قراءات ودراسات

برجسون وباشلار: ميتافيزيقا الزمن والنفس

علي محمد اليوسف

هنا لا بد لنا من تثبيت نموذج واحد عن تفكير فيلسوف وأديب نال جائزة نوبل بالادب هنري برجسون حين يوغل بالتجريد الميتافيزيقي ليزيد الفلسفة ترهّلا لغويا تجريديا أكثر قائلا:
– “عندما لا يقلقني شيئا, فإن هذا يكون مثار قلقلي بالذات ” برجسون
– “اننا لا نستطيع عند التفكير بذاتنا إلا لكي نفكر بالاشياء” برجسون
– “هجرنا الاشياء يعني حكما العودة الى ذاتنا” برجسون
– ” لا يمكننا التفكير ذاتيا خارج مدركات ما تدركه الذات من أشياء حولنا ومواضيع مجردة تشغل تفكيرنا” برجسون
ربما لا تكون هذه العبارات المجتزأة كافية للحكم على فلسفة برجسون تماما. وما ألزم نفسي به هو مناقشة هذه العبارات لا غيرها ولست بصدد مراجعة ونقد تاريخ بريجسون الفلسفي فهو ما لا يحتمله مقال ولا يستطيعه باحث واحد :
– العبارة الاخيرة تناقض عبارتيه الثانية والثالثة, والعبارة الاخيرة صائبة تماما.أما العبارة الاولى فهي خطأ فلسفي لا يبرره منطق الفلسفة ولا منطق العقل.
– الذات جزء لا يتجزأ من إدراكنا الاشياء من حولنا, وهذا الوعي بالاشياء هو الذي يمنح ذواتنا وجودها الحقيقي. وأي إنكفاء نحو الذات إستبطانيا خارج الذات كجوهر ملازم وجود الجسم, فهو لا يفارق خاصّيته بأن الذات لا يمكنها أن تكون موضوعا مستقلا عن تفكير العقل بالاشياء.
– كل تجريد للذات عن موضوعها مضيعة وقت وقصدية تفكيرية مجردة لا يمكن تحقيقها. وعي الذات تجريديا بالفكر لا يمنح الذات إثباتا وجوديا حقيقيا الا بدلالة المغايرة مع الاشياء المادية أو بالفكر المغاير له.. والادراك ليس وسيلة موضعة تجريدية للذات بالاشياء. فالادراك هو تصور لغوي تجريدي يختلف بعدم المجانسة لا مع الاشياء ولا مع الذات. الذات والاشياء جوهران ماديان من ناحية الوجود الانطولوجي المتحقق في وعي قصدي للذات لا تمتلكه الاشياء في وجودها المادي المستقل, فهي لا تعي ذاتها ولا تعي ذات الانسان التي تدركها. بينما الادراك هو تصور وعي الذات للاشياء تجريديا, فألادراك لا يمتلك خصائص الذات الجوهرية التي تعي إدراك الاشياء بنفس وقت وعيها لذاتها هي. الذات وعي شمولي غير محدود, والادراك وعي محدود بحدود مدركاته من الاشياء منفردة.
– الذات هو وعي المغايرة بالاشياء وليس وعي المطابقة بها أو مع النفس كتجريد خيالي يلازمه موضوع تفكيره بعيدا عن محصلة تأثير الواقع.. الذات لا يحدّها التجريد وجودا بل يحدها الادراك الشيئي الموضوعي للمادة. الذات خارج ادراك موضوعها الملازم لها يتعذر وجودها تجريديا ولا حتى سلوكا نفسيا ايضا.
– لا توجد واقعة حقيقية لما عبّر عنه برجسون أنني عندما لا أجد ما يقلقني فهذا لوحده يكون مثار قلق عندي, لكن السؤال هو القلق بماذا في حال غياب موضوع يقلق الانسان به.؟ هل يكفي حسب تعبير برجسون أن نقلق حينما لا نجد ما يقلقنا؟. الانسان قبل أن يثبت وجوده بالقلق فهو وجود يلازمه القلق في أصغر وأكبر الاشياء وقضايا الحياة. الانسان سيرورة من القلق الوجودي غير المفارق له مدى الحياة.
– القلق حالة من حالات النفس, بل القلق جوهر ملازم خفي وعلني في كل حالات إنتقالات وعي الذات في إدراكها الاشياء بالمغايرة بوعي الذات لها وفي وعي موجودات العالم الخارجي.. علما أن جميع الفلاسفة يستعملون لفظة الجوهر مجازيا في التعبير عن مقصود غير مدرك ولا يمكن إثباته والبرهنة على وجوده كما يجري التعبير عن جوهر النفس وعن جوهر المكان وعن جوهر الزمان وعن جوهر الروح وهكذا. الاشياء جميعها من حيوان ونبات وجماد لا تمتلك جوهرا ولا ماهية خارج صفاتها الخارجية المدركة باستثناء الانسان الذي يمتلك جوهرا وماهية هي من تصنيعه له من خبراته المكتسبة بالحياة. وجوهر الانسان على خلاف الحيوان تكون صفاته الخارجية لا تمثل جوهره تماما.
– حين يكون القلق جوهرا ملازما لذات الانسان, فإن إرادة الانسان تعطيل فاعلية هذا الجوهر وإنفصاله عن الذات غير ممكن تحققه. وفي حال تعطيل الانسان لجوهره يلجأ التعبير عن مأزقه بعبارت لغوية لا تعبّر عن معنى حقيقته الوجودية. علما أن القلق ليس جوهرا نفسيا يجري التعبير المجازي اللغوي عنه بالسلوك القصدي بل هو ملازمة الموجود في وجوده.. القلق نوع من العدم الذي يلازم الانسان مدى الحياة. ولا يوجد صحة لما يعبّر برجسون أنا أقلق عنما لا أجد ما يقلقني.
جاستون باشلار: الجدل والنظام
عن باشلار “النظام ليس في الزمان, وإنما الزمان هو تكريس نظام مفيد وفعّال نفسيا ولعلنا نستطيع التسليم مع برجسون بأن إختلال النظام في المكان ليس إلا نظاما آخر غير متوقع, وجدلية النظام واللانظام ليس لها قاعدة مكانية ” 1 .
بضوء هذا الإجتزاء نضع التساؤلات التالية المتعالقة بها وهي:
– لمن الأسبقية الوجودية الإدراكية هل هي للزمان أم للمكان؟ , أم لا توجد أسبقية تزامنية بينهما ولا حاجة لها؟, فالمدرك مكانا هو المدرك زمانا في ملازمة تمليها قابلية وحتمية الادراك العقلي, ولا يمليها تكامل أو إنفصال الزمان عن المكان؟ فحيثما ندرك مكانا ندرك زمانيته الملازمة له وبغير هذا التداخل الإدراكي الزمكاني المشترك لا ندرك مكانا لوحده ولا زمانا لوحده منفصلين عن بعضهما فهما تجريدان لا يدركهما العقل من غير تعالقهما المشترك معا .. . .
– إذا كان الزمان جوهرا لا إدراكيا للعقل, والمكان بخلافه جوهر إدراكي للعقل, فهل نستطيع إدراك المكان بغير دلالة ملازمة الزمان له؟ الجواب قطعا لا, وفي إستحالة إمكانيتنا إدراك الزمان بغيردلالة موجود المكان في السكون والحركة. كما ليس متاحا لنا إدراك مقدار الزمان بغير دلالة حركة أجسام المكان داخله فيه.
– هل المكان و(الطبيعة) وجود عشوائي أم وجود منظم بقوانين ثابتة على مستوى الطبيعة وقوانين متغيّرة وضعية على مستوى تنظيم المكان ؟ وهل الزمان جوهر إفتراضي منّظم تلقائيا أم هو جوهر غير منظم لكنه يتنّظم إدراكيا بدلالة مدركاته من الاشياء؟ ومن ينّظم عشوائية الآخر هل عشوائية المكان سابقة وجودا على إمكانية تنظيم عشوائية الزمان لتلك العشوائية المكانية ؟ من الاخطاء الشائعة إعتقادنا أن الزمان هو من يقوم بتنظيم عشوائية المكان, لكن افلاطون واسبينوزا يرون العكس أن نظامية المكان كمعطى أزلي سابق على زمانه هو الذي يقوم بتنظيم عشوائية الزمان. هنا علينا التفرّيق بين المكان كقوانين فيزيائية ثابتة تحكم الطبيعة وبين موجودات واشياء العالم الخارجي المتغيّرة في حركة دائبة من حولنا.
– فالطبيعة معطى إدراكي يحمل قوانينه النظامية الثابتة, عليه عشوائية المكان لا تنسحب على قوانين نظام الطبيعة الثابتة. فألمكان كموجودات أنطولوجية متناثرة لا حصر لها تحكمها عشوائية غير منتظمة ولا تحكمها قوانين ثابتة مثل قوانين الطبيعة, لذا نحن ندرك الطبيعة قوانين فيزيائية منتظمة بدلالتها حسب تعبير افلاطون يستمد الزمان نظامه الملازم للمكان.
– وكما ذكرنا سابقا عشوائية المكان لا تنسحب على نظام الطبيعة الثابت وفق قوانين ثابتة تحكمها ومعها الانسان. أما عشوائية ولا نظام الأمكنة المتعددة فيسري عليها حتمية تنظيم نفسها في ملازمة الزمن لها إدراكيا. أرى من وجهة نظري الشيء الجوهري المهم في حسم هذه الاشكالية هو في غض النظر عمن يسبق الاخر في التنظيم الزمان بدلالة المكان أم تنظيم المكان بدلالة الزمان. بسبب أن هذه العلاقة الاشكالية هي ميتافيزيقا لا يمكن البرهنة عليها.
– افلاطون يعتبر المكان معطى منظّم سابق على مخلوق الزمان اللاحق, والمكان منّظم من خالق أعطى المكان مهمة تنظيم عشوائية الزمان المطلقة. بخلاف الفهم السطحي الذي إعتدناه الزمان هو إدراك تنظيمه عشوائية المكان. حيث يؤكد افلاطون تنظيم الزمان يتم بدلالة نظام المكان السابق عليه وليس العكس.
من المرجّح أن افلاطون يقصد بنظامية المكان السابق على عشوائية الزمان هو ثبات قوانين الطبيعة الفيزيائية المحكمة. التي قطعا لم يكن افلاطون في عصره يدركها ويعرفها علميا كما هو الحال اليوم. افلاطون كان يحدس التنظيم الإعجازي في الطبيعة ويجهل القوانين الفيزيائية التي تحكم هذا الاعجاز بما لا لم يكن يدركه وإكتشفها العلم لاحقا. افلاطون تناول القضية من جنبة ميتافيزيقية صرفة لا يمكنه البرهنة على صحة واقعيتها لا هو ولا غيره.
– لكن السؤال المقلق حقا لماذا جعل الخالق الموجد نظام المكان أو نظام الطبيعة تلازمه عشوائية الزمان؟ وماهي الآلية التي تستطيع نظامية المكان إنجازها تنظيم عشوائية الزمان من خلال الجدل الإدراكي التكاملي وليس الجدل الديالكتيكي الماركسي بمعنى التضاد بينهما الذي يمكننا فهمه بتخليقه الظاهرة المستحدثة الجديدة أو ما يسمّى المركب الثالث؟
– افلاطون يعتبر تداخل الزمان الإدراكي مع المكان المنتظم هو الكفيل بتخليص الزمان من عشوائيته بدلالة نظامية المكان التي جعلها خالقها بنظام قوانين ثابتة يفتقدها الزمان المطلق الكوني الذي لا تحكمه قوانين الطبيعة. والمكان جوهر سابق على جوهر الزمان. وهنا يقصد بالمكان معطى موجودات الطبيعة خارج نظام تحكمه قوانين طبيعية ثابتة والمقصود به عشوائية الموجودات المكانية في العالم من حولنا وليس القوانين الطبيعية التي تحكم عالمنا الارضي.
– توضيح أكثر أن افلاطون يرى وهو إحتمال تفسيري إنقاذ الزمان من عشوائيته المطلقة غير المدركة لا يكون إلا من خلال محدودية الزمان بوجود مكاني محدود إدراكيا. حينها يصبح كل مدرك مكاني كوجود منظم مدرك اكتسب منه ألزمان العشوائي وجوده المنظم بدلالة مكان محدود إدراكه. افلاطون تغاضى عن بديهية أن عشوائية الزمان التي عبّر عنها إنما هي خاصّية الزمان جوهرا ازليا مطلقا لا يمكن إدراكه مجردا عن الاشياء ولا يمكن حدّه بشيء ولا زمان آخر كما ذهب له ارسطو.
مقولة ارسطو الرائعة التي سبقت عصرها بقرون والى يومنا هذا هي (الزمان لا يحده زمان) وكان يقصد ارسطو الزمان ماهية موحدة لا تحد بزمان يجانسها الماهية. فالزمان هو الزمان في ماهيته واحدة لا تدرك ولا تتغير. لكن المكان يمكن بدلالته أن نحد الزمان به بحدود حركة الجسم المادي داخله؟ لماذا؟
مقولة ارسطو تؤكد التجانس الزمني وماهيته الفيزيائية التي لا تتبدل التي ينطبق عليها عبث المقولة التي نتداولها عربيا (فسّر الماء بعد جهد جهيد بالماء) أما إمكانية أن نحد الزمان بالمكان المحدود سلفا فهو وارد جدا كون ماهية المكان أو صفاته الخارجية لا تجانس الزمان الذي لا يمتلك صفات ولا ماهية يمكننا إدراكها بمعزل عن تداخل الزمان بالمكان على صعيد الادراك فقط وليس على صعيد الجدل الديالكتيكي المتعذر تحققه بين المكان والزمان بسبب إختلاف المجانسة النوعية بينهما أن يكونا قطبي تناقض وتضاد داخل ظاهرة وجودية واحدة تجمعهما.
هنا نقصد الجدل في التضاد الذي يلغي أحدهما الاخر, فهل من الممكن أن يمحو الزمان والمكان أحدهما في بقاء الاخر؟ الجواب قطعا لا. ولا يمكن إدراك الزمان مجردا عن مكان والعكس صحيح ايضا لا إدراك لمكان من غير تعالقه بزمان يلازمه.
– علاقة الزمان بالمكان علاقة إدراكية وليست علاقة جدلية. الجدل الحقيقي يجري بين متناقضات تجمعهما وحدة التجانس النوعي, ولو نحن طبقنا هذا المبدأ لوجدنا الزمان ماهيّة متفردة لا تلتقي ماهية المكان جدليا بل تلتقيها تكامليا تزامنيا.
– بضوء مقولة افلاطون نرى أن الزمان في إحتوائه المكان إدراكيا وليس جدليا تموضعيا, هو يقوم بتنظيم عشوائيته الوجودية بدلالة نظام المكان أو بدلالة قوانين الطبيعة الثابتة. عشوائية اللانظام الزماني المستمد من إدراك تنظيم المكان له, لا يعني عشوائية الزمان التي إكتسبها من نظامية المكان في جدل غير متجانس الصفات ولا الماهية ولا أية رابطة تجمعهما تجانسيا.
المجانسة المادية للمكان لا تجانس المجانسة غير المادية للزمان. وجوهر المكان يختلف جدا عن جوهر الزمان وألاكثر أهمية أنهما لا يتناقضان جدليا بل يتكاملان إدراكيا كما سبق لنا توضيحه.
– جدلية الزمان الإدراكي مع المكان ليس جدلا (ماديا) يقوم على تضاد سلب مع إيجاب في وجوب إنحلالهما لإستحداث الظاهرة أو المركّب الثالث. بل هو جدل يقوم على تغيير إدراكي تكاملي وليس على إستحداث ظاهرة إدراكية جديدة وليدة جدل تناقضي متضاد. والسبب بذلك هو إختلاف المجانسة الماهوية النوعية بين المكان والزمان التي أشرنا لها في الفقرة السابقة. علاقة التداخل الإدراكي الذي يجمع الزمان بالمكان ليس علاقة جدل ديالكتيكي بل علاقة جدل تكاملي إدراكي معرفي. الزمان لا يضاد المكان في علاقة جدلية بل هما جوهران متكاملان لا وجود لاحدهما من غير دلالته بالاخر. .
– حسب باشلار ومن قبله برجسون كل عشوائية مكانية في نظام الاشياء والطبيعة, يبتني عليها نظاما طارئا جديدا لا يلغي بصفته الخارجية عشوائية المكان. هذه العشوائية المكانية التي تنظّم نفسها بدلالة عشوائية الزمان التي إعتبرناها خاطئة حسب فلسفة افلاطون. الزمان لا ينّظم المكان بل يدركه كما هو كموجود. والمكان ينّظم نفسه بدلالة تنظيمه عشوائية الزمان المتعالق مع موجودات المكان.
– أيضا بضوء مقولة افلاطون المكان معطى قبلي منظم يستبق الزمان وجودا. يجعلنا ندرك حقيقتين : اولاهما رغم عشوائية الزمان المنسوبة له من قبل افلاطون إلا أن ميزة الزمان الإطلاقية التي تعجز كل موجود مجاراتها هو أن الزمان نظام يحتوي الوجود والطبيعة والمكان بغض النظر عن دوره السلبي أو الايجابي لهذا الإحتواء الإدراكي.
المكان لا يدركه العقل مجردا عن زمن إدراكه والغريب بالأمر كيف يكون المكان معطى قبليا نظاميا يعقبه معطى بعديا زمانيا يفتقد النظام؟. علما أن مصدر خلقهما واحد هو الله حسب افلاطون وفلاسفة مؤمنين عديدين أعقبوه.
لماذا يكون للطبيعة نظاما تحكمه قوانين فيزيائية ثابتة, ويفتقدها الزمان بعشوائيته اللانظامية في تعالقه الوثيق مع نظام الطبيعة؟ لماذا تكون الطبيعة جوهرا مدركا ثابتا بقوانينه, ولا يكون الزمان مدركا بقوانين فيزيائية تحكمه بثبات إدراكي كما هو حال إدراكنا قوانين الطبيعة؟
باشلار والوجود
يتناول باشلار قضية فلسفية عالقة كانت مثار إهتمام عباقرة الفلسفة هي الوجود والعدم, وأبرز ميراث فلسفي سبق به هذه العلاقة سارتر في كتابه الشهير (الوجود والعدم) وأعقبه هيدجر بكتابه (الكينونة والعدم) وتقوم فلسفة باشلار في معالجته هذه العلاقة في كتابه (جدلية الزمن) على ما يلي:
– “إمتلاء الوجود يقابله العمل الثابت للوظائف” 2, بمعنى توضيحي الوجود الناقص الإمتلاء يكون بالتبعية ناقص القدرة على إداء وظائفه الحيوية المترتبة عليه بالحياة. رغم أن تعبير الإمتلاء الوجودي مفهوم ملتبس غير واضح من الناحية الادراكية أو العملانية. فالإمتلاء الوجودي غير محدد بماذا يمتليء؟ وماهي معيارية قياس هذا الإمتلاء بالتمام والنقصان؟ وبأي شيء يكون الوجود ممتلئا؟ ومتى يكون الوجود فراغا يحتاج إمتلاءا؟ باشلار ربما لا يعني بالوجود الممتليء هو الوجود الطبيعي الذي يدرك بموجوداته ولا يمكنه أن يكون فراغا ليمتليء, وهو غير الوجود النفسي الذي ربما يقصده باشلار الممتليء بموجوداته السايكولوجية المجردة غير المادية التي مصدرها الذاكرة والخيال والنفس. عندها النفس إمتلاء قبلي مكتسب لا يحتاج إمتلاءا بعديا له.
– إرادة الحياة دائمة السيرورة ولا تتوقف, والوجود يريد خلق حركة ولا يريد خلق راحة حسب تعبير باشلار. والوجود تناغم دقيق لخلق التنوع. والوجود الناجح المتحقق لا يكتفي الوقوف من غير سعي لإضافة نجاحات أخرى جديدة عليه.
وجدلية الوجود والعدم تتبدل وتتغير وفقا للظروف الموضوعية الخارجية حسب باشلار, وليس بتضاد داخلي بين المتناقضات حسب الجدل الماركسي.
لماذا لا يكون تناقض الوجود والعدم يحكمه ديالكتيك على النمط الماركسي التقليدي؟
أولا من الخطأ الفادح أن نعتبر إمكانية حصول جدل بين وجود وعدم , أي بين شيء مدرك من جهة ولاشيء غيرمدرك غير موجود من جهة أخرى, الجدل الديالكتيكي المنبثق عنه ظاهرة مركبة ثالثة مستحدثة إنما تكون هي نتيجة تضاد جدلي بين قطبين وصلا مرحلة إستحالة التعايش المشترك بينهما, ويتم داخل مجانسة نوعية تجمع متضادين إثنين في ظاهرة واحدة.
والجدل الديالكتيكي لا يكون ولا يقوم على جمع مدركين خارجيين منفصلين بل الجدل يكون في تناقض قطبين داخلين ضمن الظاهرة المتجانسة الواحدة نوعيا. لنا توضيح لاحق لهذا الإلتباس في أسطر لاحقة. الجدل لا يعمل حسب رغبة الانسان بل يعمل بمعزل عن ارادة الانسان بإستقلالية تامة. والظروف الموضوعية التي تحضر مع التضاد الجدلي خارجيا لتسريع زمن وفاعلية الجدل هي ظروف طبيعية لم يخلقها الانسان.
– يؤكد باشلار أن فهمنا الصحيح للوجود يتوقف على جملة من الامور منها : الوجود حسب تعبيره تناغم دقيق وخلق التنوع فيه, وطبيعة الوجود هو أن يتغير, والوجود الناجح يريد دوما تجاوز مرحلة نجاحه الى أخرى متقدمة عليها, كما يجد باشلار الحياة لا تنفي نفسها بالفشل, بل هي تبني إعادة نفسها في ديناميكية تقودها إرادة التغيير والتجديد المتقدم الى أمام.
لا نجانب الصواب قولنا أن كل ماذكره باشلارفي عباراته السابقة لا يشكل رؤية فلسفية جديدة لم يسبقه بها أحد غيره, ويمكننا أن نجمل تعقيبنا بإختصار شديد, أنه من المسلمات أن الحياة لاتصنعنا دونما إرادة وإستعداد مسبقين منا كبشر من جنس نوعي متمايز يعلو الطبيعة على صعيدي الفرد والمجتمع عن غيره من كائنات الطبيعة المنقادة لها,.
الحياة نحن من يمنحها إمتياز التدخل في رسم معظم ملامح سلوكنا الواعي الذي نجد تكيّفنا معها ميسورا بسيطا لا يلغي وجودنا. وكل تقاطع مع إرادتنا في تصنيع حياتنا مع إرادة الحياة الواجب التكيّف الايجابي معها في ممارستنا تعديل الخاطيء الذي لا يناسبنا نحو الافضل, سيقود الى إنكفاء ذاتي على مستوى الفرد والى إستلاب إغترابي على صعيد المجتمع. الحياة تصنع وجودنا الحقيقي الحي بنفس مقدار صناعتنا نحن للحياة التي نرغبها.
جدل الزمان والمكان
في سطور سابقة جرى توضيحنا لا يوجد جدل ديالكتيكي مادي يحكم المكان والزمان, وأوضحنا أن علاقة الزمان بالطبيعة وموجوداتها المكانية هي من نوع الادراك التكاملي ابستمولوجيا فقط وليس من نوع التضاد الجدلي بين طرفين متضادين. وسبب ذلك أن الجدل الديالكتيكي المادي وجدل التاريخ لا يكون إلا على صعيد المجانسة النوعية الواحدة التي تجمع نقيضين لا يمكنهما التعايش معا داخل المادة المتجانسة الواحدة..
الديالكتيك يحدث داخل متناقضات تتجانس في النوع المادي أو التاريخي الموّحد في المجانسة نوعيا. مثال ذلك لا يمكن أن يحدث ديالكتيك بين حيوان وانسان أو بين نبات وانسان أو بين زيت وماء أو بين منضدة وكرسي الخ.الديالكتيك تضاد بين نقيضين متجانسين ينتج عنهما مركبّا ثالثا جديدا من نوعهما في المجانسة.
تناقض الاضداد جدليا داخل المادة أو الموضوع المتجانس الواحد لا يكون مدركا من طرف ثالث محايد بإستثناء العوامل الموضوعية المحيطة بهما من أجل تسريع حدّة التناقض الداخلي لينتج عنه المركب الثالث أو الظاهرة المستحدثة الجديدة التي لا تشبه أحد المتناقضين المنحليّن في تخليقهما المرّكب الثالث.
أما الجدل على صعيد تنازع وتفاوت مصالح الطبقات المتناحرة اقتصاديا كما يحصل بين الطبقة الفقيرة العاملة التي تبيع قوة وناتج عملها للطبقة الغنية الراسمالية التي تستثمر قوة عمل هؤلاء الفقراء فهو جدل ديالكتيكي على صعيد المجانسة التاريخية في تضاد مجتمعي قائم على صراع طبقي بين البشر..
وتحكم الجدل المادي قوانين تحويلية إنتقالية خاصة من مرحلة الى مرحلة أخرى وهي القوانين الكلاسيكية الثلاث التي أرستها الفلسفة الماركسية, قانون وحدة وصراع الاضداد, وقانون تحول التراكم الكمي الى تراكم نوعي جديد يحمل خصائص نوعية مغايرة, والقانون الثالث الذي يحكمه التطور الحتمي بقانون ما يسمى نفي النفي في إستحداث الظاهرة الجديدة التي تحمل معها عوامل التناقض داخلها وحتمية إنحلالها.
ما يعنينا من كل هذا التوضيح هو كيف يكون الفكر أو الوعي الذي هو تجريد لا يشارك المادة التي يدخل معها بجدل ديالكتيكي وكل منهما(الفكر والمادة) يحمل صفاته النوعية الخارجية والماهوية الخاصة به التي تقاطع وحدة التجانس الجدلي داخل الظاهرة النوعية في الخواص الواحدة.؟.إشكالية تحتاج الكثير من الشرح والنقاش بما لا يتوفر لنا المجال معالجته هنا.
الزمن والوعي النفسي
غالبا ما يتّعذر إدراكنا الحدسي لكثير من المدركات التي تحيطنا في عالمنا الخارجي. ولتعويض هذا القصور الإدراكي نذهب اللجوء الى المعرفة المعيارية المحكومة بالتزامن والملازمة في علاقات الدلالة والاستدلال بين الاشياء.
بمعنى نذهب بدلا من إدراكنا الحدسي المباشرلشيء الى نوع من إدراكه بدلالة شيء آخر. فندرك ما لا يمكننا إدراكه بإستقلالية الى أن ندركه بوسيلة المعيارية المتزامنة بين الاشياء بدلالة معرفة شيء جديد بوسيلة شيء قديم.
عليه نجد باشلار يعمد الى مقايسة عدم حدسنا الزماني للاشياء مستقلا يلجؤنا معرفته بالدلالة النفسية التي يحكمها الوعي النفسي على مستوى المعرفة الخيالية المجردة وليس على صعيد السلوك المجتمعي. كون جوهر النفس الحقيقي هو سلوك واقعي وليس شعورا مجردا.
وفي مثل تطبيقي لترجمة هذا المعنى في علاقة الزمان بالوعي النفسي السايكولوجي, وحين نرغب إدراك الزمان بدلالة وعي النفس, يتوّجب علينا عدم التعامل مع الزمن كمطلق لا يتقبل الإدراك الحدّي كجوهر يمثل وحدة ماهية لا تنقسم ولا تتجزأ.
في تعالق الزمان النفسي السايكولوجي في الوعي الإدراكي للمواضيع التجريدية الخيالية أو الموضوعات والاشياء الواقعية, يتوجب علينا التسليم بحقيقية مناقضة لجوهر الزمان كمطلق لا يحده شيئا ولا يدرك إلا بدلالة حركة الاجسام داخله. الى مدرك محدود بدلالة إدراكنا موجودات الوجود. ويصبح الزمان سلسلة من التعاقبات المتشيئة بدلالة المدركات التي تعيها النفس في تجليات إفصاحاتها المتقلبة المتغيرة المحكومة بالمزاج والسلوك.
وعن هذا المعنى يعبّر باشلار “تاملاتنا – يقصد التاملات النفسية – يقودنا حقا الى تحديد الزمان بوصفه سلسلة انقطاعات, ولا نستطيع أن ننسب للزمان تواصلا أحادي الشكل عندما نستشعر نواقص الوجود بمثل هذه القوة ” 3
الحقيقة المجردة في إدراكنا الزمان كوحدة ماهوية لا يمكن تجزئتها ولا الانقسام على نفسها, تجعل قطوعات النفس الادراكية تحدث خارج سلسلة تماوج حضور الزمان المتداخل في ملازمته النفس وإدراكها الاشياء. إننا في هذه الحال نستطيع تجزئة الوحدة الماهوية الجوهرية للزمان بدلالة قطوعات النفس. وأفضل نتيجة نحصل عليها هي يمكننا رصد حصول قطوعات النفس التأملية التي تشير الى دلالات إنقطاعات زمنية متعاقبة تدركها النفس بدلالة قطوعاتها النفسية التي تدرك موضوعاتها بدلالة قطوعات الزمن التي تلازمها بمزامنة لا انفكاك لها عنها. علما أن حقيقة القطوعات في الزمن هي محض إفتراء غير صحيح خاطيء, فالزمن لا يتقبّل التجزئة ولا القطوعات ولا الانقسامات.
علي محمد اليوسف /الموصل
الهوامش: 1,2, جاستون باشلار/ الجدل الزماني /ت: خليل احمد خليل/ ص 36 – ص 38
3. نفسه ص 50

1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق