ثقافة المقال

منذ متى كان الكتاب المدرسي مجرد سند توثيقي؟

لمباركية نوّار
​خطا مفهوم الكتاب المدرسي Le manuel scolaire في العقود الزمنية الخمسة الأخيرة خطوات تطوّرية بالغة الأهمية، إلى حد غدت فيه تعريفاته الأكاديمية والتركيبية تتكاثر وتتعدد؛ وذلك لكونه ليس كأي كتاب من الكتب التثقيفية التي تزخر بها المكتبات الخاصة والعامة. ولا تبخس قيمة الكتاب المدرسي أو ينقص من شأنه إلا في النظرة التي تقتصر على اعتباره مجرد سند توثيقي يفيد في نقل المعارف وتبليغها إلى مستعمليه. ولكنه، في الحقيقة، يتخطى، ومن خلال محتواه، إسهامه في الفعل التعلّمي التكويني، مستوعبا الجانب التربوي في معناه الواسع عن طريق نقل معتقدات ومعايير المجتمع وقيّمه وتراثه والتأسيس لمواقف سلوكية اجتماعية.
يعتبر الكتاب المدرسي، في زمننا، من أهم الوثائق التربوية التحاما والتصاقا بالمنهاج التعليمي .Le curriculum وإن كانت غايات وتوجهات الفلسفة التربوية في أي منظومة تربوية تتجسد في المناهج التعليمية، فإن انعكاس هذا الفعل الإسقاطي يزداد جلاءً من خلال الوظائف التي يؤديها الكتاب المدرسي وبما يسمح له بطبع مكونات شخصية كل متعلم عقليا ونفسيا واجتماعيا بطابع المجتمع الذي يعيش. وتأكيدا لما سبق، فإن وظائف أي كتاب مدرسي لا تنحصر في تسخيره لإتيان الممارسات التعلمية كالإعلام والتكوين والتدريب والتقويم.. ويفهم، من ذلك، بأن العناصر المؤلفة لمنظومة القيم، ومن خلال عباراتها ورموزها ومفرداتها وإشاراتها هي من أهم مضامين الكتاب المدرسي التي توجه إلى المتعلمين لتشكيل هوياتهم الفردية التي تتناغم وتنسجم مع الهوية الوطنية.
يكون الخطأ معيبا لو ساد الاعتقاد في الأذهان بأن الملاحظات السابقة تخص الكتب المدرسية للمواد الأدبية والاجتماعية والإنسانية، وتستثى منها الكتب المدرسية للمواد العلمية. وحتى تجلو الصورة، أقدم مثالين بسيطين من مادة علوم الطبيعة والحياة. فلو فرضنا أن واحدا من مناهجنا في هذا المبحث يقرر دراسة حيوان ثديي كمثال عن الثدييات، فأيهما يكون أنسب في الكتاب المدرسي حيوان الخنزير أم حيوان البقرة أو الخروف؟. ولو كان الموضوع الآخر المقرر هو: “التخمر”، فهل نسمح لأنفسنا تفضيل مثال “صناعة الخمر” عن “صناعة الخبز”؟… ومن هذا نفهم سبب إسقاط “نظرية التطوّر” التي قال بها “تشارلز داروين” من كثير من مناهج الدول وخاصة في المستويات التعليمية الدنيا رغم الهالة التي أحاطت بها ودرجة التأثير الذي سلطته حتى على نظريات الأدب، ناهيك عن الحقول المعرفية الأخرى. والنتيجة التي نخلص إليها هو أن الكتاب المدرسي الذي يلقى التقديس من طرف المتعلمين هو حاضن عقيدة وثقافة وإيديولوجية وطنية.
لم تعد قضية إخراج الكتاب المدرسي مثار سجال وجدال عند الدوّل التي تعرف درجة تأثيره على عقول الناشئة، ولا تقبل التشكيك في صحة الشعارات التي هتف بها رجالاتها ومصلحوها، ورسموا بها مسارات دوّلهم حسب أهوائهم وتوجهاتهم. وإنما تعدى اعتناؤهم ومحافظتهم بها إلى ما يكتب على واجهات مؤسساتهم الرسمية وعلى كل ما يرونه من رموزهم التي تصنع شموخهم وتملؤه عزا وفخرا ومناعة. فمن من الأمريكيين يتجرأ على المطالبة بإزالة الشعار المدون على صفحات نقودهم الورقية والمعدنية ، وهو الشعار الذي تلخصه باللغة الأنجليزية العبارة التالية: “In god we trust “، أي: “بالله نؤمن” أو “بالله نعتقد” الذي شُرع في تبنيه رسميا منذ سنة 1956م. وهو الشعار الذي لا يفرط الجنود الأمريكيون في كتابته على خوذاتهم أيام الحروب، وحذا حذوهم الجنود الإسرائليون إعجابا واقتناعا به. ومنْ منَ الفرنسيين تسوّل له نفسه الانتقاص من قيمة شعار فرنسا اللائكية المعروف، وهو: “حرية، أخوة، عدالة”؟. وهل أمست “البسملة” التي تدل عن امتدادنا التاريخي الذي يضرب بجذوره على مدار زمني يقترب من أربع عشرة قرنا ونصف قرن، هل أمست أدنى قيمة من هذه الشعارات التي اجتهد البشر في نحتها؟. وعندما يقدم بعضنا على إسقاطها من جبين كتبنا المدرسية، فهو كمن يحاول في ختل وغدر أن يصنع قطيعة مع ماضينا بعد أن عجز المستعمر إحداثها رغم كل محاولات الترغيب والترهيب وأساليب المكر والخداع؟.
ليست “البسملة” قضية ثانوية أو أمرا شكليا أو مجرد عنوان يقبل المحو بدعوى مسايرة الحداثة. ولا يجوز النظر إليها كغرزة إبرة في مخيط ثوب بال. وليس من الرشد أن نستهين بقيمنا التي لم تفرط فيها أجيالنا السابقة في أشد الأزمان تضييقا وضغطا، وأن نعرض عنها في تنكر وعقوق لما أصبح أمرنا بين أيدينا.
استقذر، أكرمك الله يا قارئي الكريم، أن استحضر الاقتباسات وأن انتزع الإثباتات من “ثقافة” العدو الإسرائيلي السخيفة، ولكني، أجد نفسي أحيانا منساقا إلى فعل ذلك اضطرارا لما أرى أن أفعال التجني على ذخيرة قيمنا وطننا وأمتنا على نفاستها وغلائها قد شابها الطمس والتنكر رميا إلى مسخها في هبوط مخجل نتيجة اضمحلال وتقهقر الغيرة الوطنية من بعد نشر تبريرات فاحشة وفي غاية الغثاثة والعقم. وفي هذا السياق، استنجد بما أورده أحد الأساتذة في كتاب له منقولا من إحدى الصحف الغربية، ومن أجل استقراء درس بليغ من اليهود الذين لا يحتقرون أدنى رمزياتهم. حيث يقول في السطور المنقولة: (لا.. بل الذين وضعوا المؤامرة الصهيونية قد عرفوا، ومنذ سنوات، أن شعب إسرائيل لم يحافظ على السبت فحسب، بل إن السبت هو الذي حافظ على شعب إسرائيل). وقد كتبت الصحيفة المعنية هذه الملاحظة التي جرت فيما بعد مجرى المقولة المتداولة بعد أن تحدثت عن ما أثار انتباه مراسلها في يوم تشييع جنازة ونستون تشرشل، والمتمثل فيما يلي: (اضطر شازار رئيس الكيان الإسرائيلي “76 سنة” وابن غوريون ” 78 سنة” إلى السير مشيا على الأقدام مسافة ميل ونصف ميل أثناء تشييع جنازة تشرشل حيث وافق اليوم الذي تحرّم فيه الديانة اليهودية على اليهود استخدام وسائل النقل !). ومضى الكاتب معلقا بالقول: (… وإلى الآن لم يحاول أحد أن يفسر لنا هذا اللغز… وكيف يكون هؤلاء الزعماء غير العصريين، المتدينين، يديرون مثل هذا المجتمع العصري؟). ونكرر نفس السؤال الذي طرحه صاحب الكتاب: (لمَ كتب علينا وحدننا أن نتنكر لديننا إن شئنا أن نصبح عصريين؟، فهل ديننا من طراز أقدم من اليهودية؟.). إن سوء الظن بماضينا سينزل هوانا ومذلة وانتكاسة على حاضرنا.
يتهيأ لي أن الوزارة الوصية قد أخطأت الرمي على الدارئة الملائمة. ولعلها فعلت ذلك لغض أطراف العين عن المشكلات الثابتة التي تؤذي منظومتنا التربوية مثل ما يسمى بـ”الدروس الخصوصية” الجدباء التي حولت المتعلم إلى زبون. واعتقد أن التربية هي شأن يخص كل أبناء الوطن في هيأتها العامة، وأنه لا يوجد من يرفض الاحتكام إلى الخبراء التربويين في كل قضاياها صغيرها وكبيرها شريطة أن يكونوا خبراء وطنيين منصفين ومؤهلين ومعترف بهم ومشهود لهم، وليسوا “خبراء” متفيقهين ومتعالمين ومن صنف مفتشي “الجيل الثاني” الذين لا يفرقون بين الكوع والبوع والكرسوع، ولا يميزون الكعب عن العقب.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق