الجمعة , ديسمبر 15 2017
الرئيسية | الموقع | ثقافة المجتمع | الجزائر.. حرائق الصيف وزوابع الخريف!

الجزائر.. حرائق الصيف وزوابع الخريف!

د. جمال حضري

ما كنت أود إثارة موضوع الكتب المدرسية الجديدة من جديد، فقد سال فيها من حبر الكاتبين وعرق المتجادلين الكثير، لكن آخر المتدخّلين في الحلبة لم يترك لملاحظٍ مندوحةً عن الكلام. فبعد الملاحظات الوجيهة التي تفضل بها رئيس جمعية العلماء الدكتور عبد الرزاق قسوم كتابة ومحاورة، ووضّح من خلال ذلك أن قضية البسملة جزء من كلّ، وأن التراجع عن جزء هو تمهيد لتراجعات محتملة، عبّرت عنها وزيرة التربية تصريحا وتلميحا، وأن الوزيرة حرّة في خياراتها الشخصية، ولكن التربية منظومة الشعب الجزائري التي تستند إلى مقومات ثابتة، ذات مضامين وعناوين، وأن البسملة شعار ومضمون وسلوك اجتماعي يوميّ، لا ينبغي للتلميذ أن يجد إزاءه تناقضا بين حياته اليومية وحياته المدرسية؛ ومن ثم تفادى نزاعا شخصيا وإديولوجيا وحتى سياسيا مع الوزيرة، وأخرج القضية من سجال المرابحة السياسية، إلى سياق الحفاظ على استقرار البلاد الفكري والاجتماعي؛ بعد هذا الطرح الموضوعي والمتعقل نفاجأ بمن يهرب بالقضية من هذا المجال الفكري والعقدي الرزين إلى المزايدة بالوطنية وشعاراتها.
فقد أبت منظمة الزوايا ورئيسها الداخل إلى مضمار السياسة حديثا، وبعصبية وتشنج إلاّ أن يكون في صفّ الوزيرة، ببساطة لأن الوزيرة تمثّل الدولة، والزوايا هي من حافظ ويحافظ على الدولة ضد “المخرّبين”، وللأمانة فقد ذكّرتني الكلمة الأخيرة بالخطاب الصهيوني، وخطاب نتنياهو تحديدا ضد شباب القدس المنتفضين، وهو يصفهم بالمخربين الذين يجب قتلهم وتهديم بيوتهم.
شيخ الزاوية، ويا للأسف، لم يشرح لنا وجهة نظر دينية أو فكرية عن القضية التربوية، بل انكشف تماما وهو يدلي بدلوه في بركة حمئة عوض بئر صافية، فصرّح بطويّته وأعلن مأموريته، وهي الوقوف ضد أعداء الوطن حتى لا يجري له ما جرى لبلدان الربيع العربي على يد أشباه “جمعية العلماء” من المخربين؛ لقد وضع الرجل القضية برمتها في سياق سياسي بامتياز، وأعلنها واضحة: أن المعركة أوسع من “نزع بسملة” بل هي قضية مواجهة بين تيارين مختلفي الوجهة والأهداف.
ولأن المواجهة بين الطرفين ذات امتداد تاريخي معروف منذ الاستعمار الفرنسي، فلا شك أن المتحدث باسم الزوايا انطلق من ذلك الميراث التاريخي، ومن دور كل طرفٍ فيه، فعبّر بصدقٍ عن امتداد المواجهة عبر الزمن بذات الخطاب وإن بأدوات مطوّرة، فالكثير من الزوايا كان تحت الوصاية الاستعمارية ومن ثمّ يتحرك بأمرها ونهيها، بينما كانت جمعية العلماء تواجه بالمستطاع هجمة وجودية تستهدف الكيان الجزائري بمقوماته الدينية واللغوية والتاريخية، ولقد سعى المستعمر يومها إلى إشعال حرب داخلية بين الطرفين تستهلك بالأساس جهود الجمعية وتشغلها عن أهدافها، وهو ما فطنت له، ومن ثم تفادت الانخراط في الحرب المحبوكة، أما الطرف الآخر فلم يقتصد في الخصومة ولم يوفر وسيلة يطيح بها خصمه إلا توسل بها واستخدمها.
ومن مسلك الماضي والحاضر، يتبين موقف جمعية العلماء في المعالجة الموضعية للأمر، وتسكينه عند حده وقدره، كما يتضح جليا أيضا أن بعض المغامرين إما أنهم يدرون أكثر منا أن حرائق الصيف وزوابع الخريف مدبرة بإحكام لتسيير المرحلة إلى البرّ الذي يرتضون، وإما أنهم يركبون كل موجة لترسيخ الوضع القائم الذي يقتاتون منه ويرتزقون، ويهمهم ألا تهبّ عليه نسمة، أو تشوّش نومته ذبابة، وأن تظلّ الأجيال الجديدة في مأمن من “دعاة التخريب”.
وشيخ الزاوية المزعوم لم يجانب صوابا في تحديد موقعه، فهو يمثل “حالة روحية” ممتدة اجتماعيا، تم جرّها بعناية لأداء دور يتجاوزها بكثير، ألا وهو الوقوف في وجه الحركات الدينية التي تتبنى مشاريع سياسية على امتداد الوطن العربي؛ فقد وجد الحكام ضالّتهم في مواجهة مدّ التغيير في التيار الصوفي، أو على الأقل في بعض أطرافه، وجعلوا أزمّة الكثير من الملفات بأيدي أتباع هذا الحليف الظرفي، ومن ثم نجحوا في جعل المواجهة بين أطراف المشهد الديني بجناحيه السياسي والروحي.
ولأن الحركات الدينية السياسية تعي خطورة هذا الانجرار وراء المخططات السياسية للصوفية عموما وللزوايا عندنا تحديدا، فقد تفادت تماما الاحتكاك بها، وحيّدت مواقفها حتى وهي تبيّض وجوه الفساد وتلمّع مرشحي المال والأعمال، لكن الخرق يتسع على الراقع كل يوم، حتى وجدنا شيخ الزاوية الهائج يكشف بلا مواربة أن هناك مواجهة خفية وعلنية، وليُعلِمِ الشّاهدُ الغائب.
هل التمكّن من دواليب الدولة والإدارة، والتحصن بالجاه والمال، هو ما دفع إلى هذا الإعلان الأرعن؟ أم هي حدود المأمورية التي تتطلب بعد حرق الغابات صيفا تحريك الزوابع خريفا؟

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

هل يحل التحكيم مكان القضاء في القرن الحادي والعشرين؟

بقلم محمد عبد الكريم يوسف مقدمة: في البدء كان التحكيم وسيلة حل النزاعات الوحيدة وقد شجعته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *