب، فردّ عليهم من خلال سيرته الذاتية بأن العلاقة المتوترة مع الآخر لا تعني عداء مستحكما معه، لذلك نسمعه يؤكد في المقدمة قائلا “إن الجديد في “ادوارد سعيد” المركب الذي يظهر خلال هذه الصفحات: هو عربي أدت ثقافته الغربية، ويا لسخرية الأمر، إلى توكيد أصوله العربية، وأن تلك الثقافة إذ تلقي ظلال الشك على الفكرة القائلة بالهوية الأحادية، تفتح الآفاق الرحبة أمام الحوار بين الثقافات.”(9)

الحواشي:
1. ادوارد سعيد “خارج المكان” ترجمة فواز طرابلسي، دار الآداب، بيروت، ط1، 2000، ص276
2. المصدر السابق، ص120
3. المصدر السابق نفسه، ص148
4. نفسه، ص72
5. نفسه، ص244
6. نفسه، ص283
7. نفسه، ص212
8. نفسه، ص8
9. نفسه، ص10

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

رباعيات الخيام روعة الانتشاء ولوعة الفناء

إبراهيم مشارة غدونا لذي الأفلاك لعبة لاعـــب أقول مقالا لست فيه بكــــــــاذب على نطع هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *