ثقافة المقال

كلنا خرجنا من عباءة الغذامي.

طارق بوحالة*
لقد تم صكّ مقولة “كلنا خرجنا من عباءة الغذامي”، للتعبير عن الحالة التي يعرفها النقد الثقافي في المنجز العربي المعاصر، حيث لا يعثر المتتبع لهذا المشهد على دراسة عربية -ولست أبالغ في ذلك- إلاّ وكان الناقد السعودي عبد الله الغذامي حاضر فيها بالفعل وبالقوة.
وحضور الغذامي في القراءات العربية التي تبحث عن مضمرات الخطاب الأدبي يتوزع بين موقفين متناقضين، موقف رافض له على المستويين النظري والتطبيقي، وآخر يبشر به، ومستغلا لمقترحه هذا من أجل صياغة معالم مقاربته النقدية.
غير أن القضية المثيرة للجدل وللنقاش هي المرتبطة بالموقف الرافض، إذ يتعدى رفضه للغذامي إلى رفض نهائي للنقد الثقافي باعتباره بديلا عن النقد الأدبي.، ومن ذلك وقوف بعض الأكاديميين العرب ضد القول بنقد ثقافي وفي وعيهم رفض لمقترح الغذامي.
وإذا ما عدنا إلى كتابه النقد الثقافي يمكن الوقوف على جهد نظري وأخر إجرائي، واللذين لا نجد بينهما رابط منهجي، وكأني بالغذامي قد أنجز كتابين في كتاب واحد. أما الجزء الأول فهو تعريفي بالسياق المعرفي الذي أنتج النقد الثقافي، والجزء الثاني قراءة تطبيقية للكشف عن المضمرات النسقية التي تحيل عن عيوب الثقافة العربية، وهو طرح خطير ومثير للجدل.
انطلاقا من ذلك وجب على النقاد في الوطن العربي تجاوز هذا المقترح وعدم الخوض فيه كثيرا، كون النقد الثقافي ليس عبد الله الغذامي، فالنقد الثقافي مجال معرفي واسع يتميز بشموليته واتساعه، فهو بإمكانه أن يشمل مباحث قرائية عديدة ومختلفة، وكذا بإمكانه الاشتغال على أنواع خطابية متنوعة، أدبية وغير أدبية، وهو ما يجعل نظرة الغذامي لا تلبي الغرض، مما يستدعي جهازا إجرائيا خاصا يتماشى والمطلوب. وهو ما يتحقق عن طريق العودة إلى منجزات كل من الدراسات الثقافية والنظرية الثقافية الاجتماعية ونقد ما بعد الكولونيالية، التاريخانية الجديدة وغيرها.
ويبدو أن نظرة الغذامي المقترحة تحضر أكثر شيء في الدراسات العربية التي تبحث في الشعر أكثر من تلك التي تهتم بالسرد وخاصة الرواية، أين نعثر على مقولات لإدوارد سعيد وتيري إيجلتون ومخاييل باختين وغيرهم.
ومما يجب الوقوف عنده أن الغذامي قارئ جيد للنقد الأنجلوساكسوني الذي أنتج فيه النقد الثقافي، الأمر الذي هيأ له معرفة دقيقة لهذا النشاط القرائي، وهو ما لا نجده ظاهرا في تطبيقه، حيث يستغل بشكل مبالغ فيه مقولة النسق الثقافي المضمر، متجاوزا بذلك كل ما شرحه في الجانب النظري لدراسته.
من جهة أخرى يعثر الباحث في لقراءات العربية التي قاربت تجربة الغذامي على قراءات بعيدة عن العلمية قريبة من المشاحنات الشخصية. ولسنا نعدم دراسات نقدية وأكاديمية اشتغلت على منجز عبد الله الغذامي وبحثت فيه بطريقة منهجية وموضوعية.
ونختم هذه الورقة بملاحظة هامة، وهي أن الغذامي أثار زوبعة وغادر المكان، فهو الآن يكتب في موضوعات ثقافية مرتبطة مباشرة بالراهن، منها كتباته عن خطابات الفايسبوك والتويتر وغيرها.

 

* باحث وأستاذ النقد الثقافي بجامعة ميلة، الجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق