قراءات ودراسات

التشكيلات الثقافية في قصة “الباهية و الزين”

للكاتب الجزائري جعفر رابح

بقلم / خديجة مسروق (الجزائر)

يعمد الكاتب أحيانا لتأريخ بعض الوقائع الهامة, ويقف على بعض المحطات الزمنية التي يراها قد ساهمت في تشكيل شخصيته .
“الباهية و الزين” سلسلة قصصية للقاص جعفر رابح , تتوزع على عدة أجزاء( لم تكتمل بعد), يقوم الكاتب بنشرها على صفحته, هي أقرب للسيرة الذاتية منها للنص القصصي. أفرد لكل جزء منها عنوانا .
سنقوم في هذا المقال بمقاربة نقدية لأحد أجزاء ” الباهية و الزين “المعنون بـ” سيدي” .
بلغة بسيطة زاوج فيها جعفر رابح بين ماهو واقعي وماهو متخيل, ليبحر في عمق المجتمع الجزئري , و يقف عند بعض المتوارثات الثقافية و الإجتماعية لهذا المجمتع , على تعدد انتماءاته العرقية و الحضارية .
يتولى مهمة سرد الأحداث ” الزين ” الشخصية المحورية في القصة , والتي تتكلم باسم الكاتب ,حيث أوكل له مهمة رصد و رواية مختلف الوقائع التي حدثت معه ( ( الكاتب ) , خلال رحلاته و إقاماته في العديد من مناطق وطنه (الجزائر) .
ومن المعلوم ان السيرة الذاتية في الأدب, تتداخل في صيغتها الخارجية مع بعض الأنواع التعبيرية كاليوميات والمذكرات , إضافة إلى المتخيل الذاتي.
“سيدي ” قصة مشحونة بالمحمولات الدلالية , التي تشكلت منها الخلفية الثقافية للكاتب جعفر رابح , الذي مكنته أسفاره من اكتشاف كثير من خبايا المجتمع الجزائري, وأيضا معرفة القواسم المشتركة التي تربط أفراد هذا المجتمع من عادات وتقاليد و ثقافات.
والكاتب هو جزء من المجتمع يؤثرفيه و يتأثر به, حاملا رسالة إنسانية ينقلها للقاريء عبر كتاباته . سواء كانت بصورة مباشرة أو مضمرة .
و لا أحد ينكر فعالية النقد الثقافي في كشفه للمعاني التي تتوارى خلف الخطابات الثقافية المختلفة, باعتباره احد فروع النقد يركز على ماهو غير معني في العرف المؤسساتي, من ظواهر و نصوص هامشية.
فكيف تتم قراءة الأنساق الثقافية في “الباهية والزين” , وفق رؤية تتلاءم مع النص, على ضوء أليات النقد الثقافي؟
لا يمكن دراسة أي نص أدبي بمعزل عن المعايير الثقافية والإجتماعية, التي ساهمت في بلورته ووجوده نصا متكاملا . كما انه من الثابت ان لكل أمة مرتكزاتها الثقافية التي تميزها, وتمثل انتماءها الفكري والثقافي والعقدي . كالنسق الديني والاسطوري والرمزي على سبيل المثال لا الحصر .
والنسق هو المحور الأساس الذي يقوم عليه النقد الثقافي وهو نظام من العلاقات, وفي الدرس اللساني يُعَبَّر به على النظم الإجتماعية, وما تشمل عليه هذه النظم فعاليات و أدوار.و يمكن للنسق العام أن تتولد من خلفه عدة أنساق .
وإذا عدنا إلى عنوان الجزء الرابع من سلسلة” الباهية و الزين “, الذي نحن بصدد قراءته و الموسوم بـ ” سيدي “, نجد العنوان مشحون بالدلالات اللغوية , إذ يأخذ المصطلح “سيدي ” عدة معان في الثقافة الجزائرية والعربية عموما , إذ يرتبط و كما جاء في القصة , بـالعالم التقي , و بالمعلم في الزوايا والمدارس ,
ثم أخذ معنى حديثا , فصار ينسب إلى كل ذي مال و جاه . واذا عدنا إلى الأزمنة السابقة, نجد الكلمة كانت متداولة في المجتمع العربي , وأبرز شخص ارتبط اسمه بـ ” سيدي ” هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . و هي كلمة تدل على الإحترام و التقدير , و المكانة التي يحتلها ذلك الشخص المنادى بـ ” سيدي ” . و قد وظفها الكاتب في هذه القصة , ذلك أن جد “الزين ” له من المكانة و القدر عنده, ما جعله يرفعه إلى مصاف العلماء والأتقياء. فكان خلال القصة يروي الزين عن شخصية ” سيده” الذي هو جده, دون ان يفصح عن الاسم الشخصي له .
إن النسق الديني الذي يشكل الهوية العقدية لكل أمة , له حضوره في نص ” الباهية و الزين” , حيث استلهم الكاتب بعض الأنساق المستوحاة من العقيدة الإسلامية , و قام بتوظيفها في نصه كـ ( السجادة . السبحة . ..) . بما يحملانه من قداسة , إذ يرمزان للعبادة و طاعة الخالق .
كما للنسق المعتقدي وجود بارز في النص . “نعيمة ” الشخصية النسوية الوحيدة في القصة, متزوجة من “عمار” تزاول دراستها الجامعية, لا تؤمن بالمعتقدات و الطقوس التي كانت تحدث داخل ضريح الولي الصالح المقابل لمنزلها. كانت تشاهد الزائرات للضريح يمارسنها , حين كانت تصعد للسطح لنشر الغسيل .
(يشعلن الشموع يتمتن و يمسحن بأكفهن على وجوههن في خشوع) , و كل واحدة منهن لها غرض من وراء ذلك . منهن من ترغب في الولد ومنهن من ترغب في الزوا ج, ومنهن من تريد الإطمنان النفسي والشفاء من الأمراض ودفع الشرور .
اعتقادا منهن أن أصحاب هذه الأضرحة, لديهم القدرة على تحقيق و تلبية أمنياتهن . فكانت نعيمة المثقفة تستنكر ذلك, وتردد في سرها ان (النافع الله , و المغني الله , و و الممسك الله ). وقد تضمن النص عدة اسماء لأولياء الله الصالحين الموجودة في بعض المناطق الجزائرية (ضريح سيدي السنوسي , وسيدي محمد و سيدي الهواري, وسيدي مبرو ك, و سيدي بومدين وسيد معروف و سيدي عبد العزيز ) .
وتعد تلك المعتقدات التي توارثتها الأجيال في المجتمعات العربية مرتبطة بالشعوذة و الخرافات .
وارتبطت الخرافة بالأسطورة, وقد استشهد الكاتب جعفر رابح في نصه بالنسق الأسطوري , من خلال اسطورة ” ميمونة ” المتداولة في الثقافة الجزائرية (ميمونة تعرف ربي و ربي يعرف ميمونة ) وهو مثال يدل على (النية في الأعمال وأيضا إلى قلة الحيلة ) .
و ميمونة كما جاء في الأثر , وقد ذكر الكاتب ذلك بأنها ( امرأة فائقة الجمال وقعت في حب الرجل العابد الصالح , الذي كان يعتكف في زاويته , و كي لا تفسد عليه خلوته و عبادته بجمالها , طلبت من الله أن يحولها نهارا إلى أمة ذميمة , حتى تبقى بجوار الشيخ تخدمه و تنعم بقربه إلى أن يأتي الليل … يعيد الله إليها جمالها ) .
إن التشكيلات الثقافية في النص الأدبي , تؤكد على ارتباط الكاتب بالمجتمع الذي ينتمي إليه , بما يحمله هذا المجتمع من قيم و ثوابت يراها أفراده من المقدسات التي لا يمكن المساس بها .
لقد حاول الكاتب جعفر رابح في سلسلته القصصية ” الباهية و الزبن ” معالجة قضية الإنسان في محيطه الإجتماعي . و ما يحدث للإنسان من مؤثرات , تساهم في تكوينه فكريا و ثقافيا .
القصة على بساطتها و سهولتها , تحمل بعدا حضاريا و فكريا , و ا الأنساق الثقافية التي تضمنتها ” القصة ” بصورها المتناغمة قد ساهمت في البناء الفني و الجمالي للنص.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق