الأربعاء , نوفمبر 22 2017
الرئيسية | الموقع | حوارات المجلة | الدكتور إبراهيم سعد الدين لمجلة أخبار الثقافة: الجوع إلى الحُرِّيَّة هو جوعٌ أزَليٌّ ضاربٌ بجذوره في أعماق النَّفْس البَشَريَّة

الدكتور إبراهيم سعد الدين لمجلة أخبار الثقافة: الجوع إلى الحُرِّيَّة هو جوعٌ أزَليٌّ ضاربٌ بجذوره في أعماق النَّفْس البَشَريَّة

هذا حوار من أرشيف المجلة نعيد نشه دون المس بمكانه من الأرشيف، أجريناه مع الأديب المصري إبراهيم سعد الدين الذي وافته المنية يو ٩ سبتمبر الحالي..  ننشره أيضاً  لأهميته ولمضمونه وهو في الحقيقة أطول حوار أجرته المجلة الثقافية الجزائرية مع أديب .. نذكر في النهاية أن الحوار هذا كان بتاريخ ٠٩/ ابريل ٢٠١١. 

يعد الدكتور إبراهيم سعد الدين من المثقفين المصريين الذين أخلصوا للغة العربية الضاربة في الإبداع، فهو شاعر وقاص، كما أنه يمارس قراءته الأدبية على الكثير من الإصدارات العربية بوعي المثقف بعيدا عن المجاملة، وعن المحاباة.. وهو بالإضافة إلى ذلك مبدع من الطراز الأصيل، يحمل في كتاباته خصوصيته، مثلما يحمل حلمه المصري العروبي الذي لا يعترف بالحدود، بل بالقلوب النابضة بالحق وبالحقيقة.. في هذا الحوار، حاولنا الاقتراب من عوالمه الفكرية والأدبية والإبداعية، ونشكره باسم كل المحررين في مجلة أخبار الثقافة لأنه منحنا هذه اللحظة من متعة القراءة التي جعلتنا نجلس على مقعد واحد اسمه: المصير المشترك..

مجلة أخبار الثقافة: لو طلبت منك أن تقدّم إبراهيم سعد الدين إلى القارئ الجزائري، ماذا ستقول عنه..؟!

د. ابراهيم سعد الدين: ماذا أقول عنه..؟ إبراهيم سعد الدين.. وكَفَى. فليس هناك الكثير الذي يمكن التباهي به. هو ابن بَسْيون. بلدة صَغيرة ـ وسَطٌ بين القرية والمدينة ـ تقع في شمال الدّلتا في منتصف المسافة تقريباً بين القاهرة والإسكندرية. أمضى طفولته يذرع الجسور وضفاف الأنهار حافي القدمين ليصيد السَّمك ويسبح في النَّهر. يحمل من سنوات الطفولة والصّبا ميراثاً عظيماً من الأساطير والخرافات والحواديت والمواويل والسّيرِ الشَّعبيَّة والميثولوجيا الدّينيّة وقصص القُرآن الكريم والأحداث المُفْجعةِ من موتٍ مُفاجئٍ لأحبّاء وحوادثِ قَتْلٍ أخذاً بالثّأرِ. منذ بواكير الصبا تفتّحَ وعيي على مكتبةٍ ذاخرةٍ بعيون التراث القديم والأدب المُعاصر ـ آنذاك ـ حيث كان والدي مُدرّساً للغة العربية وقارئاً جيّداً للأدب قديمه وحديثه، فكانت هذه المكتبة زاداً مُتاحاً وميسوراً تَعرَّفْتُ من خلاله على أعْلامِ النَّثْر والشِّعْرِ في الأدب العربي، وتشَكّلَتْ من لبناته الخلفية الثقافية التي تأسَّست من تربة التُراث العربيّ وماء التّرجماتِ المنشورة للأدب الأجنبي. صدر لي ديوانان للشِّعر؛ الأوّل بعنوان (أوّلُ الغَيْث)، والثاني بعنوان (العشْق في زَمَنِ المرايا)، ويوجد تحت الطَّبْع ديوان ثالث بعنوان (ثلاث حالاتْ.. لانْشطارِ الذّاتْ). صدرت لي مجموعة قصصيّة بعنوان (فَحْل التّوتْ)، وتوجد مجموعة قصصية ثانية قيد الطَّبْع بعنوان (مَطَر صَيْفي) وهي الفائزة بجائزة إحسان عبد القدوس للقصة القصيرة عام 2009. صدرت لي رواية بعنوان (ماء الحياة)، وتوجد رواية ثانية قيد الطَّبْع بعنوان (مِلْح الأرْض) وهي الرّواية الفائزة بجائزة نادي القصة المصري لعام 2010، وهذه الرواية تُعَدُّ الجزء الأوّل من ثُلاثيّةٍ بعنوان (ثُلاثيّة الأرْض والمِلْح)، انتهيت مُؤخّراً من كتابة الجُزء الثاني منها وهو بعنوان (أرْض المِلْح)، أمّا الجُزء الثالث فما يزالُ مَشْروعاً مُقيماً في الخيال والذّاكرة وهو بعنوان (شَجَرة الغِرْبانْ). لي أيضاً كتابٌ في النقد بعنوان (قراءات نَقْديّة) يشتمل على مجموعة من الدراسات النقدية من بينها دراسةٌ حصلت خلال العام الماضي على جائزة الإبْداع في النقد الأدبي من جامعة الإسكندرية (جائزة الدكتور محمد زكي العَشْماوي).

مجلة أخبار الثقافة: ما يبدو مُثيراً للسؤال، هو قضية المثقف، والراهن، كيف يفهم إبراهيم سعد الدين هذه الإشكالية، في ظل الإسقاطات الكثيرة التي حولت المثقف بين قارئ سيّء وكاتب استعجالي..؟!

د. ابراهيم سعد الدين: هي إشْكاليّةٌ شديدة التَّعقيد والتّشابُك. فالمُثقف الحقيقيّ ـ وبشكْلٍ خاصّ المُبْدع ـ واقعٌ الآنَ بين شِقَّيْ رَحَى كما يقولون، غثاثة الكثير ممّا يُكتَبُ ويُنْشَرُ وسَطْحيَّته، والأمِّيّة الثقافيّة للسّواد الأعظم من جمهور القُرّاء. مِحْنة المُثقّف المُبْدع الآن تتمثّلُ في رَكْضه اليائس بَحْثاً عن الثقافة الجادّة التي تَرْتَقي بالفِكْر وتَشْحذُ الوجدان وتهدي البَصيرة وتُضيفُ إلى الذاكرة الإنسانية زاداً وميراثاً أصيلاً يقود المسيرة نحو التحرّر والتَّقدّم، وإحباطه الدّائم من غياب القارئ والمُتَلَقّي الواعي والقادر على تمييز الغَثّ من الجيد والباحث عن الجِدّةِ والأصالة، من خلال عَقْلٍ مُسْتنير وبصيرةٍ واعية وخلفية ثقافية كاشفة ومُضيئة. هذه الإشكاليّة تُثير عند المُبْدع سؤالاً دائماً: لمَنْ نَقْرأ ولِمَنْ نَكْتُبْ..؟! أتذكَّرُ مقولةً لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في آخر حوارٍ له قبل رحيله. يقول طه حسين رَدّاً على سؤالٍ عن واقع الثقافة المُعاصرة آنذاك “يُخيَّلُ إليَّ أنَّ النّاس لم تَعد تَهْتَمُّ بالثَّقافة الجادَّة، ومن السّياسة تأخذ القشورَ والصّوَرَ وعناوين الصُّحف. هكذا أصبحت ثقافة العامَّة في زمانِنا هي ثَقافة الخاصَّةِ في زَمانكم. ما هو السَّبب.. وقد كَثُرَ عدد المدارس والجامعات، وتَعدَّدت أجهزة الإعْلام التي تُخاطبُ الأمِّيّين كالسّينما ودور التَّمثيل والإذاعة والتلفزيون..؟! ثَمَّة شَيْء خَطأ قد حَدث.. ولكنْ ما هو..؟! لا تَذْكُرْ لي عصْر السُّرْعة، فإنّي أكْره هذا التَّعبيرَ المُضَلِّل. سُرْعةُ الجَهْل شَيْء وسُرْعة الثَّقافة شَيْء آخر. الآن يَنْتابُني الأسف حين أجد الصَّحافَةَ تَسْرقُ خيرةَ أدبائنا ونُقّادنا وتغتصبُ ما لَدَيْهم من مَعْرفةٍ وقُدراتٍ تَضَعها في أقراصٍ سَهْلة البَلْعِ والهَضْم في الأمعاءِ الكَسْلَى للقُرّاءْ”. قال طه حسين مقولته هذه في أوائل السّبعينيّاتْ، ولم يكن للإنترنت والقنوات الفضائية وجودٌ وَقْتَها، فلنا أن نتصَوَّر وَضْعنا ووضْع الثقافة والمُثقفين الآن بعد أن انتشرت هذه الوسائط ودخلت كُلّ بيت وأصبحت ـ في عالمنا العربي أو العالم الثالث على وجه العموم ـ تُستغَلُّ للتسلية والترفيه أكثر ممّا تُستثمر في التعليم والتثقيف والارتقاء بالوَعْي.

مجلة أخبار الثقافة: نظرة عامة على فضاء الثقافة في الوطن العربي، يرى أن ثمة أزمة حقيقية في ماهية الثقافة التي تصنعها المؤسسات الرسمية، والتي تبدو استهلاكية أكثر منها إنسانيّة أو إبداعية.. ما رأيك..؟!

د. ابراهيم سعد الدين: هذه الحقيقة جُزْءٌ لا يَتجزّأ ممّا تناولناه في حديثنا عن إشكاليّة المُثقّف والثقافة السّائدة. والمؤسسات الرَّسْميّة ليست وحدها المسؤولة عن تسطيح الوعي وتشويه الوجدان والانحدار بالذّوْق العام من خلال ما تبثّه وتنشره من ثقافة هَشّةٍ وفاسدةٍ ومغشوشة، هناك أيضاً دور النَّشْر والفضائيات التي تعملُ على أساسٍ تُجاريّ يُسْقطُ من اعتباره القيمَ العُلْيا ومواصفات الجودة فيما ينشره من فكرٍ ومفاهيم تُغازلُ السّائد والشّائعَ من لُغة العامّةِ ونوازعهم وتخاطب غرائزهم أو تسهمُ في تغييب وَعْيهم وتخديرِ أحاسيسهم سواء باللّعب على أوتارِ المشاعر الدّينيّة وتغذية التَّعصّب والتَّطَرُّفِ أو بتزييف صورة الواقع في أذهانهم وعقولهم ومخايلهم. لكن المسؤوليّة الكُبْرَى تقعُ على عاتق المؤسَّساتِ الحكوميَّةِ والرَّسْميّةِ المنوط بها مهمَّة التربية والتَّعليم والتثقيف في وطننا العربيّ، فقد تَخَلَّت هذه المؤسسات عن دورها ومهامّها في ظلّ هيمنة النُّخبةِ الحاكمة على مقاليد الفكر والثقافة والإعْلام، وتسخير هذه المؤسسات لترسيخ كُلّ ما من شأنه إبقاء الأوضاع على ما هي عليه وإشْغال الناس بقشور الثقافة وسفاسف الأمور حتى تستنفذ طاقتهم وتُطفئ كُلَّ بصيصِ ضَوءٍ يُنير لهم طريق التغيير والارتقاء إلى الأفضل. وهذا هو حال الأنظمة غير الدّيمقراطيّة في كُل مكانٍ وكُلّ عَصْر. أتذكّرُ عبارةً من رواية (451 فهرنهيت) للكاتب الأمريكي راي برادْ بِري، وهي رواية تتحدّث عن سُلْطةٍ غاشمةٍ تقومُ بِحَرْق الكُتُبِ ومُطاردة المُثقفين. يقول أحد أفراد فريق الحرْق وهو يُشير إلى بنايَةٍ ينتشرُ فوق سَطْحها عددٌ لا نَهائيٌّ من هوائيّات التِّلْفاز: لا أعتقدُ أنَّ في هذه البناية ما يَسْتحقُّ الحَرْق..!! ويحكي بطل الرواية مونتاج ـ وهو رئيس فريق الحَرْق ـ بعد أن اكتشفَ فظاعة ما كان يرتكبه فريقه: كانت مُهمَّتنا أن نَجْعلَ النّاس دائماً تحت وَهْمِ الإحساسِ بأنَّهم يَفْعلون شَيْئاً ويُحقّقون ذواتهم، من خلال إلهاب حماسهم للمباريات والسّباقِ وحَلّ الألغازِ والكلماتِ المُتقاطعة، بما يمنحهم الرّضَى عن أنفسهم، بينما هم في الواقعِ لا يَفعلون شَيْئاً ذا قيمة..!!

مجلة أخبار الثقافة: لَعلّي قصدت أن تكريس مصطلح “المثقف البائس” تجعل مغنية أو راقصة أو لاعب كرة أكثر تأثيراً في الآخرين من مثقف، ألا توافقني الرأي..؟!

د. ابراهيم سعد الدين: لا.. هؤلاء ليسوا أكثر تأثيراً في عامّةِ النّاسِ من المُثقّف وحَسْب، بل أصبحوا هُم ـ وليس العلماء والمفكرون والمُبدعون وقادة الرّأي ـ القدْوَةَ والمِثالَ في مُجتمعاتنا المنكوبةِ بمؤسساتها التعليمية والثقافية والإعلاميّة. فقد أسهمت كل هذه الأجهزة في تكوين بُنَى فكريّةٍ وثقافيّة بالغة الهشاشة، وألْهبت في نفوس الشَّبابِ والنَّشْء غرائز النَّهم الاسْتهلاكيّ، وتَطلّعات الصّعود على السُّلّم الاجتماعي بغيرٍ عِلْمٍ أو ثقافة، وأوهام الثراء دون جَهْدٍ أو عمل. هذه العقول الهَشَّة والنفوس المُتعطّشة للشُّهرة والجاه دون امتلاك مقوماتهما، كان من السَّهل اختراقها من خلال الإبْهار الإعْلامي والمال المُتدفق دون حساب على لاعبي الكرة والمطربين الشباب والمُمثلين والراقصات وأشباه هؤلاء وأولئك ممن لا يُقدّمون ثقافةً حقيقية ولا فَنّاً رفيعَ المُسْتوى، بل يهبط أداؤهم أحياناً إلى مُستوى الركاكةِ والإسفافِ والعُرْي والابتذالْ. لكنهم يؤثرون في خيال وسلوك المراهقين ويتحولون إلى قُدوةٍ ومثالٍ نظراً لما يحظون به من شُهرةٍ واهتمام إعلاميّ وحفاوةٍ غير جديرين بها. هل يَتصوَّر أحد أنه في مصر التي يبلغُ متوسط دخل الفرد فيها بضْعة جنيهات يوميّاً، يتقاضَى أحد المُمثّلين أربعة عشر مليوناً من الجنيهات لقاء ظهوره في مُسلسلٍ دراميّ من أربع عشرة حلقة..؟! يعني مليون جنيه لكل حلقة مُدّتها ثلاثة أرباع السّاعة. ومطرب شابّ يتقاضى اثنين وعشرين مليوناً من الجنيهات لقاء ظهوره في مسلسل دراميّ آخر. ولاعب كرة ثمنه خمسة ملايين جنيه. هذا التَّشوّه والاختلال في معايير الصعود والشُّهرة أسهم كثيراً في تزييف وعي الجمهور والانحراف بتطلعاته وطموحاته. على الحانب الآخر، المُثقف الحقيقيّ مُحاصَرٌ ومُهَمَّشٌ ومَعْزولٌ قَسْراً عن جماهيره، في ظلّ غياب الممارسة الدّيمقراطيّة وضيق هامش النَّقد وحُرِّيَّة التَّعبير، واتّباع النُّخب الحاكمة بوطننا العربيّ لسياسة العصا والجَزَرَة في تعاملها مع المُثقفين، واحتكارها لوسائل الإعلام المقروءة والمَسْموعة. كُلُّ هذا جعل تأثير المُثقفين في الرّأي العام أقلّ كثيراً من تأثير راقصةٍ أو مُطربٍ رديء أو لاعب كُرةٍ مُبْتدئ.

مجلة أخبار الثقافة: ألَمْ يُساهم ذلك في تراجع القيم الإنسانية، بما في ذلك الوعي الفردي، مما جعل ثمة ثقافة افتراسية جديدة، أسَّسَتْ بدورها للمثقف القطري، كأن تختزل الثقافة كما لو كانت ممارسة سياسية وليس إبداعية أو إنسانية..؟!

د. ابراهيم سعد الدين: بالتأكيد.. تراجعت القيم الإنسانية والاجتماعية التي كانت مُقَوّماً أساسيّاً من مقوّمات هويّتنا وثقافتنا القومية وحصنا منيعاً يعصمنا من مخاطر الانجراف إلى تيّار التَّبعيّة، لتحل مَحلّها مجموعةٌ من قيم الشّارع وأخلاق السّوق من شَطارةٍ وفَهلوة وانتهازيّةٍ وسوقيّةٍ وبَلْطَجَة، وساد مبدأ (ما تَكْسبُ به الْعَبْ به) دون وازعٍ من خلقٍ أو ضَمير. هذا ما حدث للأسف. وقد أسهم ذلك في تشويه الوعْي وتخريب الوجدان وتمزيق النسيج الاجتماعي والروابط الإنسانية والأسريّة على مستوى كُل قُطْر، أما على مستوى الأمّة العربية فقد تعمّقت النزعة الانعزالية والقُطريّة وسادت ثقافة الانغلاق على الذّات، الأمر الذي أفرز حالةً من التّشرذم ومن ثَمَّ ضعف الثقافة القوميّة وانحسار مَدّها أمام الثقافات الأخرى المُعاصرة. وهذا يُفسّر حالة التَّهافُت والتَّبعيّة التي نعيشها الآن على مستوى الفكر والثقافة والسلوك، فضلاً عن التَّبعيّة السِّياسيّة.

مجلة أخبار الثقافة: دعني أسألك عن فضاء الثقافة في مصر، كيف تنظر إليه كأديب ومترجم..؟!

د. ابراهيم سعد الدين: هناك بالتأكيد مؤسسات ثقافية عريقة ما تزالُ تعمل بدأبٍ وإصرار مثل (المجلس الأعلى للثقافة) الذي انبثق عنه (المشروع القومي للترجمة). وهناك دور نشرٍ خاصّة تؤدي دوراً ثقافيّاً فاعلاً ومؤثّراً. وهناك مبدعون حقيقيون من كُلّ الأجيال وبالأخص جيل الشَّباب. لكن المناخ الثقافيّ العام ليس مُناخاً صِحّيّاً يُتيحُ للثقافة الجادّة الأصيلة والحساسيات الإبداعية الجديدة أن تتصَدَّرَ واجهة المشهد. وهذا يُعْزَى إلى حالة الجمود التي أصابت المؤسسات الثقافيّة والإعلاميّة بفعل هيمنة أسماء ووجوه بذاتها على عصب النشاط الثقافي والإعلامي في مصر، واسْتقطاب بعض كبار المُثقفين إلى دائرة السلطة والنفوذ والإغداق غير المحدود عليهم، والاحتفاء بأنصاف المُثقفين وأنصاف الموهوبين، وفي الوقت ذاته تهميش وتنحية الطاقات الإبداعية والثقافية الخلاقة من المُتعففين عن موائد السُّلطة وجَزَرَةِ السُّلطان، القابضين على جمر كلماتهم ومواقفهم وقناعاتهم الوطنية. كثيرٌ من المُبْدعين الكبار أصابهم الإحباطُ في ظِلِّ تجاهل إبداعاتهم في الوقت الذي توقَدُ الشموع وتُشْعلُ المباخرُ وتُسَلَّطُ الأضواءُ وتُمْنَحُ الجوائز والهباتْ إلى أعمالٍ أدبيّة لا تَرْقَى إلى مستوى الجودة، ويُكَرَّمُ مَنْ لا يسْتحقّ التَّكريم. والمُبدعون الشَّباب يحفرون بأظافرهم في الصَّخر ليجدوا لهم مُتنَفَّساً ويجدوا لأعمالهم موطئ قَدَمٍ على السّاحة الثقافية. لكن وسط هذه العتمة توجد نقاط ضوءٍ كثيرة تتمثَّلُ في الصُّحف الخاصَّة غير الخاضعة تماماً لهيمنة السُّلْطة، ودور النَّشْر الأهلية التي أنشأها بعض المُثقفين بمبادراتهم الخاصَّة، لكن المُشكلة هنا تتمثَّلُ في أن موارد هذه الدّور قليلة وتحتاجُ إسهاماً ماليّاً من الكُتَّاب في نَشْر أعمالهم وأحياناً تحمّل نفقات نشرها بالكامل، وهي أعباء ماليّة تتجاوز قدرات الشّباب وإمكاناتهم.

مجلة أخبار الثقافة: ثمة من يقول إن مستوى الكتب التي تصدر في مصر من حيث القيمة قد تراجع عن السنوات الماضية، لماذا في نظرك..؟!

د. ابراهيم سعد الدين: لا.. مُستوى الكتب لم يَتراجَعْ مُقارنةً بسنواتٍ ماضية، بل رُبَّما العكس هو الصَّحيح مع دخول مؤسَّساتٍ ودورِ نَشْرٍ خاصَّة جديدة إلى سوق النَّشْر. لكن ما يمكن قوله هو أنَّ ما يصدرُ في مصر من كُتب لا يتناسَبُ من حيث القيمة والعدد مع مكانة مصر في العالم العربي، وثرْوتها البشريّة من المُثقفين والكُتّابْ. كما أنه أيضاً أقلّ بكثير ـ كَمّاً وكَيْفاً ـ ممّا كان يصْدرُ في مصر عبد الناصر إبّان حقبة السّتّينيّات التي تُعَدُّ أزْهَى مراحل الازدهار الثقافي في مصر. ذلك أنّ الثقافة ليست بمعزل عن الحراك الاجتماعي والتّحوّلات السياسية والاقتصاديّة التي تحدث بالمجتمع. كانت السّتّينيّات مرحلة مَدٍّ وطني وقومي، وتفاعلٍ مُبْدعٍ خلاّق بين الثقافة والمُثقفين العرب بامتداد الوطن العربي. كانت هناك تنميةٌ وطنيّةٌ مُسْتقلة من خلال مشروع قَوميّ مُتقدّمٍ وطموح، وكانت هناك أحلامٌ وآمالٌ عظام تُحفّزُ الإبْداع وترفده بماء الحياة، وكانت هناك طبقةٌ وُسْطى قويّة بدأ تأثيرها في مسار المجتمع المصريّ مع بزوغ ثورة 1919، وقد أنجبت هذه الطبقة أجيالاً مُتعاقبة من المُفكرين والأدباء والنُّقّاد حملوا راية التَّنوير والتقدم، وشَكّلوا الطليعة المُثقفة المُلتزمة بقضايا وطنها وشَعْبها وأمّتها. لكن مع التَّغَيّرات التي طرأت على المجتمع المصريّ سياسيّاً واقتصاديّاً وأسهمت في تصفية إنجازات كثيرة وانحسار حركة التقدم والتنوير، وأدّت إلى توجيه ضربات مُتلاحقة للطبقة الوسطى والقوى المُنتجة لحسابِ نشاطاتٍ طفيلية تخلت عن دورها في التنمية والبناء إلى الكسب السريع والإثراء الفاحش، كُلّ هذا أسهم في تراجع حركة الإبْداع كمّاً ونوعاً، أدباً ونقداً.

مجلة أخبار الثقافة: سأنتقل للحديث عن الأزمة التي وقعت بين مصر والجزائر بسبب كرة القدم.. هل يمكن اختزال تاريخ بلدين كبيرين في إطار كرة تلعب بالأقدام..؟!

د. ابراهيم سعد الدين: هذا الحدث أشبه بالكوميديا السَّوداء يُثيرُ الضَّحك لكنّه ضَحكٌ كالبُكا كما يقول شاعرنا العظيم أبو الطَّيِّب المُتنبّي. فمن كان يُصَدّق أن شَعْبَيْن شَقيقين تربط بينهما أواصِرُ الدّم والتاريخ والقوميّة واللّغة والنّضال المُشْترك تحدثُ بينهما مثل هذه الأزمة التي لَمْ تَخْلُ من جِراحٍ وأوجاعْ..؟! هذه الجَفْوة تسببت فيها أجهزة إعلامٍ غير مسؤولة يُسيطرُ عليها بعضُ الجُهلاء بمكانة الجزائر والجزائريين في نفوس المصريين ومكانة مصْر والمِصْريين عند الجزائريين. إنه رصيدٌ تاريخيّ وتُراثٌ عظيمٌ من النضال المُشترك يَجهله أولئك الذين أشعلوا فتيل هذه الأزمة ليواروا به سَوْأتهم لهزيمةٍ هنا أو هناك في مُباراةِ كُرةٍ من المُفترض فيها أن تتحلّى أطرافها بالروح الرياضية والأخوّة الواجبة. لقد تسابقت أجهزة الإعْلام في صَبّ الزَّيْت على النّار لتأليب الرّأي العام وتهييج مشاعر جمهور الكرة ومعظمه من صغار السّنّ وقليلي الثقافة. لكن الحمد لله أن هذه السَّحابة قد انقشعت أخيراً وعادت الأمور إلى سياقها الصَّحيح. هذه الأزمة كانت تجسيداً أيضاً لحالة العزلة والتشرذم التي أصبحت عليها الأقطار العربية مع تراجع المدّ القومي وتغليب النزعات القطريّة الضيقة، وما أصبحت عليه الأجيال الجديدة من قطيعة مع ماضيها وتاريخها وقضاياها المصيريّة وأشقائها العرب، بحيث صارت تُرْبة خصبة لعبث العابثين من صِبْيَةِ الإعْلام وتُجّارِ الشِّعاراتْ المغلوطة والمُضَلّلة.

مجلة أخبار الثقافة: كيف ترى تداخل كرة القدم مع الثقافة مثلاً، إلى درجة حدوث مقاطعة ثقافية بين البلدين في العام الماضي..؟!

د. ابراهيم سعد الدين: نعم.. لا تتصَوّر مَدَى أسفنا وحُزننا نحن وكثير من المُثقفين والأدباء ـ ليس فقط من مصر بل من كل الأقطار العربية ـ لغياب الجزائر عن معرض الكتاب السّنوي بالقاهرة العام الماضي. ما جعل الكرة تتقاطع مع الثقافة هو عملية التسطيح والتخدير وتغييب الوعي التي تُمارسها النُّخب الحاكمة على شعوبها لإلهائها وإغراقها في صراعاتٍ وهميّة تَشْغلها عن واقع حياتها المُترَدّي وحقوقها المُسْتلبة وثرواتها المَنْهوبَة. هي عمليّة مُخَطّطة لإعادة تشكيل العقل الجَمعي للجماهير وتطويعه لقبول ما لا يمكن قبوله، والتعايش مع ما لا يمكن التعايش معه، والتّحرّك في الاتّجاه الذي يضمن بقاء النُّخب الحاكمة في مواقعها. لكنْ لا يَصِحُّ إلاّ الصَّحيح في كُلّ الأحوالْ. فها هي الجزائر حاضرة هذا العام بثقافتها ومُثقفيها بمعرض الكتابْ. وها هي الجماهير التي أرادوا تهميشها وتغييبها تخرج في المسيرات والتظاهرات مُطالبة بحقّها في الحياة الحُرّة الكريمة. وهاهي الأنظمة الاسْتبداديّة تسقطُ أو تتساقَطُ الواحد تِلْو الآخر أمام إرادة الشّعوب وإصْرارها واسْتبسالها في الدّفاع عن قيمها وثوابتها وحقّها في حياةٍ أكثر كرامة وعَدْلاً وحُرّيَّة وإنْسانيّة. مَنْ كان يُصَدِّقُ أنَّ الشَّبابَ الذي أغرقوه في طوفانٍ من التَّسْطيح والتَّغييب والتَّخدير هو الذي يقود حركات التَّغْيير الثَّوريّة في وطننا العربيّ..؟!

مجلة أخبار الثقافة: وكيف تفسر تدخل مثقفين في الأزمة، في الوقت الذي يفترض أن تكون الثقافة بناء فكر وعلاقة وليس تهديمهما أو تشويههما..؟!

د. ابراهيم سعد الدين: هؤلاء ليسوا بمُثقفين. إنّهم أتباعٌ للسُّلطة وموظفون في أجهزة الإعلام يأتمرون بأمرها ويتفانون في إرضائها. المُثقف الحقيقي هو الذي يمتلك عقلاً مُستنيراً، وبصيرةً واعية، وضميراً يَقظاً، ورؤيةً واضحةً ومقدرةً على تحليل الواقع وفهمه، وموقفاً صادقاً وأميناً إزاء الأحداث، ورأياً حُرّاً وجريئاً تجاه كُلّ قضايا وطنه وأمّته. كُلّ من أسهم في إذكاء نار هذه الفتنة وإلهاب مشاعر الناس ليس بِمُثَقَّف، فالثقافة ارتقاءٌ بالعَقْل والحِسّ والذّوق والمَشاعر، ورَحابة أفقٍ وصفاء رؤيةٍ ويقظة ضمير. على الجانب المُقابل هناك مُثقّفون وطنيّون واجهوا هذه الفِتْنَة بأقْلامهم وفَضَحوا أهدافها وأساليبها ومَراميها. لقد نَشَرْتُ إبّان تلك الأزمة مَقاليْن، الأوّل بعنوان (مصر والجزائر.. بين حقائق التاريخ وعبث المُفسدين) نُشر بمجلتي (الوسط اليوم) و (ديوان العرب)، جاء فيه: “مَنْ كانَ يُصَدِّق أنَّ مُباراةً في كُرَةِ القَدَم يُمْكنُ أن تَتَحوّلَ إلى هِسْتيريا إعْلاميَّةٍ وجماهيريّة، وتكون لها كُلُّ هذه التَّداعيات المُؤلمة، وتُخَلِّفُ هذه الجراحَ العميقَة في نفوسِ شَعْبَيْن شَقيقين تربطُ بينهما أواصِرُ القَوْميّة والدّين والجُغْرافيا والتاريخ والنِّضالِ المُشْتَرَكْ..؟! ماذا حَدَثْ.. ؟ وكَيْفَ حَدَثَ هذا التَّغَيُّرُ الجسيمُ في الذّاتِ العَرَبَيّة، حَتَّى تتَحوّلَ مشاعِرُ الأخُوَّةِ ووحْدة المَصيرِ إلى تناحُرٍ قَبَليٍّ وصراعٍ مُتَدَنٍّ فِكْراً ونَهْجاً وسلوكاً..؟!” والمقال الثاني بعنوان (مُفاوضاتُ السَّلام.. وحَرْبُ القَبائلْ) نُشر أيضاً بنفس المَوْقعيْن وجاء فيه: “ما الذي حدث..؟! هل تلاشت كُلُّ قيم وأخلاق العروبة والأخوة ووحدة الدَّمِ والمصير ليعود كُلٌّ إلى قبيلته ويَسْتَحْضِرَ ما حوتْه أخلاقُ الجاهليّة من تباغُضٍ وتناحُرٍ وتنابزٍ بالألْقابِ وهجاءٍ مُسِفّ..؟! أيُّ خرابٍ لحقَ بالنفسِ العربيّة حتى تستبدل مشروعها القومي وطموحاتها المشروعة في التّحرّرِ والوحدة والتَّنمية والتّقَدّم لتتحصَّنَ بالتَّعَصُّبِ القَبَليّ والتَّطرُّفِ العُنصريّ، وتُشْعلها حرْباً شَعواء وتقاتلاً أهْوجَ بين أشقاء تربط بينهم روابط العِرْقِ والتاريخ والجغرافيا والنضال المُشْترك، وتوحّد بينهم تحدّيات العَصْر وقضايا الواقع الرّاهن وفي القلب منها قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي التي يتقرر مصيرها الآن في أرْوقة السياسة الأمريكيّة..؟! أيُّ تَشَوّهٍ أحدثوه بوَعْينا حتى شُغِلْنا بتوافه وتُرّهاتٍ ومعاركَ وَهْميّة وهَمّشْنا قضايانا المصيريّة وغَفَلْنا عن أعدائنا الحقيقيّينْ..؟!”

مجلة أخبار الثقافة: ألا يعكس ذلك وجود أزمة فكر صنعتها السياسة القطرية داخل كل بلد من الدول العربية..؟!

د. ابراهيم سعد الدين: بالتّأكيد يعكس هذا الوضْع سياسة التَّشَرْذم القُطْريّة والانعزالية والانكفاء على الذّاتْ. وهذه سمةٌ مُميّزة وعلامةٌ فارقة لكل الأنظمة غير الدّيمقراطيّة التي تفتقر إلى شعبيّة وجماهيريّة مشروعة، فتلجأ إلى شَحْن الجماهير باتجاهٍ شعوبيٍّ مُنغلق على الذّات. إنها حالةٌ أشبه ما تكون بالمرض النَّفْسيّ الذي يُصيبُ الأنظمة المُتسَلّطة كما يُصيبُ الأفْرادْ.

مجلة أخبار الثقافة: دَعْني أعود إليك، أنت شاعر وقاص.. أين تلتقي القصيدة مع القصة..؟! وكيف تتحول القصة إلى قصيدة عند إبراهيم سعد الدين..؟!

د. ابراهيم سعد الدين: شهدت العقود الأخيرة من القَرْن الماضي تَقارُباً بين الأجناس الأدبيّة المُخْتلفة. فظهرَت “قصيدة النَّثْر” التي تَخَلَّى فيها الشِّعْر عن أحد ركائزه ومُقوّماته الأساسية منذ نشْأته وهو الوزْن والقافية أو الموسيقَى الخارجيّة ـ والتي كانتْ تُعَدُّ أوَّلَ ما يُميّزُ الشِّعْر عن النَّثْر ـ والاستعاضة عنها بالموسيقى الدّاخليّة والتَّكثيف والتَّخييلْ. كذلك اقتربت القصّة القصيرة ـ وأحياناً الرّواية ـ كثيراً من عالم الشِّعْر، من حيث البناء الذي يعتمد على التَّشْكيل وليس البنية التقليديّة المَعهودة، كما يعتمد على الإيجاز والتَّكثيف والتَّصوير والمُجاز أكثر مما يرتكز على التقرير والمُباشرة. كما تداخلت في فَنِّ القَصّ تِقْنياتٌ جديدة مُستقاةٌ من فَنِّ السّينما والفَنّ التَّشْكيليّ بمختلف مذاهبه ومدارسه. هذا على المُسْتوى العام. أمّا على الصَّعيد الشَّخْصي فقد كان هاجس الشِّعْر هو المُهَيْمن منذ البواكير. في مَطْلع الصِّبا كُنْتُ مولَعاً بالغناءْ، مأخوذاً بالمواويل والسّير الشَّعبية التي تجمع بين السَّرْد الحكائي والتَّطريبْ. لم تكن الإذاعة والتلفاز قد انتشرا في القُرَى والأرياف بمصر هذا الانتشار الذي نراه الآن، فكانت مجالس السَّمر التي تُرْوى فيها القصص والنَّوادر والأمثال والسِّير الشَّعبيّة مثل (السِّيرة الهلاليّة) و (سيرة سيف بن ذي يَزَنْ) والمدائح النَّبويّة والإنشاد الدّيني في الموالد والمُناسبات الاجتماعية تقوم مقام وسائل الإعلام المسموعة والمَرئيّة. واكتشفْتُ ـ آنذاك ـ أني قادرٌ على حفظ الأشعار والمواويل والقصيد الدّيني بمجرد سماعه مَرَّتَيْن أو ثلاثاً. وقد أعانتني هذه الحافظة القويّة على التَّفوّق في دراسة اللغة العربية وبالأخصّ في المرحلتين الإعدادية والثّانوية. ليس هذا فحسب، بل إن ملكة الخيال التي نمت في أجواء هذه النَّشْأة جعلتني أتفوّقُ في مجالٍ يبدو بعيداً ومُغايراً للأدب والفَنّ، هو مجال الرّياضيات، حتَّى اشْتهَرْتُ في المرحلة الثانويّة بالقدرة على تخيل المسألة الهندسية وحَلّها بمجرد انتهاء المُدرّس من إملائها دون الحاجة إلى استخدام الورقة والقلم. في تلك المرحلة الباكرة درست أوزان الشِّعر ومناهج البلاغة بتوجيهٍ من والدي وأساتذتي وكتبت الشِّعْر ثُمّ انقطعتُ عن الكتابة تماماً لسنواتٍ طوال بعد التحاقي بالجامعة، وإن كانت قراءاتي لم تنقطع للشِّعر خاصّةً والأدب عامّة. لكني شُغلتُ ـ آنذاك ـ بقراءة كتب الفكر والفلسفة بشَكْلٍ أعمق. كانت مرحلة السِّتّينيّات هي ربيع الفكر الوجودي وبدا العالم الثالث أرْضاً خِصْبَةً للانفتاح على التَّيارات اليساريّة إبّان تلك الحُقْبَة، وقد تأثَّرْتُ كثيراً بالنتاج الفِكْري والفَلْسَفي لِكلَيْهما وكان مُناخ السِّياسي والثقافي في مصر النّاصريّة مواتياً للانفتاح على كل هذه التَّيّارات. كانت تلك المرحلة أيضاً عصْراً زاهياً للقصّة القصيرة ثُمّ الرّواية. ولمّا كان الأثَر الأعظم للفكر الوجودي يتَمَثَّلُ في الجانب التّأمُّلي والأدبي منه، فقد كان توجُّهي للكتابة القصصيّة ـ آنذاك ـ تعبيراً عن هذا التَّشَبُّع الوجداني بما هو سائدٌ من كتابات كبار المُبدعين المصريين والعرب وثمرات الفكر العالمي والتُّراث الإنساني في هذا السّياقْ. لكنْ كان هناك سؤالٌ مُلِحٌّ دَوْماً: ما الذي أطمحُ إليْه من الكتابة..؟! هل ستكون هذه الكتابات ظلالاً باهتةً أو تكراراً لما قرأته من كتابات الكِبارْ..؟! وإذا كانت الإجابة بالنَّفْي فبماذا أتَمَيَّزُ أنا أو غَيْري من الكُتّاب الشَّباب الطّامحين للتَّمَيُّز..؟! نشرتُ وَقْتَها عدداً قليلاً ومحدوداً من القصص القصيرة التي كانت في مُجملها أشبه بالقِصَّة ـ القصيدة، حَتَّى أنني كنتُ أكتبُها من الذاكرة ولا أشْرَعُ في تدوينها على الورق إلاّ بعد أن تكون قد اكتملتْ نَصّاً في الذاكرة. وكانت هذه عمليّة خَلْقٍ صَعْبَة وعسيرة، لأنّ التَّجاربَ بالغة التَّفَرُّد والخصوصيّة والإيجاز البليغ والتَّركيز المُكثَّفْ والاقتصاد الشَّديد في القَصّ والعناية الفائقة باللّغة المُحَمَّلة بأقْصَى طاقةٍ تعبيريّة مُمْكنة ـ كُلُّ هذا كان مُكابدةً مُجْهدة ومُسْتنزفة للعَقْل والفِكر والوجدانْ. لكن هذه كانت سمة الكتابة القصصية السائدة في السِّتّينيّات عموماً. في هذه المرحلة كتبت معظم قصص المجموعة القصصية (مطر صَيْفي) وحين سافرت إلى العراق عام 1980 نشرت مُعظمها بالمجلات الأدبيّة هناك. أمّا بقيّة قصص المجموعة ومنها قصة (مطر صَيْفي) فقد كتبتها هناك، والبعض الآخر كتبته بعد عَوْدتي إلى مصر عام 1995. وأوَدُّ أن أتوقَّفَ هنا لأقول إنّ إقامتي الطّويلة بالعراقِ والتي اسْتَمَرَّت لأكثر من عَشْر سنواتٍ أعدُّها من أزهى سنوات العُمْر، كان لها تأثيرها العميق في تكويني الثقافي والأدبي على وجه الخصوص، فقد قرأتُ فيها ما لم أقرأه من عيون التُّراث العربي والأدب الكلاسيكي والمُعاصر في العالم وكثيرٌ منه قرأته في لُغته الأصْليّة، والتقيت هناك بكوكبة من المُثقفين العراقيين والعرب وتوثقت علاقتي بالكثيرين منهم ومايزال التواصل مع بعضهم قائماً إلى الآن، وعايشت الحَرْب العراقيّة ـ الإيرانيّة عن قُرْب وعاينتُ ويْلات هذه الحرب العَبَثيّة وتأثيرها المأساوي على الشَّعب العراقي، وهذه الحرب حاضرة بقوّة في الجزء الثاني من (ثُلاثية الأرْض والمِلْح) ورُبَّما تستمرُّ باسطةً ظلالَها على الجُزء الثالث أيضاً. لكن أهمّ تأثيرات هذه المرحلة تتمثَّلُ في التَّطوّر النَّوعي لتقنية الكتابة الأدبية وبالأخص القصصيّة لديَّ، فقد أتاحَ لي اطّلاعي الواسع على النتاج الأدبي المُعاصر في العالم العثور على إجابة السّؤال الذي ظلَّ مُعَلَّقاً سنواتٍ طويلة: بماذا يتميَّزُ المُبْدع..؟! وتولّدَ لدَيَّ يقين بأنَّ جَوْهرَ التَّميُّز في أيّ إبْداعْ لا يَرْجعُ ـ فَحَسْب ـ إلى المَهارة الفَنِّيّة ولا إلى الحِسِّ اللُّغَويِّ والامتلاك الكامل لأدواتِ الكتابة، فَمَهْما تميَّزْتِ في بعضِ أو كُلّ هذا سوف يكون هناك دائماً من هو أكثر تَميُّزاً مِنْك، وإنَّما يتَمثَّلُ التَّفَرُّدُ ـ بالأساس ـ في مخزون التَّجربة الحياتيّة والإنسانيّة للمُبْدع منذ نشْأته الأولى، وأعني به البيئة الاجتماعية والثقافيّة التي تَشَكَّلَ فيها عَقْلُ المُبْدع ووجدانه، بما تنطوي عليه من أحداثٍ وذكرياتٍ وشخوصٍ وسلوكيّاتٍ وقيم وأنْماط سلوك ومُعتقداتٍ ومفاهيم ومُفردات حياةٍ يوميّة وحكاياتٍ وأمثالٍ شَعبية إلى آخر ذلك المُكوّن الحياتي والاجتماعي والطَّبقي والإنساني الذي يختزنه العقل والحسّ والذاكرة والمُخيّلة منذ مولدنا. وهذا المَخْزون يَتَحَرَّرُ من مكامنه ويُبْعَثُ حَيّاً حين نكون بعيدين عن أوطاننا ليُشَكّل الوشائج التي تربطنا به في الغُربة. لذا تغيّرَ أسلوب الكتابة القصصية ومضمونها كثيراً في سنوات الإقامة بالعراق التي شهدت أكثر مراحل العُمْر خِصْباً وثراءً في الكتابة القصصية، فتحررت القصة القصيرة من القواعد الصّارمة للسّتّينيّاتْ فأفسَحَ العالم الوجوديُّ مكانه لعالَمٍ أكثر واقعيةً وملامسَةً للآخرين، وأصْبحت آفاقُها أكثر رَحابَةً وأجواؤها أقَلّ توتُّراً وغموضاً ولُغَتُها أكثر سلاسَةً ومضمونها أوسع مَدَىً في الرُّؤية، وأفسح التَّركيز الشَّديد والتَّكثيفُ المُفرط والتَّجريد والرَّمزُ مكانهم لنوعِ من السَّرْد الحكائيّ الذي يجمع بين الإمتاع والمُؤانسة وعُمْق المُحتوى. لقد اسْتفدتُ من لُغة الشِّعر ومعْمار القصيدة كثيراً في كتابة القصّة القصيرة في مراحل العُمر الأولى، لكن الآن أصبَح للشِّعْر إسْهامه الضَّروريّ فقط في القصة والرّواية.

مجلة أخبار الثقافة: قرأت لك الكثير من النصوص عبر الشبكة العنكبوتية، وبدا لي عالمك مليئاً بالأسئلة الوجودية، بَحْثاً عن عالمٍ أكثر سلاماً وتوازناً، مارأيك..؟!

د. ابراهيم سعد الدين: نعم.. هذا صحيحْ. وملاحظَتُك على قَدْرٍ كبير من الصَّوابْ. لكن هذا يَصْدُقُ على عددٍ الأعمال القصصية القصيرة التي كُتبت في مراحل العُمر المُبكّرة. وتلك هي الأعمال المنشورة على الشَّبكة العنكبوتيّة، والتي سوف تصدرُ قريباً في المجموعة القصصية (مَطر صَيْفي)، حيثُ كان العالم الوجودي بكلّ قلقه وتوتُّره وهواجسه وغموضه وأسْئلته المُعَلَّقة هو المُهَيْمن، وكانت هموم الإنسان الفَرْد هي ما يُحَفِّزُ الخيالَ ويَشْغَلُ حَيِّزَ الكتابة. لكنْ هُناك أيضاً أعمالٌ قصصية اتَّسعتْ فيها الرُّؤية وتجاوزت حدود الذّاتْ إلى عالمٍ أكثر واقعيّةً واتّساعاً وتَشابُكاً وتَرْكيبية، عالم تتعدّدُ فيه الرّؤَى والأقْدارُ والنَّماذج الإنسانيّة بشَكْلٍ يُثْري دراما العمل القصصيّ ويُغْني مضمونه. وهذا يبدو جليّاً في المجموعة القصصيّة (فَحْل التّوتْ) الصّادرة عام 2008 والتي تَضمُّ خَمْساً من القصصٍ الطويلة التي هي وسَطٌ بين القصة القصيرة والرّواية أو ما يُطْلق عليه Novella. كما يتجَلَّى أيضاً في رواية (ماء الحياة) الصّادرة عام 2009.

مجلة أخبار الثقافة: لعلّ أكثر ما يبدو جليّاً في نصوصك ذلك الجوع الإنساني إلى الحرية المَبْني على الوَعْي، ما هي الحُرِّيَّة عند إبراهيم سعد الدّين..؟!

د. ابراهيم سعد الدين: الجوع إلى الحُرِّيَّة هو جوعٌ أزَليٌّ ضاربٌ بجذوره في أعماق النَّفْس البَشَريَّة. هو ـ في جُزْءٍ منه ـ فِطْرَةٌ إنْسانيّة، لكنه يَرتبطُ أيضاً ارْتباطاً وثيقاً بالوَعْي كما يقول ألبير كامو. ومفهوم الحُرِّيَّة عندي يتجاوزُ حُرِّيَّة الفَرْد إلى حُرِّيَّة المجموع، لأنَّه من المُسْتحيل أن تكون إنساناً حُرّاً في مجتمعٍ رازحٍ تحت نيرِ العبوديّة. صحيح أنَّ حُرَّيَّة الفكر والتَّعبير هي ضرورةٌ لا غِنى عنها لأيِّ مُبْدعْ، لكنَّها تُصْبحُ حُرِّيَّةً منقوصةً وشائهة إذا لم ترتبط بالعَدْل والإشْباع والطُّمأنينة، وتُصْبح نوعاً من اجترار الذّاتِ والصّراخِ غير المُجْدي إذا لم تكتمل بحُرِّيَّة الآخرين وتكافؤ الفُرص والتوزيع العادل لثروات المُجتمع. فلا حُرِّيَّة حقيقية مع الفَقْرِ أو الجَهْلِ أو التَّمييز. ليس هُناك مفهوم مُطْلق وتجريدي للحُرِّيَّة، فالحُرِّيَّة الاجتماعية جُزْءٌ لا يَتَجزّأ من حُرِّيَّة الفَرْد. كذلك لا حُرِّيَّة بغَيْر مسؤوليّة تجاه الآخرينْ، وإلاّ لتحوّلتْ إلى عَدَميّةٍ وفَوْضَى غير خَلاّقَة..!!

مجلة أخبار الثقافة: كيف تُفَسِّرُ أن بعض الكُتّاب يُمارسون حُرِّيَّتهم على حساب الإبْداع الإنساني الحقيقي، فتجدهم يكتبون عن نزواتهم أكثر مما يكتبون عن قضاياهم..؟!

د. ابراهيم سعد الدين: هذا ليسَ حُرِّيَّة وإنَّما هو نوْعٌ من الاسْتمناء الذّاتي. وأرجو أن تعذرني لاسْتخدام هذا المُصْطلح. لأنّ السّاحة الأدبيّة في وطننا العربيّ تشْهدُ نماذج كثيرة من هذه الكتابات التي لا تَنْتَمي إلى الأدب في شَيْء. فالأدبُ إذا تَخَلَّى عن جوهره الإنساني وقيمه الرّفيعة ومضمونه الرّاقي فقد مُبَرِّرَ وجوده وأصْبَحَ غُثاءً يَذْهبُ جُفاءً ولا يَبْقَى في وجدان الناس.

مجلة أخبار الثقافة: ثَمَّة مُحاولة كبيرة لطمْس الإبْداع الجميل وتَشْجيع الرّداءة تحت مُسمَّياتٍ كثيرة، أين يكمن الخلل في رأيك..؟!

د. ابراهيم سعد الدين: مواطنُ الخللِ كثيرة. منها هبوط المُسْتوى العام للتعليم والثقافة والذّوق. ومنها هشاشَة البِنْية الثقافية والأدبيّة لكثيرٍ من مُحْتَرفي الكتابة. ومنها غيابُ المعايير النَّقْديّة التي ترتقي بذائقة المُتلقّي وتُضيء بصيرة المُبْدع وتقَوّمُ إبْداعه وتُميِّزُ الغَثَّ من السَّمين والجَيِّدَ من الرّديء. ومنها العلاقات المَشْبوهة التي تربط بين المُهيْمنين على الحركة الثقافيّة وبعض مُحترفي الكتابة. وهذا لا يقتصرُ فقط على صغار الكتّاب بل يشيع أكثر ويطالُ بعض المشاهير من الكُتّاب الذين يفتقرون إلى الموهبة الحقيقية والإبْداع الأصيل لكنّهم يمتلكون شَبكةً واسعة من الأصدقاء والمعارف وأصْحاب الصَّوت العالي في الأوساط الأدبيّة الذين يُرَوّجون لهؤلاء ويَفْرضون علينا أعمالَهم الهزيلة فَرْضاً اعْتماداً على أنَّ تكرار الأكذوبة ونشرها على نطاقٍ واسع يُكْسبها مشروعيّةً في التّواجد على أرض الواقع. هناك كُتّابٌ أنصافُ موهوبين ومحدودو الثقافة يوصفون بأنَّهم كبار ويسْتأثرون بالتَّكريم والشُّهْرةِ ويحصدون الجوائز، وهناك أعمالٌ أدبية ضئيلة القيمة تتصَدَّرُ واجهة المَشْهد ويُحْتَفَى بها دون وازعٍ من ضَميرْ، على حسابِ أعمالٍ أدبيّة مرموقة وعالية القيمة تتعرَّضُ للتَّجاهُل والتَّهميش والتَّعتيم. وهذا نوعٌ من الفساد الثقافيّ الذي يُشَوّه حياتنا الأدبيّة ويُلْحقُ أبْلغَ الضَّرر بالأدب العربي في عمومه. أتذَكَّرُ ـ في هذا السّياقِ ـ قَوْلاً مُعبِّراً للشاعر الكبير الرّاحل محمد الماغوط يُشَخِّص هذه الظاهرة : “هُناك تَشَوَّهٌ في المَشْهد الأدبي بعالمنا العربيّ، بَعْضُ الأعمال تبدو أكبر من حَقيقتها، والبَعْض الآخر يتقَزَّمُ ويتضاءلُ داخل المَشْهد رغم عظمته”.

مجلة أخبار الثقافة: هناك من يقول إن من أسباب ذلك غياب النقد، واسْتسهال النصوص الرديئة التي تُبْنَى على أساسٍ شَكليٍّ وليسَ على أساس المضمون..؟!

د. ابراهيم سعد الدين: بطبيعة الحال غيابُ النَّقْد أو على الأقَلّ تقاعسه عن ملاحقة الحركة الأدبية ينعكس سَلْباً على مُجْمل النتاج الأدبي، حيث تسود العشوائيّة وتطفو العُمْلة الرّديئة على السَّطْح بينما تتوارى أو تَنْزَوي إلى الظّلّ الأعمال الجيّدة. في مطلع عصر النهضة العربية الحديثة حين كانت هُناك حركة نقدٍ مواكبة لحركة الإبْداع قَدَّمت الأمّة العربية أعظم ثمرات الفكر والأدب والفَنّ. وتأسست في ظلّ هذه النَّهضَة قاعدة ثقافية استمرَّت لأجيالٍ مُتعاقبة. عندنا في مصر ـ على سبيل المثال ـ كان أحمد لطفي السَّيّد ومحمد حسين هيكل وطه حسين والعقّاد وأحمد أمين وغيرهم رُوّاد هذه النهضة، وقد خَلَّفَ هذا الجيلُ جيلاً آخر من كبار المُبْدعين والنُّقّاد مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس وسعد مكّاوي ومحمد مندور وشُكري عيّاد وعبد القادر القطّ ومحمود أمين العالم وسهير القلماوي وغيرهم، ثُمّ تلي ذلك جيلٌ آخر من كبار النُّقّاد والأدباء في طليعتهم رجاء النَّقّاشْ وغالي شُكري وصلاح عبد الصبور وعبد الحكيم قاسم ويحيى الطّاهر عبد الله وأمل دُنقل وغيرهم. كان هُناك تواصلٌ بين الأجيالْ، وتفاعلٌ حَيٌّ وخلاّق بين النَّقد والإبْداع، وأثمر هذا كُلُّه ازدهاراً في الأدب والفَنّ والحياة الثقافية بشكلٍ عامْ. لكن مع رحيل جيل السّتّينيّات من النقاد وانشغال بعض النُّقاّد الأكاديميين بالدراسات النظريّة بعيداً عن ساحة الأدب، واجتذاب الصَّحافة لعددٍ من هؤلاء تخَلَّفت الحركة النَّقْديّة عن مواكبة النتاج الأدبي. النقد يُضيءُ ويُصوّب المسيرة ويكشفُ الجواهر الثمينة ويَرْتقي بمستوى الإبْداع، وحين يغيب الضَّوْء أو يَشْحب تسود خفافيش الكتابة وذُبابها المُتهافت على الموائد.

مجلة أخبار الثقافة: كيف تُفَسِّرُ أن يتناول الكاتبَ في أمريكا اللاّتينية الأرض، والحُرِّيّات الإنسانيّة، والإنسان، في الوقت الذي يُركّزُ فيه الكاتب العربيّ على الجسد، والنّهود، والسَّرير..؟!

د. ابراهيم سعد الدين: بطبيعة الحال هذا تعميمٌ لا ينطبقُ على جميع كتاب أمريكا اللاّتينية ولا على كُلّ الكُتّاب العرب. يجب أن نعترف أن المرحلة الحضاريّة التي نعيشها ـ وهي مرحلة نهوض من تخلُّفٍ طويلٍ ورِدَّةٍ مُتعاقبة ـ مليئة بالتناقضات والمُفارقات في حياتنا الاجتماعية والسّياسية. مُجتمعاتنا العربيّة تعيشُ حالةَ قَمْعٍ سياسيّ واسْتبدادٍ اجتماعيّ، وهي حالةٌ تختلط فيها الرّؤى وتهتز منظومة القيم. في ظلّ هذا الوضْع غير المُسْتقرّ، ما يزالُ الجنسُ من المُحَرَّمات المُحاطة بسياجٍ من السِّرِّيَّةِ والكِتْمان والتَّجريمْ. ومثلما يقول الكاتب البريطاني جورج أورويل في رائعته الرّوائيّة (1984): “حين يُصْبِحُ كُلُّ شَيْءٍ مُحَرَّماً بقوّة القانون لا يَصير هناك قانونْ”. لأنَّ الجِنْس من المُحرّماتِ فإنّ الحديث عنه يُصْبحُ عُنصراً جاذباً لبعض القُرّاء خاصَّةً أنصاف المُثقفين ومن هم في سنوات المُراهقة. وبعض الكُتّاب أنْصاف الموهوبين يَسْتغلون هذا الوضْع ويسْتثْمرونه استثماراً رديئاً في نشر أعمالٍ تندرج تحت ما يُسمَّى بـ”الأدب الفَضائحي”، لكي يُحقّقوا لأنفسهم الشُّهرة والمالْ. هذا إفلاسٌ أدبيّ، فليس هُناك في التاريخ كُلّه أدبٌ يَنْهَضُ على مُغازلة الغرائز واسْتدرار الشَّهواتْ. وهذه الأعمال مصيرها دَوْماً إلى التَّجاهُلِ والنِّسْيانْ.

مجلة أخبار الثقافة: هناك مَن يقول إن الأدب الاسْتسْهالي الذي يُحرّكُ الغَرائز، هو الذي يُوزَّعُ عَرَبيّاً أحسن من الأدب الإنساني الذي يَعتبره النّاشرُ أدباً نكديّاً لا يَجلبُ المال، ما رأيك..؟!

د. ابراهيم سعد الدين: هذا أيْضاً ينطبقُ فقط على طائفةٍ من دور النَّشْر التي تعمل على أساسٍ تُجاريّ، بعيداً عن الالتزام والوعْي والمسؤوليّة الثقافية. لكنْ هناك دور نَشْرٍ أسّسَها بعض المُثقفين المُدْركين لدورهم الثقافي ومهمّتهم الأخلاقية تجاه مُجتمعاتهم. وهم يُطبقون معايير صارمةٍ ودقيقة في اختيار إصْداراتهم، ولا يضعون الرِّبْحَ المّاديَّ في المقام الأوّلْ، بل جَوْدة المُنْتَج الثقافي ورُقيّ مُسْتواه. لقد تعاملت مع بعض هذه الدّور ومراكز النَّشْر ورأيْتُ عن قُرْب مدى جدّيَّتهم والتزامهم. ثُمَّ من قال إنَّ الأدب الإنسانيَّ مُثيرٌ للنَّكد..؟! بالعكس.. الإبْداع الأصيلُ أكثر تشويقاً وإمتاعاً وإغناءً للعقل والوجدانْ. وهو أبْقَى وأطول عُمْراً من كُلّ هذه الفقّاعات التي ما تلبث أن تتلاشَى وتزول.

مجلة أخبار الثقافة: دَعْني أسألك عن مدى اقْترابك من الأدب الجزائري الحديث..؟ 

د. ابراهيم سعد الدين: أنا من جيلٍ تفَتَّح وَعْيُه على التواصل الثقافي مع كل الأقطار العربية من خلال المَدّ القَوْمي إبّان المرحلة الناصرية، ففي السِّتِّينيّات قرأنا عيون الإبْداع الأدبي لكبار الأدباء في الجزائر خاصّة والمغرب العربي على وجه العموم، وللجزائر مكانة خاصة في قلوبنا وعقولنا نحن الذين عاصرنا ثورة التَّحرّر الجزائريّة، ولرموزها وأبطالها ـ أمثال عبد القادر الجزائري وجميلة بو حيرد وغيرهما ـ رصيدٌ عاطفيٌّ وإنسانيٌّ ونضاليٌّ في نفوسنا. في السِّتّينيات قرأنا بانبهارٍ وإكبار أعمال محمد ديب خاصة ثلاثيته الشَّهيرة (الدّار الكبيرة والنّولْ والحريقْ)، وقرأنا لمالك حدّاد روائعه الشِّعريّة والنَّثْريّة المُتَرْجمة مثل (ليس على رصيف الأزهار من يُجيب) و (سأهبُكِ غزالة). ومن الأدب الجزائري المُعاصر قرأت بمُتْعةٍ فائقة واهتمامٍ بالغ معظم ـ إنْ لم يكن كُلّ ـ أعمال الأديب الرّاحل العَمّ الطَّيِّب الذي أتنسَّمُ في كُلّ أعماله عبق الجزائر الطّاهر وطّارْ وهو قامةٌ أدبية سامقة في أدبنا العربي، ومن الأجيال التّالية قرأت بطبيعة الحال مُعظم أعمال أحْلام مُسْتغانمي وتوقفت كثيراً أمام ثُلاثيّتها الشَّهيرة (ذاكرة الجسد، فَوْضَى الحواسّ، عابر سَريرْ) ولها أسلوبٌ خاصّ ومُعالجة مُتميّزة في الكتابة القصصية. كما أعجبتني كثيراً أعمال واسيني الأعْرج وياسمينة صالح وزكيّة عَلاّلْ. وقد حفَّزتني مجموعة (لعنة المَنْفَى) لزكيّة علاّل على كتابة ونَشْر دراسة نقديّة وافية عنها بعنوان (تراجيديا العِشْق والنَّفْي والاغترابْ)، إنّها كما يقول الناقد الجزائري ـ أحْسَن أليلاي ـ سيّدة الحَكْي دون مُنازعْ. وقد بلغت ذروة إبْداعها في (رسائل تتحدّى النار والحصار) وهو شَكْلٌ جديد من أشكال الكتابة الأدبية يَجمع بين فَنّ القَصّ والمقال. قرأتُ كذلك لعمّار بولِحْبال مجموعته القصصية (كرنفال المدينة المَنْسيَّة) ونشرتُ قراءة نقديّة عنها بعنوان (جَدَليَّةُ الحُلْم والواقع)، واسْتوقفني في كتابته توظيفه الجَيّد للرَّمز والموروث الشَّعبي في إسْقاطاته على الواقع المُعاشْ.

مجلة أخبار الثقافة: ماذا تَقْرأ الآن..؟!

د. ابراهيم سعد الدين: أقرأ الصُّحف اليوميّة لأتابع أحداث الوطن العربي التي تسارعت وتيرتها وهي ترسمُ خارطة جديدة أكثر حُرّيّة وإشراقاً للمنطقة العربية. ومن الأعمال الأدبيّة انتهيت للتَّوّ من قراءة الروايات الثلاث التي فازت بجوائز مسابقة (ديوان العرب) للرواية لعام 2010 والتي كُلِّفْتُ بكتابة مُقَدّماتها، وهي أعمال إبْداعية شديدة التَّميّز والنضوج لثلاث كاتبات على قَدْرٍ عالٍ من الموهبة والوعي والنّضوج وامتلاك ناصية الكتابة. هذه الروايات هي: رواية (تَكادُ تُضيء) للكاتبة سامية مصطفى عيّاش (فلسطين)، ورواية (أدمغتي المليون) للكاتبة إسراء عبد الهادي عيسى (فلسطين)، رواية (سامبدروم) للكاتبة هالة عبد الرّءوف أحمد (مصر). لقد سعدت كثيراً بقراءة هذه الروايات التي فوجئت بمستواها الفني الراقي والذي يُضاهي كتابات كبار الروائيين وهو ما يبعث الأمل في بزوغ جيلٍ روائيٍّ رائع ومُنْغمس حَدَّ الذوبان في قضايا الوطن والإنسان.

مجلة أخبار الثقافة: وماذا تَكْتب..؟!

د. ابراهيم سعد الدين: أكتب مقالات شبه أسبوعيّة عن واقع الثورة المصريّة التي تؤشّر مرحلة فارقة في تاريخ مصر وتشقُّ طريقَها وسط تحدّياتٍ ومخاطر جسيمة. ومن حيث الكتابة الأدبية فرغت مؤخّراً من كتابة الجُزء الثاني من ثُلاثية روائية بعنوان (ثُلاثيّة الأرْض والمِلْح) وهو بعنوان (أرْض المِلْح) وسوف يَمْثُل للطَّبع قريباً بإذن الله، كنت قد انتهيت من الجُزء الأوّل العام الماضي بعنوان (مِلْح الأرْض) وهو تحت الطَّبْع الآن وسوف يصدرُ خلال الشَّهر القادم. أمّا الجزء الثالث فلا يحضرني منه سوى العنوان (شَجرة الغِرْبانْ) وأتمنّى أن أتمكَّن من كتابته بنفس المزاج والروح والخيال الذي أعانني على كتابة الجُزْأيْن السّابقيْن.

مجلة أخبار الثقافة: كلمة تَرغبُ في قَوْلها للقارئ عَبْر مَجَلَّتنا..؟!

د. ابراهيم سعد الدين: هي أكثر من كلمة في الحقيقة. كلمتي الأولى لشخصكم الكريم ولمجلتكم الغَرّاء وهي كلمة شُكْرٍ وتقدير لهذا الحوار الذي يَتَّسمُ بالخصْب والثَّراء والعُمق والوعي والاسْتنارة والإلمام الشّامل بكل عناصر وقضايا الواقع الأدبي والثقافيّ الرّاهن في وطننا العربي. وكلمتي الثانية هي تحيّة إعزازٍ ومحبّةٍ للقارئ الجزائريّ الذي أتَمَنَّى ألاّ أكون قد أثقلت عليه بهذا الحديث المُسْهب، والذي أشرفُ دوْماً بالتواصل معه أدباً وفِكراً وإبْداعاً من خلال موقعكم المرموق. وكلمتي الثالثة هي إطلالة تفاؤل وثقة بالغَد والمُسْتقبل أبعثُ بها من خلالكم إلى القارئ العربيّ الكريم.

 

 

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

الأديبة السورية لبنى ياسين للمجلة الثقافية الجزائرية: الثقافة تجمعنا عندما تكون عقولنا منفتحة على الآخر

واحدة من الأديبات السوريات المغردات للحب وللسلام. سنونوة الكتابة، وصفها الروائي المصري الراحل أنور عكاشة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *